الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الحسن بن يسار البصري

الإمام الحسن البصري

إمام الزهد وسيّد التابعين

قوّام صوّام كثير الحزن والبكاء
شجاع في الحق عظيم الهيبة

لكل أمة وثن، وصنم هذه الأمة الدرهم والدينار

خطابه للذين يجعلون علمهم الشرعي وسيلة لإستجداء الأمراء

والله لو زهدتم في ما عندهم، لرغبوا في ما عندكم

ولكنكم رغبتم في ما عندهم، فزهدوا في ما عندكم

أرضعته زوجة الرسول طفلاً وعاش بين الصحابة
وأصبح أعظم أهل زمانه معرفة وخوفاً وتقوى

كان الحجاج بن يوسف الثقفي، جزار العراق في أوجّ سطوته وجبروته عندما سمع عن اللهجة الشديدة التي يتكلم بها الإمام الحسن البصري عن ظلمه واضطهاده للناس مذنبهم وبريئهم على السواء، فقرر بكل بساطة قطع رأسه وطلب إحضاره إلى مجلسه وهيّأ السياف لتنفيذ المهمة فور وصول الحسن إلى مجلسه. وبالفعل جاء الإمام ذو الطلعة البهية والمهابة العظيمة ودخل مجلس الحجاج بطمأنينة تامة وتوجه نحوه والطاغية يرغي ويزيد حتى إذا اقترب الحسن البصري منه دون أي خشية أو خوف، ونظر الحجاج في وجهه حتى راعه المنظر وتغيّرت حاله وهدأت غضبته فإذا به بدلاً من أن يأمر السيَّاف بقطع رأس الإمام العالم فريد عصره يدعوه للجلوس إلى جانبه ويبدأ بسؤاله مسائل في الدين وفي غير ذلك من الأمور، وانتهى الأمر بأن ودّع الحجاج الحسن البصري بإحترام شديد وانصرف العالم المطمئن في وجه الموت المحقق كما أتى ولم يتغير في قلبه شيء من قوة المؤمن وثقته بربه، مما أذهل من كان حاضراً في مجلس الحجاج وقدَّم الدليل على أن الرجل يختزن أسراراً وقوة غير عادية جعلت الحجاج البطّاش يرضخ ويظهر الطاعة من دون أن يعلم ربما ما دهاه.

هذه القصة هي ربما خير ما يمكن أن نبدأ به سيرة إمام الزهد والورع الفقيه العارف الجليل الأمين الناصح الأسد الهصور في الحق الإمام الحسن البصري رضي الله عنه. وقد كان فريد عصره في كل تلك الصفات ومدرسة ومنهاجاً لا يضارى في خوف الله والعبادة الحق والتقوى وترك الدنيا والإعراض عن زخرفها كما كان بطلاً في القتال والفتوحات وشيخاً مرشداً يجلس للإستماع إليه المئات بل والآلاف سواء في مجلسه الخاص أو في مجلسه العام في جامع البصرة في مدينة البصرة حيث أقام الشطر الأكبر من حياته إلى أن توفاه الله. فمن هو الإمام الحسن البصري؟ وما هي أهميته الكبيرة في الإسلام ولماذا أصبح له هذا التأثير الكبير والمكانة الجليلة في صفوف العلماء والأئمة العارفين وهو تأثير لا يزال ماثلاً وكبيراً حتى يومنا هذا؟

نسبه ونشأته
هو الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد، كان أبوه مولى جميل بن قطبة وهو من سبيميسان، سكن المدينة وأُعتِق وتزوج بها في خلافة عمر بن الخطاب فولد له بها الحسن رضي الله عنه، أما أمه فإسمها خيرة وكانت مولاة لأم سلمة أم المؤمنين وكانت تخدمها، وربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع فتشاغله أم سلمة وترضعه، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن إنما هي من بركة بيت الرسول (ص) إذ إن أم المؤمنين أم سلمة أصبحت أمّه بالرضاعة فأصبح عن هذا الطريق منسوباً إلى بيت النبيّ (ص)، ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له وكان في جملة من دعوا له عمر بن الخطاب (ر) بقوله: اللهم فقّهه في الدين وحبّبه إلى الناس.

عيشه وسط الصحابة
بسبب ولادته وإقامته في المدينة فقد نشأ الحسن البصري منذ يفاعه بين صحابة رسول الله (ص) وقد رأى الحسن عدداً من كبار الصحابة وكان قد بلغ الحلم عندما رافق العديد منهم وتعلّم منهم وسمع منهم مباشرة وروى بعد ذلك الحديث عنهم. ومن الذين روى الحسن البصري عنهم عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب وأبي بكرة الثقفي والنعمان بن بشير وجابر وجندب البجلي وابن عباس وعمرو بن تغلب ومعقل بن يسار والأسود ابن سريع وأنس بن مالك. وحضر الحسن الجمعة مع عثمان بن عفان وسمعه يخطب، وشهد يوم اغتياله وكان عمره أربع عشرة سنة. وفي سنة 37 هـ انتقل إلى البصرة للتلقي والتعلم، حيث استمع إلى الصحابة الذين استقروا بها، وفي سنة 43هـ عمل كاتباً في غزوة لأمير خراسان الربيع بن زياد الحارثي لمدة عشر سنوات، وبعد رجوعه من الغزو إستقر في البصرة حيث أصبح أشهر علماء عصره ومفتيها حتى وفاته.

” دخل أصحابه عليه لعيادته في مرض فلم يجدوا عنده فراشاً ولا بساطاً ولا وسادة ولا حصيراً إلا سرير من طين  “

فرح
فرح

صفاته وشمائله
كان الحسن البصري حسن الصورة، بهي الطلعة، وكان عظيم الزند قال محمد بن سعد: “كان الحسن فقيهاً، ثقة، حجة، مأموناً، ناسكاً، كثير العلم، فصيحاً، وسيماً”. وكان من الشجعان الموصوفين في الحروب، وكان المهلب بن أبي صفرة يقدمهم إلى القتال، واشترك الحسن في فتح كابول مع عبد الرحمن بن سمرة.
قال أبو عمرو بن العلاء: “ ما رأيت أفصح من الحسن البصري”.
وقال الغزالي : “وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء، وأقربهم، هدياً من الصحابة، وكان غايةً في الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه”( أي من فمه).
وقال علي بن زيد: “أدركت عروة بن الزبير ويحيى بن جعدة والقاسم فلم أر فيهم مثل الحسن ولو أن الحسن أدرك أصحاب النبي وهو رجل لاحتاجوا إلى رأيه”.
وقال الأعمش: “ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان إذا ذكر عند أبي جعفر يعني الباقر قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء”.

حزنه وخوفه
كان الحسن البصري صواماً قواماً، فكان يصوم الأشهر الحرم والاثنين والخميس وكان كثير الحزن، عظيم الهيبة، قال أحد أصحابه: «ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة».
وقال حمزة الأعمى: “كنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه”، فقلت له يوماً: “إنك تكثر البكاء”، فقال: “يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل، لعله تعالى أن يرحمك”.
أما عن سبب حزنه فيقول الحسن رحمه الله: “يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه”.
وروى حوشب عن الحسن، قائلاً : يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به، ليطولنّ في الدنيا حزنك، وليشتدنّ في الدنيا خوفك، وليكثرنّ في الدنيا بكاؤك
وروى الطبراني عنه أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إنني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بـالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
ومن شدة خوفه وحرصه على الحلال وفراره من كل حرام، قد رفض تزويج ابنته لرجل عرف عنه أنه جنى مالاً كثيراً، وفي الرواية عن حميد الطويل أن رجلا قدم نيابة عن شاب يطلب خطبة بنت الحسن البصري، وأعرب الحسن في البداية عن قبوله، ثم عاد الوسيط إلى الشيخ وأراد أن يزيد الثناء على الخطيب فقال: يا أبا سعيد، وأزيدك أن له خمسين ألف درهم. قال الحسن على الفور: له خمسون ألفاً ما اجتمعت من حلال، وإن كان جمعها من حلال فقد ضنّ بها على الخلق، لا والله لا يجري بيننا وبينه صهر أبداً”!!

مدينة البصرة في جنوب العراق حيث عاش الإمام الحسن البصري رحمه الله
مدينة البصرة في جنوب العراق حيث عاش الإمام الحسن البصري رحمه الله

واصل بن عطاء

كان العالم واصل بن عطاء من تلاميذ الحسن البصري لكنه قرر في مرحلة معينة ترك مجلس الإمام الحسن وتكوين مذهب أو جماعة سميت في ما بعد بيت “المعتزلة”. وكان سبب ذلك حسب الرواة أن واصلاً ابن عطاء سأل الحسن البصري عن عصاة الموحدين فقال الحسن: “هم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم”، فقال واصل: “بل هم في منزلة بين المنزلتين”، ثم اعتزل حلقته، فقال الحسن البصري: «اعتزلنا واصل»، فسميت فرقته منذ ذلك الحين بـ «المعتزلة».

زهده واستغناؤه عن الناس
كان الحسن البصري من الزاهدين حقاً فهو الذي زهد في ما عند الملوك فرغبوا فيه واستغنى عن الناس وما في أيديهم فأحبوه، فعن يونس بن عبيد وقال: أخذ الحسن عطاءه فجعل يقسمه، فذكر أهله حاجة فقال لهم: دونكم بقية العطاء أما أنه لا خير فيه إلا أن يصنع به هذا.
وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً (أي يتصيدون الأخطاء) فقال: هون عليك يا هذا، فإنني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطمعتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟
وعن خالد بن صفوان قال: لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال: يا خالد أخبرني عن حسن أهل البصرة؟ قلت: أصلحك الله أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في مجلسه، وأعلم من قلبي به أشبه الناس سريرة بعلانية وأشبهه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك كيف يضلّ قوم هذا فيهم؟! وعن مطر قال: دخلنا على الحسن نعينه فما كان في البيت شيء لا فراش ولا بساط ولا وسادة ولا حصير إلا سرير مرمول هو عليه.

مصحف شريف يعود إلى القرن الخامس الهجري
مصحف شريف يعود إلى القرن الخامس الهجري

“كان جامعاً عالماً عالياً رفيعاً ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كبير العلم فصيحاً مهيباً وجميـــــــــــلاً”

علمه
كان الحسن أعلم أهل عصره، يقول قتادة: “ما جمعت علمه إلى أحد العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه، غير أنه إذا أشكل عليه كتب فيه إلى سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فقيهاً قط إلا رأيت فضل الحسن”.
رأى الحسن عدداً كبيراً من الصحابة وروى عنهم مثل النعمان بن بشير، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس رضوان الله عليهم، ونتيجة لما سبق فقد لقّبه عمر بن عبد العزيز بسيد التابعين حيث يقول:” قد وليت قضاء البصرة سيد التابعين”.
ويقول ابن سعد عن علمه: “كان الحسن جامعاً عالماً عالياً رفيعاً ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كبير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسن حجة، وقدم مكة فأجلسوه على سرير واجتمع الناس إليه فحدثهم، وكان في من أتاه مجاهد وعطاء وطاووس وعمرو بن شعيب فقالوا أو قال بعضهم: لم نر مثل هذا قط. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: “من سره أن ينظر إلى أفقه من رأينا فلينظر إلى الحسن”. وقال قتادة: «كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام».

علم للخاصة وعلم للعامة
وقال أبو سعيد بن الأعرابي في طبقات النساك: «كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن ويسمعون كلامه ويذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصة، وكان عمرو بن عبيد وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له، وكان له مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن، فإن سأله إنسان عن غيرها تبرم به وقال: إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر، فأما حلقته في المسجد فكان يمرّ فيها الحديث والفقه وعلم القرآن واللغة وسائر العلوم، وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب، وكان منهم من يصحبه للحديث، وكان منهم من يصحبه للقرآن والبيان، ومنهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص وكل من هؤلاء اشتهر بحال تعنى في العبادة».

حذره من السياسة والفتن
عاش الحسن الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان موقفه متحفظاً على الأحداث السياسية، وخاصة ما جرّ إلى الفتنة وسفك الدماء، حيث لم يخرج مع أي ثورة مسلحة ولو كانت بإسم الإسلام، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والإضطراب، وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب في استبداد سنين، ويؤدي الخروج إلى طمع الأعداء في المسلمين، ولأن الناس يخرجون من يد ظالم إلى ظالم، وإن شقّ إصلاح الحاكم فما زال إصلاح المحكومين يسيراً. أما إن كان الحاكم ورعاً مطبقاً لأحكام الله مثل عُمر بن عبد العزيز، فإن الحسن ينصح له، ويقبل القضاء في عهده ليعينه على أداء مهمته.
ولقد عنّف الحسن البصري طلبة العلم الشرعي الذين يجعلون علمهم وسيلة للإستجداء فقال لهم: “ والله لو زهدتم في ما عندهم، لرغبوا في ما عندكم، ولكنكم رغبتم في ما عندهم، فزهدوا في ما عندكم”.
وكان يخاف الفتن وانزلاق الغوغاء إليها. فلما كانت فتنة بن الأشعث وقتاله الحجاج بن يوسف انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائهم فدخلوا على الحسن البصري وقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة وفعل وفعل؟ فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادِّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. لكن الثلاثة خرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟ وانضموا إلى فتنة بن الأشعث وقتلوا جميعاً.

وفاته
يقول أبو طارق السعدي: “شهدت الحسن عند موته يوصي فقال لكاتب: اكتب هذا ما يشهد به الحسن بن أبي الحسن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من شهد بها صادقاً عند موته دخل الجنة. ويُروى أنه قبل أن تفارق الروح الجسد دخل في غيبوبة ثم أفاق إفاقة فقال لمن حوله لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
ومات الحسن ليلة الجمعة، وأخرج حين انصرف الناس وازدحموا عليه، حتى فاتت الناس صلاة العصر، لم تصلّ في جامع البصرة. وكان مماته سنة عشر ومائة (هجرية)، وعمره تسع وثمانون سنة، وقال عبد الله بن الحسن إن أباه عاش نحواً من ثماني وثمانين سنة، وقد مات في أول رجب، وكانت جنازته مشهودة صلوا عليه عقب الجمعة بالبصرة فشيّعه الخلق وازدحموا عليه حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع. وقال هشام بن حسان: “كنا عند محمد بن سيرين عشية يوم الخميس فدخل عليه رجل بعد العصر” فقال: مات الحسن فترحم عليه محمد وتغير لونه وأمسك عن الكلام فما تكلم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه مما رأوا من وجده عليه، وما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن إلا مئة يوم.

” كان يحذر من الفتن وسفك الدماء ويرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى ويقول فوضى ساعة يرتكب فيها من المظـــــالم ما لا يرتكب في اســـــتبداد ســــنين  “

الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن
الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن

في غيبوبة ثم أفاق إفاقة فقال لمن حوله لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
ومات الحسن ليلة الجمعة، وأخرج حين انصرف الناس وازدحموا عليه، حتى فاتت الناس صلاة العصر، لم تصلّ في جامع البصرة. وكان مماته سنة عشر ومائة (هجرية)، وعمره تسع وثمانون سنة، وقال عبد الله بن الحسن إن أباه عاش نحواً من ثماني وثمانين سنة، وقد مات في أول رجب، وكانت جنازته مشهودة صلوا عليه عقب الجمعة بالبصرة فشيّعه الخلق وازدحموا عليه حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع. وقال هشام بن حسان: “كنا عند محمد بن سيرين عشية يوم الخميس فدخل عليه رجل بعد العصر” فقال: مات الحسن فترحم عليه محمد وتغير لونه وأمسك عن الكلام فما تكلم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه مما رأوا من وجده عليه، وما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن إلا مئة يوم.

قالوا في الحسن البصري
سئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول: سلوا الحسن؟ قال: سلوا مولانا الحسن، إنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا.
وقال قتادة: ما جالست رجلاً فقيهاً إلا رأيت فضل الحسن عليه، وكان الحسن مهيباً يهابه العلماء قبل العامة.
وقال ضمرة بن ربيعة نقلاً عن الأصبغ بن زيد إنه سمع العوام بن حوشب يقول: ما أشبه الحسن إلا بنبي .
وعن أبي بردة، قال : ما رأيت أحداً أشبه بأصحاب محمد صلى الله عليـه وسلَّم منه
وقال مطر الوراق، لما ظهر الحسن جاء كأنما كان في الآخرة، فهو يخبر عما عاين.
وقال معاذ بن معاذ قلت للأشعث: قد لقيت عطاء وعندك مسائل، أفلا سألته ؟ ! قال: ما لقيت أحداً بعد الحسن إلا صغر في عيني.
قال قتادة: ما كان أحد أكمل مروءة من الحسن.
وعن علي بن زيد، قال : سمعت من إبن المسيب، وعروة، والقاسم وغيرهم، ما رأيت مثل الحسن، ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم (أعمارهم) ما تقدموه.
وقال يونس بن عبيد: أما أنا فإنني لم أرَ أحداً أقرب قولاً من فعل من الحسن.

أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال : اختلفت إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك.
وقال هشام بن حسان : سمعت الحسن يحلف بالله، ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله .

مختصر مفيد

جاء شاب إلى الحسن البصري فقال: “إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء“ .
فقال له الحسن:“ هل تقوم الليل“؟ فقال: “لا“، فقال: “كفاك أن حرمك الله مناجاته.

من أقوال الحسن البصري

الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن
وطلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب

• من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا
• فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحاً.
• ضحك المؤمن غفلة من قلبه.
• لكل أمة وثن، وصنم هذه الأمة الدرهم والدينار.
• بئس الرفيقين: الدينار والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك.
• من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
• ما نظرت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية ؟ فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت.
• من ساء خلقه عَذَّبَ نفسه.
• الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.
• إن المؤمن في الدنيا غريب لا يَجزع من ذلها ولا يُنافس أهلها في عزها.
• قال الحسن البصري: “أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين يحاسبون أنفسهم في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هموا به لهم مضوا وإن كان عليهم أمسكوا“. قال: “وإنما يثقل الأمر يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا، أخذوها من غير محاسبة، فوجدوا الله عز وجل قد أحصى عليهم مثاقيل الذر وقرأ “مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها “.
• إحذر ممن نقل إليك حديث غيرك، فإنه سينقل إلى غيرك حديثك.
• عظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك.
• ما رأيت شيئاً من العبادة أشدّ من الصلاة في جوف الليل.
• إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك.
• لولا العلماء لكان الناس كالبهائم.
• ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.
• أيها الناس ! احذروا التسويف، فإنني سمعت بعض الصالحين يقول : نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ثم لا نتوب حتى نموت.
• إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوماً في طاعة الله، فبغاك وبغاك- أي طلبك مرة بعد مرة – فإذا رآك مداوماً ملـَّكَ ورفضك، وإذا كنت مرة هكـذا ومرة هكذا طمع فيك.
• تفـقـَّـد الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة والقرآن والذكر، فإن وجدت ذلك فأمض وأبشر، وإلا فاعلم أن بابك مغلق فعالج فتحه.
• إن الله جعل الصوم مضماراً لعباده ليستبقوا إلى طاعته.
• استوى الناس في العافية فاذا نزل البلاء تباينوا.
• قرأت في تسعين موضعاً من القرآن أن الله قدّر الأرزاق وضمنها لخلقه، وقرأت في موضع واحد : الشيطان يعدكم الفقر… فشككنا في قول الصادق في تسعين موضعاً وصدقنا قول الكاذب في موضع واحد.• أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك (قالها لرجل مدحه نفاقاً).
• طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب.
• من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء.
• جاء شاب إلى الحسن فقال: أعياني قيام الليل (أي حاولت قيام الليل فلم استطعه)، فقال: قيدتك خطاياك.

الحسن البصري
في مواقف مشهودة

1- وعظه للخليفة عمر بن عبد العزيز
ذكر ابن أبي الدنيا أن الحسن البصري كتب الى عمر بن عبد العزيز:
أما بعد، فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزادَ منها تركُها والغنى فيها فقرُها، لها في كل حين قتيل، تُذِلُّ من أعزَّها وتُفقِر من جَمَعها، هي كالسُّمِّ يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلاً مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرَّارة الخداعة الخيالة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بآمالها وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوَّة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسى المعاد فشغل بها لبُّه حتى زلَّت عنها قدمه فعظمت عليها ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت، وعاشق لم ينل منها بغيته فعاش بغصته وذهب بكمده ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد وقدِم على غير مِهاد، ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبراً ولم يضرب لها مثلاً لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر، فمالها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها، ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصها عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه فزوَّاها عن الصالحين اختياراً وبسطها لأعدائهِ اغتراراً، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أًكرِم بها ونسي ما صنع الله عزّ وجل برسوله حين شدّ الحجر على بطنه.
وقال الحسن أيضاً : إن قوماً أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها.

2- الحجاج يأمر بقطع رأسه ..ثم يخضع له
لما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ، وطغى في ولايته وتجبَّر، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ، وقال لجلاَّسه : تبّاً لكم، سُحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع – إذا كان يُريد قطعَ رأس إنسان بمكان فيه أثاث فاخر حتى لا يلوِّث الدمُ الأثاثَ يأتون بالنطع، والنطع قطعة قماش كبيرة، أو قطعة جلد، إذا قُطع رأسُ من يُقطع رأسُه، لا يلوِّث الدمُ الأثاث، ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضِر، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفاً بين يديه، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمرُ، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا، فما زال يوسع له و يقول: ها هنا، والناس لا يصدَّقون ما يرون، طبعا طُلب ليقتل، والنطع جاهز، والسيَّاف جاهز، وكلُّ شيء جاهز لقطع رأسه، فكيف يستقبله الحجَّاج، ويقول له : تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه، ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج : أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية – نوع من أنواع الطيب – وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج، وقال له : يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإنني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت ؟ فقال الحسن: لقد قلت : يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً
وسلاما عليَّ، كما جعلت النارَ برداً وسلاماً على إبراهيم.

المؤمن في الدنيا غريب

3- كيف يَضِلُّ قوم فيهم الحسن البصري؟
حدَّث خالد بن صفوان فقال: لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة فقال لي: أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة، فإنني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك ؟ فقال : أصلح اللهُ الأمير؛ أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم، قال : أنا جارُه في بيته، وجليسه في مجلسه، و أعلم أهل البصرة به، قال: هاتِ ما عندك .
قال له : إنه امرؤ سريرته كعلانيته – واحدة – و قوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له، ولقد رأيتُه مستغنياً عن الناس، زاهداً بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده “ فقال مسلمةُ : حسبُك يا خالد كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا؟”

4- شجاعته في مواجهة الملوك
لما وليّ عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية فقال:” ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن” فقال الشعبي لابن سيرين:” سفسفنا له فسفسف لنا”.

“الفتنة عقوبة الله عز وجل يحلها بالعباد إذا عصوه. وتأخروا عن طاعته”

5- سراب الدنيا وفتنتها
قال فرقد: دخلنا على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد ألا يعجبك مثل محمد بن الأهتم؟ فقال: ماله؟ فقلنا: دخلنا عليه آنفاً وهو يجود بنفسه فقال: انظروا إلى ذاك الصندوق – وأومأ إلى صندوق في جانب بيته – فقال: هذا الصندوق فيه ثمانون ألف دينار لم أؤد منها زكاة ولم أصل منها رحماً ولم يأكل منها محتاج فقلنا: يا أبا عبد الله فلمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان ومكاثرة الأقران وجفوة السلطان فقال الحسن: انظروا من أين أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه ومكاثرة أقرانه وجفوة سلطانه !؟ ثم قال أيها الوارث لا تُخدعن كما خُدع صويحبك بالأمس جاءك هذا المال لم تتعب لك فيه يمين، ولم يعرق لك فيه جبين، جاءك ممن كان له جموعاً منوعاً من باطل جمعه ومن حق منعه، ثم قال الحسن إن يوم القيامة لذو حسرات، الرجل يجمع المال ثم يموت ويدعه لغيره فيرزقه الله فيه الصلاح والإنفاق في وجوه البر فيجد ماله في ميزان غيره.
جاءه آخر فقال له: إنِّي أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أنني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته وسأله رجل عن الفتنة ما هي وما يوجبها؟ فقال: هي والله عقوبة الله عزّ وجل؟ يحلها بالعباد إذا عصوه. وتأخروا عن طاعته. وقيل له: يا أبا سعيد من أين أتى على الخلق؟ فقال: من قلة الرضا عن الله ـ عزّ وجل ـ قيل له: فمن أين دخل عليهم قلة الرضا عن الله ،عزّ وجل ؟ فقال: من جهلهم بالله. وقلة المعرفة به. وكان يقول: هجران الأحمق قربة إلى الله، ومواصلة العاقل إقامة لدين الله، وإكرام المؤمن خدمة لله، ومصارمة الفاسق عون من الله. وكان يقول: لا تكن شاة الراعي أعقل منك. تزجرها الصيحة، وتطردها الإشارة.

لا تبيعن آخرتك بدنياك
قال الحسن: “ يا ابن آدم عملك فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد ـ وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق وسعة الخلق مما يقرب إلى الله ـ عز وجل ـ يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك، يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئاً وإن هو صغر، فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن من الشر شيئاً فإنك إذا رأيته ساءك مكانه، فرحم الله رجلاً كسب وأنفقه قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وفاقته، هيهات هيهات ذهبت الدنيا، وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، وأنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون؟ إنه لا كتاب بعد كتابكم ولا نبي بعد نبيكم، يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً “.

بكاء الورع وخشية الله
عن عمرو ابن ميمون بن مهران قال بعد أن كبر أبي وذهب بصره .. قال لي: هلم بنا إلى الحسن البصري. فخرجت به أقوده إلى بيت الحسن البصري، فلما دخلنا على الحسن قال له أبي : يا أبا سعيد .. قد أنست من قلبي غلظة، فاستلن لي منه!
فقرأ الحسن من سورة الشعراء}أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون(207){.. فبكى أبي حتى سقط، وأخذ يضرب برجله الأرض كما تضرب الشاة المذبوحة، وأخذ الحسن البصري يبكي معه وينتحب فجاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا فأخذتُ بيد أبي فخرجت به .. فلما صرنا في الطريق .. وكزني أبي في صدري وكزة ثم قال : يا بني، لقد قرأ علينا آيات لو فهمتها بقلبك لأبقت فيه كلوماً أي جروحاً. نعم، لا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة يناجيك أو يسليك أو يتوجع.

لا تعيب الناس بعيب هو فيك
روى أبو عبيدة الناجي أنه سمع الحسن يقول: يا ابن آدم إنك لا تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب من نفسك فتصلحه، فإذا فعلت ذلك لم تصلح عيباً إلا وجدت عيباً آخر لم تصلحه، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك، وأحب العباد إلى الله تعالى من كان كذلك. وعن يحيى بن المختار عن الحسن قال : إن المؤمن قوَّام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة .
وقال أيضاً :إن المؤمن يفاجئه الشيء يعجبه فيقول: والله إنّي لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول : ما أردت إلى هذا، مالي ولهذا ؟ والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله . إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم و بين هلكتهمم. إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى إلى فكاك رقبته لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه و بصره ولسانه وجوارحه.
المصادر
سير أعلام النبلاء – البداية والنهاية – الطبقات الكبرى – تهذيب الكمال – تهذيب التهذيب – وفيات الأعيان – عجائب الآثار – إحياء علوم الدين – ذم الدنيا – صفة الصفوة – مكارم الأخلاق – الوافي بالوفيات.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي