جلال الدين الرومـي في تعليمـه الحكمي

0 171

لا تبــــــع نفســـك رخيصـــــاً وأنــت نفيـــسٌ جــدّاً فــي عيـــــن الحـــقّ!

يُعتبر جلال الدين الرُّومي مؤسِّس الطريقة المولويَّة، أحد أعظم مشايخ الصوفية؛ كما أنه يُعتبر شاعرها الأكبر وهو الذي خلَّف السفر النفيس «مثنوي»، و«ديوان كبير» و«شمس تبريز» وغيرها. لكن الرومي كان في الوقت نفسه مُرشِداً تتحلَّق حوله نخبة السالكين والباحثين عن الحقيقة. وقد جُمعت حواراته مع مُريديه في كتابٍ نفيس أُطلق عليه اسم: «فيه ما فيه»، وأصبح أحد أبرز المؤلَّفات التي تشرح حِكمَة الرومي وخُلاصة تعليمه. ويتطرَّق جلال الدين في هذه الحوارات _ التي ننشرها _ إلى أهمية الإخلاص في العبادة وإلى التقرُّب من الصالحين وأهل السرّ؛ كما يتناول «علماء زماننا الذي يفلقون الشَعرَة في العلوم»، وبينما ما هو أهمّ وأقرب إلى الإنسان من كلِّ تلك الأشياء، وهي النفس أو الذات، فلا يعرفونه.

سأل أحدهم جلال الدين الرومي: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصّلاة؟
أجاب: الصّلاة أيضاً؛ ولكن الصلاة ليست هذه الصورة الظاهرة فقط. فهذه هي قالب الصلاة، لأنَّ لهذه الصلاة بدايةً ونهاية. وكلُّ شيءٍ له بداية ونهاية يكون قالباً. لأنَّ التكبير بداية الصلاة، والسلام نهايتها. مثل ذلك الشهادة، فإنَّها ليست الصيغة التي تُقال باللسان فقط؛ لأنَّ تلك الصيغة أيضاً لها بداية ونهاية. وكلُّ شيء يُعبّر عنه بالحَرف والصوت ويكون له أول وآخر يكون صورة وقابلاً؛ أما روحه فغير محدَّدٍ ولا متناهٍ، وليس له أول ولا آخر.

ويروي جلال الدين هذه الحكاية للتأكيد على أهمية الإخلاص وحضور القلب في العبادة، مقارنة مع صورة العبادات. فيقول: “يُحكى أنَّ سلطان العلماء، بهاء الحق والدين، كان في أحد الأيام بين أصحابه لكن في حال من الاستغراق التام. ولمَّا حان وقت الصلاة نادى بعض المريدين هذا العارف الربَّاني أن: “حان وقتُ الصلاة”.

لم يلتفت الشيخ إلى قولهم، فنهضوا وانشغلوا بالصلاة، لكنّ اثنين من المريدين وافقا الشيخ فلم ينهضا للصلاة وكان واحد من أولئك المريدين المنشغلين بالصلاة يسمى خواجكى، وقد كشف له بعين السرِّ أنَّ كلَّ الأصحاب الذين كانوا في الصلاة كانت ظهورهم إلى القبلة، وأنَّ ذينك المريدَين اللذين كانا قد وافقا الشيخ كان وجههما إلى القبلة. تفسير ذلك أنَّ الشيخ عندما غاب عن (نحن) و(أنا) وفنيت هويته وتلاشى واستهلك في نور الحق “موتوا قبل أن تموتوا”، صار نور الحق. وكلُّ من يدير ظهره إلى نور الحق ووجهه إلى الجدار لا بُدَّ أن يكون قد جعل ظهره إلى القبلة. ذلك لأنَّ نور الحق هو روح القبلة.

تمسَّكوا بأذيال أهل الحق

قال أحد الملوك لدرويش: “في تلك اللحظة التي يكون لك تجلٍّ وقرب من الحق تذكَّرني”، فأجاب الدرويش:”عندما أصل إلى تلك الحضرة ويسطع عليّ ضياء شمس ذلك الجمال لا أعود أتذكَّر نفسي. فكيف أتذكَّرُك؟ ولكن إذا اختار الحق عبداً، وجعله مُستغرقاً فيه تماماً، فإنَّ كلَّ من يتمسَّك بأذياله ويطلب منه حاجة، يُلبِّي له الحق مطلبه من دون أن يذكره ذلك العظيم عند الحق ويعرضه عليه.
يُحكى أنه كان هناك مَلك وكان له عبدٌ خاص جداً، وعندما كان ذلك العبد يتوجَّه ناحية قصر الملك، كان أهل الحاجات يُسلِّمونه التماسات أو رسائل طالبين منه أن يعرضها على الملك. كان يضع تلك الالتماسات والرسائل التي فيها حاجات القوم في محفظته، لكنه كُلَّما دخل في حضرة الملك كان لا يستطيع أن يتحمَّل ضياء جماله، فيقع مغشياً عليه. وكان الملك يُدخِل يده في جيبه ومحفظته على سبيل الدعابة، قائلاً: “هذا العبد المندهش فينا المستغرق في جمالنا، ماذا لديه؟ كان يأخذ تلك الرسائل ويأمر بتنفيذ الحاجات المطلوبة فيها كلَّها بالكتابة على ظهورها، ثمَّ يُعيدها إلى محفظة عبده. وهكذا كان يلبّي حاجات الجميع من دون أن يعرضها العبد عليه، على نحو لا يرفض فيه أياً منها، بل كانوا يحصلون على مطلوبهم مُضاعفاً وأكثر من ذلك الذي كانوا يطلبونه. أمَّا العبيد الآخرون الذين كانوا واعين وقادرين على عرض التماسات أهل الحاجات على جناب الملك، فنادراً ما تُقضى حاجة واحدة من مئة حاجة أو مسألة من تلك التي كانوا يعرضونها.
يتابع جلال الدين الرومي القول: “هناك شيء واحد في هذا العالم لا ينبغي أن يُنسى، وإذا نسيت الأشياء كلها ولم تنسَ ذلك الشيء فلا داعي للخوف؛ ولو أنك أنجزت الأشياء كُلَّها وتذكرتها ونسيت ذلك الشيء، فكأنك ما فعلت شيئاً البتَّة. وهذا تماماً مثلما لو أنَّ الملك أرسلك إلى قرية من أجل عمل مُعيَّن، فذهبت وأدَّيت مئة عمل آخر، فإن لم تؤدِّ ذلك العمل الذي بعثك الملك من أجل تأديته، فكأنك ما أدَّيت شيئاً”. وهكذا، فإنَّ الإنسان جاء إلى هذا العالم من أجل عملٍ مُعيَّن، وذلك مقصوده وهدفه، فإن لم يؤدِّ هذا الذي جاء من أجله، فإنه لا يكون قد فعل شيئاً. وعندما يفعل ذلك العمل ُينفى عنه الظلم والجهل. وإذا قلت: “صحيح أنني لم أؤدِّ ذلك العمل، لكنِّني قمت بأعمال كثيرة غيره”؛ فإنَّ الإنسان لم يخلق من أجل تلك الأعمال الأخرى. كما لو أنك أتيت بسيف فولاذي من سيوف الهند التي لا تُقدَّر بثمن كتلك التي تتواجد في خزائن الملوك، ثمَّ جعلته ساطوراً لقطع اللحم الفاسد، أو كما لو أنك أتيت بقِدر مصنوعة من الذهب واستخدمتها آنية للطبخ في الوقت الذي تستطيع بحبة واحدة من ذلك الذهب أن تشتري مئة قدر، أو كما لو جعلت خنجراً مُرصَّعاً بالجواهر مسماراً لتعليق قرعة مكسورة قائلاً: “استفيد منه وأُعلِّق القرعة عليه”. أَلاَ يكون ذلك مُحزناً ومُضحكاً؟ عندما يمكن تعليق القرعة بمسمار من خشب أو حديد؟
الحق تعالى جعل لك قيمة عظيمة، إذ يقول:
{ إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهُمُ الجَنَّة } (التوبة:111)
أنتَ في القِيمةِ أَسمى من العالمين فما حيلتي إِن لم تكن تعرف قدرك؟
لا تبع نفسك رخيصاً وأنت نفيس جداً في عين الحق!
يقول الحق تعالى: “لقد اشتريتكم أنتم وأوقاتكم وأنفاسكم وأموالكم وحيواتكم. إذا ُصرِفت كلها في سبيلي وإذا أعطيتموني إيَّاها فإنَّ ثمنها جنَّة الخُلد. قيمتك عندي هي هذه”. لو بعت نفسك لجهنم لكنت قد ظلمت نفسك، مثل ذلك الرجل الذي دقَّ خنجراً قيمته مئة دينار في الجدار وعلَّق عليه جرّة أو قرعة”.
لنعد إلى ما كُنَّا قد بدأناه: “أنت تقدِّم تبريرك، قائلاً: “استنفذ طاقاتي في أداء أعمال عالية نبيلة. أدرس علوم الفقه والحِكمة والمنطق والنجوم والطب وغير ذلك، لكنك تفعل كلّ هذا من أجلك أنت. فإذا كنت تدرس الفقه فإنَّ ذلك من أجل أن لا يسرق أحد الرغيف من يدك، أو ينزع عنك لباسك أو يقتلك. باختصار من أجل أن تكون في أمان. وإذا كنت تدرس النجوم وأحوال الفلك وتأثيرها على الأرض من خِفَّة وثقل، فإنَّ هذه الأشياء من أجلك أيضاً”.
عندما تتأمَّل جيِّداً تجد أصل الأشياء كلّها نفسك. وهذه الأشياء جميعاً فرع لنفسك. وعندما يكون لفرعك الكثير من التفاصيل والعجائب والأحوال والعوالم العجيبة التي لا نهاية لها، فتأمل ما يكون لك، أنت الأصل من أحوال. عندما يكون لفروعك عروج وهبوط

 

الصلاة ليست الصورة الظاهرة فقط، بل في الإخلاص وحضور القلب مع المولى

وسعدٍ ونحس، فتأمل نفسك أنت الأصل ماذا يكن لك من عروج وهبوط في عالم الأرواح، من سعد ونحس ونفع وضر!
إنَّ لك غذاءً آخر غير هذا الغذاء من النوم والأكل. قال النبي (عليه الصلاة والسلام):
“أَبيتُ عند رَبِّي يُطعمني ويسقيني”.

في هذا العالم الوضيع نسيتُ الغذاء السماوي، وشغلت بهذا القُوتِ المادي. وأخذت ليلاً ونهاراً تغذي جسمك. والآن فإنَّ هذا الجسم هو جوادك وهذا العالم الوضيع إصطبلك. إنَّ غذاء الفرس لا يكون غذاءً للفارس، إذ إنَّ للفارس نوعاً خاصاً من النوم والطعام والتنعّم. ولكن لأَّن الحيوانية والبهيمية غلبتا عليك فقد تخلَّفت عن جوادك في إصطبل الخيل، ولم يكن لك مقام في صفّ ملوك عالم البقاء وأمرائه. قلبك هناك، وعندما غلب عليك الجسد صرت خاضعاً لحُكمِهِ، وبقيتَ أسيراً له.
وهذا مثلُ ما يحكى من أنَّ أحد الملوك أَسلم ولده إلى جماعة من أهل البراعة حتى يعلِّموه علوم النجوم والرمل وغير ذلك، حتى غدا أستاذاً كاملاً، على الرغم من غبائه المُطبق وبلادته. وفي يوم من الأيام أمسك الملك في قبضته خاتماً وامتحن ابنه.
“تعال، قل ماذا في قبضتي؟”
قال الأمير: “الشيء الذي تمسكه مدوَّر وأصفر ومجوَّف”.
قال الملك: “أمَّا وقد قدَّمت العلامات الصحيحة، فقرِّر الآن أي شيء ذلك؟”.
أجاب الأمير:”ينبغي أن يكون غربالاً”.
قال الملك: “حقاً، أعطيت كلّ هذه العلامات الدقيقة الكثيرة ما يحيِّر العقول، وإذ لك كلّ هذا القدر من قوَّة التحصيل والعِلم، كيف فاتك أنَّ الغربال لا تتسع له قبضة اليد؟”.
ومثل هذا الآن حال علماء زماننا الذي يفلقون الشَعرَة في العلوم وقد عرفوا غاية المعرفة أشياء عديدة لا تَعلّق لها بهم، وصارت لهم إحاطة كاملة بها؛ وأمَّا ما هو مهمٌّ حقاً وأقرب إلى الإنسان من كلِّ تلك الأشياء، أي نفس الإنسان، فلا يعرفه ذلك العالم؛ لا يعرف نفسه. يحكم على الأشياء كُلَّها بالحِلّ والحرمة قائلاً: “هذا جائز وذلك غير جائز، هذا حلال وذلك حرام. لا يعرف نفسه إن كانت حلالاً أم حراماً، جائزة أم غير جائزة، طاهرة أم غير طاهرة”.

المصدر: “فيه ما فيه” لمولانا جلال الدين الرومي

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader