الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

اعلان بيروت

«إعلانُ بَيروت للإعلام الدّينيّ المستـنير»

مكتب الدِّراسات في مَشْيخَة عقل الموحِّدين الدروز خطوةٌ في مسَارٍ حَكيم

بادرَ سماحةُ مفتي الجُمهوريَّة اللّبنانيَّة الشّيخ عبد اللّطيف دَريان في حَفل تنصيبه إلى توصيف كيفيَّات مواجهة المحنة العاصفة بالعالم الإسلاميّ، وهي التَّطرُّف من أيّة جهةٍ أتى، وذلك بالدَّعوةِ “إلى الخيْر قولًا وعملًا ونضالًا وتضحيةً، موضّحًا بأنَّه ليس صحيحًا أنَّ الاعتدالَ ضعيف أو خفيض الجانب، بل هو، مع كونِهِ اختيارًا صعبًا وسط صيحات التعصُّب، “قويّ وقويّ جدًّا بموازين الحياة الكريمة، وصلابة الحقّ، وقيَم الخيْر والعدْل وإنسانيَّة الإنسان”.

لم تكن تلك الدّعوة مجرَّد تعبيرٍ عن موقفٍ مثاليّ تجاه الوقائع، إذ إنَّ سماحتَه ما لبث أن أعلنَ عن التزام دار الفتوى النَّهج والمبادئ والوثائق المُكرَّسة في مواقف مُعلِنة لمرجعيَّاتٍ عُليا في الحقل الرُّوحيّ في مستوى العالم الإسلاميّ حيث أوضح أنَّ “نهجَ السّلم والاعتدال هو نهج القرآن والنّبيّ (ص)، وهو نهج وثيقة الأزهر الشَّريف الصادرة بتاريخ 31 يناير عام 2013 ووثائق إسلاميَّة أُخرى”. كما أكَّد على الاتّفاق التَّام مع وثيقة الأزهر الشَّريف الصادرة بتاريخ 8 يناير عام 2012 والمُسمَّاة بــ: منظومة الحرِّيات الأساسيَّة الأربع: حرِّيَّة العقيدة والعبادة، وحرِّيَّة الرّأي والتَّعبير، وحرِّيَّة البحث العِلميّ، وحرِّيَّة الإبداع الفَنِّي والأدبي”. ومن ناحيةٍ ثانية، في المستوى الوطنيّ اللّبنانيّ حيث أعلنَ عن التّمسُّك بالعيش المُشترَك الإسلامي المسيحيّ، وباتّفاق الطّائف، وبوثيقة الثّوابت الوطنيَّة الصادرة عن دار الفتوى عام 2011 والتي صرَّحت عن تأييدها لها في حينه معظم القوى السّياسيّة من كلّ الأطراف باعتبارها “موقفًا جامعًا عبَّر عن ثوابت الرّؤية الوطنيَّة في العيش المشترك وحماية لبنان”.

يندرجُ هذا الموقفُ في إطار استنهاضٍ عامّ، “رسميّ” بشكلٍ أساسيّ، في جهات العالم الإسلاميّ الواسع، للعمل عبر المؤسَّسات الرَّسميَّة، خصوصًا الدّينيَّة والثقافيَّة والتّربويّة منها، وعبر إطلاق المبادرات الكبرى، بهدف استعادة الوجه الحضاريّ للدِّين الحَنيف في عصر الإعلام المرئي والمسموع، والفضائيّات المتناسلة بإيقاع عجُول. ومعلومٌ أنَّ هذه الوسائل، بحُكم الضرورات المهنيَّة، والوقائع المتسارعة، طغتْ على الحيِّز الأكبر من هوائها المبثوث، الأخبار المتعلِّقة بالإرهاب وبقوى التطرُّف والغلوّ، التي بدورها تملَّكت ما استطاعتهُ من هذه الوسائل تُرَوِّج عبرها لرؤيتها العُنفيَّة، وخِياراتها المتطرّفة التكفيريّة للعديد من مفاهيم الدِّين.

إنَّ مؤتمراتٍ عدَّة انعقدت في هذا السِّياق في السّنوات الأخيرة المُنصرمَة، منها ما تطرَّق إلى مواضيعَ في العُمق الفِقهيّ والتّفسير العقديّ في دراساتٍ نهَجتْ سبيلَ المواجهة العِلميَّة “للأفكار المُنحرفة والمفاهيم الخاطئة “حول كثيرٍ من القضايا والمفاهيم الإسلاميَّة التي من شأنها أن تشكِّلَ منظورَ الرؤية للعالَم وللعصر الّذي نعيش فيه. ومنها ما يُمكِن اعتباره من الرَّوافد الحيويَّة لهذا المسار، نتوقَّف هنا عند آخرها الّذي انعقد في دار الفتوى تحت عنوان “الإعلام الدِّينيّ في تعزيز قِيَم التّسامُح والاعتِدال”.

طرح سماحةُ المُفتي في كلمته مسائل هامَّة في هذا الاتّجاه داعيًا إلى إنشاء شبكة إعلاميَّة فضائيَّة، واستحداث مواقع من شأنها أن تُقدِّمَ للشباب فُسحةً نضرةً وحيويَّةً عبر المُنافحة عن الإسلام بأساليب مميَّزة، تسمح أيضًا بمحاورة الآخَر المخالِف والمختلِف، على أن يتزامنَ ذلك مع وضع مناهج تعليميَّة دينيَّة وعِلميَّة، وتأهيل أئمَّة المساجد بأساليب علميَّة ونفسيَّة وتربويَّة، ملمِّحًا بأنَّ التّقصير في هذا الحقل، وسط ظواهر العنف والتطرُّف السائدين، سيؤدِّي إلى السّقوط في الهاوية.

سجَّل المؤتمرُ الذي شارك في افتتاحه شيخ عقل طائفة الموحّدين الدّروز الشّيخ نَعيم حسن مؤشِّرات عدَّة دالَّة على التَّصميمِ في المضيّ قُدُمًا في سبيلٍ تحديثيّ للمقاربة العامَّة للخطاب الإسلاميّ. منها مشاركة المُفتِيْنَ في تقديم الدّراسات لبحث الإشكاليَّة بالتّرابط مع الوقائع التي يواجهونها، وحضور بعض ذوي الاختصاص عبر تقديم بحوث واقتراحات، وفتح باب المناقشة والحوار، والخروج بتوصيات، وتُوِّجَت هذه المؤشِّرات بإصدار وثيقةٍ سُمِّيت بــ “إعلان بيروت للإعلام الدّينيّ المستنير” وقَّعها مُفْتُو لبنان ومصر والأردن. وتضمَّن الإعلانُ التزامًا بالخطاب الدّينيّ الإصلاحيّ والوسَطيّ، وبتطوير إعلام دينيّ مستنير، وبالتعاون بين دُور الإفتاء وتبادُل الخبرات والزيارات، والدّعوة إلى إنشاء “مَرْقَب” للعيش المشترك. إنَّ مضامين هذه الالتزامات تنسجم كُلّيًّا مع المسار العام المذكور آنفًا، ومن شأن المفاعيل النّاتجة عن التقدُّم في الخطوات التنفيذيَّة العمليَّة أن تعزِّزَ فضاء “اللّغة السّمحاء” التي هي التّعبير الأرقى عن مقاصد الدِّين الحنيف.

“السَّماحة” و “التَّسامُح”
طُرحَ في فعاليَّات المؤتمر الحِواريَّة سؤال حول بعض التّحفُّظات المتواتِرة بشأن الفرق بين مُصطلحَيْ “السَّماحة” و “التَّسامُح”. ونَحَتْ كلُّ إجابةٍ من الإجابتيْن منحًى مختلفاً من دون الدُّخول في التّفصيل، وحتَّى من دون ذِكْر العامل الأساسيّ لإثارة تلك التّحفُّظات. ولا بدَّ من الإشارة إلى الإطار العامّ للمسألةِ بشكلِ مدخلٍ إلى إشكاليَّةٍ يُستحسَنُ درْكُ أبعادها نحو المزيد من الوضوح.

لقد أُخِذَ مفهومُ “التّسامُح” على محمَل الفعاليَّة الفلسفيَّة/الدِّينيَّة/السّياسيَّة، خصوصًا، منذُ الرّبع الأخير للقرن السابع عشر، حين كتب جون لوك، الفارُّ من الاستبداد الدّينيّ إلى هولنده عام 1682، ما أسماهُ “رسالة في التسامُح” بتحريض من صديقه اللّورد شافتسبري “المُلتزم بالتسامح” في إنجلترا في أجواء الشّقاق الدّيني الذي كان سائدًا في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، ونشرَها بإغفال ذِكر اسمه عام 1689. كان يقصد بـ: التّسامح الدّيني بمعنى “إنه ليس من حقّ أحد أنْ يقتحمَ باسم الدّين الحقوق المدنيَّة والأمور الدنيويَّة… ولهذا فإنَّ فنَّ الحُكم ينبغي ألّا يحمل في طيَّاته أيّة معرفة عن الدِّين الحقّ؛ ومعنى ذلك أنَّ التَّسامح الدّيني يستلزم ألَّا يكون للدّولة دين لأنَّ خلاص النّفوس من شأن الله وحده…”. (“رسالة في التسامح”، تر. منى أبو سِنّه). كانت مقاربة “لوك” تتمحور حول “الفصل بين الكنيسة والدّولة فصلًا حادًّا… فما هو قانوني في الدّولة لا يمكن للكنيسة أنْ تجعله مُحَرَّمًا وممنوعًا” (د. بدوي، الموسوعة الفلسفيّة). كان هذا تطوُّرًا في مقاصد المفهوم الذي استمرَّ وبات “في آخرِ المطاف يشمل الفكر الحرّ” (موسوعة لالاند)، وأكثر ما جسَّد هذا الأمر في الزّمن الحديث هو ما صدر عن المؤتمر العامّ لليونسكو المنعقد في مدينة باريس عام 1995، إذْ اعتمدَ نصًّا اتَّفقت عليه الدّول الأعضاء في مُنظّمة الأمم المتَّحدة للتّربية والعلم والثقافة هو “إعلان مبادئ بشأن التّسامح” تضمَّن الالتزام باتّخاذ “كلّ التّدابير الإيجابيَّة اللّازمة لتعزيز التّسامح في مجتمعاتنا لأنَّ التّسامح ليس مبدأً يُعتـزّ به فحسب، ولكنَّه أيضًا ضروريّ للسَّلام والتّقدُّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ لكلِّ الشّعوب”، بعد ذلك أطنب الإعلان في ذكر كيفيَّات القيام بهذا الالتزام، ليس فقط في كلِّ دولةٍ ضمن حيِّز سيادتها، بل وبين كلّ الدول الأعضاء في مستوى “الأسرة الدّوليَّة”.

يمكن اختصار المآخذ على استخدام مفهوم “التَّسامح” بصيغة المُقاربة “الدَّوليَّة” بما ذكره د. الجابري في كتابه “قضايا في الفكر المعاصر” في فصل “التّسامح بين الفلسفة والدِّين والإيديولوجيا”، وخَلُص فيه بعد مناقشة الإشكاليَّة إلى القول بأنَّ “فلاسفة التنوير في أوروبا وَقَعوا في تناقض صارخ حينما رفعوا شعار التَّسامح لتجاوز الخلافات الدِّينية، وعدلوا عنه إلى نوع من اللّاتسامح عندما تعلَّق الأمر بالقضايا السّياسيَّة والوطنيَّة… إنَّ عالَمًا يفتقرُ إلى العدل، وإلى الاعتراف بالآخَر وبحقّه في تقرير مصيره… هو عالم مبنيٌّ على الظُّلم… وبالتَّالي فلا معنى لرفع شعار التَّسامح ضدّه إلَّا مقرونًا بالعدل”.

أمَّا مفهوم “السَّماحة” في اللُّغة فهو يُفيدُ الجُود، ويُقال: “سَمُحَ”، إذا جاد وأعطى عن كَرَمٍ وسَخَاء. وفي الاصطلاح هو التَّيسير وعدم القهر. ويُقال في المسلكِ “مِن طبيعة النَّفس السَّمْحة أنْ يكون صاحبُها هيّــنـــًـا ليّنــًـا… يُلاحِظُ جوانب الخير في كلّ ما تجري به المقادير.” (نضرة النعيم). وبالإجمال، فإنَّ مفهوم “السّماحة” يقرِّب إلى الشّمول في المعنى الأخلاقيّ الرَّفيع الذي فيه اكتمال العقل المُسْتَنير بمقاصدِ الشَّرع الحنيف المتعلِّقة بكلِّ ما هو: أمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المُنكر، ولا يستقيم إلَّا بالاعتدال والحِلم والاستشعار العميق لسموّ أدب الدِّين. وفي الحديث الشّريف: قيل لرسول الله: أيُّ الأديان أحبُّ إليك، قال: الحنيفيَّة السَّمْحة. وقيل هي التي تلائمُ فِطرةَ النّاس، لا غُلوّ فيها ولا تقصير.

وفي كلّ حال، فالسَّماحة تشمل فيما تشمل معنى التَّسامح بالدَّلالة الأخلاقيَّة للكلمةِ، وتتجاوزه بكثير من الدَّلالات في باب قِيَم السُّلوك الأخلاقيّ المتكامل على حدِّ الوسط الَّذي لا يغيب عن ميزانه العدل الَّذي به تستقيمُ أمُور النّفوس والمُجتمعات وأنظمة الحُكم.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي