جسدٌ لا يَشيخ وعقلٌ لا يَحُدُّه زمن

0 24

عنوانُ كتابٍ، هو عبارة عن بحث علمي، لمؤلّفه الدكتور Deepak Chopra، نقله إلى العربية، الأستاذ رجا أبو شقرا. احتلّ مرتبة الكتاب الأوسع انتشاراً (best seller). والذي بيع منه حَوَالي مليوني نسخة في أميركا. إلى شموليته، تضمن مواضيع علمية وفلسفية، تسبر غور العلاقة المتكاملة بين مادية الجسد، وسرمدية العقل، وأنَّ بالإدراك الشامل يتحرّر الإنسان من (تعويذة) الفناء، وأن الموت ليس النهاية المطلقة للحياة، بل تكملة لمسيرة الذات في الكينونة اللّامحدودة، وملامسة ذلك الإدراك الذي لا يحده زمن، حيث يتلاقى الموت والحياة، في وحدة لا فناء فيها، بل استمرار وخلود في رحاب العقل الأول. يقول المؤلف في سياق هذا البحث: إنّ الموت والولادة كما يدركهما معظم الناس هما حدثان متعلقان بالمكان والزمان، ولكن الوجود بمعناه الأساسي ليس كذلك، فالذاكرة، إذا أمعنا النظر فيها تفيدنا بأننا كنا دائماً موجودين، ولا أحد يتذكر غير ذلك. ويُبرِز الكتاب، أنّ أبحاث العلماء خلال السنوات القليلة الماضية أكدت أن الهرم والشيخوخة ومن ثم الموت ليست كما يمليها علينا المجتمع، حتميةً لا مناص منها، بل خاضعة لطاقة يستخدمها العقل بتأثيره في أوضاع الجسد وتغيير مساره من خلال حريةٍ وطاقةٍ تمكّنان هذا العقل من برمجة خلاياه وتوجيهها كما يريد، ويؤكد المؤلف أيضاً أن أجسادنا والعالم المادي من حولنا ليست إلا انعكاساً لما تعيه عقولنا في هذا الكون، فالعالم موجود، ونحن موجودون فيه، لأن تفكيرنا يدرك هذا الوجود، والعقل والجسد هما من مصدر خلاَّق واحد يسمى الحياة.

لذلك أيُّ تفاعل كيماوي في أجسادنا هو نتيجة للنشاطين العقلي والفكري اللذين نقوم بهما، لأن المعتقدات والآراء والانفعالات هي التي تُحدثُ هذا التفاعل الذي يزود كل خلية من خلايانا بالحيوية والنشاط، فالخلايا الهرمة في الجسم هي خلايا أخفق الوعي الفكري في أن يبقيها حيَّةً، فثمة دوافع ذكية تُحدثُ في أجسامنا تغييرات جديدة في كل لحظة، وما نحن في مجمل كياننا إلاَّ نتيجةً لتلك الدوافع والتغيرات، فإذا استطعنا أن نغير نمط تلك الدوافع في ضوء العقلانية والحكمة لتوصلنا إلى التغيير المفيد في نفوسنا وأجسادنا، فبالرغم من اختلاف بني البشر بعضهم عن بعض، هناك أنماط من الذكاء تجمعهم تحت مظلة واحدة، كون أجسادنا تتألف من أجزاء جسد كوني متكامل، وكذلك عقولنا هي أجزاء من عقل كوني مطلق هو الخلود نفسه.

تقسيم الزمن إلى أجزاء

قَسَّمَ بنو البشر الزمن إلى أجزاء أسموها (ثواني ودقائق، وساعات، وأياماً وأشهراً وسنين إلخ…) كانعكاس لمفهوم التغيير في مجتمعاتهم، فالزمن كما جاء في الكتاب، غير قابل للتجزئة، في إطار إدراكنا المطلق له، والتحرر من قيود الماضي، والحاضر والمستقبل، إذ تبقى (فيزيولوجية) البقاء السؤال الكبير ونجد استتباعاً في الكتاب أنّ المعرفة لدى البشر، هي حقيقة راهنة، تزداد باطراد مذهل، ينتج منها الارتفاع الكبير في متوسط أعمار الناس.

ويلفتنا الكاتب هنا، إلى ربط آرائه بنظرية «أنشتين» وغيرها من العلماء، وسرد تلك الحقائق على ضوء نظرية Quantum Physics التي تشكل قدراً مستقلاً عن الطاقة دون الذرة في حجمه، وأكدوا أن النظرة إلى العالم المادي من حولنا، هي نظرة غير دقيقة، وتختلف من إنسان إلى آخر، فإذا أخذنا بهذه الحقيقة على ضوء Quantum theory التي تعتبر في مضمونها أن الكائنات والكون من حولنا هي طاقة كهرومغناطسية، تتألف من جزئيات غير منظورة تسير بسرعة الضوء، وليس لها حجم، يصبح التقدم في السن، كما نفهمه مختلفاً تماماً، نظراً إلى طغيان الحواس الخمس على تفكيرنا.

نظرية أنشتين وزملائه

أنشتين وزملاؤه سلّطوا الضوء على نوع من الإدراك، هو أن الزمن ليس له بداية أو نهاية، وكذلك المكان ليس له أبعاد مجسَّمة، أي أن كل جزء مجسم في الكون ليس إلا حزمةً غير منظورة من الطاقة، تتذبذب في فراغ عظيم، النظرية القديمة بالنسبة إلى المكان والزمان حلّ محلها متسع غير محدد، «بزمان أو مكان» وهو دائم التغير. فـ Quantum physics ليس مفصولاً عنا، إنه نحن، وكما تتكون النجوم والمجرات، نحن بنو البشر نكون أنفسنا. جسم الإنسان ككل الأشياء في الكون يتجدد كل ثانية.

حواسنا ترينا أننا نحتل مكاناً وزماناً معينين، إنه أبعد من ذلك بكثير، إنه معجزة تمدها بالطاقة ملايين بل بلايين السنين من الذكاء كُرِّست لمراقبة التغير الدائم الذي يحدث في داخلنا، إذ إن كل خلية من خلايانا هي قطب صغير جداً، يتصل بكمبيوتر الكون غير المحدود (سبحان الله).
من هذا المنظور يصبح الإنسان قادراً على المحافظة على حصانته الجسدية، وتأخير شيخوخته. يولد الإنسان حيث تكون كل خلية من خلاياه التي تبلغ ألف بليون خلية خالية من الشوائب، فالطاقة دون الذرة التي تتألف منها تلك الخلايا القديمة جداً، تجوب الكون منذ زمن غير محدود يتجاوز بلايين وبلايين السنين وتستمر في ما لا نهاية تغيِّر نفسها لتصبح جديدة كل لحظة!

أجسادنا بدورها تخضع لهذا النبض الخلاق، ويقدر عدد التفاعلات التي تحدث في كل خلية من خلايا أجسامنا نحو ستة آلاف بليون كل ثانية، فإذا توقفت تلك التغيرات أو بعضها أو جميعها في آنٍ معاً تحدث فوضى ينجم عنها ما يسمى الشيخوخة.

إذن الشيخوخة لا تأتي إلا إذا توقف الجسد عن النمو والتغيّر. ما يود Chopra أن يقوله، هو أن الإنسان بإدراكه وتصميمه، يمكنه أن يحول العمليات الكيميائية التي تجري داخل جسده دون وعي منه إلى عمليات واعية تستنهض طاقاته النفسية والإدراكية لتشحذ غريزة حب البقاء لديه، وتحفِّز جهازه المناعي، لمقاومة المرض والشيخوخة، ويردف Chopra بالقول:

إنّ حياتنا تنتشر في حقول شاسعة من التجارب، إذ ليس هناك حدود للطاقة والمعرفة والذكاء المتراكمة في وجودنا، والمخزونة في خلايانا يعبر عنها العقل بكماله واحتضانه معاني وحقائق جديدة تتوق دائماً إلى خلقٍ مستمرٍ. فالفراغ في قلب الذرة هو جزء من رحم الكون المفعم بالمعاني حيث نسمة الحياة لا تتوقف.

كيف نضع حداً لطغيان الحواس

ويستطرد شوبرا هنا مرة أخرى بقوله: إننا نرى الأشياء حولنا بأبعادها الثلاثة، كما تمليها علينا حواسنا الخمس وبحسب هذا الإحساس والرؤية تظهر الأرض مسطحة، وثابتة، والشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، إلخ… أنشتين بدوره أضاف: إنّ الزمان والمكان هما من صنع الحواس الخمس، نحن نرى ونلمس الأشياء بأبعادها الثلاثة، ونعيش الأحداث حسب نظام زمني متتالٍ، ولكن أنشتين وزملاءه تمكنوا من نقض هذا المفهوم ليسلطوا الضوء على إدراك جديد، وهو أن الزمن ليس له بداية أو نهاية، (كما مر معنا في هذا البحث)، وكذلك المكان ليس له أبعاد مجسمة، أي أن كل جزء مجسم في الكون ما هو إلا حزمة خيالية من الطاقة تتذبذب في فراغ عظيم.

النظرية القديمة حول الزمان والمكان دحضت

يُعْلمنا Chopra أن النظرية القديمة بالنسبة إلى الزمان والمكان دُحضت، وحل محلّها متسع لا يحده زمن، وهو دائم التغيّر. فـ Quantum physics ليس مفصولاً عنّا، إنه نحن، وكما أن الطبيعة تكون النجوم والمجرات، كذلك نحن بنو البشر، نُكوِّنُ أنفسنا. فجسم الإنسان ككل الأشياء في الكون يتجدد كل ثانية. فبالرغم من أن حواسنا ترينا بأننا نحتل جسماً في مكان وزمان معينين، إنه أبعد من ذلك بكثير، إنّه معجزة تمدها بالقوة ملايين السنين من الذكاء. وهذا الذكاء مكرَّس لمراقبة التغيير الدائم في داخلنا، فكل خلية من خلايانا هي قطب صغير جداً يتصل بكمبيوتر الكون الشاسع، إذا جاز التعبير.

الطاقة الكونية لا تتوقف عن تغيير نفسها

من هذا المنظور تصبح الشيخوخة أمراً صعب الحدوث، فلو تمكن طفل حديث الولادة من الحفاظ على حصانته الجسدية، لأمكن له أن يعيش 200 سنة! إذ إن كل خلية من خلاياه التي تبلغ حوالي 50 ترليون (ألف بليون) خلية تكون نقية كقطرة ماء خالية من الشوائب، وليس هناك أي سبب لأن تشيخ إلّا إذا اعتراها ما يعكر صفاءها ووظائفها. إن خلايا الطفل الحديث الولادة ليست خلايا جديدة، فالذرات التي تتألف منها هذه الخلايا قديمة تجوب الكون منذ بلايين السنين أو منذ زمن غير محدود.

ومن المُدهش علمياً، كما في «الكتاب» أن نعرف أن البشرة، تستبدل نفسها كل شهر، وتلافيف المعدة كل خمسة أيام، وخلايا الكبد كل ستة أسابيع، والجهاز الهضمي كل ثلاثة أشهر. تظهر هذه الأعضاء للعين المجردة ثابتة كما هي، ولكنها ليست كذلك.

ففي نهاية هذه السنة 98% من الذرات والخلايا في أجسادنا تكون قد تغيَّرت، واستبدلت بأخرى جديدة. إنّ غاية القول في هذا الكتاب العلمي المدهش في وقائعه، واكتشافاته، أنه غير قابل للاختصار في مقالة واحدة، لقيمته التي لا تقدر، معنوياً، ومادياً، إلا بقراءته كاملاً، فهو في هذا، يتأكد للإنسان منا، أنه لا يمكن أن يعرف نفسه جيداً أو يعرف الحياة أو الكون من حوله إلّا بالمعرفة… المعرفة الكلية التي لا نتوطنها إلّا بالاستجرار الفكري الدائم، فالعرفان أساس كل شيء (سبحان الله).

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader