صالح بن يحيى وحمزة بن سباط

صالح بن يحيى وحمزة بن سباط

الأسطول الفرنسي يدخل بيروت بعام 1860 بحجة حماية المسيحيين
0 68

صالح بن يحيى وحمزة بن سباط
مؤرِّخـان أضــــاءا تــــــــاريخ لبنـــــان الوسيــــط

التاريخ المدوّن عن دور الدروز في لبنان والمنطقة
لا يتناسب مع دورهم الحقيقي خلال نحو ألف عام

مؤرخو لبنان أعطوا أهمية لا تستحقها لأحداث 1860
وتجاهلوا العصر التنوخي الذهبي قبل حكم فخر الدين

لاَ يتناسَب الإسهامُ المدوّن للدّروز في التاريخ اللبنانيّ إطلاقاً مع دَوْرهم الحقيقي والفاعل خلال ما يزيد على الألف الأخير، ذلك أن حجم الكتابات الدرزيّة في تاريخ لبنان لاّ يتعدَّى الخمسة في المئة ممّا كتبَه الموارنة في هذا الموضوع على المثال، وهذا على الرغم من الدَّور القياديّ الذي اضطلع به الدروز خلال ما يزيد على ثمانيَة قرون من حكم لبنان، فضلاً عن دَوْرهم الحاسم والجوهريّ في وضع أسس الكيان اللبناني وإخراج ملامحه منَ القوَّة إلى الفعل عبر التاريخ، وكل هذا يستحقّ بالطبع ما هوَ أكبر بكثير من ذلك التدوين الشحيح الذي يدعو بحقّ إلى الكآبة والأسَف.
الأهم من ذلك هو أن تلك الفجوة الفاغرة في تأريخ دور الموحدين الدروز فتَحَت المجالَ واسعاً أمام تأريخٍ غير متوازن أفسح في المجال لقيام تاريخ غير متوازن فَاُهْمِلَتْ حقائق أساسية على حساب حقائق اُخرى، وهُـمِّشَتْ أحداث كبيرة بينما زِيدَ بصورة غير مبررة في قيمة أحداث لا تُضاهيها من حيث الأهميَّة والتأثير، واستُـثْمِرَت السّلبيَّات في تاريخ لبنان على حساب إيجابـيَّاته، وأكبر مثال على هذا حَوادث 1860 الأهلية. فقد اُلِّفَ فيها قديماً وحديثاً، وطُبِعَ واُعيدَ طباعة العَشرات منَ الكتُب والمقالات أكثر بكثير ممَّا اُلِّفَ مثَلاً حول العهد التنوخي أو المعني قبل حُكم فخر الدِّين الكبير وغيرهما، فَاُعيدَ تذكير اللبنانيـين مراراً بالمـَذابح الطائفيَّة في مقابل طمس صَفَحات ناصعَة من تاريخ لبنان سادَها التعايُش الأخَويّ والتَّوَحُّد الحكيم بينَ مختلَف مكونات البلد، وكأنـَّهُ يحلو لبعض اللبنانيـين الـمُشارَكة الدائمة في الطقس الإحتفالي الوَثني أمام مَذبح ” تيفون” الطائفي، مُساهَمة منهُم في الأسطورَة التي ألْهَبَت مُخَيَّـلَةَ الجَميع عن المؤامَرة المحُوكَة على لبنان. مقابل هذا النّزوع إلى “أدلجة” التاريخ، فإنَّ وثيقةً تاريخيَّة درزيَّة هي مخطوطة حمزة بن أحمد بن سباط الَّذي انتهى من تدوينها العام 926 هـ. (1520م)، تقدِّم لنا فسحة ضوء حقيقيَّة تخوِّلنا الاطّلاع على تفاصيل دقيقة من مرحلةٍ تاريخيَّة قلَّت مصادرُها في ما يتعلَّق بأحوال جبل لبنان.
وَلاَ بُدَّ لَنَـا قبلَ الحديث عن أهميَّـتها أن نَـتَحدَّثَ عن تاريخ الأمـير صالح بن يحـيى البحتري الذي سَبَق ابن سباط ومَهَّـدَ لَـهُ الطَّـريق.
“تاريخ بيروت” للأمير صالح بن يحيى
تُعْـتَبَر أخبارُ السَّلَف من ذُُرِّيـَّـة بحـتر بن علي أمير الغَرب في بيروت وثيقَة تاريخـيَّة عَزَّ نظيرُها، جَمَعَها ودَوَّنـها أحَدُ أبنَـاء تلكَ الذُرِّيـَّة النيِّـرين، الأمير صالح بن يحيى في النِّصْف الأوَّل منَ القرن التاسع للهجْرَة ( الخامس عَشَر للميلاد).
وتَعودُ أهَميَّـتُها البالغَة إلى كوْنها الروايَة المفَصَّلة الوحيدة التي تحفَظ لنا روايات شَفهيَّة ومُستنَدات خطِّـيَّة ومَرْويَّات عيانيَّة تعودُ كلُّها إلى حقبَة “مُظلمة” من تاريخ بيروت وما جَاوَرها في ذلكَ العَصر.
لقَد كانَت بيروت واحدَة من أربَع مناطق أو ولايات تألَّفَت منها “الصفقَة الشماليَّة”التي كانت بدَوْرها واحدَة من أربع “صَفقات” تُمثِّلُ بمَجموعها كبرى مقاطَعات”الممالك الشَّاميَّة” في أيـَّام المماليك”مَملكَة دمشق”(راجع مقدّمة الكتاب د. الصليبي). وَكانَت بيروت تُعتَبَر منَ المناطق الريفيَّة التابعَة لتلكَ المَملَكة آنَذاك، وقَد اكتنَفَ الغُموض التاريخ الوسيط لهذه المَناطق التي حَكَمتْها” اُسَرٌ منَ الأُمَرآء والمقدَّمين التقليديـين”.
كانَ من حسْن حَظِّ آل بُحتر التنوخيـّين الذينَ حَكموا ولايَة بيروت لفترَة طويلة أن يخلِّدَ أخبارَهُم مُؤَرِّخُهُم الأمير صالح فَحفظَ لنا بعَمله سجِلاًّ حافِلاً أصبَحَ مَصْدَراً أساسياً للدَّارسين والباحثين المُختَصِّين.
ولاَ تقتصرُ أهميَّةُ هذا المصدر على ناحيَةٍ واحدَة من أبواب البَحث، وإنَّما تَـتعدَّاها إلى مواضيع ذَكرتها المُقدِّمَة الفَرنسيَّة للنَّصِّ المُحَـقَّق. فهُوَ واحد منَ المصادر النَّادرَة التي تتيح للباحث اسْتشْفاف جذور لبنان المُعاصر في القرون الوسطى. ذلكَ أنَّ المعرفَة بأوضَاع الأَرياف اللبنانيَّة- السُّوريَّة في ذلكَ الزَّمان مَعدومَة دونَ هذا التَّاريخ. كما أنَّ مَرويَّاته تُغطِّي المَرحَلة الكبيرَة التي شهدَت مُنطَلَقات الإمارَة الدِّرزيَّة وبداياتها، ومن ثمَّ قدرتها الحفاظ على حُكْمٍ ذاتيٍّ بعدَ أنْ ضَمَّتْ إليْها الجزء الأكبَر من جَبَل لبنان. ويستطيعُ الباحثُ أيضاً أن يرصدَ في تفاصيل هذا التاريخ سجِلَّ العلاقات التي كانَت سائدَة بينَ البحتريـّين وحُكَّام دمَشق آنَذاك، فَضْلاً عن الوثائق المَوجودَة في مَتنه، كما أنه يُمَكِّن من دراسة التـنظيم الإداري في المُقاطَعات الأيوبـيَّة والمَمْلوكيَّة، وَالتـنْظيم الإقطاعي والعَسكري في البلاد.
ربَّمَا كانَ تاريخُ الأمير صالح بن يحيى المُصَنَّف الدِّرزي الوحيد المَعروف خلال خمسة قرون تلَتْ نشوء المَذهَب التَّوحيديّ. ومنَ المعروف أنَّ ذَلكَ المَذهَب اتَّخَذَ مَنحًى تأويلـياً لآيات القرآن الكريم اسْتناداً إلى نَظريَّة الإمامَة. وقد ارْتدَّ عن تعاليمه بعضُ كبار دُعاته وشوَّهوا مقاصدَه قوْلاً ومُمارَسَة، ففتحوا المجالَ واسعاً لإلصاق التـُّهَم الزّائفَة به، وتشويه حقائقه وإطلاق التفاسير المَغلوطَة حَولهُ، ولاَ شأن لها به لا من قريب ولاَ من بعيد. لم تؤَثِّـر تلكَ الرّدَّة على خَطِّ مسَاره الأصيل، بل قُضيَ عليها بالسَّيف حيناً وبالمَوعظة الحَسَنة أحياناً كثيرة. ولم تعرف الطَّائفة مذَّاك اختلافاً كبيراً أو صغيراً حولَ نهجها الفكريِّ الْمُتَّـبَع، وذلكَ يعودُ في الدَّرَجة الأولى إلى فَضيلَة التَّخيـير الْمُتَّـبَعَة في أمور المَسلك والعقيدَة. فالمَسلكُ التَّوحيديُّ يجتهدُ ليتكامَلَ مع جسم الأُمَّة وَرُوحها ويُحافظ على حُرِّيـَّة الغَوْص والتَّحَـقُّق في العبادات على مثال الصُّوفيَّة الشَّرعيَّة التي خَطَّتْ صَفحات ذهَبيَّات في التراث الإسلامي العريق. وأصبَح من ثوابت الأُمور في تاريخ لبنان، ومنذ القَرن الحادي عَشَر الميلادي (الخامس للهجرَة)، أنَّ الطَّبَقة السِّياسيَّة الدِّرزيَّة أخَذَت على عاتقها مَهاماً ومسؤولـيَّات هيَ في مَحصولها الأكبَر لصالح الدُّوَل والقوى المُتعاقبة التي ادَّعَتْ كلٌّ بدَوْرها تمثيل الأُمَّة والجَماعَة. وكانَت المحَصّلة الأساسيَّة لتَدخُّلات العُقَّال (رجال الدِّين) لصالح المَواقف الدَّاعمَة للوحدَة الدَّاخليَّة للطائفَة من جهَة، وللتَّوَحُّد مع المَوقف العام الذي تَـتَّخذُهُ القوى المُمَثِّلَة للجَماعَة من جهَة اُخرى. ويَـبْدو هذا الثَّابت صَحيحاً في الحقَب البحتريَّة والتنوخيَّة والمَعْـنيَّة، مع استـثناء فترة حُكم الأمير فخرالدِّين المَعني الثَّـاني الكبـير.
وإذا افتَرَضنا رَسماً بيانياً تَـتمَثَّلُ فيه التوَجُّهات العامَّة لنصِّ الأمير، وَجَدناهُ يتألَّفُ من خَطَّيْن متوازيَـيْن لاَ يتقاطعان، بل يُسايرُ أحدُهُما الآخَر من بداية الأحداث إلى آخرها. فنحنُ هنا أمام تاريخ لطَـبَقتَيْن، تُواكبُ الأولى منهُما الأحداثَ السياسيَّة والعسكريَّة والإداريَّة في علاقاتها بالولاة والقوى الْمُتغيِّرَة، في حين نجدُ الثانيَةَ تغوصُ في زُهدها وصُوفـيَّتها باحـثةً لنفسها- إضافةً إلى عُلوم الدِّين- عن عالَمٍ ثقافيٍّ في اُمَّهات الكتُب التراثـيَّة بروح التَّبَعيَّة للأصُول من غير انشقاقٍ أو قطيعَة.
وأمَّا العلاقَة بينَ الطَّبَـقتَيْن فنجدُها مَبنيَّة على التواصُل الأكيد والدَّعم الرَّزين لتَوَجٌّهٍ عَام ثابت نحوَ الوحدَة والتوَحُّـد.
وهذه ميزةٌ ذات طابع درزيّ يحْظى بها تاريخُ الأمير صالح بن يحـيى لم تُستَـثمَر بعد في الدِّراسات والأبحاث التاريخيَّة. ولهذه الميزة بُعدٌ مهم آخَر، فهيَ تُظهر لنا من خلال استقراء منهجيّ للنُّـبَذ الـمُثبتَة، إرهاصات الحَرَكة الثقافيَّة الخطيرة الشأن التي سيقوم بها الإمامُ التَّوحيديُّ الكبير الأمير السيِّد جَـمَال الدِّين عبد الله التنوخي في أواسط القرن التاسع للهجرَة (الخامس عشَر للميلاد).
إنَّ مَسلكيَّةَ الأمير السيِّد الاجتماعيَّة، فَضْلاً عن أعماله الفكريَّة والمَدرَسَة النشيطَة التي كوَّنَها، تُمَـثِّلُ حَرَكةً نهضويَّةً كانَ لها أبعد الأثَر وأخطره على المُجتَمَع التَّوحيديِّ في “جزيرة الشَّام” كلِّها. وقد أصبَحَتْ بفعل هذا الأثَر مثالاً يُحتذَى طوال خمسة قرون ونيف، ذلكَ أنَّ الأهميَّة الجَوهريَّة التي يحظى بها روحياً واجتماعياً تزدادُ قيمتُها مع تقدُّم الزَّمَن وليسَ العكس.

“صدق الأخبار” لحمزة بن سباط
توفِّيَ الأمير صالح وما زالَ الأمير السيِّد في ريعان عمره، وفي كلِّ حال فهُوَ لم يتعرَّض في كتابه لتَرجَـمَة مُعاصريه الأحياء، لكنَّ أعمالَه التاريخيَّة أثارَت انتباهَ البعض في مُجتمعه لأهَميَّة التَّدوين والتأليف. فأتى بعدهُ مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب “صدق الأخبار” لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط الآنف الذّكـر.
اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ الأمير صالح بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع.
والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام “الجَزيرَة” كلِّها.
لقَد كانَ أحـمَد بن سباط والد حَمزة المُـؤَرِّخ “منَ التلاميذ، وكانَ فقيهاً،همَّاماً فطناً، بارعاً. علَّمَ جَـمَاعةً كثيرةً وذاعَ خبَرُه بالتَّـعليم وكانَ خَطيبَ جَامع قرية عبَـيه” (كما ورد في النص).
وقد توفِّيَ المُصلحُ الكبير وحَمزة لَمَّا يزل فَـتياً نابهاً، فقد رثاهُ بقصائد كما ذَكَر هو في تاريخه. وقد أتاحَت هذه المُعاصَرَة لحَمزة أن يكتبَ لنا سيرةَ الأمير مَصْدَراً رئيساً وحاسماً في دراسة البيئة الفكريَّة والإجتماعيَّة التي كانت سائدَة في ذلكَ العَصر، وما قامَ به الأميرُ السيِّد من نهضة خلَّفَت آثاراً جوهريَّة ما زالَت تشعُّ حتَّى يومنا الحاضر.

الأسطول الفرنسي يدخل بيروت بعام 1860 بحجة حماية المسيحيين

توَقَّـفَ تاريخ الأمير صالح العام 840 هـ، ثمَّ أضافَ إلَيه ذَيْـلاً امتَـدَّ تاريخُه إلى 857 هـ. وأمَّا ابنُ سباط فإنهُ أكملَ ذلكَ التاريخ وتوقَّفَ في سَنة 926هـ. وتميَّزَت تلكَ الفَترة طوال النصف الأخير منَ القرن التاسع والربع الأوَّل منَ القَرن العاشر الهجريَـين بأنها الفترة الذَّهَبيَّة في التُّراث الثقافي الدرزي، فَـترة الأمير السيِّد وتلاميذه. وتأتي شهادَةُ ابن سباط على تلكَ الفَـترة شهادَة مُعاصر يَقِظ أثبتَ لنا في تاريخه أسماء تلكَ الكَوْكَبَة النَّـيِّرَة التي انتَشرَت في طول البلاد وعَرضها في ما سُمِّيَ بـ:”التلاميذ”، وكانَ يليقُ بكُلِّ واحدٍ منهُم كما يظهَر في كتابه، أن يكونَ شَيخَ البلاد وعَيْنها كما هوَ مُتناقَل من أقوال السَّلَف.
إنَّ دراسةَ المواقف الدِّرزيَّة العَسكريَّة وتالـياً السِّياسيَّة، فَضلاً عن مسلكيَّة الموحدين الدروز الثقافـيَّة في ذلكَ العَصر استناداً إلى مَصادر تاريخيَّة درزيَّة لأَمْر ضروريّ في أيـَّامنا هذه، حَيث تشهَدُ سوقُ الكتاب غَمْراً دافقاً منَ المَنشورات التي تَـتنَاوَل الدُّروز فَـيُقابلونها بالتَّبرؤ منها حيناً، وبالتجاهُل والاشمئزاز أحياناً كثيرة. فلقَد تعدَّدَت نداءات المُؤَرِّخين وأصوات المُفَكِّرين لكتابة جديدة لتاريخ لبنان تأخُذ بتَعَدُّد المَصادر في خَلفيَّتها الطَّائفيَّة والحياديَّة لقراءَة ذلكَ التاريخ قراءَةً تعطي لكُلِّ وجهَة نَظَر حقَّها في خدمَة رؤية وَطنيَّة تعمَلُ فعلاً من أجل وحدَة لبـنَان.
وهَل من قيامَةٍ للُبنان من دونَ العَوْدَة إلى حوارٍ بينَ طوائفه يرتقي بها من الذَّاتيَّة الطَّائفيَّة المُنعَزلة إلى الوَطَن الكبير؟ وهَل للُبنَان في ذاته من معنَى إذا نَزَعنا منهُ، من خلال عَشوائيَّة التاريخ السَّائدَة، هيُولاهُ المُكَوَّنة من عيشٍ مُشترَك يبدو لنَا اليَوم وكأنهُ الحُلْم الضّائع في ضَباب التَّعَصُّب والانعزال على الرُّغم من أنه كانَ في حقَبٍ كثـيرة من تاريخه وَاقـعاً سَائـداً؟
في تاريخ لبنان جوانب مُضيئة وأخرى مُظلمة، تَـتَوَهَّجُ الأولى في حاضرنا إذا قَصَدنا لها أن تَـتَوهَّج وتُنـير لنا مَعالم الطَّريق إلى الغَد الأفضَل، بَينما تزيد الثانيَة من هَيَجان ” تيفون” العصبيَّة الطائفيّة إذا كنَّا لاَ نريد أن نرَى في الأمْس الغائب إلاَّ أشباحها ومآسيها.
في كُلِّ حال، يذَكِّرُنا نصّا ابن يحيى وابن سباط بصَفحَةٍ ناصعَة من تلكَ الجوانب المُضيئة في تاريخ لبنان، عسى أن تكون مثل هذه الوثائق التاريخيَّة رافداً ثقافيّاً من أجل إقامَة حوار متوازن في سبيل إعادَة كتابة تاريخ لبـناننا العَزيـز بمنهجٍ حضاريّ.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader