الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الخير الأسمى لدى أفلاطون

شكَّلَ مفهومُ «الخير» فكرةً محوريّة وجَدَليّة لدى العديد من الفلاسفة لكنّ أفلاطون هو مَنْ ارتقَى به إلى مَصَاف المبدأ الأسمى للمعقولات والموجودات، ومِثَال المُثُل، واعتبرَه أصلَ المعرفة والهدفَ الأرقى للإنسان.

أشارَ أفلاطون في أكثر من مُحاورةٍ له إلى أنّ وَضْعَ تعْريفٍ تامٍ للخير يتعدّى الطاقة البشرية، وإنّما الخيرُ يُعرَّف على نحو أفضل باستخدام المجاز والتشبيه. وهو يقول في الفصل السادس من مُحاورة «الجمهورية» (Republic) على لسان سقراط مخاطباً مُحاوِرَه: ما يمنح الحقيقةَ إلى موضوعات المعرفة، وللفكر العارِف القوةَ على المعرفة، هو مِثَالُ الخير. ومن حيث كونه علّة المعرفة والحقيقة، فهو أيضاً موضوعُ (Subject) المعرفة. فالمعرفةُ والحقيقة على السواء تتَّسِمان بالجمال، لكنّك ستكون مُحِقّاً بأنْ تُفكِّر بأنّ الخير أكثر جمالاً منهما. كما في العالم المرئي يتماثل النورُ والنظرُ مع أشعة الشمس، لكن من الخطأ التفكير بأنّهما الشمس، كذلك من الصائب التفكير بأنّ المعرفةَ والحقيقة هما أشبه بالخير، لكن من الخطأ التفكير بأنّ أيّاً منهما هو الخير، إذ إنّ الخيرَ وجبَ أن يكون أرقى شرفاً منهما… إنّ موضوعات المعرفة لا تعود معرفتهما فحسب إلى الخير بل وجودهما الحقيقي أيضاً، ولو أنّ الخير ليس وجوداً بل يتفوّق ويتعدّى الوجودَ كرامةً وقوة». ومن ثم يقول إنّ الخير هو «المصدرُ الأصلي للحقيقة والمعرفة… بل علّة كلّ شيء». إنّ الخير الأسمى لدى أفلاطون هو علّةُ المُثُل أو «الصور العُلْوية» (Forms).

إذاً، الخيرُ في العالَم العقلي هو كالشمس في العالَم المرئي، تماماً كما هي الشمس مصدرٌ لرؤية العين والمرئيات كذلك هو مصدرُ المعرفة في العقل ولكلّ المعقولات، يشعُّ حقيقةً ومعرفةً، وهو مصدر الحياة والوجود في العالم. فالمُثُل، هدف المعرفة، إنمّا تستمدّ وجودها وجوهرها من الخير كما تستمدّ الأشياء في العالم المرئي وجودها ونموّها من نور الشمس، وتستمدُّ خيريّتها منه. فالخير يوفّر المنطقَ العقلي والمعرفة اللذين يُمكِّنان النفسَ من إدراك المُثُل. فعلى سبيل المثال نحن لا نعلم ما إذا كان العدلُ عدلاً أو الشجاعةُ شجاعةً من دون الاستناد إلى الخير كمعيارٍ للخيريّة بحيث نعلم ما إذا كانت هذه الفضائل خيراً أم لا.

الخيرُ في معرفة مِثَاله الأسمى!

يتبدّى مفهومُ «الخير الأسمى» في «الجمهورية» كعقيدةٍ ميتافيزيقية أساسية للمُحاورة التي تُعتبر مُبكرة في أعماله الفلسفية، وكركيزةٍ أساسية في نظريته عن المُثُل، وإنّما هي مَنْ ألهمت الفلاسفة مذاك في التعرُّض لمسألة جدلية الخير والشر.

فكلُّ مَنْ يقرأ «الجمهورية» يلاحظ الأهمية القصوى للخير الأسمى بكونه هدف المرحلة الأرقى من المعرفة، فالمُحاورة تسعى إلى إيجاد الغاية القصوى لسعي الإنسان. ويصل أفلاطون إلى خُلاصة أنّ الخيرَ هو الهدفُ المرجو من وراء جميع أفعال البشر. وهذا المفهومُ يجد حلاً للعديد من المفاهيم المُغلقة التي لم يُقدِّم لها إجابة في محاورات أخرى. وهو يعتبر أنّ دراسة مفهوم الخير هي الدراسة الأهم، حتى من المنظور السياسي، ويوضِح الخطوات التي يعبرها العقل البشري من المستوى الأدنى، حيث ثمة جهلٌ للخير الأسمى، إلى قمة الوعي، وهي بالمعرفة الكاملة للخير الأسمى، التي هي وراء كلّ خير.

المِثَال الأعلى للمُثُل

إذاً، يرى أفلاطون أنّ الخيرَ هو المبدأ الأول، المِثَالُ الأعلى للمُثُل، ذلك المِثَال الذي تصدر منه جميع المُثُل الأخرى. إنّه المبدأ الأسمى بل هو الهدفُ الأسمى الذي تتوقُ إليه كلّ نفس. ويختصر الباحث يوليوس ستينزل (Julius Stenzel) هذا المفهوم بالقول «الخير بالنسبة إلى أفلاطون هو هدفُ الكمال الإنساني».

ويقع هذا المفهوم لمِثَال الخير الأسمى في صميم نظرية أفلاطون حول الخير والشر وما يُمثِّلانه من جدليّة الأضداد، تلك الجَدَليّة الفيثاغورية التي أكثر ما توضح نظريته. فوفق تعريف أفلاطون فإنّ الجَدَلَ «الديالكتيك» (Dialectic) هو وسيلة للاستكشاف والفهم عبر التحليل العقلي لوحدة جميع المُثُل في نظامٍ واحد، هو مصدرها، أي أنّ «الديالكتيك» هو نهجٌ للحصول على الخير الأسمى. وهذا ما نجده في محاورات «الجمهورية» (Republic)، و»المائدة» (Symposium)، والسفسطائي» (Sophist)، و»فيدروس» (Phaedrus)، حيث هناك ترابط بين الحق والجمال والخير كمِثالٍ أعلى.

أمّا من ناحية عقلانية مفهوم الخير لدى أفلاطون، ففيما نحن نسعى إلى حياةٍ متَّسِمة بالخير لا بالشر، فإنّنا نكون في ما بين هذه الأضداد الجَدَلية الديالكتيكية نسعى إلى تحقيق خيريّتنا الخاصة بنا، وبذلك نَعِي مفهوم المُثُل ومبدأ الخير الأسمى. وهنا يربط الباحثون بين نظرية الأضداد الجَدَلية لدى أفلاطون ونظريته في الخير
والشر، ومنهم جي. إي. مويلير (G. E. Mueller)، وآر. سي. لودج (R. C. Lodge). ففي داخل الطبيعة البشرية نزاعٌ دائم يعتمد على نتيجته ما إذا كان الإنسان سيّداً على نفسه أو غارقاً في عبوديّتها، مُرتَقِياً فوق الحِسّ المتقلِّب نحو مِثَال الخير، الذي يعتبره أفلاطون بذلك الحقيقة القصوى. والإنسان يتوقُ إلى صَقْل صفات مِثَال الخير المُنعكِسة فيه. وهو ما يُشير إليه الباحثُ مارتن بوبير (Martin Buber) أيضاً الذي يُوضِح أنّ أفلاطون في محاوراته يُطلِق على التفكير «مناجاةٍ صامتة» للنفس مع ذاتها. وإنّما الرُّوح هي «المحكمة الداخلية» التي تستمع وتحكُم استناداً إلى مفهوم الخيريّة. وفي مُحاورة «ثياتيتوس» (Theaetetus) يرى أفلاطون أنّ الفكر هو «جدالٌ صامت» للنفس مع ذاتها، تطرح أسئلة وتُجيب لتخرج بحُكْمٍ خيِّرٍ صحيح يدحضُ الشكّ باليقين.

إنّ أعظم الشرور هو اقتراف الخطأ والإفلات من العقاب، لأنّ مَنْ يُعاقَب يصبح أفضل لأنّه يتخلّص من شرور نفسه. أمّا مَنْ يفلت من العقاب فهو يزدادُ شرّاً. “أفلاطون”

غاية السَّعِي البشري

في مُحاورة «غورجياس» (Gorgias) يرى أفلاطون أنّ أعظم الشرور هو اقتراف الخطأ والإفلات من العقاب، لأنّ مَنْ يُعاقَب يصبح أفضل لأنّه يتخلّص من شرور نفسه. أمّا مَنْ يفلت من العقاب فهو يزدادُ شرّاً. إذاً، إنّ توق الإنسان نحو الخير إنّما يعكسُ علاقته مع المَثَال الأعلى له. فإنّ الخيريّة في حياة الإنسان تُحدَّد بمدى وعيه للشر، كما في مُحاورة «غورجياس». فمن أجل أنْ نُدرِك الخير ونُحقِّقه ينبغي أن نعرف معرفة حقّة مِثَال الخير الأسمى. فالخيرُ هو علّة كما هو غاية السَّعي البشري المِثَالي، أي هو ذلك المِثَال الذي يتوقُ له القلب دوماً.

ونرى هذه الفكرة في مُحاورة «غورجياس»:

سقراط: إنّما في السَّعِي إلى تحقيق الخير، حينما نمشي، نمشي ونُفكِّرُ بأنّ ذلك هو المسار الأفضل، أو خلاف ذلك حينما نقف، فإنّنا نقف للسبب ذاته، أي لأجل الخير من ورائه. أليس كذلك؟

إنّ الخيرَ هو الهدف الأسمى للسَّعِي البشري، «علّة غائية» (Teleological Cause) كما يتبدَّى في مُحاورة «المائدة»، و»علّة ذاتية» (Subjective Cause). وبما أنّ الخير يُشكِّلُ الفعل الذي تتحرّك النفس إلى تحقيقه فهو «علّةٌ كلّية» (Universal Cause). وهنا يرى أفلاطون أنّ الحياة وجبَ أن تكون وفقاً لمبدأ الخيريّة، فالفعل لا يكون مقبولاً إلا إذا كان ذا نتائج خيِّرَة. ويقولها بوضوحٍ تام في مُحاورة «المائدة»: علّة كلّ شيء نقوم به هو الخير «فما نُحِبُّه هو الخير ولا شيء سوى الخير». وبالتالي يكون مفهوم الخير لدى أفلاطون مبدأ «العلّة الغائية الكلية» (Universal Teleological
Cause).

ويخلُص أفلاطون إلى أنّه في ما يتعدّى الخير لا نحتاجُ إلى أي شيء آخر. فالخير يُبرِّر وجوده بنفسه، تماماً كما هو شأن السعادة. فلا حاجة إلى أن نسأل لماذا نريد أن نكون سعداء، فالإجابة واضحة، إذ يقول في مُحاورة «المائدة»: «ما الذي يتوق إليه مُحِبُّ الخير؟ أنْ يجعل الخيرَ فيه. وماذا يكسب إذا ما جعلَ الخيرَ فيه؟ .. سيكتسب السعادة … فالسعيدُ هو سعيدٌ بقدر ما يمتلك الخيرَ، وعندئذ لا حاجة لنا إلى أن نسأل لماذا يرغب الإنسان في أنْ يكون سعيداً، فالإجابةُ جَلِيّة».

وهنا تتبدَّى العقلانية (Rationality) وراء مفهوم أفلاطون للخير وأهميّتها في نظرية أفلاطون عن الخير والشر ككلّ. ويعتبر أفلاطون الفضائل والصفات الأخلاقية والحكمة العمليّة والفهم والصلاح جميعها خيرٌ، كما في «القوانين» (Laws) و»غورجياس» و»أوثيديموس» (Euthydemus)، لا سيّما إذا ما استُخدِمَت هذه الفضائل والمزايا لغرض الخير.

لذلك يؤكِّد أفلاطون أنّ الأشياء أو الصفات ليست خيِّرَة في حدّ ذاتها لكنّها خيِّرَة فحسب بقدر ما يتماثل استخدامها ووظيفتها مع مبدأ الخير الأسمى. وبذلك يمكن اعتبار الخير المبدأ الغائي الذي نتطلّع إليه لاتّخاذ أي خيارٍ أو قرار وتنفيذ أي فعل أو وظيفة، إذ إنّ قراراتنا تُبنَى على أساس ما هو أفضل. ولهذا السبب تعتمد مقدرتنا على أن نكون أخياراً أو أشراراً على مدى فَهْم عقلنا لمِثَال الخير الأسمى، وبالتالي أي فعلٍ لا يُحقِّق نتائج خيِّرَة إنّما هو نتيجة جهل أو عدم معرفة ذلك الخير. ولهذا السبب يُصِرّ سقراط في مُحاورة «مينون» (Meno) على أنّ اختيار فعل الشر «يُنافِي الطبيعة البشرية، بل هو جهلٌ للخير». وفي هذه النظرية الأخلاقية المِثَالية، يرى أفلاطون أنّ الإنسان الخيِّر يقوم بفعل الخير لذاته لأنّه غاية في نفسه وجزاؤه سعادة في باطنه لا كما كان يقول السفسطائيون إنّ غاية الأخلاق والخيريّة تكمن في اللّذة التي تنجم عنها أو خارجها.

“نوس” والخير الأسمى

ستتَّضِح الصورة الآن أكثر فأكثر. فيما يُشير أفلاطون في «الجمهورية» إلى أنّ مصدر نور المعرفة هو «مِثَال الخير»، فإنّه يُشير إليه في مُحاورة «فيليبوس» (Philebus) بالعلّة الأولى (First Cause) أو العقل «نوس» (Nous)، أي أنّ معرفةَ مِثَال الخيرِ الأسمى، أي معرفة «نوس»، مصدرِ كلّ خيرٍ وكلّ المُثُل والموجودات والمعرفة، هو أساسُ كلّ الخير للنفس.

في مُحاورة «فيليبوس» يقول أفلاطون على لسان سقراط إنّ «جميع الفلاسفة يوافقون على أنّ العقل «نوس» هو ملك السماء والأرض .. ولعلّهم مُحِقّون». وكان الفيلسوفُ الأفلاطوني الإغريقي ألبينوس (Albinus) (ت. 150 بعد الميلاد) مِن أول المُفكرِّين والكُتَّاب الذين قارنوا المحرِّك الأول للكون لدى أرسطو بمفهوم العقل «نوس» ومِثَال الخير الأسمى لدى أفلاطون. فالمحرّك الأول الذي لا يتحرّك لدى أرسطو هو «نوس» الأفلاطوني ومِثَال الخير الأسمى. فالخيرُ أساس المعرفة و»معرفة الخير أساس الخير كُلُّه».
والتلميحُ واضحٌ في مُحاورة «فيليبوس»، فذاك «النوس» الفردي مسؤولٌ عن الحياة الخيِّرَة وبالتالي السعيدة بقدر ارتباطه بذلك «النوس» الكوني، «واجب الوجود»، بخيريّته الأسمى!

لهذا السبب اعتبرَ أفلاطون الخيرَ هو أسمى المُثُل ومصدرَ الوجود والكمال وهو في أكثر من مكانٍ في مُحاوراته يُوازِيه بالعقل الأسمى «نوس». ويُجمِع الباحثون على أنّ مُحاورة «فيليبوس» (Philebus) هي من بين محاورات أفلاطون الأخيرة وربّما كُتِبَت في الوقت ذاته الذي وَضَعَ فيه مُحاورة «تيماوس» (Timaeus)، وهي حوارٌ بين سقراط وفيليبوس وبروتاركوس (Protarchus) ويتمحور معظمها حول الفرق بين اللّذة المادية واللّذة العقلية والتَّوق، لكنّها تعود إلى مفهوم التوق إلى الخير الذي لا يشمل البشر فحسب بل الكون بأسره.

وقد نقلَ أرستوكسينوس (Aristoxenus)، عن معلِّمه الفيلسوف أرسطو، أنّ أفلاطون ألقى في أثينا محاضرةً عامّة تحت عنوان «حول الخير»، لكنّه أوضحَ مفهومَه الفعلي للخير على نحو خاص لنخبةٍ من طلابه المهيَّأين لفَهْم الحقائق التي لا يفقهها العامّة.

ويقول الباحثُ الفلسفي وولتر ستايس (Walter Stace) إنّ غائية أفلاطون «تصل الذروة في مِثَال الخير، وذلك المِثَال هو التفسير النهائي لكلّ المُثُل الأخرى والكون كلّه. وإنّ وَضْعَ الأساسِ النهائي لكلّ الأشياء في الكمال نفسه يعني أنّ الكونَ يصدر عن تلك الغاية الكاملة التي تتحرّك نحوها الأشياء جميعاً»، وإنّ مِثَالَ الخير «هو الحقيقة القصوى»، لكنّه «مجرّد مخلوقٍ لله مُعتمدٍ عليه من أجل وجوده»، مُعارضاً بذلك مَنْ يشير إلى تطابق مِثَال الخير ومفهوم الله عند أفلاطون.

الضدُّ يُظهِرُ حُسنَه الضدُّ

هكذا يكون وجودُ الشر في هذا العالَم الناقص، عالَم الكون والفساد، ضرورةً جَدَليّةً كدافعٍ للنفس في أن ترنو دوماً نحو تحقيق الخيرِ بالتخلُّص من الشر والنقص فيها، وسببهما كما يقول ابن سينا «عَجْز الموجودات نفسها عن قبول الفيض الصادر عن واجب الوجود». وواجبُ الوجود في المفهوم الأفلاطوني هو الخيرُ الأسمى «نوس» وليس الخالق المُنزَّه عن جدلية الخير والشر والوجود والعدم. فوجود الشر في العالم هو الحافز للنفس لكي تُحقِّق كمالَها الخاص بها للعودة إلى مِثَال الخير الأسمى. فالشرُّ ليس علّةً فاعِلة بل إنّ العلّة المنفعِلَة هي سبب الشر بقدر ابتعادها عن العلّة الفاعِلة أي الخير الأسمى.

وهذه الفكرة قد تناولها القديس أوغسطين (St. Augustine) في القرن الخامس ميلادي، ويتّضح التأثيرُ الأفلاطوني على فلسفته، حينما اعتبرَ أنّ «الشر، خلافاً للخير، لا وجودَ جوهرياً له (Insubstantial)، بل هو غيابٌ للخير (باللاتينية Privitio Boni)»، وذلك في معرض سعيه لحل مشكلة «وجود الشر» حيث قال «نحن نُقدِّر الخيرَ أكثر حينما نُقارِنه بالشر (أي كما قال الشاعر: والضدُّ يُظهِرُ حُسنَه الضدُّ)… كما العتمة ُهي غيابٌ للنور، كذلك الشرُ هو غيابٌ للخير». ويبدو المفهومُ الأفلاطوني واضحاً في خُلاصته: «الخيرُ هو الأساسُ الأنطولوجي (إثباتاً وجودياً) للحقيقة والأساسُ الإبستيمولوجي (إثباتاً معرفياً) لإدراك الحقيقة».

وقد لَفَتَ العديدُ من الباحثين إلى استلهام القديس أوغسطين لمفاهيم أفلاطون لا سيّما في مسألة الخير، وعقدة وجود الشر في العالَم، والسَّعي البشري نحو حياةٍ متَّسِمة بالخير.

كامِل الخير!

يُكْمِلُ أرسطو المفهومَ الأفلاطوني للخير ويقول إنّ جميع الكائنات تتحرّك توقاً إلى الخير، وإنّ الخيرَ في العالَم مستمدٌ من العلّة الأولى «الكاملة الخيريّة»، الخير المُطلَق في جميع الوجوه.

إنّ الطبيعة المتعالية لهذا المبدأ الميتافيزيقي أي الخير الأسمى، المنطوي على جميع الحقائق، تجعل منه ذلك الكمالَ الذي يُوحِّدُ الأشياءَ بكمالِيّته (كامِل الخير)، بل غايتَها وسرَّ وجودها.

وبذلك تترابط دُرَرُ سُبحَةِ المفاهيم الأفلاطونية وتتَّضِح الصورة … فالخيرُ الأسمى هو المِثَال الأول للمُثُل، والمبدأ الأول، والعلّة الأولى (…)، ومصدر الخيرات والوجود والكائنات والهدف الأسمى لكلّ نفس.


المراجع
  1. Julius Stenzel, Plato’s Method of Dialectic. Oxford: Clarendon Press, 1940.
  2. Martin Buber, I and Thou. New York: Charles Scribner and Sins, 1970.
  3. G. E. Mueller, Philosophy as Dialectic. New York: Philosophical Library, 1965.
  4. Walter T. Stace, A Critical History of Greek Philosophy. London: Macmillan, 1968.
  5. R. C. Lodge, Plato›s Theory of Ethics. London: Routledge and Kegan Paul Ltd, 1928.

 

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي