فضائل الصوم

فضائل الصوم

0 52

فضائل الصوم

الصوم لغة هو الإمساك عن الشيء، فيقال صام عن الطعام أي أمسك عنه فلم يأكل، ويقال صام عن الكلام أي أمسك عنه فلم يتكلم. أمّا شرعاً، فإن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والشهوات من طلوع الفجر حتى مغيب الشمس. والصيام ركن من أركان الإسلام وقد فرض في السنة الثانية للهجرة عملاً بقوله تعالى: ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون”(البقرة 183)، ثم حددت الآية شهر رمضان شهراً للصوم وبينت فضل هذا الشهر: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”(البقرة 185)، ولاحقاً اجتهد العلماء والفقهاء كثيراً حول الصوم، وعملوا على تفسيره ظاهراً وباطناً وغاية، فبعضهم رأى أنه صوم عن الأكل والشرب والشهوات فقط، والبعض اشترط النية مع الصيام بينما اعتبر بعض الصوفية الصيام صوم النفس عن الهوى والعبودية التامة لله تعالى.
رغم تنوع آراء العلماء والفقهاء والمذاهب إلا أنهم أجمعوا على أن من أهداف الصوم أن يشعر الغني والميسور بألم الجوع والعطش والحرمان فيكون دافعاً قوياً له نحو عمل الخير والزكاة والصدقة في المجتمع. ومن أهدافه أيضاً تقوية العزيمة وتدريب المؤمن على الصبر وإعانة النفس على شهواتها، فيقول الإمام الغزالي في الإحياء عن أسرار الصوم: “الحمد لله الذي أعظم على أوليائه المنة، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه، ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة”، فنراه وضع الصوم سلاحاً للنفس يعينها على قهر شهواتها، لتستطيع بذلك التغلب على جوانبها الحيوانية والإرتقاء في معراج الإنسانية. ثم نقل عن رسول الله (ص) قوله: “إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع”، وكذلك نقل عن رسول الله (ص) قوله لزوجه: “داومي قرع باب الجنة”، فقالت له:” بم يا رسول الله”، قال:”بالجوع”.
اما الإمام جعفر الصادق(ع) فيقول: “الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع ، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء والالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات”.
والأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي يشدّد على حفظ البطن عن الشهوات والشبع دوما وليس في الشهر الفضيل فقط، فإن شهوة الطعام والشبع من محركات الشهوة ومغارسها، وحجاب للنفس عن معرفة باريها.
أما المتصوفون فيرون في الصوم معاني أبعد من صيام الأكل والشرب والشهوات، إذ يرون فيه نكرانا للذات وتقرباً من الله تعالى، وما يراه المؤمنون صياماً لله يروه هم صياماً بالله، وقد عبر الإمام القشيري عن هذا الإيمان بقوله:”من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله. فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. والصوم لله تحقيق العبادة، والصوم بالله تصحيح الإرادة. والصوم لله صفة كل عابد، والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله قيام بالظواهر، والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة، والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة.
اما المبالغة في الصوم فهو أمر غير مستحب بحسب ما نقل من أحاديث عن الرسول (ص) وبعض صحابته، وذلك لما يسببه من ضرر على الصحة، والصحة أمانة لدى الإنسان لا يجوز التفريط بها، وقد روي أن سلمان الفارسي(ع)المشهور بورعه وزهده وتعففه زار أبا الدرداء فوجد أم الدرداء في حيرة فقال لها: “ما شأنك؟” فقالت: “إن أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا، يصوم النهار ويقوم الليل”، فقال سلمان(ع) لأبي الدرداء: “ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل معه وبات عنده، فلما كان من آخر الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فحبسه سلمان، فلما كان الفجر قال سلمان: “قم الآن”، فقاما فصليا، فقال له سلمان: “إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك ولضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه”، ولما بلغ هذا القول الى رسول الله(ص) قال: “صدق سلمان الفارسي”.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader