كيف نفلت من دوَّامة المرض والأغذية الضارة

صحة و غذاء
0 81

الضحى تضع الأسس لثقافة غذائية سسليمة و لقواعد الصحة المستدامة و العلاج الوقائي

يذكُر بعض الكبار في قُرانا أنَّ القطاع الطبِّي قبل سبعين عاماً كان عبارة عن طبيب أو طبيبين يجولان قُرى القضاء على حصان ليتفقَّدا حال الناس في القُرى، وكان كُلَّما دخل الطبيب قرية سأل الناس إذا كان فيها مريض بحاجة إلى عناية. وكان الجواب إمَّا بالنفي، بحيث يتابع الطبيب مسيرته إلى القرية التالية، وإمَّا أن يقال له نعم إنَّ فلاناً أو فلانة في حال المرض، فيتوَّجه إلى بيت المريض ويستخرج من صندوقين مثبتين على جانبي الحصان في ما كان يُسمَّى الخرج، العقاقير الطبيِّة فيُقدِّمها للمريض مباشرة، ثمَّ يُرفق ذلك بمجموعة وصايا ينبغي على المصاب الالتزام بها، وينبئه بأنه سيعود ليرى ما حلَّ به بعد أسبوع مثلاً أو بضعة أيام إذا توسَّم الحال للعودة في وقت أقرب.

لاحظوا أولاً أنَّ أول من يصادفه الطبيب في القرية كان يعرف من الشخص الذي هو في حاجة إلى العناية، وهذا يعني أنَّ السقم كان استثناءً وأنَّ حصول حالة مرض كان خبراً يذيع، لأنَّ أهل القرية كانوا على تواصل وتوادد أفضل، ما يجعلهم يسألون عن المريض.

كما لاحظوا أيضاً أنَّ “صيدلية” المنطقة كان يمكن تحميلها في صندوقين، فلم تكن هناك في قضاء مثل الشوف صيدليات، وكان هناك في القُرى بعض أطباء الأعشاب، كما كانت القُرى تُزار أحياناً من “طبيب مغربي”، وهو طبيب تقليدي تدرَّب ربَّما على كتاب الطبِّ لـ إبن سيناء أو الطبّ النبوي، أو بعض المصادر القديمة المتداولة.

أهمُّ ما يمكن استخلاصه من الكلام السابق هو أنَّ المرض كان في قُرى الجبل استثناءً فعلاً، وأنَّ الصِحَّة والعافية كانتا هي القاعدة في زمن لا يمكن اعتباره بعيداً، لأنَّ العديد ممَّن عايشوا تلك الفترة لا يزالون أحياءً، وقد يكون من الطريف لشباب اليوم أن يتوجَّهوا إلى أيٍّ منهم بالسؤال ليعلموا بأنفسهم عن أحوال تلك الأيام السعيدة. بناءً على ذلك أيضاً نُدرك في صورة خاطفة قدر التدهور المُخيف الذي حصل في صحَّة الناس، وخصوصاً صِحَّة أهل الجبل في غضون سبعين أو ثمانين عاماً، وهي فترة لا تزيد على جيلين. فالصِحَّة اليوم باتت هي الاستثناء والسقم والأمراض من كلِّ نوعٍ، باتت هي القاعدة. وبات العجيب ليس أن تكون مريضاً بل أن تكون في صِحَّة جيدة وأن لا تكون في حقيبتك صيدلية مُتنقِّلة، أو في منزلك “مستودع صغير” للأدوية والعقاقير التي يتناولها أهل البيت. وبدل “طبيب الفَرَس” وصيدليته المُحمَّلة في “الخرج”، أصبح لدينا مئات الأطباء وعشرات الصيدليات المنتشرة على الطُرق والقُرى، وأضف إلى ذلك المستشفيات والمراكز الصحيَّة، كذلك المعدَّات والأجهزة التي يسميها الناس “تقدّم الطب”. لكن إذا كان الطبُّ تقدّم، فما الذي يُفسِّر أنَّ الناس باتوا جميعاً مرضى؟

حقيقةُ الأمر أنَّ الطب تقدّم فعلاً من الناحية التقنية، لكن عِلم الصِحَّة وعِلم الحياة تراجعا بصورة كبيرة، كما تراجعت معهما نوعية البيئة والغذاء وأسلوب العيش التي كانت أساس السلامة الجسدية والنفسية للناس، وأهمّ تلك الظروف هو الاكتفاء الغذائي، إذ كان الناس يأكلون ممَّا يزرعون ويعملون في الحقول وينهضون قبل بزوغ الشمس ليتوجَّهوا إلى الحقول والأرزاق، فيمضون يومهم في العمل والعناية بالأرض، وكان كلُّ الناس تقريباً يُربُّون الطيور، بينما كان البعض يعتني بالماشية ويبيع إنتاجها للقرية.

لأنَّ عِلم الصِحَّة وعِلم الحياة تأخَّرَا، فإنَّ الطبَّ الحديث ليس كافياً. وغالباً ما يقتصر عمل الطِبّ على التعامل مع الأعراض المرضية، لكن لا يمكنه معالجة الأسباب الحقيقيَّة للمرض وقليلاً ما يهتمُّ بها أصلاً، فضلاً عن ذلك، فإنَّ تناول الأدوية غالباً ما يحمل أخطاراً غير منظورة، خصوصاً في حالات الخطأ الطِبِّي التي تكاثرت وتكاثر ضحاياها، أو الآثار الجانبية للكثير من الأدوية.

لهذه الأسباب، ولأنَّ صِحَّة المجتمع هي عاملٌ من عوامل قوَّتِه وحيويَّته، ولأنَّ الجبل يحتوي على العديد من العناصر والمُقوِّمات التي أُهمِلَت ويمكن استغلالها للترويج لحياة صِحيَّة وسعيدة، فإنَّ مجلة “الضُحَى” ستولي اهتماماً خاصاً بشؤون التغذية السليمة والصِحَّة، ولاسيَّما العلاج الوقائي، كما ستهتمُّ بالبيئة وبحمايتها وحماية مكوِّناتها من طيور ونباتات وتكوينات طبيعية. وستتولَّى المجلة إعداد هذه المواضيع بالاستناد إلى أحدث الدراسات العلمية وآراء الخبراء، كما أنَّها تُرحِّب أيضاً بالمساهمات المفيدة في هذا المجال.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader