كلمةٌ في كتابٍ وشاعرة

"عَبَقُ السّويداء في قصائد من بعقلين"

الكتب المنشورة للشاعرة جمانة أبومطر
0 14

 

مداخلة الشيخ سامي أبي المنى في حفل توقيع كتاب السيدة جمانة صلاح الدين “وجاءني البحر” في المكتبة الوطنية بعقلين بتاريخ 20-4-2013
جُمانة أبو مطر صلاح الدّين إنسانة مؤمنةٍ مُحبّة، ترسم شعورها في أبياتٍ منثورةً متلألئةً جمالاً وأنساً وذوقاً، وتنثر مشاعرها الرقيقةَ شعراً لطيفاً، تفلشُ جدائله المسترخية على أكتاف الحياة دون عُقَد الوزن والقافية وتعقيدات البحور وتكلّف المعاني.
في كتب السيدة جمانة ولوحاتها تقرأ روحيّة المرأة الأمّ المربيّة وسماتِها.. تقرأ الحنين والجدل وبسمةَ النّغم وخلجاتِ الفصول.. تقرأ الكلماتِ واللمعات ومواسمَ الحبّ وقناديلَ الذكريات، تقرأ الأمَّ والجدّةَ الفتيّة والأختَ الوفية ومحبّةَ الأب وحفيفَ الشعور وحِكَمَ القدر.. تقرأ وتقرأ وتقرأ، وتسافر معها في عالمٍ رائعٍ من اللطافة والأناقة واللباقة، وتنحني باحترام أمام حضورِها المُلفت الجذّاب، أدباً وأخلاقاً وفكراً نيّراً، وهي المُعذَّبةُ الفرحة بسنابل عشقها وطمأنينةِ روحها، والقلقةُ المفتّشةُ دوماً عن الألق الجميل وبريق الحبّ وألوان العطاء.
كأنكِ يا سيّدةَ البحر تأتين إليه راجيةً، وتعودين منه راضيةً، يجيئك البحر من جبال هملايا، من كهوف النسّاك، رذاذاً مُفْعماً بالبخور والورود والعطور وزهراتِ اللوتس المضاءةِ بالجمال، هكذا تقولين، يجيئك حكمةً تسطع بالحقّ، وترانيم صباحٍ آتية من ينابيع المحبة والصفاء.. تأتين إلى البحر أم يأتي البحر إليك، لا فرقَ عندك.. طالما أنّك تتألّمين وتتأمّلين، وكلا الطرفين سبيلٌ إلى صقل الذات، والمؤمنون يتّقون اللهَ فيقيهم، يناجونه فيهديهم، يأتون إليه فيسكن في قلوبهم، على قاعدة الحكمة الإنسانيةِ القائلة: “وأنْ ليس للإنسان إلاّ ما سعى”، وعلى قاعدة التوحيد في الإسلام التي تقول: “إنَّ للّه رجالاً إذا أرادوا أراد”.
تلك هي القاعدة وتلك هي فلسفة الحياة، ولذلك أنتِ مُطمئنةٌ إلى سلامة قلبك وصفاء روحك، ومُدرِكةٌ أنّ الطمأنينةَ تأتي من الإنسان ذاتِه وليس ممّا عداه، لقوله تعالى:”يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنونَ إلّا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم”، وها أنتِ تناجين حبيبَك الأوحد بهمس صلاتك، فيقذف في بصرك البصيرة، لتسْبَحي في بحارٍ صوفيةٍ بعيدة القرار، وتعودين كما أنت، مع تصفيق الأمواج العاتية على الرمال، تعودين براعمَ أملٍ” تنشر شذاها في فضاءٍ مداريٍّ”، وترجِين أن يرفعَك الحقُّ على سفوح حبِّه الكبير ويذريَك من عَلٍ، “أريجاً عابقاً يبلسمُ الجراح” و”يعتُقَكِ من العالم البرّاق”، هكذا تقولين وترتجين، وأنتِ تأملين أن تغسلي وجهَك بدموع السحاب العابر، وأن تَهيمي تحت شعاعاته وفي أنواره، وتتبخّري على مرآته، لتصبحي قطرةً في محيطه الهادر.. تأتين منه وتعودين إليه، في روعةٍ من التعبير والإخلاص والشفافية.
تحلِّقين بعيداً في فضاءات الرّوح، وترتحلين في خضمّ البحار العميقة، تبحثين عن الطمأنينة “والهُنَيهات النورانية”، وتنصهرين كالشمعة عندما تدخلين في حقيقة إشراقة الحق “وتذوبين كالعطر في وجوده العظيم”، وكأنما هناك “حفنةٌ من نورٍ” تشعُّ من داخل المحبّ، “فيرقُّ قلبُه بفرح” و”بسعادة مقدّسة”، ليقودَه الحبُّ إلى حبيبه الأوحد “؛ “مُجيبِ السائلين”، كما تقولين، وذاك هو ما يقولُه التوحيدُ، بأنّ السعادةَ تأتي من داخلِ الذاتِ وليس من خارجها، إذا ما عاشت “عطش الأماني” وطمحت لتحقيق “حُلُم الروح”، وتلك عناوينُ لكتبِك وقصائدك، قرأنا مثيلاً لها لكبار العرفانيين المُنشدين على أعتاب الحبيب، ككمال جنبلاط في ديوانَيِّ “فرح” و “السلام”، وللدكتور سامي مكارم في “مرآة على جبل قاف”، ولغيرهما من الأصفياء الذين سعَوْا من خلال مسلك العرفان إلى المسافرة الروحية في دروب الحبّ والولاء، حيث السكونُ في جنّة التّوحيد وحيث السعادةُ التي لا تغيب.
تحملين في روحكِ عبَقَ السويداءِ من جبل العرب، وتُنشدين من بعقلينَ قصائدَ من القلب والأعماق، وتحملين في عينيك وصدرِك رسالةَ الأمّ الفاضلة، تزرعين الفضيلة في بناتك ومجتمعك وتغنّين لمرابض الشجعان والشرفاء، للصخور الصلبة، جبلاً يعانق جبلاً وشعباً يثورُ لنصرة شعب، وتحلّقين بعيداً في معارج الحق والخير والجمال بكلمةٍ طيِّبةٍ وشعرٍ جميل…
شِعرٍ رقيقٍ يرتقي بعقولنا وقلوبنا نحو السعادةِ والسكينة..
ويُضيءُ فينا العمرَ، يُشعِلُ في شموع الروحِ والجسدِ الفتيلا..
شعرٍ كمثلِ حبائب البلَّورِ.. يلمعُ في ميادين الطفولة
شعرٍ يتوقُ إلى الحبيبِ بلهفةٍ وبرَفّة العين الخجولة
شعرٍ من الوجدان والعرفانِ.. يسبحُ في فضاءاتِ المدينة
وعلى بساط الريحِ يخترقُ الروابيَ والسواترَ والسهولا
شعرٍ يضجُّ سعادةً بهدوئه الروحيِّ.. يبعثُ في حنايا النفسِ والعينِ الفضولا.
الشعرُ عند جمانةٍ يختالُ.. يرسمُ لوحةً..
تزدانُ بالألوانِ… بالإيمانِ.. بالروح الأصيلة
واللونُ يكتبُ بيتَ شعرٍ مُترَفٍ.. يُوحي بأفكارٍ نبيلة
لكأنما الفنّانةُ المعطاءُ تغدو وردةً جوريّةً.. أو نجمةً مُضويّةً..
عطرٌ على عطرٍ، كما نورٌ على نورٍ..
تُرى.. وكأنها جاءت وجاء البحرُ.. يوحي بالأحاسيس الجميلة
مُذ أدركت بالحدس والإلهام ما خلف اشتدادِ الموجِ من مدٍّ وجزرِ..
إذ جاءها جاءته ترسمه.. تُلوّنه..
وتكتبُه بحبر يراعِها الممزوج من نورٍ وعطرِ..
فيصيرَ بحرَ سنابلٍ.. وبيادراً وحقولا..
ويقولَ إنّ الخيرَ يأتي من صميم الذاتِ طوعًا..
لا صراخَ ولا صهيلا..
وبأنّ ما بعد المشقّةِ ليس وهماً أو سراباً عند من يسعى..
وليس البحرُ شيئاً مستحيلا.
تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader