الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الإحســـــان

الإحسان في اللغة العربية من أكثر الألفاظ تعبيراً عن الحسن والجمال والإتقان في عمل البرّ والعطاء والفضل به، ويعني تحسين الشيء وإتقانه، والقيام به على وجه أكمل وأفضل، وهو مشتقّ من الجذر العربي «حسن” الذي يعني الجمال والطيبة.

والإحسان لا يقتصر على عمل الخير، بل يشمل أيضاً معاملة الآخرين بالسخاء والرحمة، ويُعتبر من أسمى الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الإنسان في مختلف جوانب حياته.

لكن، بالإضافة إلى هذه المعاني اللغوية الجليلة، فإن الله تعالى أعطى للإحسان معنىً عظيماً، وجعل له مكانته الخاصة جدّاً، إذ هو ليس معنىً عائماً عامّ الدلالة بعموم المدلول اللغوي، بل الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، بل هو غاية العبادة ورتبته الأسمى.

ومن أجل تنبيه الناس على هذه المنزلة القصوى للإحسان، وحتى لا يفهم المسلمون دينهم فهماً سطحياً ساذجاً، وبالرغم من ذكر الله للإحسان والمحسنين والمحسنات كثيراً في كتابه العزيز، احتاج إيصال معنى الإحسان لألباب العباد أمراً من العزيز المنان، أن يتمثّل ملك الوحي جبريل – عليه السلام – في صورة بشر ويدخل على الرسول الكريم ﷺ وهو في مجلسه بين أصحابه، ويسأله ويستجوبه، ويشهد أصحابه هذا الحوار المثير للدهشة بين الرجل الغريب والنبيّ، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»، فرُسمت في أذهانهم لوحة ربانية فيها من التعليم الإلهي ما يكفي لينقش في صدورهم وصدور من يأتي بعدهم إلى يوم الدين، رتبة الإحسان العليا، درجة ثالثة فوق الإسلام والإيمان.

وعلى هذا فإن كلّ محسن مؤمن، وكلّ مؤمن مسلم، ولكن ليس كلّ مسلم مؤمن كما بيّنه الله تعالى في كتابه العزيز: ( قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُواْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ ) [الحجرات: 14]، وليس كلّ مؤمن محسن، لقوله تعالى: ( وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ) [يوسف: 106].

فالمحسنون هم أهل الخواصّ الذين نزع الله من قلوبهم حبّ الشهوات والأعراض الخفية، وأسقط عن جوارحهم الذنوب والمعاصي المردية، وأسبل عليهم من نوره ورعايته ما أوجب لهم الخشية والإنابة والخشوع والرهبة والمراقبة لله تعالى.
وخير ما عُرِّف به الإحسان، ما قاله الرسول ﷺ: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». وعلى هذا يكون الإحسان على مرتبتين أو مقامين: أدناهما «مقام المراقبة” وهو أن تعبد الله على أنّه يراك، حيث يعلم العبد ويتيقّن أنّ الله مشاهدُه ومعاينُه ومراقبُه في كلّ عمل من جوارحه، أو نطق من لسانه، أو خطرة من فكره، أو وهم يقع في قلبه. وأعلاهما «مقام المشاهدة” وهو أن تعبد الله كأنّك تراه، وهذا مقام عظيم، وأهله عزيزون، هم قوم تجرّعوا مرارة المكابدة، وصدقوا الله في معاملته، واغتنموا سلامة الأوقات ومهل الزمان، وأماتوا شهوات النفوس، ترى أرواحهم تتردّد في أجساد قد أذابتها الخشية، وذلّلتها الخدمة، ويسرْبلها الحياء، وصمّها القرب، وأسكنها الوقار، وأنطقها التذكار، وخالفها السهر، وأنطقها الحذر، أنيسها الخلوة، وحديثها الفكرة، وشعارها الذكر، شُغلها بالله متصل، وعن غيره منفصل، نفوس ساسها وليّها وحفظها باريها.

وثمار الإحسان في العبادة عظيمة وكثيرة، وهي دنيوية وأخروية، فالمحسن يجد ثواب إحسانه مبروراً في الدنيا وبين أبنائها، مطمئن القلب سعيد النفس، وموفوراً في الآخرة عند مليكها ومُلاّكها، مضاعف الأجر والثواب. لذلك كان الإحسان هو جوهر الإسلام وروحه، وهو مقياس تفاضل العباد عند الله، فمن ارتقى إلى درجة الإحسان بلغ أعلى مراتب القرب من الله.

والإحسان منهج يجمع بين العبادة الصالحة لله القائمة على عقيدة التوحيد، وبين المعاملة الطيبة، لأنها كلٌّ لا يتجزأ. فعندما يؤمن العبد تمام الإيمان بعبوديته لله تعالى، يكوّن ضميره وسلوكه مع ما يحبّ هذا الربّ المعبود، فتتعدّد عبادته وتغدو أعمالاً تترجم ما يسكن في قلبه من تقوى الله عزّ وجلّ ومراقبته، وتنقلب أعماله كلّها إلى عبادة عندما يخلص فيها النية لله وحده. فإذا تربّى الناس هذه التربية، تحوّلت حياة المجتمع بهذه النماذج الصالحة إلى وحدة متماسكة متينة البنيان، تحكم أفرادها علاقات جماعية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية ترتكز على أسس المنهج الرباني السليم القائم على الإحسان في كلّ شيء، وهو الدرجة التي تسمو فوق العدل وفوق كلّ شيء، وتتجاوز إلى البرّ والإكرام، فهو الفضيلة التي تجعل صاحبها من أصحاب الفضائل والأخلاق القويمة، لأنه يعني الرقيّ بالنفس بعد مغالبتها ومجاهدتها إلى مستوى رفيع، بالعفو عن المسيء، والصفح عن المذنب، وصنع الجميل لذاته، لا لدفع مغرم ولا لكسب مغنم، بل حبّاً في الله وإيثاراً لمرضاته، لأن من الأخطار المحدقة بأبناء هذا العصر أن يقوم المسلم بعبادات كثيرة لله ربّ العالمين دون أن يقرن ذلك بالإحسان في العبادة، أي الإخلاص فيها.

ولأن العنصر الأهمّ في الطاعة هو قبولها من المثيب عليها، ولما كان شرط القبول هو التقوى، قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) [المائدة: 27]. فكان حريّاً بالإنسان أن يخاف على عمله أن يكون مردوداً، والذي يفسد العمل هو الرياء، وهو الشرك الخفيّ الذي حذّر منه الرسول ﷺ بقوله: «أيّها الناس! إيّاكم وشرك السّرائر». قالوا: يا رسول الله، وما شرك السّرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلّي فيزيّن صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السّرائر».

وعلاج هذا الداء يرجع إلى العلم بأن الله يراك ويطّلع على سريرتك، وبإخلاص القلب وتفرّد القصد بالعمل لله وحده، وهذا يرجع إلى الإحسان، وهو شرط قبول الأعمال.

فالأعمال لها صورة شرعية كما بيّنها الكتاب والسنة، وبالالتزام بها تصحّ الأعمال، لكن يبقى أن تكون هذه الأعمال مقبولة عند المجازي عليها، وهنا تكمن أهميّة مقام الإحسان في العبادة، إذ به تقبل الأعمال. ولنتخيّل أنّ إنساناً أفنى عمره في العبادة والمجاهدة والمكابدة، ثمّ عند الامتحان رُدّ ذلك في وجهه، وقال العزيز الجبّار: إنّ عبدي استهزأ بي، وكان عمله للناس وليس خالصاً لي، فيا له من خسرانٍ ما بعده خسران، ويا لها من حسرة لا تعدلها حسرة.

لأن عمل الجوارح بالخير في أصله هو خير ولا يمكن تبديله، ولكن الذي يغيّره ويحيله شرّاً هو توجّه القلب، الذي ما سُمّي قلباً إلا لتقلّبه؛ فالنية – التي محلّها القلب – سابقة العمل، وهي التي تجعل العمل خيراً مقبولاً، أو تجعله مردوداً، كما قال ﷺ: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». ومراقبة القلب ليست بالأمر السهل، بل هي أصعب الأعمال على العبد، وقد قيل: إنّ أشدّ الأشياء على النفس هو الإخلاص. فمن هنا تكمن أهميّة الإضاءة على مقام الإحسان، وهو أكثر ما نحتاجه في أيامنا هذه حتى تصفو لنا أعمالنا مع قلّتها.
وإنّ انغماس الإنسان في محرّمات النظر والسمع والأكل وما شاكل ذلك، يجعل هذا الإنسان – وإن كان عالماً بجميع أصول الدين وضرورات الشرع – لا يزال دون درجة الإيمان المفضي إلى نيل رضا الله تعالى. فالنفس الأمّارة بالسوء – وإن علمت بجميع ما يعرفه المؤمن وزيادة – فإنها لا تزال قاصرة عن نور المعرفة الحقيقية، التي لا يحقّقها إلا الاعتقاد القلبي بأنّ الله يرى الإنسان في كلّ لحظة، وأنّه مطلع على سره وما ينطوي عليه قلبه من اعتقادات ونوايا، وهذا هو الإيمان الحقيقي الذي يؤدّي إلى اجتناب المعاصي والذنوب، فقد قال رسول الله ﷺ: «لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن».

إنّ الإيمان المعرفي يجب أن يؤثّر في السلوك والأخلاق، وإلا كان حينئذ حملُ المسلم للعلم دون أن ينتفع به، وقد استعاذ النبيّ من ذلك: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن دعاءٍ لا يُسمع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن علمٍ لا ينفع…». فلا يكفي إذاً أن يكون المسلم الموحّد منتسباً إلى الدين باسمه ورسمه فقط، وقلبه مضطرب ومشتّت ومتردّد ومتّبع لوساوس الشيطان، فهذا الإنسان وإن كانت له معرفة بالدين، إلا أنه لا يرقى إلى مستوى الإيمان والإحسان، وإن نطق بالشهادتين، لأن أفعاله لا تصدّق أقواله.

وهذا يقودنا إلى التحدّث عن مرض العصر، حيث نرى شبابنا متعلّقاً بالشاشة الرقمية ووسائل الاتصالات المتنوعة، التي تجذبهم وتسيطر عليهم وتذهل عقولهم وتحيّر ألبابهم، وتعدل بهم عن طريق الخير والحقّ، فضلاً عن تمضية الأوقات الطويلة والعيون شاخصة إلى شاشات اللهو والغفلة والفحش والمنكرات. فحريّ بنا بهم اليوم أن نغلق وسائل التواصل الاجتماعي وندبر عنها، ونفتح وسائل التواصل الإلهي وندير لها وجوهنا، وننظر إلى أفئدتنا ونتدبّر ما يختلج فيها من خواطر وهواجس وأفكار وعقائد.

وبالعودة إلى المفهوم التطبيقي للإحسان، نرى أنّ الإنسان يستحضر قلبه للعبادة ويهيّئ لها باطنه، فيصبح قلبه حاضراً وعقله متفكّراً بما يقوم به من عبادات، وما يأتيه من معاملات، وما يشتغل به من حركات وسكنات في نفسه ومع سائر المخلوقات. فإذا تمّ له ذلك بقيت له العقبة الأخيرة، وهي عقبة كؤود لا يجوزها إلا المخلصون المحسنون، وهي أنّ المجازي يقبل العمل الخالص لوجهه تعالى، الذي لا يشوبه رياء ولا عجب ولا فخر ولا تكبّر، فيجازي عليه خيراً. وحتى يتمكّن الإنسان من تحقيق ذلك، يجب أن يعرف المجازي المثيب حقّ المعرفة، لأن معرفته جلّ جلاله هي مفتاح كلّ الخيرات والطاعات والحسنات، ولا سبيل إلى معرفته تعالى إلا بمعرفة الإنسان لنفسه. يُروى أن الله تعالى أوحى إلى داود – عليه السلام -: «يا داود اعرفني واعرف نفسك». فتفكّر داود وقال: إلهي عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء، وعرفت نفسي بالعجز والفناء. فقال: «الآن عرفتني». وقال النبيّ ﷺ: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه».

فكلّ ما يلزم الإنسان معرفة نفسه بالعبودية، ومعرفة معبوده بالربوبية، وهذان المقامان الجليلان هما جناحا الإحسان، وهما مقام المراقبة ومقام المشاهدة. فالمراقبة هي مقام معرفة النفس والتفكّر بعجزها ووهنها، والتبصّر بعيوبها وطغيانها؛ والمشاهدة هي مقام معرفة الربّ جلّ جلاله والتفكّر بعظمته وجلاله وقدرته. فمن سلك طريق الهدى والنور، ترقّى بإسلامه وإيمانه إلى رتبة الإحسان، وتخلّص من التخبّط في دياجير القلق النفسي والهمّ والاكتئاب والضياع.

إنّ نور الإحسان وفضله يشعّ في الدنيا على المحسن من كلّ حدب وصوب، ويلقاه في الآخرة عملاً مبروراً مسطوراً في صحيفته، ثقيلاً في موازينه. كيف لا يكون ذلك وقد قال العزيز الكريم: ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) [الرحمن: 60].

وخلاصة ثمرات الإحسان على الفرد، وخاصّة في أيامنا هذه، هي أنّ العبد يكون في دائرة نظر الله تعالى، وفي ظلّ حماه وصونه، فيُلهمه إلى المحافظة على صلواته المفروضة عليه، ويتقرّب إليه سبحانه بالنوافل والأوراد والأذكار، فيعصمه من أهواء نفسه وشهواتها، ومن نزغات الأبالسة المبثوثة سمومهم في وسائل اللهو والغفلة، وما أكثرها اليوم.

وأمّا الثمرات الآخروية للإحسان فعظيمة بعظمة من وعد بها، ونحن أعجز من أن نصف ذلك ونتصوّره، وكيف نستطيعه وقد ورد عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ الله يقول: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ويكفي قول الله عزّ وجلّ: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17]، وقوله تعالى: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) [يونس: 26]. وإنّ الله تعالى كما أحسن إلى عباده المحسنين في الدنيا، فقد أعدّ لهم أعظم الإحسان في الآخرة ممّا لا يمكن وصفه.

فكيف يدخل حضرة الملك القدوس أرباب النفوس؟ فالعبد إن ترفّع عن حظوظه الشهوانية، وتقدّس عن آفاته النفسية، وتطهّر من علّاته السفلية، كان أكبر قدراً من الوجود، ولا عجب إن طويت له الأكوان؛ وإن هو تلطّخ بالآثام، ونزل منازل الهوى، واحتجب بما يهوى، كان أصغر موجود.

فمن لم ينفطم عن هواه طال سفره، وإن وصل ردّه التعلّق بالشهوات من على باب الحضرة، لأنها منازل التوّابين ومعارج المتطهّرين. فمتى لم تترك هواك وتأت الحقّ، تبقَ أسيراً عند دركة ما تهوى، وأنّى لك السير في طريق أنت حجابك الوحيد عمّن تحبّ ومن تريد؟ وإلا فكيف يفسّر المريد كلام الحقّ سبحانه: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ق: 16]؟ فليس ذلك إلا أنّ وهم تعاظم إحساسك بذاتك، أعماك عمّن هو أقرب إليك من حبل الوريد. ■

مشاركة المقال

التعليقات

اترك تعليقاً

المقالات ذات صلة

السابق
التالي