ألم ترتوِ إسرائيلُ بعدُ مِنْ دماءِ شَعْبِنا الفِلسطينيّ؟
“لقد باتَ اسمُ غزّةَ يبعثُ على الألمِ هذهِ الأيام”.
هذا هو التّعليق الحزين للبابا فرَنْسيسِ الأوّل، بابا روما، على أعمالِ القتل الإسرائيليّة الجماعيّة الجارية بحقّ المُتظاهرين الفِلسطينييّن العُزَّل من أبناء قطاع غزّة.
لا حدودَ، كما يبدو، لِشَهيّة القتل الإسرائيليّة حيال الفلسطينييّن العُزَّل على حدود قطاع غزّة، والتي حصدت في يوم واحد، “الاثنين الأسود”، 14 أيّار 2018، أكثر من ستّين شهيداً وألفي جريحٍ وإصابات بعضهم فوق المُتوسّطة!
لم يرفَّ للقيادة الإسرائيليّة جَفْنٌ، ولم تردعها القوانين الدوليّة الصّريحة، وهي تنشر مئة قنّاص على حدود غزة فيقتلون الفلسطينييّن المدنييّن العُزّل في الداخل بعيداً عن حدود القطاع شيوخاً ونساء وأطفالاً ومُعوّقين وصحافييّن، وهو أمر لا يحدث حتى في حالة إعلان الحرب الصّريحة الشّاملة بين دولتين.
ولِفَهم ما يجري نقول: إنّ القتلَ الجماعيَّ المُتَعَمّد هذا من جيش نظاميّ بحقّ مدنييّن عُزّل يرفعون شعارات سياسيّة تتناول حقوقهم الوطنيّة الشرعيّة في عاصمة بلادهم لألفيِّ سنة، وفي مواجهة قرار الرّئيس الأميركي نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس والاعتراف بها، على نقيض كلِّ القرارات الدوليّة، عاصمة لدولة إسرائيل، لا يجد تفسيره التّام إلّا في ضوء حقيقتين ساطعتين مُتكاملتين:
الحقيقة الأولى: عُزلة إسرائيلَ المُتعاظمة. إذ لم تَعُدْ إسرائيل قادرة يوماً بعد يوم على تحمّل الكلفة السياسيّة العالية للاحتجاجات الفلسطينيّة السَّلميّة أمام شعبها والعالم معاً، فهي لم تعد تملك في مواجهة ذلك غير إظهار وجهها الحقيقيّ، وجه القوّة العمياء المُتَوحّشة. لقد كان استخدامها لهذا القدر غير المسبوق من العنف والقتل العشوائيّ للمدنييّن ردّاَ منها على عزلتها السياسيّة عالميّاً، كما كان بياناً علنيّاً بفقدانها للشرعيّة القانونيّة والأخلاقيّة.
أمّا الحقيقةُ الثانية السّاطعة فهي الصّمود الأسطوريّ للشّعب الفلسطينيّ. فما من شعبٍ آخرَ على وجه الأرض تحمّل أكثر من تسعين عاماً (1922-2018) من الحرب المستمرّة دفاعاً عن حقّه البديهيّ في ترابه الوطنيّ، وفي مُواجهة مشروع صهيونيّ غاصبٍ دعمته القوى الكبرى كافّة وهدف إلى اقتلاعه بالقوّة من أرضه، وتغيير هُوِّيَّة الأرضِ والأمكنة، ومُحاولة مَحْوٍ ذاكرةٍ تعود إلى ألفي سنة على الأقل، كما استثمر الصّهاينة والغرب في مشروعهما الاستعماريّ كلَّ ما يملكون من ثروات اقتصاديّة وماديّة، وقدرات سياسيّة وديبلوماسيّة، ومن تفوّق عسكريّ وعلميّ وتكنولوجيّ في محاولة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً لتغيير هُويّة أرض فلسطين واقتلاع شعبها ورميه لاجئاً باتّجاه المنافي وإخضاع من صمد وبقي في أرضه بالقوة. لكنّ المشروع المجنون بقي كما اتّضح مشروعاً يائساً ومستحيل التّحقُّق. فإذا هو اليوم، بعد مئة عام من إطلاقه، وبعد سبعين عاماً من تسليم المُنتدب البريطاني “دولة” فلسطين للعصابات الصهيونيّة، أكثر صعوبة بل استحالة ممّا كان في أيّ يومٍ مضى، فالأجيال الفلسطينيّة الجديدة تفاجئ العالم اليوم، وهي تبدو وبالممارسة شديدة المِراس، وأكثر تصميماً حتى من آبائهم وأجدادهم على منع تحقيق الحُلُم الصّهيوني وعدم السّماح بخَسارة الأرض وفقدان هُوِّيَّتها، وإذا هم، وهو ما أذهل الإسرائيليَّ، أكثر استعداداً للتضحية بكل شيء، حتى بالدماء، دفاعاً عن حقِّهم التّاريخيّ في كلّ شبرٍ من الأرض الفلسطينيّة المُقدّسة – وما الانتفاضاتُ الفلسطينيّةُ الثلاث الأخيرة غيرَ دليل واحد من بين أدلّة أُخرى كثيرة على الدّور المركزيّ الحاسم الذي لعبه الشّباب، بل الفتيان، في منع تكريس اغتصاب الكيان الصهيوني للأرض الفلسطينيّة.
هذا الصّمود الأسطوريّ حملَ أكثر من كاتب يهوديّ، في الدّاخل أو الخارج، على التّعبير علانيّة عن الخلاصة التي انتهوا إليها وهي ألّا مستقبل لدولة إسرائيل على أرض فلسطين، وأنه لو كان للفلسطينييّن أن يخسروا حربهم الوطنيّة – كما يحلم الاستراتيجيّون الصّهاينة – لكانوا خسروها من قبلُ، وغير مرّة، وهو ما لم يحدث.
ومع ذلك، فاللّافت، بل المُسْتَهْجَنُ، حقّاً هو سكوت العالم على الجريمة الإسرائيليّة المُتمادية بحقّ شعب قطاع غزّة، والشّعب الفلسطينيّ عموماً. فما كان في وسع “دولة” إسرائيل أن تمارس تكراراً هذا المقدار من أعمال القتل والقوّة الغاشمة بحقّ المدنييّن الفلسطينييّن لو لم تتلقَّ الدّعم، أو غضّ النّظر على الأقلّ، من قوى العالم “المتمدّن”، ما سمح لها أن تُطلِق آلتها العسكريّة العاتية، وصولاً إلى استخدام المُقاتلات، ضدّ مدنيّي قطاع غزّة. وقد عبّرت الصّحافة العالميّة المحايدة، نسبيّاً عن هذه الحقيقة في مواجهة الانحياز الأميركيّ الذي لم يسبِق له مثيل، كما أدانت السّكوت، الذي يشبه الموافقة، من دول كُبرى مثل استراليا وكندا وروسيا وغيرها. أمّا الأمم المتّحدة ووكالاتها فلا تَسَلْ عن مقدار عجزها وسخافة مصطلحاتها، من مثل عدم “التّناسب” في استخدام القوّة بين إسرائيل والفلسطينييِّن، وقد عبّرت صحيفة Irish Times الإيرلنديّة عن الخُبث الكامن في المُصطلح ذاك الذي يتردد في أدبيّات الأمم المتّحدة والدّول الغربيّة، فاعتبرته “تبريراً لأعمال القتل الإسرائيليّة بحقِّ الفلسطينييِّن”.


إنّ استخدام إسرائيل للأساليب النازيّة كاملة، كما عبّر عن ذلك الرَّئيس التُّركيُّ أردوغان، لا يجب أن يبقى دون مواجهة أو عقاب، ولا يجب ترك الشعب “الغزّاويَّ” والفلسطينيَّ عموماً يجرّ صليب آلامه وحيداً في جُلجُلةٍ لم يسبِق لها مثيل. وعليه فالتّحرّك الكُوَيْتيّ في مجلس الأمن، والسّعوديّ في جامعة الدّول العربيّة، والإسلاميّ في منظّمة العالم الإسلاميّ، هو أبسط واجبات العرب والمسلمين حيال القدس وفلسطين وحماية مقدّساتها. ويجب الانطلاق من موقف قداسة البابا فرنسيس الأوّل لبناء موقف مسيحيّ – إسلاميّ عالميّ يُلقي بثِقله خلف الشّعب الفلسطينيّ ويعطيه الأمل في أنَّ العالم لم يخلُ من القِيَم، وأن مُمَثّليّ الأديان الرّئيسيّة في العالم لا يزالون حريصين على ما تُمثّله القدس للدّيانات كافّة، وباعتبارها عاصمة روحيّة للعالم أجمع – وللقِمم الرّوحيّة اللُّبنانيّة دور بارز في هذا المجال.
أمّا من دون مواقف الحقّ الأدنى تلك، فسيوغلُ الكيان الصهيونيّ في غِيّه وباطله وسيزداد شراسة في استخدام عنفه الأعمى بحقِّ المدنييِّن الفلسطينييِّن– وقد أشار بيان المجلس المذهبيّ لطائفة الموحِّدين الدُّروز، الذي سنورد نصّه الكامل في الفقرة التّالية، إلى ذلك بوضوح.
ونختم بالقول: إنّه آنَ أوانُ الانتقال من الإدانة اللّفظية لمواقف الرّئيس الأميركيّ ترامب، التي بلغت ذروتها في قراره المُتَعسّف بتاريخ 15 كانون الأوّل 2017 بنقل سفارة بلاده إلى القدس، على نقيض كلِّ القرارات الدوليّة ذات الصّلة، إلى مواقف عمليّة تذكّره – وهو البراغماتيكي – أنّ للولايات المتّحدة من المصالح مع البلدان العربيّة أضعاف ما لديها مع إسرائيل.
كما يجب الارتقاء بمواقف ممثّلي الدّيانات الكبرى في العالم، وبخاصّة الإسلاميّة والمسيحيّة، إلى مستوى تقدير هَوْل “المذبحة” الجارية بحقِّ الفلسطينييِّن، والجريمة التاريخيّة التي تتفتح فصولاً بحق فلسطين، والقدس على وجه الخصوص.
إنّ للقدس ربّاً يحميها، من دون أدنى شكٍّ، ومهما طال زمن العدوان الصهيونيّ بحقِّها، إلّا أنَّ الدّعم المعنوي والمادي لشعب القدس وغزّة وفلسطين، بعامّة، هو أيضاً مهمّة عاجلة لا تحتمل التّسويف أو التّأخير، ومن غير العدل أنْ يُترَكَ الأخوةُ هؤلاء وحيدين في مواجهة آلة القتل الإسرائيليّة العمياء.
ولأهلِنا في فِلسطين نقول: “…صبراً على الغضب”، فأشدُّ ساعاتِ اللَّيل عتمةً هي تلك التي تسبق انبلاج الفجر. وفجرُ الحقوق الوطنيّة للشّعب الفلسطينيّ آتٍ، بلا رَيْب؛ فدولةُ الباطلِ ساعةٌ، أمّا دولةُ الحقِّ فإلى قيام السّاعة.
والله وليّ التوفيق.
رئيس التحرير
د. محمّد شـيّا