قصة إبراهيم بن أدهم (ر)

قصة إبراهيم بن أدهم (ر)

0 359

قصة إبراهيم بن أدهم (ر)

تعدّدت الروايات في أسباب توبته
لكن حياته أصبحت مدرسة للزاهدين

صحب في مكة سفيانا الثوري والفضل ابن عياض
وساح في جميع الأمصار وأنهى مسيرته في جبلة السورية

أن يكون المرء فقيراً وزاهداً في الدنيا فذلك من أسهل الأمور
لكن البطولة ترك الملك والقصور وطلب الفقر في سبيل الله

باع نفسه بدراهم ليساعد فقيراً استجار به
فأهداه الحق تعالى معجزة نقل تل التراب

تعتبر حياة ومجاهدات إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه مصدر إلهام خاصاً للزهاد والسالكين على مرّ الأزمنة ويكاد لا ينعقد مجلس أو يجتمع أشخاص على الذكر أو التباسط في شأن السلوك وآدابه إلا وحضر اسم إبراهيم بن أدهم وحكايته ليصبح هو الموضوع، وقلّما ذكرت حياته ومسيرته الشاقة في التقرب من الله والزهد بالدنيا من دون أن يثير ذلك أرق الأحاسيس ويستدر الدموع من مآقي الجالسين لشدة ما يكتنف تلك القصص من قوة العبرة وعظمة المثال. فمن هو هذا الرجل وما هو سرّه وكيف عاش حياته، وما الذي تحمله حياته الزاخرة بالمجاهدات من عبر وموعظة لأهل هذا الزمان؟

أجرى بعض المؤرخين مقارنة بين مثال ابن أدهم الذي تخلى عن الملك والجاه ليختار طريق العبادة والفقر وبين مثال البوذا الذي اختار أيضاً وبعد سلسلة من التجارب والملاحظات طريق التزهد والتأمل تاركاً وراءه حياة الملوك والقصور والخدم والحشم. وهناك بالطبع القصة المروية عن القديس فرانسيس الأسيزي الثري الإيطالي الشاب الذي ترك أيضاً حياة القصور ليتحوّل إلى زاهد سائح في الأرض ولتصبح حياته مثالاً مضيئاً على المجاهدة وترك الدنيا في سبيل التحقق الروحي.
والملفت أن حياة البوذا وتعاليمه تحوّلتا إلى تيار روحي كبير ومدرسة في السلوك يتبعها الملايين من أهل البلاد الآسيوية كما تحولت حياة القديس فرنسيس إلى الرهبانية المعروفة بإسم “الفرانسيكان”، أما إبراهيم ابن أدهم فقد عاش ومات بعد توبته فقيراً مغموراً لكن حياته تحولت لحكمة ربانية، إلى معين لا ينضب لحكايات الزهد والمجاهدة في التقرّب من الله وباتت أقواله قاموساً طويلاً من المواعظ والنصح والحكم البليغة يستلهمها من أراد ويتخذ منها السالكون مهمازاً لمضاعفة الجهود والتوبة عن الغفلة والجد في السير.
أبرز ما يلفت في قصة إبراهيم بن أدهم هو غياب التسجيل الموثق لحياته واختلاف الروايات حول حقيقته وظروف نشأته وصعوده إلى الملك، كما تختلف الروايات بشأن الأسباب التي أدت إلى توبته وتحوله إلى حياة الفقر والزهد والتعبد. حتى ظروف موته والمكان الذي يرقد فيه تضاربت حولهما الآراء وإن كان من المرجح أنه عاش أيامه الأخيرة في بلاد الشام وتوفي فيها في مدينة جبلة في الشمال السوري حيث يقع مقامه وسط جامع بني على اسمه في تلك المدينة الساحلية الوادعة.
لكن اختلاف الروايات حول حياة هذا الزاهد الكبير قد يكون فيها حكمة أيضاً لأنها حولت حياة الرجل إلى مدرسة روحية زاخرة بالدروس والأمثلة وجعلت منه بالتالي شخصية تاريخية هي في الواقع مزيج من حياته ومن الأمور والكرامات والأقوال الكثيرة التي نسبت إليه باعتبارها تليق به وتنسجم مع المثال الفريد الذي قدمه للأجيال.
إن قوة المثال في قصة إبراهيم بن أدهم، كما في حياة البوذا والقديس فرانسيس وأمثال هؤلاء الرجال تكمن في الشجاعة الاستثنائية التي تتطلب من أي إنسان التخلي عن الملك والجاه والسلطان والتحول إلى حياة الفقر والزهد والسياحة في أرض الله الواسعة. وقد أنعم الله على الفقراء وأهل البساطة في العيش بأن أبعد عنهم مفاسد الدنيا ومباهجها ولهذا فإن اختار أحدهم طريق الزهد في الدنيا فإنه لن يلاقي كبير صعوبة لأنه إنسان خفيف الحمل لا يقيده إلى هذه الفانية شيء. لكن أن يمن الله على الملوك وعظماء الناس بما يجعلهم يستفيقون فجأة ويرمون عنهم أثقال الملك والسلطان ليتحولوا إلى طريق الفقراء فإنه يبدو في نظر العامة مجافياً للطبيعة الإنسانية ويجبرهم على التفكر والتأمل ويحمل لهم درساً بليغاً لأنفسهم. كأن الله تعالى يصطفي هذا النوع من الرجال لكي يوقظوا الناس من غفلتهم بهذا النوع من التضحيات الكبرى، وهذا المثال الحي لرجال صدّقوا بأن الحياة الدنيا لا تساوي فعلاً جناح بعوضة وعملوا بما صدقوه. وقد يكون في مقدور الندرة من الرجال الاقتداء بإبراهيم بن أدهم، لكن المثال الذي قدمه في حياته يبقى في حد ذاته تعليماً حياً ومثالاً صادماً لكل من “كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” (ق:37).

نسبه وصعوده إلى الملك
هو ابن إسحق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر وقيل ابن عامر – العجلي التميمي – فهو عربي كريم الحسب.
ولم يحدد الرواة سنة ميلاده واختلفوا في مسقط رأسه فمنهم من قال بأنه ولد في بلخ في ما هو اليوم أفغانستان، ومنهم من قال بمولده في مكة حين كان والداه يحجان وأن أمه طافت به في المسجد الحرام قائلة للناس : “أدعوا لابني أن يجعله الله رجلاً صالحاً”.
واختلف الأمر كذلك في حال أبيه فذكر بعض المؤرخين أنه كان شريفاً وثرياً من أثرياء بلخ وروى البعض أنه كان أميراً عربياً على خراسان وأنه ورث الإمارة من أبيه، وأن الإمارة قد سعت إليه دون رغبة منه، ونسجت حول ذلك رواية لا تخلو من الطرافة جاء فيها أن أدهم (والد إبراهيم) مرّ ذات يوم ببساتين بخارى وتوضأ بأحد الأنهار التي تتخللها، فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر فأكلها، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس فذهب يستحلّها من صاحب البستان، فقرع بابه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: “ادعي صاحب البستان”، فقالت: “إنه لامرأة”، فقال: “استأذني لي عليها، ففعلت . فأخبر المرأة بخبر التفاحة فقالت له: إن هذا البستان نصفه لي ونصفه للسلطان، والسلطان مقيم في بلخ، وهي على مسير عشرة أيام من بخارى”، وأحلته المرأة من نصفها. وذهب إلى بلخ.
واعترض السلطان في موكبه، وأخبره بأكله للتفاحة واستحلّه، فأمر السلطان أن يعود إليه في الغد. وكانت له ابنة بارعة الجمال، وقد خطبها أبناء الملوك فتمنعت بسبب ميلها إلى العبادة وإتباع الصالحين، فلما عاد السلطان إلى مقرّه أخبر ابنته بخبر أدهم فأبدت رغبتها في أن تتزوجه، فلما أتاه في الغد قال له: “لا أحلّك إلا أن تتزوج ابنتي، فانقاد لذلك بعد تمنّع. ولما دخل عليها عمد إلى ناحية من البيت، وأقبل على صلاته حتى أصبح – ولم يزل كذلك سبع ليال”. ثم تزوجها وقام فاغتسل وصلى ومات أثناء صلاته، فحملت منه إبراهيم. ولما لم يكن للملِك ولد فقد انتقل المُلك بوفاته إلى حفيده إبراهيم.

جامع ومقام إبراهيم بن أدهم في جبلة-سورية
جامع ومقام إبراهيم بن أدهم في جبلة-سورية

سبب توبته
إذا كانت الروايات تختلف كثيراً حول نسب ابن أدهم وظروف صعوده إلى الملك فإن هذه الروايات تتعدد أكثر عند الحديث عن توبته إلى الله واتخاذه طريق الزهد في الدنيا. لكن وبغض النظر عن السبب الذي أوقظ ابن أدهم ودفعه لترك الملك والدنيا فإن كلا من تلك القصص يحمل الكثير من الدروس لنا نحن أهل الدنيا خصوصاً في هذا الزمن الذي باتت فيه الدنيا مشغلة الناس ومصدراً للمفاسد من كل نوع. وبهذا المعنى فإن كلاً من الروايات المتداولة حول توبة ابن أدهم صالح لأن يكون هو سبب التوبة، كما أنها جميعاً صالحة ولا فرق بين أي منها لأن المهم هو التفكر في تلك الروايات وأخذ العبر منها.

الهاتف الذي أوقظه من غفلته
من أكثر الروايات شهرة حول تزهّده ما أورده ابن عساكر من أنه خرج مع بعض أصحابه إلى الصيد، وبينما كان يكرّ ويفرّ جاداً في أثر أرنب يروم رميه، إذا بهاتف من وراء الغيب يناديه بإسمه قائلاً : ” يا إبراهيم ! ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً، وإنكم إلينا لا ترجعون ) يا إبراهيم ! ألهذا خلقت أم لهذا أمرت بها؟ فلم يبالِ في بادئ الأمر. فعاوده الهاتف ثانية وثالثة . فشد لجام فرسه ووقف حائراً من شدة الجزع. ثم هتف به المنادي الخفي للمرة الرابعة . فآمن آنئذٍ أنه صوت الحق ونذير من ربّ العالمين , واطمأنت نفسه من بعد اضطراب, فرجع إلى أهله , ثم جاء إلى راعٍ لأبيه فألقى إليه ما يلبس من حلل الإمارة وحليّها, و أخذ منه أسماله ولف جسمه بها وهام على وجهه.

قصته مع الشيخ الغامض
وفي رواية ثانية أنه كان يوماً في مجلس العرش محاطاً بالأمراء والوزراء وأفراد الحاشية عندما دخل على الجمع شيخ ذو هيبة ألقت الرهبة في قلوب الجمع حتى أن أحداً لم يجرؤ على سؤاله عن هويته أو كيفية دخوله إلى هذه القاعة المحاطة بكل أنواع الجند والحرس. وقد تمالك السلطان ابن أدهم نفسه وسأل الرجل: ما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟ أجاب الشيخ: (الذي يقال أنه سيدنا الخضر عليه السلام متنكراً في تلك الهيئة) إنني أبحث عن نزل لأبيت فيه. أجاب ابن أدهم متعجباً:”هل يبدو لك هذا المكان نزلا؟” عندها سأله الشيخ: هل هذا المكان خاصتك؟ قال ابن أدهم: نعم. أردف الشيخ سائلاً: ولمن كان قبل ذلك؟ قال ابن أدهم كان لجدي. سأل الشيخ: ولمن كان قبل ذلك؟ قال ابن أدهم: بالطبع لمن سبقه. عندها قال الشيخ: أرأيت الآن أنه نزل، إذ أن ساكنيه يقيمون فيه لبعض الوقت ثم يغادرونه. ويقال إن هذه الحادثة والدخول الغامض لهذا الشيخ كان لهما أثر فوري وبليغ في حياة ابن أدهم الذي انتبه آنئذ إلى المغزى العميق لكلام الشيخ وقرر التخلي عن الملك والبحث عن الديمومة الحقيقية في عالم الروح.

حادثة إيقاظ الملائكة له في قصره
وتُنسب توبة ابن أدهم إلى حادثة مختلفة جاء فيها أنه كان يوماً نائماً في قصره عندما سمع وقع أقدام (قيل أنهم ملائكة) فوق سطح القصر وهو أمر بدا غريباً على الرغم من الحرس الذي ينتشر في المكان. هتف ابن أدهم قائلا: أيها الطارقون في هذا الليل من أنتم وما الذي جاء بكم إلى سطح القصر؟ فجاءه الجواب:”إننا نبحث عن جمل لنا فقدناه” أجاب ابن أدهم مستنكراً:” وهل تتوقعون فعلاً أن تجدوا جملكم فوق أسطح المنازل؟ وكم كانت دهشته كبيرة عندما جاءه الردّ بالقول: “وهل تتوقع أنت أن تجد الطريق إلى الله في القصور ووسط أبّهة السلطان؟”.
في قصة مختلفة عن توبته جاء في بعض الروايات أنه كان في رحلة صيد وكان العديد من غلمانه يتقدمون الموكب حاملين عصياً من ذهب يبعدون بها الناس عن طريق موكب السلطان. في تلك الأثناء لاحظ الجمع أن شيخاً جليلاً وضع كرسيّه في وسط الطريق وجلس غير مبال. فتقدم الجند منه وسألوه لمَ جلوسك هنا ألا تعلم أنك تعترض طريق الملك؟ عندها أجاب الشيخ: تقولون ملكاً؟ ويلكم لا تقولوا الملك ولكن قولوا المملوك العبد الخاطئ الفقير، الحقير، الذليل، العاصي. وانشد يقول شعراً:
ليـــس مُـــلكٌ يـــزيله الموت مُلكــــــا انمـــا المُـــلك مُـــلك مـــن لا يموت

فلما سمع إبراهيم كلام الشيخ علم أنه من الصالحين وأنه أرسل إليه ليبلغه أمراً من عالم الحق فهرع إليه وقال له: أيها الشيخ بمَ يصل العبد إلى الكل؟ قال الشيخ “بترك الكل”. فرجع السلطان ابن أدهم عن الطريق ودخل قصره وأمر بغلق الأبواب وتضرع ثلاثة أيام بلياليها ثم خرج على الناس قائلاً: أنا عبد فقير عاص لمولاه ذليل، حقير، وقد زهدت في الدنيا ولذاتها وعزمت على تركها وسلوك طريق الحق.

من أقواله

– ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن.
– إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال ومن ذلل نفسه رفعه مولاه، ومن خضع له أعزّه، ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه.
– اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا حتى صار علمهم كالجبال وعملهم كالذر.
– ما صدق الله عبدٌ أحبّ الشهرة بعلم أو عمل أو كرم.
– من عرف مطلوبه هان عليه ما يبذل.
– ما قاسيت في الدنيا شيئاً أشد علي من نفسي، مرة علي، ومرة لي. وأما أهوائي فقد استعنت بالله عليها واستكفيت سوء مغالبتها
فكفاني والله ما آس علي ما أقبل من الدنيا ولا ما أدبر منها.
– كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّا فهو والذئب سواء، وكل من ذلّ لغير الله، فهو والكلب سواء.
– ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا.
– كان أكثر دعائه: اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك.

قصته مع صاحب البستان
من الروايات الذائعة عنه بعد توبته وتزهّده أنه سار يوماً إلى المدينة فالتقى برجل ضرير تعلّق به وطلب منه بإلحاح صدقة يحصّل بها قوت ذاك النهار. ولما كان إبراهيم فقيراً لا يملك شيئاً فإنه قال له: يا صاحبي إنني لا أملك شيئاً ولكنني أقترح عليك أن تصطحبني إلى السوق وتبيعني وتنتفع بثمني. وبالفعل أخذ إبراهيم بيد الضرير وتوجه إلى السوق حتى وجد أحد كبار التجار الذي اشتراه بخمسة دراهم عارضاً على إبراهيم أن يستعمله عنده لبعض الوقت ثم يطلقه. وقبض إبراهيم الثمن ودفعه إلى الضرير ثم سأل التاجر في أي شيء تود أن تستعملني يا سيدي؟ قال التاجر: إن لي بستاناً وفيه تل تراب، إن نقلته عتقتك. وصدم إبراهيم عندما وجد أن البستان فيه تل كبير لا يمكن حتى لعشرات الرجال نقله حتى ولو عملوا أسابيع بل أشهراً. لم يجزع وقال: “لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، استعنت بالله على هذا الأمر”، ثم قال للتاجر آتني بزنبيل ومجرفة وقرص شعير. ثم بدأ في نقل تل التراب بالمجرفة والزنبيل وأمضى يوماً كاملاً في العمل حتى إذا اتكأ طلباً لبعض الراحة أخذته إغفاءة في ظل شجرة. وكان في المكان أفعى سامة تقتل أياً من العمال الذين يحاولون العمل على نقل التراب. ولكن عندما اتكأ إبراهيم وأخذته إغفاءة جاءت تلك الأفعى وفي فمها عرق من ريحان وجعلت تهشّ الذباب عنه، كما أنه وفي ذلك الحين أيضا وأثناء نومه انتقل تل التراب بقدرة المولى تعالى. وجاء التاجر ورأى العجب العجاب. تل التراب انتقل بكامله والأفعى السامة تقف فوق وجه إبراهيم تهش عنه الذباب. صعق وصاح صيحة أوقظت إبراهيم من غفوته ليجد السيد في حالة من الدهشة والخوف. قال له ما الخطب يا مولاي فهل رأيت مني ما يسوءك؟ قال التاجر: أيها العبد الصالح لا تقل لي مولاي بل أنت مولاي وأنا المملوك، فبالله قل لي من أنت وما هو سرّك؟ أجاب إبراهيم بتأدب: يا مولاي ما كان بيننا أنه إذا فرغ التراب تعتقني وقد زال التراب بقدرة الله تعالى. قال له التاجر: بل أقسمت عليك أن تنبئني من أنت؟ قال إذا قلت لك تعتقني؟ قال أنت حر لوجه الله تعالى، فقال أنا إبراهيم ابن أدهم. قال التاجر: كل شيء معي من بعض إحسانك وإنني قد اشتريت مئة مملوك وكنت مسافراً بهم إلى بعض أقطار ملكك، وأشهدك الآن على أنني أعتقتهم كلهم لوجه الله تعالى.

ضريح إبراهيم بن أدهم
ضريح إبراهيم بن أدهم

سلوكه وأبرز خصاله
من أبرز خصال إبراهيم بن أدهم أنه وهو الملك العزيز الواسع الثراء لم يعتمد في عيشه على الآخرين، بل كان يأكل من عمل يده، ويعمل أجيراً عند أصحاب المزارع، يحصد لهم الزرع، ويقطف الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، وكان قوي البنية نشيطاً في عمله حتى أنه، وفق بعض الروايات، حصد في يوم ما يحصده عشرة رجال، وكان في أثناء حصاده ينشد قائلاً: “إتَّخِذِ اللَّه صاحباً… ودَعِ النَّاسَ جانباً”.
وفي هذا التحول فضل عظيم لأنه كان في إمكانه وهو الملك ذو الجاه أن يتنسك في صومعة وأن يعيش من بعض ما عنده أو ما يتفضل به الناس الذين كانوا يجلّونه ويتشوقون إلى نيل البركة عبر خدمته، لكن إبراهيم بن أدهم أراد أن يضرب أولاً مثالاً على قهر النفس، وذلك عندما ألزم نفسه التي كانت في صدره على أن تستبدل أنفة الملك بالخضوع والقبول بخدمة الناس، ربما في سعي منه للتطهر مما اعتبره آثام الماضي . أما المثال الثاني الذي يقدمه هذا الناسك الكبير فهو إن الزهد في الدنيا يجب أن لا يعني التواكل والإعراض عن طلب الرزق، وأن اكتساب فضائل السمو الروحي يجب أن يحصل عبر اختبار النفس في علاقتها بالآخرين وليس في الهرب من مواجهتهم والصبر عليهم.
ساح إبراهيم في الأمصار الإسلامية ، فجاب خراسان والعراق وقصد الحجاز فزار قبر الرسول الكريم وعرج على مكة المكرمة فحجّ وصحب في مكة سفيانا الثوري والفضل ابن عياض ، وقيل أنه قدم مصر ومرّ بالإسكندرية ثم صار إلى بلاد الشام ونقل عنه بأنه كان يردّد دائماً قـــولــه “ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام أفر بديني من شاهق إلى شاهق فمن رآني يقول حمال وموسوس”. طاف في بلاد الشام في سهولها وجبالها ومدنها وقراها، وزار بيت المقدس، وقيسارية وغزة، وطبرية والرملة وعكا، وعسقلان، والناقورة وأقام بعض الوقت في صور وصيدا وبيروت، والتقى في الأخيرة الإمام الأوزاعي وصحبه وزار الأردن وقضى مدة من الزمن في دمشق وحمص والرستن ورابط في إنطاكية ومرعش والمصيصة وطرسوس وسوقين وفي بعض العواصم والثغور الأخرى مجاهداً ضد البيزنطيين، ويبدو أنه ألقى عصا الترحال في الساحل السوري ولا سيما في جبلة قبل أن يلقى وجه ربّه الكريم في سنة 162هـ. (777 ميلادية) ودفن فيها وأقيم له فيها مقام ومسجد كبير بإسمه يقصده الناس من جميع الأمصار وهو أحد أبرز معالم مدينة جبلة التاريخية.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader