0 55

لم يحدث منذ زمن بعيد حراكٌ اجتماعيّ جماهيريّ بالاتّساع الذي شهدته الساحات اللبنانية منذ 17 تشرين أوّل، 2019. سواءٌ أكان الحراك ذاك ثورة أم لا، إلّا أنّ ما هو أكيد أنّها “انتفاضةٌ” شعبيّة، جماهيريّة ونوعيّة في آن، تميّزت بِسِمات مهمَّة عدَّة، منها:

  1. إنّها شديدة الاتّساع على نحو غير مسبوق، فملأت ساحات بيروت وجبل لبنان والشمال وعكّار والبقاع والجنوب والنَّبَطيّة.
  2. كانت نسبة المشاركة الشعبية عالية نسبيّاً، إذ كان تعداد الحشود يصل إلى نصف المليون أيام السبت والأحد لينخفض إلى أقل من ذلك في سائر أيام الأسبوع.
  3. اتّسمت فعاليات الانتفاضة في ساحاتها المختلفة بمشاركة واسعة من الشباب والنساء، وشكّل ذلك علامة فارقة للانتفاضة فقد غلب على الشعارات المرفوعة الطابع المطلبي والاجتماعي لا السياسي، وبخاصة ما اتّصل منها بالفساد المُسْتَشري وبحقوق الفئات المهمَّشة والبطَّالة وما شابه.
  4. لجهة المطالب، شكلّ مطلب التصدي للفساد في بعض إدارات الدولة ومجالسها وصناديقها، كما لدى بعض السياسيين، الشعار الأساسي للمنتفضين. فأخبار الفساد في بعض الإدارات والمصالح تلك كانت قد بلغت حداً علنياً صادماً وأثارت غضباً شعبياً عارماً.
  5. وإلى محاربة الفساد، تدحرجت تدريجاً سلسلة طويلة من المطالب الاقتصاديّة والاجتماعية، ومنها استعادة الأموال المنهوبة وتحقيق إصلاحات هيكليّة في الإدارات والمؤسَّسات وفي البلاد كَكُل.
  6. غلب على الانتفاضة _ حتى الآن على الأقل _ غياب الحضور الحزبي الصّريح فيها. لقد بدا أنها من خارج الأحزاب السياسية وكان ذلك سبباً إضافياً لمنحها القوة والاتساع والقبول لدى أوسع الفئات الشعبية كما خارج البلاد.
  7. شكّل استشهاد عدد من المنتفضين الأبرياء على الطرقات العامة (5 شهداء من بينهم الشهيد علاء أبو فخر من الشويفات) صدمة واسعة لعموم الشعب اللبناني ومَدّ الانتفاضة بوقود إضافي تفاعل في كل الساحات، فرُفِعت صور الشهداء، وبخاصة صورة علاء أبو فخر، في مناطق لبنان قاطبة، من عكار شمالاً إلى صور جنوباً.

…. وبعد، وإلى حين دفع هذا العدد (العدد 30) إلى المطبعة، ففعاليات الانتفاضة مستمرّة، وكذلك الأزمة السياسية، (الحكومية وغير الحكومية)، والأزمة الاقتصادية (إقفال المؤسسات وتراجع الانتاج وخسارة العاملين لمصدر رزقهم)، والأزمة المالية _ النقدية حيث بلغ سعر الدولار الأمريكي في التداول اليومي الفعلي مستويات عالية تجاوزت عتبة ال 2000 ليرة، مع ما ترتب على ذلك من صعوبات وتعقيدات وغلاء إضافي بل واستحالة تمويل استيراد الحاجيات الأساسية من الخارج.

إنَّ مصلحة اللبنانيين جميعاً هي في الخروج السريع من الأزمة السياسية أوّلاً، ثم الأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية. أمّا من دون ذلك فَكُرَةُ الثلج (غير البيضاء) بدأت بوضوح تتدحرج أكثر وتكبر أكثر وربّما تصل مستويات غير مسبوقة…. لا قدّر الله.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader