احفظْ لِسانَكَ فهو حصانُك إنْ خُنْتَه خانَك

0 80
احفظْ لِسانَكَ فهو حصانُك إنْ خُنْتَه خانَك

 

أيامُ التُّرام الكهربائي ركب أحدُهم من ساحة البُرج إلى حيِّ وَطى المصَيطبه في بيروت لزيارة بعض أقاربه. ولما طَلب إليه قاطعُ التذاكر دفعَ بدل القسيمة وقيمتها آنذاك خمسة غروش حجر سورية، فما كان منه إلَّا أنْ مدّ يده إلى جيبه وناوله ليرة ذهبيّة بدل الخمسة غروش والتي تشبهُها بالشّكل واللون، ولكن بعد عودته إلى منزله وتفقُّده دراهمة وجد أنَّه فقد اللَّيرة الذهبية، ثم تذكَّر ذلك أنَّه أخطأ إذ دفعها بدل الخمسة غروش السوريَّة.

تضعضعت أفكاره واحتار في أمره ماذا سيفعل وكيف سيستعيد اللَّيرة، ثم أخذ يُردِّد أمام كلّ من يعرفه عن فقدانها علَّ يساعدُه أحدَهم على إعادتها، لكنْ أخيراً استقرّ رأيُه أن يذهب إلى مدير الشركة وكان يومها السيّد فيليب رزق الله ومركزُه ساحة البرج.

بعد أن دخل عليه أقسم اليمين فوراً أمامه أنّه يتكلم الصِّدق ثم أخبره بما حدث معه. أجابه المدير: “هل تعلم رقم الترام والساعة التي ركبت بها؟”

قال الرجل صدقاً يا سيدي لا أعلم عن ذلك شيئاً وحتّى أنَّ الموظَّف الذي قبض الأجرة منّي لا أعرفه إذا صادفته.

تأكّد المدير في ذاته أنّه صادق في أقواله، لكنّه أجابه قائلاً: استمهلني ساعتين ثم آتني بعد ذلك فلربَّما نكون قد اهتدينا إلى الموظّف المذكور ثم نعيد لك الليرة.

نهاية الوقت المُحدَّد رجع الرجل إلى المدير فنقده الليرة عينَها. تعجّب الرَّجل لهذه السرعة والتوقيت معاً ثم تجرَّأ وسأل المدير قائلاً : “الشُّكر الأول والأخير لجنابكم، رَدّ الله أمانتكم، لكن إذا سمحتم لي بالقول، كيف توصَّلتم إلى معرفة الموظَّف وكيف أعادها إليكم.”

قال المدير: “هذا شعارُنا حفظ الأمانات، وهذا ما نوصي به الموظَّفين والعاملين غير أنَّ الموظف الذي وجدها بعد أن أحصى الدراهم المُحصَّلة في يومه تأكَّد له أنّه خطأ من أحد الرُّكاب فناولني إيّاها قائلاً: إنّها ليست له وهي بذمَّة الشركة إلى أن يظهر صاحبُها. ”

قال الرجل: الحمدلله، الحمدلله إنّه لم تزل هناك أناسٌ أصحاب ضمير حيٍّ كهذا الرجل والحقيقة (إن خليت خَربت) كما يقولون. لكنني أُسائلكم مع بعض الاستغراب أنّه عندما أتيتكم صباحاً وقصصت عليكم الأمر طلبتم منِّي أن أغيب ساعتين ثم أرجع، فما الداعي إلى غيابي هذا واللّيرة كانت بحوزتكم؟

ضحك المدير وقال: لربَّما لسانُكم قد خانكم وسبّب لكم ما أهانكم وأقلق بالكم. قال الرجل: بالله عليك أخبرني كي أتعلَّم من أخطائي.

قال المدير لقد أخبرتم سواكم بما حصل معكم حيث أتى أحدُهم إلينا وطلب منا ما طالبتم به فأمهلناه الوقتَ عينه لاعتقادنا ربَّما لم يكن صاحبُها، وبعد أن أجبناه بأنَّه قد أتى أحدٌ سواه وسأل عنها، آنذاك انسحب ولم يعد.

وحيث إنَّنا اقتنعنا بإجابتكم وصدقِ أقوالكم وقَسَم يمينكم أعدنا إليكم الليرة وإن تأخّرنا ساعتين لكي يبقى بالنا مرتاحاً.

قال الرجل: سبحان الله ما أبصرَكم وما أدهاكم، وما أعلمكم أيها المدير النَّبيل، وصِدقاً ما قالته الكتب السماوية: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، وصِدقاً ما قاله بنو الإنسان: “احفظْ لسانَك فهو حصانُك وإنْ خُنْتَه خانَك”.


الأمير عليّ آل ناصر الدّين ووصيَّتُه إلى وَلَدَيه

 

إياكما وترك سُنن قومِكم وأُسرتكم، فإنَّ ترك هذه السُّنن يخفض منزلة المرء إيّاً كان، واحتفظا بصداقة المخلصين لنا أيّاً كان مذهبهم الدّيني، ولا تقاطعا أحداً حتى تُوقِنا بأنَّه ليس من أهل الوفاء والثّبات، فعندئذ لا يلومُكما في مقاطعته أحد.

لا تَرْكُنا إلى المُرائين المُتَحلّفين فالرُّكونُ إليهم غباوة، ولا تثقا بأصدقاء عدوّكما، إنْ كان لكُما عدوٌّ، فإنَّ صديق العدوِّ عدوّ، وتمسَّكا بالرَّجل بقدر ما يبدو لكما من تمسّكه بشرفه وكرامته، فمَن لا يحفل بالشَّرف والكرامة لا يحفل بالصداقة. ولا تتواضعا لِمُتكبّرٍ أيًّا كان، فليس أدلّ على ذلَّة النفس من التواضع لمتكبّر، ولكن تواضعا للمُتواضع فإنّ التكبُّر على المتواضع دليلُ خِفَّةِ العقل والغطرسة. لا تبطُرا بالثّروة وإن عظُمت، فإنَّ البطرَ بالمال أوضحُ برهانٍ على وضاعة النفس، وهو شأنُ ذوي النّعمة الحديثة، واحتمِلا الإساءةَ من أصغرِ صغير ولا تحتملاها من أكبرِ كبير.

لا تُعاشرا الذين ساءت سُمعتُهم وأخلاقُهم، ولا تمزَحا في المُجتمعات فإن المِزاح يُذْهِبُ الوقار، وليكُنْ سكوتُكما أكثرَ من كلامِكما، ولا تُكثرا التَّجوال فيقلُّ الناسُ إليكما، واستقبلا زوارَكما بمنتهى البشاشة والترحيب فإنَّ للزائر على المَزور حقّاً يجب رعايتُه، وإذا بدرت بادرة تسؤكما من زائر فظٍّ فاحتملاها ولا تُسمعاه كلمة عنيفة، فإنّ إهانةَ الرجل ومن يكن في منزلِكم عَيْبٌ.

وإذا عاندكما الزمان فاعتزِلا فإنَّ العزلَة صَوْناً لمرؤتكما، وإن عاتبكما الناس كونا شديديّ الثقة بالله تعالى. واجتنبا المُحَرّمات وكلَّ ما نُهي عنه، وحذارِ من الطَّمع فإنَّه أخو الدناءة. ولا تغضبا إلّا حين يكون الغضبُ واجباً، ولا تَعِدا إلَّا إذا كنتُما قادرَين على إنجاز الوعد. واعطفا على الأقرباء والأصدقاء المُخلصين كلّ العطف، وإذا شذّ أحدُ الأقرباء عن سواء السبيل فابذُلا النّصيحة لعلّه يرجِع عن غِيِّه، وإن لم يرجِع فالبراءةُ منه خيرُ ما تفعلان.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader