للأرض - للمعرفة - للنهضة

مـن أيــن نـبدأ هل جفــــــــاء الموحِّــدين للأرض قدر محتوم، أو مسار يمكن تبديله؟

0 34

السؤال مطروح وبجدية: هل هجر الموحِّدون الدروز أرضهم؟ وما هي الأسباب الرئيسية وراء هذه الخسارة؟ وهل الجفاء الذي قام مع أرض الأجداد لا علاج عملياً أو واقعياً له؟ هل أصبحنا أُمَّة موظَّفين ودكَّاكين وخدمات وجُباة للريع العقاري؟ هل علينا أن نضع وراءنا تاريخ القرون والدهور من تراث الأرض وحياة القرية ونقبل بأننا أصبحنا شيئاً آخر، جنساً آخر من الناس يشبه كلَّ شيء إلاَّ ما كُنَّا نعتقد أنَّه نحن وأنَّه حقيقتنا الأصلية؟

وإذا كان تطوّر الاقتصاد اللبناني والاقتصاد العربي حولنا عامل أساسي لا يمكن تبديله، وقد نالنا نصيب من آثاره على المجتمعات الريفية في كل مكان في العالم العربي.
وإذا كانت ثورة الاتصالات والعولمة وصناعة الإعلان والغواية قد أصابتنا بموجها، فهل يعني ذلك أنه لم تعد هناك طاقة لنا على التفكير واسترداد حقّ القرار؟ هل يعني ذلك أنَّه من غير الممكن الرد على هذا التفتت عبر خيارات واقعية؟
نشير هنا إلى أنَّ أكثر البلدان تقدُّماً في أوروبا، مثل ألمانيا أو هولندا أو سويسرا أو الولايات المتحدة أو اليابان، تشهد نهضة زراعية وتنوّعاً كبيراً في المُنتجات الزراعية المُتخصِّصة، والتي يمكن إنتاجها بصورة اقتصادية ومربحة وفي حالات عديدة بهدف التصدير. ولن نفصل في هذا المجال، لكن الهدف من هذا المثال هو التأكيد على الزراعة الحديثة والمربحة التي يمكنها أن تعيش جنباً إلى جنب مع التطوّر المجتمعي وتبدُّل العادات؛ كما أنه يشير إلى أنَّ هجرة الموحِّدين للأرض قد لا يكون سببها الأول عدم الرغبة في العمل في الأرض، بل عدم وجود البدائل والخيارات الزراعية التي تجعل من الأرض رأس مال اقتصادياً (عينياً) مُنتجاً ومُربحاً.
وفي هذا المجال، نودُّ التذكير بأنَّ الجبل يشهد حالات فَقر وبطالة صريحة أو مُقنَّعة، وبالتالي فإنَّ مناطقنا تحتوي على فائض عمالة قد يكون جاهزاً للانخراط في نشاطات زراعية مدروسة وحديثة، من حيث أساليبها وتنظيمها وقابليتها على الازدهار والربح، وربَّما التوسّع.

وفي هذه الحال، من أين نبدأ؟

نقطة البداية هي في إعادة تفكير علمية في النمط الاقتصادي للجبل، ويجب أن تنطلق من تحليل حجم التراجع في الاقتصاد الزراعي في الجبل وأسبابه. وفي هذا المجال، يجب طرح السؤال عن تأثير المُلكيَّات الصغيرة مثلاً أو الطبيعة الجبلية أو النقص النسبي للمياه في موسم الصيف أو نوعية الزراعات الموروثة وملاءمتها لاقتصاد تبادلي، أو الطبيعة الفردية للمزارع الجبلي أو أساليب الزراعة غير الملائمة أو الاستخدام المفرط وغير المراقب للأسمدة والمبيدات، وبالتالي الإيذاء المنهجي للبيئة الزراعية الطبيعية.  يجب أن نتذكَّر هنا أنَّ الزراعة التي ورثناها لم تكن زراعة تبادلية، أيّ زراعة تستهدف إنتاج فائض سِلَعي كبير يتمّ تبادله من أجل النقود. صحيح أنَّ بعض كبار الملاَّكين كانوا يمثِّلون حجماً مهماً في الإنتاج وكانوا يبادلون إنتاجهم بالتالي في السوق، لكن أكثر المزارعين في الجبل كان إنتاجهم بهدف الاستخدام المنزلي حتى إذا حقَّق المُزارع فائضاً في بعض السنوات فإنَّه كان يلجأ إلى مبادلته في السوق المحلية بالنقود أو بأغراض عينية. وبهذا المعنى، فإنَّ نمط الزراعة الذي نراه اليوم كان ملائماً أكثر لاقتصاد اكتفائي وليس لاقتصاد تبادلي.
على العكس من ذلك، إنَّ ما نسميه اليوم أزمة الإنتاج الزراعي يُقصد به أنَّ المحصول الزراعي لم يعد كافياً لسدِّ حاجات المواطن الجبلي. وقد شهد هذا المواطن تضخُّماً مطرداً في الحاجات وفي مستلزمات العيش وتربية وإعالة الأُسرة، في وقت كانت إنتاجية الأرض تشهد تراجعاً حثيثاً سنة بعد سنة. إنَّ أزمة القطاع الزراعي تكمن إذاً في تبدُّل نمط الاستهلاك وحاجات الأُسرة والتي كانت في الماضي حاجات بسيطة، ويمكن سدّها عبر زراعة الكفاف أو الاكتفاء النسبي.
لكن السؤال المطروح هنا هو هل يمكن للزراعات التي كانت مناسبة لاقتصاد الكفاف أن تبقى مناسبة لاقتصاد تبادلي يحتاج فيه المزارع لأنَّ يبادل جزءاً من محصوله على الأقل مقابل نقد يُنفقه على حاجاته الأخرى التي وَلَّدها تضخّم الاقتصاد الاستهلاكي؟ علماً أنَّ الاقتصاد الزراعي التبادلي يتطلَّب الآن الالتزام بمواصفات مُعيَّنة، كما يفترض تحقيق إنتاجية عالية وخبرة في الطلب وفي الأسواق وخلق علامات تجارية وخبرات تسويق وترويج، وغير ذلك من المهارات الأساسية التي وعلى الأرجح نفتقدها إلى حدٍّ كبير.

على العكس من ذلك، فإنَّ المزارع الجبلي ما زال على العموم يزرع ما كان يزرعه الأجداد مع استثناءات قليلة تمّ فيها اختبار بدائل مُعيَّنة، كما حصل في “فورة التفاح” في الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي. وعلى الرغم من التطوّر الهائل على جبهة الطلب وتبدُّل أذواق المُستهلكين وتفضيلهم، فإنه لم تجرِ في الجبل حتى الآن أية دراسة شاملة لأحوال الزراعة تستهدف وضع مخطط توجيهي Master plan يساعد على تعيين الميِّزات التفاضلية للجبل (لجهة الدورة الزراعية والعامل الموسمي والقيمة المضافة وسُبل تدوير الفائض عبر عمليات المعالجة أو التصنيع، وغير ذلك من العوامل)، ولم يتمّ بالتالي وبصورة علمية تعيين الزراعات البديلة أو الرديفة ونوعية المنتجات ذات القيمة المضافة ومنهج الزرع وإدارة الأرض والتربة والبيئة؛ كما لم يتمّ تعيين حاجات التأهيل البشري والمهني واستكمال بُنية القطاع عبر مستوياتها أو حلقاتها كافة.
العامل الأهم المفقود هو استراتيجية الترويج واكتساب الزراعات الجبلية قوَّة العلامة التجارية القادرة على الانتشار في العالم. والمقصود هنا ليس فقط خلق العلامة التجارية لك، سلعة أو منتجاً لشركة أو تعاونية، بل خلق العلامة التجارية أو الهوية التجارية لزراعة الجبل بكاملها، بحيث يصبح الجبل مشهوراً بمجموعة من الزراعات أو المنتجات التي تجعل منه مقصداً لشبكات التجزئة أو المُصدِّرين أو المُستهلكين الذين قد يتوجَّهون مباشرة للتسوُّق في مراكزه التجارية المُتخصِّصة.
إنَّ النجاح الكبير لتجربة “جمعية أرز الشوف” قام على الإنجاز الأهم الذي تمثَّل في خلق العلامة التجارية، وكذلك خلق القيمة المضافة المرتبطة بالقيمة الغذائية للعديد من تلك المنتجات التي يتبع في إنتاجها أسلوب الزراعة العضوية. وقد أثبتت تجربة المحميَّة أنَّ هناك طلباً كامناً هائلاً على المنتجات العضوية، هو طلب  يتجاوز لبنان في الحقيقة إلى كلِّ بلدان العالم، وهو ما يمثِّل الآن قطاعاً ناشئاً وسريع النموّ لم يتمّ البحث في كيفية البناء عليه في إعادة توجيه الزراعات الشوفية أو زراعات الجبل بصورة عامة.

علينا لذلك أن نفتِّش بإخلاص عن أسباب تراجع مكانة الأرض وأن نواجه واقعنا الحالي بأمانة وجرأة، لأنه على هذا النوع من المواجهة الشجاعة والعلمية يتوقّف الكثير من مستقبل الموحِّدين ومكانتهم، بل وأمنهم ومناعة وجودهم للأخطار التي لم تدع لهم عبر التاريخ فرصاً طويلة للاسترخاء أو الاستقرار الوجودي.
نوّد التأكيد على أننا نطرح ملف الأرض بصيغة واقعية وعلمية تأخذ في الاعتبار التطوّر الذي طرأ على نمط اقتصاد الجبل بالذات، وعلى مصادر عيش الناس التي ابتعدت في معظم الحالات عن الزراعة ومتفرِّعاتها. وواقع الأمر هو أنَّ الجبل تغيّر وبصورة كبيرة في غضون العقود الثلاثة الماضية، أي منذ ما قبل اندلاع الحرب الأهلية. وهو تغيّر نتيجة لجملة من العوامل المُعقَّدة، منها انعكاسات فورة النفط في الخليج على مداخيل أهل الجبل الذين هاجر العديد منهم للعمل في تلك البلدان، ومنها تبدّل نمط الاقتصاد اللبناني باتجاه المزيد من السيطرة على اقتصاد الخدمات، وضعف التزام الدولة اللبنانية بالقطاع الزراعي غير الممثَّل أصلاً لا في مجلس النوَّاب ولا في المستوى الحكومي، ومنها فورة العقار التي رفعت أثمان الأراضي بحيث بات من غير المجدي، إلاَّ في حالات قليلة، تملّكها للأغراض الزراعية. تبدّل الجبل حتى كادت النشاطات الجديدة، مثل: الوظائف العسكرية والحكومية، أو العمل في قطاعات البناء والتجارة والتجزئة والمصارف وغيرها، تتحوّل إلى المصدر الرئيسي لعيش المواطنين، بينما تراجعت باستمرار حصة القطاع الزراعي من اقتصاد الجبل، وتراجعت بصورة كبيرة نسبة السكَّان الذين يعتمدون على عيشهم جزئياً أو كُلِّياً على نشاطات الزراعة التي جعلت الأرض المهملة أو المُعدّة وحدها لا تبدّل مجرى الأمور، بل يبدّلها فهم المشكلات فهماً صحيحاً ثمَّ العمل على بلورة البدائل والحلول، وتوفير السُبل لوضع تلك الحلول موضع التنفيذ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader