0 41

حفظ الإخوان

مسؤولية جسيمة

في مواجهة حملة الأقاويل والافتراءات سيبقى الموقف هو السعي إلى الهدوء ورص الصفوف واجتناب الردّ على الإساءة بالإساءة بل حتى اجتناب الدخول في جدل مفتوح على الرغم من أن الحقائق واضحة وشفافة والوقائع موجودة ويمكن لأي شخص طلب الإطلاع عليها وهذه البينات أكثر من كافية لهدم تلك الأباطيل وإحراج أصحابها. ثم أن الذين يروجون لهذه الأنباء المسيئة يتجاهلون واقع أن المجلس المذهبي ومنذ صدور قانون العام 2006 بتنظيم طائفة الموحدين الدروز وضع حداً لمرحلة الاستنساب والشخصنة وأقام مؤسسات قوية لها أنظمتها ومحاسبتها وأساليب التدقيق الصارمة على شؤونها. كما أنهم يظنون ربما أنه كلما كبرت الاتهامات وكلما توالت الحملات يكون وقعها أكبر، الأمر الذي يستدرج إلى الرد ثم الرد على الرد فتظهر الساحة الدرزية ساحتين أو ساحات عدة ويهنأ المحرضون في الخفاء على ما يقع بهذه الطائفة الشريفة من بلاء وعداوة.

إن ما شهدناه من قذف الافتراءات وأسلوب التشهير يرتد على أصحابه أولاً، لأنه يبين بوضوح أنهم قابلون للسقوط في الهوى الشخصي ومسالك الكيد والإيذاء بالتهم الباطلة، وهو يرسم بالتالي لدى جمهور الطائفة وعقالها علامة استفهام كبيرة حول مؤهلات هؤلاء الناس وإمكان ائتمانهم على أمور جليلة تتعلق بالشأن العام. إن المشكلة الحقيقية والملحة التي تحتاج إلى معالجة ليست في ما أثير ويثار من أباطيل أو أخبار محرفة أو غير دقيقة، لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، بل في أسلوب إثارة هذه الأمور من قبل أشخاص يرومون في أنفسهم الأهلية للولاية على الناس، هذا الأسلوب المستهجن الذي تم إدخاله في الحياة العامة للموحدين الدروز ليسجل بذلك سابقة لم نشهدها من قبل حتى في أسوأ فترات الخلافات الداخلية. وهو إثارة الشقاق والفوضى ورمي الناس بتسرّع وخفة في أمانتهم وكرامتهم.

وللمناسبة ولتبرئة الذمة كما يقال ننشر في ما يلي نصاً توحيدياً صدر عن مشيخة عقل الطائفة في عهد المغفور له الشيخ محمد أبو شقرا يتناول بصورة خاصة موضوع حفظ الإخوان وآدابه وشروطه. وهذا المبدأ الجليل الذي تقوم عليه حياة الموحدين الدروز يعتبر أساس دستور السلوك وعمود الدين ولهذا فقد اهتم العقال على الدوام بمراعاته والعمل به فكانوا دوماً عوناً لبعضهم البعض على تعزيز التضامن ونبذ الفرقة والإصلاح وسداً منيعاً في وجه محاولات الوقيعة والخلاف أياً كانت ذرائعه وأسبابه. وبهذا المعنى يشدد النص على أن الأُخوة لدى الموحدين الدروز “لا تحتمل المخاصمة ولا المزاحمة ولا المغالبة ولا الغيبة ولا النميمة ولا الوقيعة ولا التهمة ولا قبح الظن”. ولا يوجد في الحقيقة تعريف أوضح لواجب الحفظ والأخوة في الدين أوضح من ذلك، وهذه الواجبات يلتزم بها عقال الموحدين في علاقاتهم وفي مجالسهم ولقاءاتهم فيقدمون في توادِّهم وحلمهم وغيرتهم أمثلة تحتذى في سمو الأخلاق وعلو الهمة ورجاحة العقل. وقد كان لهذه الشيم عبر الزمن الفضل الأكبر في استدرار البركة والتأييد للطائفة في كل مرة حصل عليها افتئات أو عدوان أو حاول البعض الانتقاص منها أو من مكانتها.

يعرِّف النص التوحيدي حفظ الإخوان وآدابه بدعوة السالك لأن “يبذل في سبيل الإصلاح” وأن يكون “باراً حامداً شاكراً، ذاكراً صابراً، تقياً، وفياً، شريفاً، نظيفاً، كريماً، صدوقاً، عاقلاً، عالماً، طائعاً، قانعاً، عادلاً، مفضالاً، شجاعاً” لا ينطق بريبة، ولا يذكر أحداً بغيبة، ولا يكون سباباً ولا حسوداً ولا جحوداً”.

هذه الخصال هي جوهر قانون الأخوة في التوحيد وكل من يخالفها فإنه يأخذ طريقاً آخر هو طريق الهوى ووساوس النفس الأمارة مهما كانت الذرائع والمبررات. لأن طريق السلام واضح وطريق الخصام والشقاق والإفساد في الأرض واضح ولا مجال للتوفيق بينهما.
نسأل الله أن يعيننا على التزام موجبات الأخوة في الدين والصدق في التعامل وأن يهدنا سبل الخير والبر والإصلاح . وفي ما يلي النص التوحيدي حول “حفظ الإخوان وشروطه”.

حفظ الإخوَان وَشروطه

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ً﴾ [آل عمران 103]

واعلم انه لا يتم الإيمان إلا بحفظ الإخوان، وأول المحافظة معرفة، ثم مودّة، ثم إلفة، ثم محبة، ثم صحبة. ولا محبة، ولا إلفة، ولا مودة، إلا بموافقة البواطن لقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر:47) سرهم كجهرهم “والصحبة إذا صحّت شرائطها كانت أخوّة”. وشرائطها إنها لا تحتمل المخاصمة، ولا المخاذلة، ولا المجادلة، ولا الاستهزاء، ولا الازدراء، ولا المزاحمة، ولا المغالبة، ولا الغيبة، ولا النميمة، ولا النقيصة، ولا الوقعية، ولا التهمة، ولا قبح الظن، بل تكون لصاحبك الكبير كالإبن، ولنظيرك كالأخ، وللصغير كالأب، ولوالديك كالعبد، وللأستاذ كالمملوك، وأجل الاخوان والأصحاب أعلمهم، فإن استووا فأعملهم، فإن استووا فأسنّهم، فإن استووا فأقدمهم.

إن أجلّ الاخوان وأتم الأصحاب، أحسنهم خلقاً، وأكثرهم أدباً، وأقدمهم صحبة، وأوفاهم عهداً، وأقلهم حقداً، وأوسعهم برّاً، وأعظمهم احتمالاً، وأصدقهم قولاً، وأصحهم وعداً، وأقربهم قلباً وأصغرهم نفساً، وأكملهم عقلاً.

وعليك بمكارم الأخلاق فإن بها ساد من ساد من جميع العباد، لأنها جمَّاعة للمحامد الدينية، وهي مولود العقل، وبه قامت ومنه ظهرت وعنه خرجت، فكن لها طالباً وفيها راغباً، لعلك تبلغ منها ما يجمّلك في حياتك، ويعود عليك ثوابه بعد مماتك.

“ومن شروط الأخوّة وعنوان المروءة أن توسع على أخيك من مالك ولا تطمع في ماله، وأن تنصفه من نفسك ولا تطلب أن ينصفك. وتستكثر من الجميل ما أسداه إليك، وتستقل ما أسديته إليه”. فمن كان لذلك فاعلاً وعليه مواظباً، ظهرت مروءته وتمّت أخوّته، ووجب له التكريم، واستحق التقديم، وكان من الإخوان المَثني عليهم في كتاب الله العزيز ﴿إخوانا على سرر متقابلين﴾.

واعلم أن أفضل المجالس هي مجالس العلماء. واعلم أن جلساءك ثلاثة: جليس تستفيد منه، وجليس يستفيد منك، وجليس لا تستفيد منه ولا يستفيد منك. فأما الجليس الذي تستفيد منه فلازمه، والجليس الذي يستفيد منك فأكرمه، والجليس الذي لا يفيدك ولا تفيده فاهرب منه.

واعلم أن لا شيء أفضل من الحق وبيانه والعمل به، فمن تمسك بالحق وأمر به ودعا إليه وأوضح مسالكه وهدى اليه فقد بلغ المقصود والمقام المحمود، وحصل من الله سبحانه وتعالى على أفضل مأمول، فابذل في سبيل الإصلاح ما تستطيع واحرص كل الحرص أن لا يفوتك الخير ما وجدت لك إليه سبيلاً، واتبع ما يعينك عليه ويسهل لك الطريق إليه. وكابد الأمر بكل مجهود وكن رقيباً على نفسك بنفسك، ولا تخش إلا ذنبك، ولا تخف إلا ربك، وكن عبداً حراً، باراً حامداً شاكراً، ذاكراً صابراً، تقياً، وفياً، شريفاً، نظيفاً، كريماً، صدوقاً، عاقلاً، عالماً، طائعاً، قانعاً، عادلاً، مفضالاً، شجاعاً، لا تنطق بريبة، ولا تذكر أحداً بغيبة، ولا تكن سباباً ولا حسوداً ولا جحوداً ولا عنوداً، ولا خوّاناً ولا مناناً، ولا تقل ما لا تفعل، ولا تفعل ما لا يرضي الله تعالى. ولا تطلب أن تحصد دون أن تزرع، وعالج أمورك كلها بالإصلاح تلقى النجاح والفلاح. فإذا فعلت ذلك حصل لك خير عظيم وبلغت الى ما يسرَّك في دنياك وأُخراك.

ثم قيد لسانك بالصدق، ونفسك بالقنع وقلبك بالإيمان وجوارحك بالطاعة، وراقب مولاك سبحانه مراقبة من يعلم أنه يراه في أي مكان وعلى أي حال، ولا تهمل معروفاً، ولا تستصغر عملاً، ولا تحتقر أحداً، ولا تقهر يتيماً، ولا تنهر سائلاً، ولا تمنع طالباً، ولا تؤذ جاراً، ولا تبخل بالسلام، ولا تستصغر ذنباً، ولا تستقل عيباً، ولا تقرب الحرام، وان عاداك الزمان وقلّت لك فيه الأعوان فاركب له جواد الصبر، والبس له درع التقى، وتقلد بحسام الحق، واتّخذ ترس التوكل، وحاربه برمح الخوف وقوس اليقين، وارمه بسهام الرجاء، فإنك لا شك غالب غير مغلوب، لأن سلاحك هذا هو سلاح النصر.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader