الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

البكتيريا

كيف خَسرنا الحرب

المضادّاتُ الحيويّةُ هدمت نظامَ المناعةِ البشريّ
وفَشلت كبديل في الوقاية من هجمات البكتيريا

10 ملايين أميركيّ سيموتون سنويّاً في العام 2050
بسبب مقاومة البكتيريا لمُعظم المضادّات الحيويّة

مُعظم المضادّات جرى تطويرُها بين عاميّ 1962 و 2000
ورخص أثمانها أفقد الشّركات الرّغبة في تطوير مضادّات جديدة

اعتُبِرَ اكتشاف المضادّات الحيويّة في أربعينيّات القرن الماضي معجزة الطبّ الحديث، إذ اعتقد الأطبّاء أنّه لم يعد هناك مرض بكتيريّ إلّا ويمكن شفاؤه بهذه المضادّات، وبالنّظر لرخص تكلفة إنتاجها فقد انتشر استخدام المضادّات الحيويّة وأنتج العديد منها ثم انتقل استخدامها إلى القطاع الزّراعي لتصبح مكوّناً أساسيّاً من علف المواشي التي تتمّ تربيتها في المزارع الكبرى ثم في مزارع الدّجاج وتقريبا مختلف المزارع المخصّصة لإنتاج اللّحوم.
لكنّ الأمر لم يطُل حتى اتّضح أنّ ما ظنّت الأوساط الطِّبيَّة أنّه معجرة العلاجات الحديثة بدأ يفقد مفعوله بسبب تعوّد البكتيريا على احتواء مفاعيله وتطويرها لآليات بَيولوجية تعطّل تأثيره. بذلك بدأ سباق محموم بين إنتاج المضادّات الجديدة وبين البكتيريات التي تتوصّل في كلّ مرة إلى إنتاج آليّات تعطّل مفعولها، وبات من الطبيعيّ أن تسمع عن وفاة مرضى في المستشفيات بتأثير التهاب بكتيريّ عاديّ لأنّ كلّ المضادّات التي استُخْدمت لم تستطع قتل الجراثيم المقاومة، وفي أكثر الحالات بات الأطبّاء يستخدمون “كوكتيلاً” من عدّة مضادّات حيويّة مع تبديل “الخلطة” أكثر من مرّة في محاولة للتغلّب على البكتيريا المقاومة. لكن كلما ازداد استخدام مضادّات أقوى وأفعل كلّما تمّ إضعاف جهاز المناعة أكثر فأكثر وتراجعت قدرة الجسم على شفاء نفسه، وبات الأمل كلّه معلَّق على آخر نوع من المضادّات يتمّ إنتاجه. ولمّا كانت المضادّات الحيويّة رخيصة الثّمن فإنّ شركات تصنيع الأدوية لم تعد مهتمّة بإجراء الأبحاث المكلفة من أجل تطوير أجيال جديدة منها. هنا بالفعل وصلنا إلى عنق الزّجاجة. فالمضادّات تفقد مفعولها يوميّاً على محاربة الهجمات البكتيريّة حتى من بكتيريات بسيطة في الظّاهر وكان جهاز المناعة يتدبّر أمرها بسهولة (راجع معجزة نظام المناعة في العدد السابق من المجلّة). والبدائل التي يمكن أن تعوّض عن خسارة المضادّات لفعاليّتها غير موجودة ونظام المناعة يتراجع يوماً بعد يوم بتأثير المضاعفات الجانبيّة للأدوية الكثيرة التي نتناولها أو بتأثير تدهور بيئة الحياة ومئات بل ربّما ألوف الملوّثات التي نتعرّض لها، والنّتيجة أنّنا أصبحنا كجنس بشريّ في خطر لأنّنا خسرنا جهاز المناعة ثمّ ها نحن نخسر المضادّات الحيويّة التي اعتمدنا عليها. فما العمل؟ وما الذي ينتظرنا وينتظر أطفالنا في المستقبل غير البعيد؟
“الضّحى”

اليوم الذي كان الأطبّاءُ وأخصّائيّو الرّعاية الصِّحِّية والعلماء يخشَوْن حلولَه ويُحذِّرون من حدوثه طلعت شمسه… من الصّين، فهناك في أحد مراكز الأبحاث الصّينيّة اكتُشِفَت لأوّل مرّة في البشر والمواشي على حدٍّ سواء طفرة جينيّة(Mutation) تجعل البكتيريا “الذّكيّة” تُقاوِم جميع أنواع المضادّات الحيويّة، بما في ذلك عقاقير “هذه الطّفرة أطلق عليها علماء الصّين مصطلح جين MCR-1، وهي تسمح للبكتيريا بمقاومة مجموعة من المضادّات الحيويّة القويّة تُعرَف بتسمية “البوليميكسينات” (Polymyxins)، وعلى الأخصّ المضادّ الحيويّ “كوليستين” (Colistin)، الذي بات بمثابة خطّ الدّفاع الأخير ضدّ البكتيريا عندما تفشل جميع أنواع المضادّات الحيوية. ويخشى العلماء من أنّ جينات MCR-1 هي عصيّة على التدخُّل الطبّي وربّما تؤثّر، من النّاحية النظريّة، في جميع أنواع مسبِّبات الأمراض (Pathogens) المُعدِيَة الأخرى.

زحف جرثومي
ونقلت مجلة “تايم” الأميركيّة عن تقريرٍ للعلماء الصّينيّين نشرته دورية “لانسيت للأمراض المُعدِيَة” (عن اكتشاف مقاومة للمضادّات الحيويّة في 20% من الحيوانات التي أُخضِعَت للاختبار، و في 15 بالمئة من عيِّنات اللّحم النّيّئ، وكذلك لدى 16 مريضاً. وأوضحت أنّ هذه المقاومة انتشرت بين مجموعة من السُّلالات البكتيريّة، وثمّة دلائل على أنّ هذه الطّفرة انتشرت أيضاً إلى لاوس وماليزيا.
وأوضح البروفسور تيموثي والش من “جامعة كارديف” الذي شارك في هذه الدراسة، أنّ جميع العناصر التي يمكن أن تؤدّي إلى نهاية المضادّات الحيويّة كخيار علاجيّ باتت موجودة فعلاً. مضيفاً إنّ جين MCR-1 أصبح عالميّاً ويمكن أن يتآلف مع جينات أخرى مقاوِمة للمضادّات الحيويّة وهذا في حال حدوثه سيسدّد ضربة نهائيّة للمضادّات الحيويّة، وعندها، إذا ما أصيب إنسان ببكتيريا، على غرار E coli، عندها لا شيء يمكن القيام به لإنقاذ حياته.
في الوقت نفسه حذّرت مجلّة “لانسيت” العلميّة الشّهيرة من أنّه ما لم يتحقّق نجاح كبير في تطوير المضادّات الحيويّة، فإنّ الأطبّاءَ قد يصلون إلى حالة يشهدون فيها أعداداً متزايدة من المرضى الذين قد يُضطرّون إلى القول لهم: “نحن آسفون، ما من شيء يمكننا القيام به لشفاء إلتهاباتكم!”.
وكانت “منظّمة الصِّحّة العالميّة” (WHO) قد حذّرت العام 2012 من أنّ المضادّ الحيويّ “كوليستين” هو في غاية الأهميّة لصَحَّة الإنسان. وعلى الرّغم من تصنيف “منظّمة الصحّة العالميّة” فإنّ المزارعين في أنحاء العالم واصلوا تغذية المواشي بالمضادّات الحيويّة بكميّات كبيرة من أجل “تسمينها” وضمان إنتاجها. واستخدام المضادّ الحيويّ “كوليستين”، وكذلك “البوليميكسين”

(Polymyxin) بشكلٍ خاص، واسع الانتشار لا سيّما في الصّين، حيث يقوم المزارعون بحقنه في المواشي والدواجن.
ويقول الخبراء إنّ الجين MCR-1 ينتقل بسهولة بين سلاسل بكتيريا “إيكولاي” (E. coli) وأنواع أخرى من البكتيريا الشّائعة، بما في ذلك بكتيريا “الالتهابات الرّئويّة” Klebsiella pneumoniae، وبكتيريا Pseudomonas aeruginosa، التي تُسبِّب العديد من الالتهابات في الدّم، والمسالك البوليّة والأمعاء.
وقال البروفسور ليو جيان هوا من جامعة Southern Agricultural University الصينيّة إنّ “ النتائج ستكون مرعبة فعلا”. محذّرا من أنّه في حين يبدو من المُجدي الحدّ من استخدام “كوليستين” خصوصاً في تربية الحيوانات فإنّ الخَشْية هي من الوصول إلى مرحلة يتبيّن لنا فيها أنّ الأوان فات فعلاً لأيّ حلول إنقاذيّة.
وفي الولايات المتّحدة ربّما لا يُستخدم المضادّ الحيويّ “كوليستين” في المواشي على نطاقٍ كبير، لكن يُقدَّر أنّ 70 بالمئة من المضادّات الحيويّة التي تُعتبر في غاية الأهمّية لصِحّة البشر تُستخدم في مزارع الحيوانات، وثمّة احتمالٌ بالوصول إلى مرحلة يُضطرّ بها إلى استخدام “كوليستين” في المزارع لمكافحة الجراثيم التي كانت تسهُل معالجتها سابقاً بالمضادّات التقليديّة.

انتظروا العام 2050
جديرٌ بالذّكر أنّ مقاومة المضادّات الحيويّة تُودِي بحياة نحو 700,000 شخص في أنحاء العالم سنويّاً، ومن المتوقّع أن يرتفع هذا الرّقم إلى 10 ملايين بحلول العام 2050، وعندها يبدأ الرّعب فعلاً. وتُظهِر بعض الأبحاث أنّ حالات بكتيريا المقاوِمة للمضادّات الحيويّة ارتفعت بنسبة 12,000%، في غضون 7 أعوام فحسب، وذلك بسبب الاستخدام العشوائيّ للمضادّات الحيويّة على نطاقٍ واسع لدى البشر والحيوانات على حدٍّ سواء، ممّا يُدمِّر مجموع البكتيريا المفيدة في الأمعاء.
وكان “المركز الأميركيّ للتحكُّم بالأمراض والوقاية منها” (U.S. Centers for Disease Control and Prevention) قد أقرَّ بأنّ عصر المضادّات الحيويّة قد وصل إلى نهاية سادت فيها “السّوبر بكتيريا” Superbug أيّ المقاوِمة لكلّ أنواع المضادّات. في غضون ذلك، أعلنت مستشفيات في إنكلترا عن ارتفاع أعداد المَرْضى المصابين بأعراض مقاوِمة للمضادّات الحيويّة، وارتفعت الحالات المؤكّدة مخبريّاً لبكتيريا مقاوِمة للمضادّات الحيويّة في الأمعاء من 5 حالات إلى أكثر من 600 سنويّاً في غضون 7 سنوات فحسب.

كيف نتدارك الكارثة
استجابةً لذلك الخطر الدّاهم، يعكف الباحثون في الدّول المتقدّمة على مدار السّاعة لحلّ إحدى أكبر المشكلات المستقبليّة التي تُواجه الجنس البشريّ، أي تغلُّب البكتيريا الذكية على المضادّات الحيويّة وإبطالها لمفعول الأخيرة. وهذا التطوّر اعتبرته “منظّمة الصحة العالمية” من بين المخاطر الصحية الأكثر جدّية في العالم. فمن دون مضاد حيوي فعّال يُعتَمد عليه في المستقبل، فإن الوضع سيكون كارثياً. إذ أن العمليات الجراحية وحتى عمليات الولادة ستنطوي على مخاطر كبيرة.
يقول الباحث ماتي إرديلي وهو عالِم كيمياء عضوية يسعى فريقه البحثيّ إلى إيجاد وسائل لمنع البكتيريا من إحباط عمل المضادّات الحيويّة الحاليّة، أنّ الدّول النّامية ولاسيّما في آسيا تستخدم المضادّات الحيويّة للحيوانات منذ ولادتها وطوال فترة حياتها. وينتهي المطاف بكميّات كبيرة من تلك المضادّات في البيئة من خلال مخلّفات وفضلات الحيوانات، لذا تعتاد البكتيريا على تلك المضادّات الحيويّة. وعندما نلجأ إلى استخدامها مجدّداً، تكون البكتيريا قد أصبحت مقاوِمة لها بالفعل”.
لذلك، فإنّ أحد الأسباب الرّئيسة وراء مقاومة المضادّات الحيويّة هو معالجة المواشي بشكلٍ وقائي بالمضادّات الحيويّة لمنع تعرُّضها للمرض. وهذا على سبيل المثال محظور في السّويد، لكنّه شائع في دولٍ كبيرة مثل الصّين والولايات المتّحدة الأميركيّة. وبالتّالي، قد يكون لتجنُّب المعالجة الوقائيّة للحيوانات تأثيرٌ إيجابي كبير في منع تطوّر مقاومة البكتيريا للمضادّات الحيويّة.
عالِمة الكيمياء الأحيائيّة روزماري فريمان تلفت إلى أنّ البكتيريا “بارعة جداً في تمويه وجودها داخل الجسم”، لذا يُركِّز فريقها البحثيّ على عمليّة التّمويه هذه. وتقول في هذا الصّدد: “إذا ما تمكّنا من إحباط عمليّة التّمويه هذه فإنّ بُنية سطح البكتيريا ستتغيّر وسيصبح بإمكان الجهاز المناعيّ في الجسم التعرّف عليها والتّعامل معها”.
لكنّ المشكلة هي أنّ الأطبّاء لا يُحسنون تحرّي أيّ نوعٍ من البكتيريا يُسبِّب أيّ صنف من الالتهابات، إذ لو تمّ لهم ذلك فإنّه سيُحَسِّن الوضع نسبيّاً. لكنّ ما يحدث هو أنّ الأطبّاء للتّعويض عن ذلك يستخدمون “كوكتيلاً” من عدّة مضادّات حيويّة لمعالجة صنف معيّن من البكتيريا.

حسابات صناعة الأدوية
المشكلة الإضافية هي أنّ الصّناعة لم توجد فئات جديدة من المضادّات الحيويّة، إذ كلُّ ما يتوافر منها هو أنواع من المضادّات الحيويّة التي جرى تطويرها بين عامي 1962 و 2000. ومنذ ذلك التاريخ لم تُطوِّر شركات صناعة الأدوية سوى قلّة قليلة من الفئات الجديدة، فمعظم الأنواع الجديدة هي مجرّد تعديل للمضادّات المتوافرة. وفي ظل تواصُل مشكلة مقاومة المضادّات الحيويّة ستكون هناك حاجة دائمة لتطوير أنواعٍ جديدة من تلك العقاقير.
لكن المشكلة هنا تكمن في أنّ الاستثمار في تطوير مضادات حيوية جديدة ليس مُربِحاً لتلك الشّركات الصّيدلانيّة. أمّا المشكلة الأكبر فهي المهارة المتزايدة للبكتيريا في مقاومة وتعطيل مفعول المضادات، فما أن يُطلَق مضادٌ حيويّ جديد في الصّين حتى تصبح البكتيريا مقاوِمةً له في غضون أشهر قليلة. وهذا بالطّبع ما يجعل الشّركات الصّيدلانيّة تتردّد في إنفاق مبالغ كبيرة لتطوير مضادّاتٍ حيويّة جديدة طالما أنها ستصبح غير ذات جدوى كلّيّاً في غضون سنوات معدودة.

خطوةٌ في الاتّجاه الصّحيح
إنّ إحدى المشكلات الأساسيّة هي المواقف المُمالئة لـ “اللّوبي الزراعي” التي تتّخذها الحكومة الأميركيّة والتي تتمثّل في تأخّر “إدارة الغذاء والدّواء” (FDA) الأميركية لسنوات عن الإقرار بمخاطر الاستخدام الواسع للمضادّات الحيويّة في العلف الحيوانيّ من قبل كبريات الشّركات العاملة في قطاعات اللّحوم والألبان والدّواجن. إلّا أنّ هذه الإدارة، ونتيجة لضغوط الأوساط العلميّة والرّأي العامّ قامت في العام 2013 بالإعلان عن “برنامج تطوُّعي غير مُلزِم” يرمي إلى خفض كمية المضادّات الحيويّة المستخدمة في المواشي والأبقار والدّواجن اللّاحمة”، ويحثُّ البرنامج الصّناعة والشّركات الصّيدلانيّة الكبيرة على الالتزام بالمعايير الجديدة المُوصى بها، وتُحذِّر الإدارة المذكورة المزارعين من أنّ استخدام المضادّات الحيويّة لتسمين حيواناتهم في أسرع وقت قد يؤدّي بهم إلى المحاكمة الجنائية.
وفيما يعتبر برنامج “إدارة الغذاء والدّواء” هذا خطوة في الاتّجاه الصّحيح، فهو بالطّبع ليس كافياً. أوّلاً لأنّه تطوُّعي وغير ملزم، وهذا يعني أنّ الشّركات الصّيدلانيّة المُصنِّعة للعقاقير ليست ملزَمة به، وفي حال وجدَ المزارعون على علبة المضادّ الحيويّ عبارة: “يمكن استخدامه لتعزيز النّمو” فبإمكانهم استخدامه على هذا النحو.
ثانياً، حتى ولو امتثلت تلك الشّركات الصّيدلانيّة المختصّة، فثمّة وسائل يعتمدها المزارعون للتّحايل على البرنامج. فمع جرعات منخفضة، يمكنهم استخدام تلك العقاقير بحجّة الوقاية من المرض. لكن ثمّة وجهٍ إيجابيّ للبرنامج يتمثّل في أنّ استخدام تلك المضادّات الحيويّة بات اليوم يتطلّب وصفة بيطريّة، بينما كانت المضادّات في الماضي تتوافر على رفوف متاجر المواد الزّراعية. والمهمّ أنّ رفع الصّوت عالياً في مثل هذه البرامج قد يأتي ببعض النّتائج الإيجابيّة، ولو لم يكن كافياً ويتطلّب تدابير أكثر صرامة. وفي “لقاء قمّة” علميّ حول استخدام المضادّات الحيويّة، عُقِدَ مؤخّراً في البيت الأبيض، تعهَّدت نحو 150 شركة مُصنِّعة للطّعام، ومطاعم ومستشفيات وشركات صنع عقاقير، بإنهاء استخدام لحوم من حيوانات عُولِجت بالمضادّات الحيويّة، وهومن شأنه أن يبدأ بإحداث تغيير في هذا التقليد السيّيء.

ألكسندر فلمنع الذي ينسب إليه اكتشاف البنيسيلين في العام 1928
ألكسندر فلمنع الذي ينسب إليه اكتشاف البنيسيلين في العام 1928

مخاطر الاستخدام العشوائيّ
من بين المشكلات الكثيرة التي يُسبّبها فرط استخدام المضادّات الحيويّة حدوث حالات إسهال مميت لدى الأطفال، وهم ذوو أمعاء أكثر حساسية، حيث إنّ الجهاز المناعي للأطفال لا يزال في طور النمو. كما أن المضادات الحيوية تخرّب التّوازن الدّقيق في بكتيريا الأمعاء والذي يُبقي كائنات مجهريّة حيّة مثل فطريات “الكانديدا” (Candida) في حالة توازن، إذ إنّ المضادّات، حتى عند استخدامها بنِسَبٍ ملائمة للتّخلُّص من البكتيريا، لا تُميِّز بين المفيدة منها والسّيِّئة، وتقضي على الأولى بجريرة الثّانية، وهو ما يُحدِث اختلالاً في توازن بكتيريا الأمعاء ويؤدّي إلى مشكلات صحية كثيرة. وتقف المضادّات الحيويّة وراء تزايد حالات مرض “السّيلان” (Gonorrhea) العَصِيِّة على المعالجة، وأمراضٍ جدّية أخرى.

كيفَ نُعزِّز نظام المناعة
(كبديلٍ عن الأدوية ومُضاعفاتها)

هل تلتقط فيروسَ الرّشحِ مرّةً تلو الأخرى خلال فصل الشّتاء فيما صَحْبُكَ ينعمون بالعافية؟ ربّما تحتاج إلى التّفكير جدّياً بتعزيز جهازِكَ المناعيّ.
لقد حَبَانا الخالقُ بجهازٍ مناعي مُذهل وظيفته أنْ يُبقينا في صِحّةٍ جيّدة، ليس فقط خلال فصل الشّتاء بل طوال فترة العام، مُتَصدِّياً لكلِّ أنواع الجراثيم والفيروسات والسّموم والملوّثات. والجهاز المناعيّ ليس مهمّاً فحسب للشّفاء من الأمراض بل أيضاً للحفاظ على صِحّةٍ جيّدة.

ما هو الجهاز المناعيّ؟
الجهازُ المناعيّ هو النّظام الدّفاعيّ الطّبيعيّ للجسم، ويتألّف من تريليونات خلايا الدّم البيضاء، والأجسام المضادّة (Antibodies)، ونخاع العظام، والغُدَّة الصّعتريّة (Thymus)، التي تعمل جميعها على التعرُّف إلى ملايين من الميكروبات (مثل البكتيريا، والفيروسات، والفطريّات، والشّوائب السّموميّة) التي تتسلّل إلى أجسامنا كلّ يوم، وتحرص على تدميرها، فضلاً عن التّخلُّص من الخلايا الشّاذة.
ولا يقلّ الجهازُ المناعيّ تعقيداً عن الجهاز العصبيّ، فهو ليس قادراً على إنتاج مضادّ حيويّ طبيعيّ لكلّ نوعٍ من ملايين الجراثيم والعوامل المُسبِّبة للعدوى فحسب، بل هو أيضاً قادرٌ على تذكُّر كيفية إنتاج تلك “المضادّات” Antigens بعد عقودٍ لاحقة. وتُشكِّل خلايا الدّم البيضاء بأنواعها العمود الفِقْري للجهاز المناعيّ.
ويقوم الجهاز المناعيّ السّليم بحمايتنا عبر استحداثه في البداية حاجزاً يمنع دخول تلك الجراثيم الغازية المُسبِّبة للمرض إلى الجسم. وفي حال تسلُّل بعضها، يُنتِج الجهازُ المناعي خلايا الدّم البيضاء وكيميائيّات وبروتينات أخرى تهاجم هذه الكائنات الغريبة وتُدمِّرها، وذلك قبل أن تبدأ بالتّكاثر.
وخيرُ مؤشّرٍ على مستوى سلامة الجهاز المناعيّ هو مدى الحيويّة التي نشعرُ بها. فإذا ما شعرنا بالضّعف أو بالإرهاق أو بالاكتئاب فلعلّ جهازنا المناعيّ يكون ضعيفاً. وغالباً ما نسعى إلى التّعويض عن هذا الشعور باحتساء مشروباتٍ غنيّة بالكافيين، أو تناول أطعمة مُتخَمَة بالسكر، وهنا تتفاقم المشكلة. لقد تكيَّفَ الجهازُ المناعي بأسلوب حياةٍ غير صِحّي. لذا يبدو في غاية الأهمّيّة لسلامة الجسم والعقل الحفاظ على جهازٍ مناعيّ سليمٍ وصِحّي.

كيف يَضعف الجهاز المناعيّ؟
ثمّة عوامل عديدة تُضعِف قوّة الجهاز المناعيّ، أبرزها:
1. سوء التّغذية
النّظام الغذائيّ المعاصر يفتقد إلى العديد من الفيتامينات، والأملاح المعدنيّة، ومضادّات الأكسدة (Antioxidants) وعناصر غذائية أخرى ضروريّة لكي يحافظ الجسم على جهاز مناعيّ صِحّيّ وسليم. فالفواكه في السوبرماركت، على سبيل المثال، غالباً ما تكون قد قُطِفَت قبل النّضج وقبل أن يتسنَّى للعناصر الغذائية فرصة النّمو، وغالباً ما تُزرع الخضروات في تربة ناضبة مستنفدة الخصوبة، وبالتّالي تنمو وهي تفتقر إلى العديد من المكوّنات الغذائية. أمّا اللّحم فيُنتَج من مواشٍ وأبقار ودواجن تُطعَم أعلافاً مستنفدة القيمة الغذائية، وغالباً ما تُحقن بهرمونات وستيرويدات (Steroids). والأطعمةُ المعلّبة غالباً ما تُعالَج صناعياً لإطالة عمرها على رفوف المتاجر والسوبرماركت بما يحرمها من أن تكون مصدراً للغذاء السّليم. فالجهاز المناعي يحتاج إلى تغذية مُثلى عبر نظامنا الغذائيّ لكي يستطيع العمل بفعالية في حمايتنا، وبمجرّد فقدان عددٍ قليل من الفيتامينات أو الأملاح المعدِنيّة الضّروريّة لعمله بكميّاتٍ كافية، يصبح هذا الجهاز ضعيفاً ويمكن للبكتيريا عندها مهاجمته.
2. البيئة الملوّثة
فيما تصبح بيئتنا أكثر تلوّثاً، يُضطر الجسمُ لمجاراة عبءٍ أكبر من السّموم، التي تنساب إليه من الأطعمة، ومن خلال الرّئتين والجلد، وكذلك بسبب التّعرُّض للأشعّة الكهرومغناطيسية الصّادرة عن المعدّات الكهربائية والإلكترونية. فمع ارتفاع نسبة السّموم يعمل الجهاز المناعيّ بجهدٍ أكبر لتحديد تلك الملوّثات وإزالة سمومها، وهو ما يُرهِقه، وهذا ما يحدث كلّ يوم.
3. التوتُّر والإجهاد
عندما نشكو توتُّراً أو إجهاداً، يردّ الجسم بتحويل جميع موارده إلى العضلات. فوظائف الجسم الأخرى التي تُعتبر غير ضروريّة في الحالات الطّارئة تُعَطَّل موقّتاً، ومن بينها الهضم، وآليات ترميم الخلايا، ووظيفة الجهاز المناعي. والمشكلة هي أنّ الحياة المعاصرة غالباً ما تشهد حالاتٍ من التوتُّر المتواصل والإجهاد المزمن، وهذا يعني أنّ آلية إصلاح الخلايا والأنسجة والاستجابة المناعيّة تشهد اختلالاً متواصلاً
وممّا يُفاقِم ذلك الافتقار إلى النّوم الكافي، وهو الفرصة الرّئيسة للجسم كي يُرمِّم ويُشفي نفسه، وذلك يجعل من الإنسان ميّالاً للإصابة بالأمراض والشّيخوخة المبكّرة.
4. العقاقير
يمكن للعقاقير الطبّيّة أن تُضعِف الجهاز المناعيّ بشكلٍ كبير. فعلى سبيل المثال، تُدمِّر المضادّات الحيويّة (Antibiotics) البكتيريا المفيدة في المعدة والأمعاء، وهي في غاية الأهمّية لسلامة الجهاز الهضميّ. وثمّة علاجات حديثة تخلّ بوظيفة الجهاز المناعيّ، لا سيّما تلك المستخدمة لفترةٍ طويلة وهي تؤذي النّظام الدفاعيّ الطبيعيّ للجسم.

كيف نُقوِّي الجهازَ المناعيّ؟
في ظلّ هذه الحقائق ماذا يَسَعُنا القيامُ به لتعزيز الجهاز المناعيّ؟
• تحسين مستوى التّغذية
من أجل مضاعفة ما نتناوله من مُغذِّيات يتعيّن اختيار الأغذية الصِّحيّة ما استطعنا ويُفضَّل أن تكون فواكه وخضروات عضويّة أو بلديّة. ذلك ناهيك عن الإكثار من شرب المياه النقيّة وتجنُّب ما يُسمَّى بـ “مضادّات المغذَّيات” (Anti-nutrients) وعلى رأسها السكر المكرّر، والخبز الأبيض، والأرز الأبيض، والحلويات الغنية بالسّكر، والمشروبات الغازية، والأطعمة السّريعة وما شابهها.
إنّ نظاماً غذائيّاً غنياً بالفيتامينات المضادّة للأكسدة يُعزِّز مقاومة الالتهابات. فكلّ الخضار والفواكه ذات الألوان الأخضر والأحمر والأصفر والبرتقالي تزخر بمضادّات الأكسدة، كالحمضيّات وأنواع التّوت والعنّبيّات، والكيوي والتّفاح والأعناب، والجزر والبصل وغيرها. ومن بين الأطعمة المقوّية للمناعة، الثّوم الذي يتمتّع بخصائص مضادّة للجراثيم والفيروسات، وكذلك حساء الدّجاج، كما يُنصَح بتناول الفطر بأنواعه.
وهنا يُنصح بإضافة مُكمِّلات غذائيّة ومعدنيّة إلى نظامنا الغذائيّ، لا سيّما مضادّات الأكسدة التي تُسهِم في القضاء على الجذور الحُرَّة (Free Radicals) وإيقاف تلف الخلايا. ومن بين تلك فيتامين “سي” (C)، ومجموع فيتامينات “بي” (B)، وكذلك “أ” (A) و”إي” (E)، فضلاً عن “السيلينيوم” (Selenium) والزّنك (Zinc) والمغنيزيوم (Magnesium). إنّها ضرورية لتساعد الجسم على التّعامل مع بيئةٍ تختلف جدّاً عمّا كانت عليه في أيام الآباء والأجداد.
• الحدّ من الملوّثات
بدايةً يُنصَح بتناول طعامٍ عضويّ لتجنُّب تلك الموادّ الكيميائيّة المستخدمة في التّخصيب الزّراعي والتي كثُرَ الحديث عنها في الآونة الأخيرة. ومن ثمّ وجبَ الإقلاع عن التّدخين. فثمة أطبّاء في الولايات المتّحدة، على سبيل المثال، لا يتابعون مريضاً يرفض التوقُّف عن التّدخين باعتبار ذلك دلالة على أنّه لا ينشد التّمتُّع بالعافية حقاًّ. وبات لزاماً الإكثار من شرب الماء (أقلّه 1,5 ليتر في اليوم) من أجل تنظيف الجسم من السّموم المتراكمة فيه وطردها خارجاً. ويُنصَح هنا بالصّوم بين الحين والآخر لإزالة سموم الجسم وبالتّالي تحسين المناعة. ويتعيّن الابتعاد قدر الإمكان عن مصادر الأشعّة الكهرومغناطيسيّة، مثل شاشات التّلفاز والكومبيوتر.
• تخفيف التوتُّر والإجهاد
كم نجد أنفسنا أكثرَ حيويّة بعد التّمتُّع بعطلة أو نقاهة أو استجمام! فالتوتُّر أو الإجهاد يصبح عادةً مُخيفة تُسبِّب مشكلات صِحيّة جدّيّة على المدى الطّويل. وهناك العديد من القصص عن أناسٍ كان يعانون حالاتٍ صِحيّة خطرة استطاعوا الشّفاء منها بأعجوبة عندما بدأوا ينعمون بالرّاحة والاسترخاء والابتعاد عن مصادر التوتُّر والإجهاد. والخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي عبر التنعُّم بقسطٍ وافٍ من النوم (أقلّه 7 ساعات لمعظمنا)، وتجنُّب حالات تُثير غضبنا، أو تقودنا إلى الاكتئاب والإحباط، والأفضل من ذلك هو القيام بتمارين رياضيّة معتدلة تساعدنا على الاسترخاء. ولا ريبَ أنّ الصلاة، والتأمُّل، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة والوجدانية تُضاعِف مستويات الاسترخاء والتحرُّر من التوتُّر، وتبثُّ إحساساً بالثقة والتدبُّر.
• الحدّ من العقاقير
في حال وجود مُنتَجٍ طبيعي فعّال يُغنينا عن العقار الصّيدلاني، فعلينا بذلك البديل، ومن الأفضل استشارة الطّبيب بالطّبع. لكنّ معظم الأطبّاء يميلون إلى تطبيق علاجات صيدلانيّة تعطي مفعولاً سريعا لكنّهم قليلاً ما يهتمّون بنصح المريض بتبديل نمط حياته أو غذائه، والسّبب هو أنّ قلّة من بينهم يضيفون إلى تخصّصهم العلميّ معرفة كافية بأنظمة الغذاء أو العلاجات المكمِّلة أو البديلة عن الأدوية الكيميائيّة. هذا مع العلم أنّ العلاج يبدأ بتبديل نمط الحياة، وتحسين نظام الغذاء، واعتماد التّمارين الرّياضية، وعندها فإنّ اللّجوء إلى العقاقير الطبيّة يصبح جزءاً من نهج علاجيّ متكامل مع إمكان دعمه أيضاً بمُكمِّلاتٍ غذائيّة (Supplements ومُغذِّيات ضروريّة لتقوية الجهاز المناعي.

أهم أسباب تزايد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هي استخدام المضادات على نطاق واسع في المزارع الكثيفة سواء للوقاية من ال
أهم أسباب تزايد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هي استخدام المضادات على نطاق واسع في المزارع الكثيفة سواء للوقاية من ال

• ممارسة المشي والرّياضة
القعودُ لفترةٍ طويلة لا يجعلك تشعر بالكسل فحسب بل يجعل جهازك المناعيّ يتكاسل أيضاً، في حين أنّ التمارين تساعد على تعزيز المناعة، حتى تلك المعتدلة منها كالمشي، أو المشي السّريع الذي يزيد سرعة دقّات القلب ولو لمدة 20 دقيقة ثلاث مرّات في الأسبوع. وترتبط التمارين بإطلاق هرمونات “الإندورفين” (Endorphins)، وهي هرمونات طبيعية تؤثّر في الدّماغ بطرقٍ إيجابيّة. إنّها تُخفِّف الألم وتبثُّ إحساساً بالاسترخاء والعافية بما يُخفِّض التوتُّر ويُحسِّن النّوم، وبالتّالي يُعزِّز المناعة.
• التّمتُّعُ بنومٍ وافٍ
التعرُّض للأرق لا يترك المرء مُتْعَباً طوالَ النّهار فحسب بل يجعله أيضاً عرضةً للأمراض، بما في ذلك الزّكام والأنفلونزا والتهاباتٍ أخرى. كما أنّ النّوم لساعاتٍ قليلة على المدى الطّويل يُضاعِف مخاطر الإصابة بمشكلات صِحّيّة جديّة أخرى من بينها البدانة والسّكري.
ويقول الخبراء إنّ الجسم يستخدم النّوم كوسيلةٍ لشفاء نفسه. وحينما لا ينعم المرء بقسطٍ وافٍ من النّوم، أو بالأحرى المراحل العميقة من النوم، تختلّ عملية الشّفاء هذه. وفيما يصعب قياس التأثير الوقائيّ للنّوم على الجهاز المناعيّ بشكلٍ دقيق، فإنّ النّوم يمكنه، كشأن مضادات الأكسدة، أنْ يُخفِّض التّوتُّر المسبِّب للأكسدة، وهو ما يُوقِف تعرُّض الخلايا للضّعف والتّلف. ويؤكّد الباحثون أنّ النّوم لِمَا لا يقل عن 7 ساعات ليلاً يرتبط بمقاومة متزايدة للأمراض المُعدِيَة.
• إدارة التوتُّر
حينما يكون الجسمُ تحت وطأة إجهادٍ أو توتُّرٍ متواصِل يغدو أكثر عرضةً للأمراض مهما تفاوتت جدّيتها، ذلك أنّ الجسم في ظل توتُّرٍ مستمرّ يفرز مجموعة من هرمونات التوتُّر، مثل “الكورتيزول” (Cortisol) و”الأدرينالين” (Adrenaline)، التي تُضعِف الجهاز المناعي. كما أنّ التوتُّر المُزمِن يرتبط بأمراض القلب وضغط الدّم العالي، وربّما يكون له تأثير أيضاً في وظيفة خلايا الدّم البيضاء. وينصح الأطباءُ بتغييرٍ جذريٍّ في نمط الحياة، والقيام بكلّ ما يساعد المرء على إدارة توتُّره، سواء كان ذلك نوعاً من التأمُّل، أو التّمارين الرّياضيّة، أو الاهتمامات الرُّوحيّة.
• بناء علاقات:
أظهرت الأبحاث أنّ أولئك الذين يرسون علاقات صداقة وثيقة ويحظَوْن بدعمٍ قويّ في حياتهم يميلون إلى التمتُّع بصِحّةٍ أفضل من أولئك الذين يفتقدون إلى دعمٍ اجتماعيّ وعلاقاتٍ مماثلة.

العسل

قاهر البكتيريا

العسل الطبيعي أثبت امتلاكه لخصائص قاتلة للبكتيريا بما في ذلك تلك المقاومة للمضادات الحيوية
العسل الطبيعي أثبت امتلاكه لخصائص قاتلة للبكتيريا بما في ذلك تلك المقاومة للمضادات الحيوية

العَسل، هو الدّواء الطّبيعيّ المستخدم منذ آلاف السّنين لمكافحة الجراثيم وتنظيف الجروح، لكنْ قلَّ مَنْ أدركَ قدرته الكبيرة كمضادٍّ حيويّ حتى الآونة الأخيرة. فالعسلُ قد يُشكِّل العلاج النّاجع لمكافحة التّهديد الطّبّي الأخطر الذي يتمثَّل في الجراثيم المقاوِمة للمضادّات الحيوية.
فالعسل مضافٌ إليه أعشاب أو نباتات طِبيّة مثل الزّنجبيل، كبحَ نموَ جراثيم خطرة مثل بكتيريا Staphylococcus aureus (التي تنتشر في المستشفيات) المقاوِمة لـ “الميثيسيلين”، وبكتيريا الـ E-coli، والبكتيريا المسبّبة للالتهاب الرّئوي وهي من بين الجراثيم الأكثر خطورة وفتكاً.
وقام الباحثون بإجراء اختباراتٍ منفصلة على العسل، ومسحوق الزّنجبيل، وتوليفةٍ من هاتين المادتَين مقابل ثلاثة مضادّات حيويّة مختلفة، هي: “ميثيسيلين” Methicillin، و”أموكسيسيلين” Amoxicillin، و”البنيسيلين” Penicillin، وهي ثلاثة من بين المضادّات الحيويّة الأكثر نجاحاً في التّرسانة الصّيدلانيّة.
وأجرى الباحثون خمسة اختبارات لكلٍّ من هاتين المادّتَين الطّبيعيّتَين العلاجيّتين في مكافحة أنواع البكتيريا الآنفة الذّكر. ووجدوا أنّ كلاًّ من العسل ومستخلص الزّنجبيل اتّسمَ على نحو منفصل بمستويات كَبْحٍ للبكتيريا أعلى من أيٍّ من المضادّات الحيويّة المنوَّه بها.
والنتائج الطّبّيّة لهذه الدّراسة كبيرة، إذ إنّها تكشف أنّ العسل والزّنجبيل يقضيان على الجراثيم الخطرة أكثر من معظم المضادّات الحيويّة القويّة المتوافرة صيدلانيّاً. فتلك الجراثيم قد تهيَّأت لإبطال مفعول تلك المضادّات الحيويّة التي أُفرِطَ في استخدامها على مدى عقود. لكنّ البعض قد يسأل: أليسَ باستطاعة تلك البكتيريا أن تُقاوِم أيضاً مفعول العسل أو الزّنجبيل؟ والإجابة هي أنّ الطبيعة تعمل بآلياتٍ مختلفة كلّيّاً عن تلك العقاقير المُصنَّعة. ذلك أنّ البكتيريا تتكاثر دائماً داخل خلايا النّحل. كما أنّها موجودة دائماً حول جذور نبتة الزّنجبيل، وفي التّربة من حولها. فالتربة تحتفظ بأعلى مستويات من البكتيريا، ولكون الكائنات المجهرية الحيّة تبقى في حركةٍ متواصلة، فإنّها لا ثباتَ في حالها. فنبتة الزّنجيل على سبيل المثال تُنتِج باستمرار آليات حيويّة لطرد البكتيريا، بما في ذلك فرز أحماض تُفكِّك خلايا الجراثيم المؤذية عند التماس، فضلاً عن كائناتٍ حيّة في التّربة تلعب هي أيضاً دوراً في كبح غزو البكتيريا. وهذه التّدابير المضادّة للبكتيريا التي تُوظِّفها النباتات تصل إلى الأزهار وغبار طلعها Pollen. ومن ثمّ يقوم النّحل بجمع غبار الطّلع وإحضاره إلى الخليّة. كما أنّ النّحل بدوره يتّبِع تدابير مضادّة للبكتيريا أيضاً وذلك لمنع حدوث أي التهاب داخل الخليّة أو القفير، بما في ذلك إنتاج المضادّات الحيويّة الخاصّة بالنّحل التي تقوم هذه الحشرة بإفرازها لُعاباً. ومُرَكَّب الـ “بروبوليس” (Propolis) هو العنصر الفعّال في لُعاب النّحل وكذلك في صَمْغ العديد من النّباتات، وقد أثبتَ هذا المُرَكَّب نجاحه كمضادٍّ حيويّ فعّال.
إذاً، لماذا تفلح هذه العلاجات الطّبيعيّة في التّغلُّب على مضادّات حيويّة شهيرة مثل “الميثيسيلين”، و”الأموكسيسيلين”، و”البنيسيلين”؟ السّبب هو أنّ المضادّات الحيويّة الصّيدلانيّة ثابتة الأداء، أي تعمل بالطّريقة ذاتها طوال الوقت.
ويعني ذلك أنّ جراثيم خطرة مثل الستافيلوكوكس والـ E-coli وجرثومة الالتهاب الرِّئوي يمكنها أنْ تَكتشف كيف تعمل تلك المضادّات الحيويّة وتُطوِّر تدابير لمقاومتها والتغلُّب عليها. ومن ثم تُمرِّر تلك المقدرة إلى بكتيريا أخرى عبر بُنى إحيائيّة جينيّة التّركيب نقّالة تُعرَف بـ “البلازميدات” (Plasmids).بينما دفاع النّحل أوالنّبات وكذلك نظام المناعة البشريّ في مواجهة الجراثيم عمليّة طبيعيّة تتمتّع بقدرة كبيرة على التّكيّف وتعديل الأسلحة والحلول ولهذا لا يمكن للجراثيم تطوير دفاعات فعّالة ضدّ أنظمة المناعة الطّبيعيّة.
وممّا يدعم هذه النتائج، ما توصّلت إليه دراسة أجرتها “جامعة سيدني للتّكنولوجيا” على العسل النيوزيلندي الذي يجنيه النّحلُ من أشجار شاي المانوكا. ووجدت الدّراسة أنّ هذا العسل كافحَ الجراثيم على جبهتين. فهو لم يتمكّن فحسب من قتل جرثومة Staphylococcus المقاوِمة لـ “الميثيسيلين” وبكتيريا أخرى، بل إنّه منعَ أيضاً تلك البكتيريا من أن تصبح مقاوِمةً للمضادّات الحيويّة. وأثبتَ هذا العسل مستوى مضادّاً للبكتيريا هو أكبر بأربعة أضعاف من المضادّات الحيويّة التّقليديّة. ولطالما استخدمت شعوب نيوزيلندا هذا العسل لتنظيف الجروح، وشفاء قرحات المعدة، ومعالجة الأكزيما، وحَبّ الشباب، ولدغات الحشرات. كما أنّ الكتيريا فشلت في تطوير أيّ مقاومة للمفعول العلاجيّ للعسل.
والمكوِّن الفعّال في العسل النيوزيلندي هو الـ “ميثيل غليوكسال” Methylglyoxal (MG)، وهو مكوَّنٌ موجود في مُعظم أنواع العسل ولو بكميَّاتٍ متفاوتة.
كما تبيّن أنّ هذا العسل كمضادٍّ حيويّ، ومضادٍّ للفطريات، فعّالٌ في معالجة إلتهاب الحلق والحَنْجرَة، والزّكام، والتهاب الجيوب الأنفيّة، والتهاب الجلد، ومُلتَحِمة جِفن العين، وكذلك في حَرْقة المعدة والحموضة، وارتجاع العُصارات الهضميّة Reflux.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي