للأرض - للمعرفة - للنهضة

في ندوة لرؤساء تعاونيات وخبراء زراعيين “الضحى” تسأل: لماذا تتعثَّر التعاونيات الزراعية في الشوف؟

0 47

ما هو واقع التعاونيات الزراعية في الجبل، ولماذا لم تتمكَّن معظم تلك الهيئات من تحقيق الغايات التي أُنشئت لأجلها؟ هل السبب هو في ضعف القاعدة الزراعية وتراجع المساحات والمصالح الزراعية التي تستند إليها تلك التعاونيات؟ هل هو في صِغر المُلكيَّات وعدم وجود فوائض تجارية كبيرة؟ هل هو في تأخُّر الزراعة نفسها وتراجع القدرة التنافسية للإنتاج الزراعي؟ هل هو في الفردية المفرطة وضعف روح التعاون والفريق بين الأعضاء المنتسبين، أم هو في ضعف الإدارة

نفسها وانشغالها عن التعاونية بشؤون أخرى، أم أنَّ المشكلة هي في الحقيقة مزيج من كلِّ تلك العوامل؟

الزراعي في الجبل، نظّمت «مجلة الضحى» ندوة في المكتبة الوطنية العامة في بعقلين تحت عنوان: “التعاونيات الزراعية في قضاء الشوف، المشاكل واقتراحات الحلول”، واستهدفت الندوة تعيين المشكلات التي تواجه عمل التعاونيات واستشراف وسائل المعالجة الممكنة. شاركت في الندوة السيدة جومانة كرامي، رئيسة مصلحة التعليم والإرشاد في وزارة الزراعة، والخبيرة الدكتورة فريال أبو حمدان، وممثِّلا تعاونية كفرنبرخ رياض جابر وحسن أبو عجرم، ورئيس التعاونية الزراعية في عمَّاطور محمود أبو شقرا، ورئيس التعاونية الزراعية في الباروك توفيق أبو علوان، ورئيس التعاونية الزراعية في كفرفاقود فؤاد نصر، ورئيس التعاونية الزراعية في بريح عبَّاس العلي، وممثِّل تعاونية الورهانية عفيف غانم، والناشط البيئي والخبير في الزراعات العضوية رائد زيدان.

السيدة كرامي: غياب المؤسسات يفوِّت فرصة الإفادة من المعونات الدولية

ستهلَّت السيدة جمانة كرامي مداخلتها بالحديث عن تركيز وزارة الزراعة الدائم على تشجيع المزارعين على الانضمام الى التعاونيات الزراعية القائمة من جهة، وانشائها في البلدات التي تفتقد الى مثل تلك التعاونيات؛ معتبرة أنَّ منافع التعاونيات لا تقتصر على الفوائد المادية للمزارع، بل قد تتعدَّاها إلى المساعدة في تسويق المنتجات الزراعية. ولفتت إلى أنَّ في إمكان التعاونية أن تعمل كمؤسسة تستهدف تحقيق الربح لأعضائها وهذا إذا ما أحسنت إدارتها، وقد أجاز القانون لها ذلك.
وإذ لفتت إلى أنَّ إقدام المزارعين الشوفيين على الانضمام الى التعاونيات الزراعية لا يزال خجولاً قياساً إلى أقضية أخرى، أعادت السبب إلى افتقاد التوجيه “السياسي” للمزارع للانضواء في عمل مؤسساتي هو بأمسِّ الحاجة اليه لتطوير انتاجه، وبالتالي المساعدة على تصريفه، خاصة اذا ما علمنا، أضافت السيدة كرامي، أنَّ الهبات والمساهمات الدولية التي تخصِّصها الدول أو المُنظَّمات غير الحكومية للقطاع الزراعي في لبنان وتوزّعها الوزارة على المناطق، لا توجِّهها إلى الأفراد بل إلى مؤسسات ذات إطار قانوني. إذاً، المزارع غير المنتمي إلى مثل تلك التعاونيات لن يستفيد من تلك التقديمات. مشكلة أخرى تعاني منها التعاونيات الزراعية في الشوف أضاءت عليها السيدة كرامي، وهي ضعف التسويق، مُحمِّلة إيَّاها المسؤولية لتخلُّفِها عن اللجوء إلى دراسة حاجات السوق وتوجيه المزارع إلى المنتجات المطلوبة، لأنَّه من المفترض أن ندرس ماذا تريد السوق ثمَّ نزرع ونبيع لها، وليس العكس. ولفتت السيدة كرامي في هذا المجال إلى النشرة التوجيهية التي أصدرتها وزارة الزراعة “GLOBAL GAP” لإدارة نوعية الإنتاج الزراعي بمواصفات عالمية، استفادت منها تعاونيات زراعية عديدة في مناطق لبنانية مختلفة، فضلاً عن نشرات يومية ودورية تصدرها الوزارة عبر غرف التجارة والزراعة والصناعة بالأسعار والمواصفات التصديرية والأصناف الزراعية المطلوبة التي تُرشد المزارع والتعاونيات الزراعية.

إلى ذلك، كشفت السيدة كرامي أنَّ تعاونيات الشوف تفتقد أيضاً إلى مفهوم العمل الجماعي، لتقتصر المهام على رئيسها وعضو آخر فيها فقط أحياناً؛ مع العلم أنَّ أنظمة إنشائها راعت تحديد الأدوار وتوزيعها على مجالس الادارة وهيئات الرقابة بشكل مُنصف. لكن المشكلة تبدأ عندما تتداخل الصلاحيات بسبب محاولات مصادرة الأدوار، وفي أحسن الأحوال نتيجة سوء الإدارة. وهنا يأتي الدور التوجيهي لوزارة الزراعة التي كانت لها تجربة ناجحة في هذا السياق مع التعاونية الزراعية في عمَّاطور. كذلك تحدَّثت السيدة كرامي عن تجربة ناجحة أخرى مع التعاونية الزراعية في بعقلين التي أنشأت معملاً حديثاً لإنتاج الصابون بمواصفات تصديرية.

بعض التعاونيات تحوّل إلى “كونتوار” خاسر بسبب تهرُّب المزارعين من تسديد القروض

أبو شقرا: تجربةٌ ناجحة في مجال عصر الزيتون

في مداخلته، ذكر رئيس التعاونية الزراعية في عمَّاطور محمود أبو شقرا الدور التوجيهي الذي تحدَّثت عنه السيدة كرامي، والذي أثمر عن إنشاء معصرة حديثة لزيت الزيتون في البلدة بمبادرة من التعاونية، حيث أنَّ عمَّاطور تعتمد إنتاجياً على زراعة الزيتون، ومعاصرها أصبحت قديمة العهد تعود إلى الستينات ولا تلبِّي الكمِّيَّات المُنتَجة، وبالتالي حاجة السوق المحلية. لكن أبو شقرا لفت إلى أنَّ هذه التجربة الناجحة لم ترتقِ بعد إلى مستوى تسويق الإنتاج إلى خارج البلدة، كما عبّر عن مصاعب كثيرة لا تزال تعترض التعاونية الزراعية في عمَّاطور، أهمها تقاعس المزارعين المنتمين إليها عن القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

أبو علوان: افتقاد الرساميل يشلُّ عمل التعاونيات

اعتبر رئيس التعاونية الزراعية في الباروك توفيق أبو علوان أنَّ افتقاد الرساميل أو كيفية استخدامها إن وجدت، هو العائق الرئيسي في شلِّ عمل التعاونيات الزراعية في الشوف؛ كما أنَّ افتقارها إلى آلية لتحصيل ديونها من المزارعين، من العوامل المهمة في عرقلة عملها. كاشفاً في هذا الإطار عن ديون لتعاونية الباروك تبلغ أربعة عشر مليون ليرة، لم تستطع تحصيلها منذ ثلاث سنوات. ومع غياب أي صلاحية قانونية تخوِّلها استرداد ديونها، رأى أنَّ التعاونية تحوَّلت إلى دائن من دون جباية. إلاَّ أنَّ واقع الحال هذا، يضيف أبو علوان، لم يمنع التعاونية الزراعية في الباروك من المبادرة إلى إنشاء معمل تصنيع زراعي بتمويل ذاتي ومن مُتبرِّعين آخرين. وينتج هذا المعمل عصير البندورة، ودبس العنب، ومُكثَّف عصير التفاح. لكنه لفت إلى أنَّ المشكلة التي يواجهها هذا المعمل، تكمن في التصريف خارج البلدة، “إلاَّ أننا باشرنا الإعداد لدراسة تهدف إلى التحوُّل نحو الزراعات البديلة كالأعشاب الطبِّية”.

نصر: أين مشروع “مصرف التسليف والإنماء الزراعي”؟

وقال رئيس التعاونية الزراعية في كفرفاقود فؤاد نصر إنَّ الأولوية يجب أن تكون تفعيل ودعم التعاونيات الزراعية القائمة، وذلك قبل البحث في إنشاء التعاونيات المُتخصِّصة وفق التحوُّل نحو الزراعات البديلة كـ: الزراعة العضوية وغيرها. وتحدَّث في مداخلته عن أزمة تمويل تعانيها التعاونيات القائمة، تُشكِّل ثغرةً أساسية في تطوير دورها، مقترحاً في هذا السياق انشاء اتِّحاد تعاونيات زراعية للتكاتف والدعم المتبادل في الانتاج والتسويق، من دون اغفال الاستمرار في التفتيش عن مصادر تمويل، والدفع لتحقيق “مشروع مصرف التسليف والإنماء الزراعي” الذي اتُّخذ القرار بإنشائه، لكنه لا يلقى المتابعة الرسمية الكافية كي يبصر النور بحجَّة عدم توافر مصادر تمويله، بحسب رأي نصر.

زيدان: هيئات دولية دعمت مُبادرة لـ “جمعية أرز الشوف”

وقال الخبير الناشط في حقل الزراعات العضوية والبيئة رائد زيدان إنَّ الهيئات الدولية أظهرت استعدادها لتوفير الدعم المالي للمُبادرات الزراعية المحلية، خصوصاً في مجال الزراعات البديلة كـ: الزراعات العشبية، أو الصناعة الغذائية القروية التي تستخدم فائض المنتجات المحلية، وأعطى مثالاً على ذلك تجربة مرستي، حيث قام “البنك الدولي” وهيئتا التنمية الفرنسية والإيطالية بتمويل مشروع تقدمت به “جمعية أرز الشوف” لتأهيل وتجهيز مشغل لمربِّي النحل والسيدات اللواتي يعملن في تصنيع المنتجات الغذائية القروية وفق مواصفات الجودة الغذائية المعتمدة عالمياً، ومن ضمنها المُربيات والمُقطرات ومُكثَّفات العنب والبندورة والتفَّاح والمُجفَّفات. وأضاف زيدان إنَّ هذه التجربة تدلُّ على أنَّ التعاونيات في حدِّ ذاتها ليست حلاً ما لم تتمّ إعادة النظر في الخيارات الزراعية الحالية باتجاه مواكبة الحاجات الجديدة في السوق.

أبو عجرم: التعاون ليس من ثقافتنا

وأشار الخبير الزراعي حسن أبو عجرم إلى أنَّ المشكلة الأساسية في تجربة التعاونيات هي أنها لا تتعاون، لافتاً إلى وجود نقص في ثقافة العمل التعاوني الزراعي لدى المزارع الشوفي، وهذا على الرغم من اقتناع هذا المزارع بأنَّ التعاونيات الزراعية هي الملاذ الوحيد له، إن لم يكن الأخير، في ظلِّ غياب الدعم والارشاد الزراعيين الرسميين.

جابر: الفسادُ تسلَّل إلى بيئة التعاونيات

وافق الخبير الزراعي رياض جابر على أنَّ إخفاق التعاونيات الزراعية بشكل عام في الشوف، سببه غلبة المصلحة الفردية على روحية التعاون. ويعود ذلك، بحسب رأيه، الى انتقال عدوى الفساد من الطبقة السياسية الى المجتمع الزراعي. وروى جابر تجارب له في هذا السياق، خلال توليه سابقاً رئاسة التعاونية الزراعية في كفرنبرخ ورئاسة تعاونية مُربِّي الدواجن في الشوف. مشدِّداً على ضرورة ايجاد آلية للتسويق الزراعي مستقلَّة لكنها مكمّلة لمهمة التعاونية الزراعية، ومقترحاً في هذا الإطار، إمَّا إنشاء مؤسسات مُتخصِّصة بالتسويق الزراعي، او أسواق لتصريف الانتاج الزراعي تحمي المزارع من المضاربات غير المشروعة واستغلال الوسطاء.

العلي: تقهقر الزراعة انعكس بتراجع العضوية

رئيس التعاونية الزراعية في بريح عبَّاس العلي سلّط الضوء على مؤشر مهم يؤكِّد تراجع التعاونيات الزراعية وتقلُّص تأثيرها على المزارعين، وأعطى مثالاً على ذلك، ظاهرة التسرُّب الذي تشهده تعاونية بريح، والتي تقلَّص عدد المنتسبين إليها من ثمانية وستين مزارعاً الى أقل من خمسة وعشرين. وكشف أنَّ العديد من الذين تخلُّوا عن عضوية التعاونية فعلوا ذلك بسبب تخليهم عن نشاطهم الزراعي الأساسي وتحوُّلهم إلى قطاعات إنتاجية أكثر ربحية، الأمر الذي يطرح مجدداً إشكالية تصريف الإنتاج الزراعي في الجبل.

تفتُّت المُلكيَّات وضعف التنافسيَّة والنزعة الفرديَّة، من بين أهمِّ الأسباب التي أعاقت انطلاقة التعاونيات

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader