الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الذكرى الثالثة بعد المئة لمولد “المعلّم” كمال جنبلاط (2020-1917)

المعلّم كمال جنبلاط

ما سرُّ هذا الرجل؟ ما الذي يجعل من ذكرى مولده السنوية نقطة احتفاء وتلاقٍ بين المُثقَّفين وقادة الفكر، من اتجاهات فكرية وسياسية متباينة – ربما اختلفوا في أشياء أخرى كثيرة لكنهم يجتمعون في ذكرى مولده، كلٌّ يتناول جانباً منها، فيكتب صفحات مطوّلات، ثم يقول: اعذروني لم يسمح لي ضيق المجال بالمزيد من التوسّع في أفكار المعلّم، والمزيد من الإفاضة في تفسيرها وشرحها. أمّا الأكثر إلفاتاً في ذكرى مولده الأخيرة، فقد كانت العودة العفوية غير المسبوقة إلى أفكاره: قبل أكثر من خمسة وسبعين عاماً (أي منذ محاضرته في «الندوة اللبنانية» سنة 1946 تحت عنوان «رسالتي كنائب»)، ونصوص «ميثاق» الحزب التقدمي الاشتراكي الفلسفية، أيار 1949، إلى إصراره على معالجة الطائفية السياسية من خلال العلمنة وفصل السلطات واستقلالية القضاء والحياد الإيجابي التي تضمنها برنامج «الجبهة الاشتراكية» سنة 1952، وصولاً إلى مشاريعه الإصلاحية التفصيلية التحديثية، منذ سنة 1959 إلى البرنامج المرحلي لإصلاح النظام السياسي اللبناني الذي أعلنه في آب 1975، بحضور القادة الوطنيين، مسيحيين ومسلمين.

سأترك نصوص هذا الملف الاستثنائي في «»، التي تفضّل بها بعض كبار كتّابنا، تتحدث عن جوانب عدّة في فكر المعلّم؛ وليس في وسع نصّ واحد، ولا عشرة نصوص، أن تحيط بأبعاد فكره المتعدد الطبقات والاستشرافات، وفي كل مجال تقريباً.
وأخيراً، إذا سمحت لنفسي تفسير بعض أسباب الأهمية المتزايدة، سنة بعد سنة، لفكر كمال جنبلاط ومشاريعه الإصلاحية، لاختزلتها في ثلاثة:

1- اشتمال هذا الفكر، وكما لدى كبار المفكرين، على معظم الموضوعات التي تعني المجتمعات الحديثة، والإنسان الحديث، من هموم وأسئلة، وبخاصة تلك المتصلة باصطدام إنسان اليوم بالحضارة المعاصرة «المادية»، الرأسمالية والشيوعية، في آن معاً، ورفضه من ثمة كل الأجوبة، بل القوالب، الفكرية التقليدية الجاهزة.

2- الحفر المستمر لكمال جنبلاط في طيّات أفكار البشر واختباراتهم الروحية بحثاً عن الحقيقة، بعيداً عن «ثقافة عصر الصور» التي نحيا أشد فصولها توحّشاً، في ما سميّ بعصر «العولمة الاستهلاكية»، في الخارج، وعصر «الفساد الأسطوري»، في الداخل.
3- كمال جنبلاط، باختصار، هو فيلسوف الإنسان والحرية والتقدّم والبحث عن الحقيقة، دون ادّعاء أو احتكار أو إقصاء.

4- ولعل السبب الرابع «المحلي»، هو حال الاهتراء في نظامنا السياسي والفساد المستشري، اللذين أعادا إلى الواجهة، فكر «المعلم»، وسمعته الذائعة الصيت، ومشاريعه الإصلاحية.
لهذه الأسباب، وسواها، يتجدّد الاهتمام، في كلّ حين، بفكر كمال جنبلاط «المعلّم»، و«الضّحى» في هذا الملف إنّما تواكبُ، وكما حالُها دائماً، اهتمامات قرّائها.

.


تَحِيَّةٌ إلى المعلّم الشّهيد

د. بلال عبد الله

 

أكثر من أي وقتٍ مضى يتّضح أنّ فكر كمال جنبلاط الفلسفي والاجتماعي والسياسي هو فكر مبدع خلّاق متطوّر من تلقاء نفسه، صالح لزماننا وأوضاعنا في لبنان والوطن العربي، وذلك كله يعود لأن هذا الفكر يركّز على المحور الإنساني وعلى مفاهيم العدالة والقيم والأخلاق والسلام والبيئة.

إذاً نحن أمام منظومة فكرية مترابطة حاولت النبش عن الحقيقة في كل ميادين الكون والطبيعة والأمم والإنسان، فنسجت قراءة وتحليلاً لجوهر الحياة الاجتماعية الإنسانية، وليس فقط بظاهرها وفق اعتماد المعلم نظرة وحدة الأضداد، أي العلاقة بين الظاهر والباطن، بين المبدأ والممارسة، بين الالتزام وحسن التنفيذ.

هذا الميراث الفكري المتنوّع والغني، يشكل لنا البوصلة والجوهر في كل برامجنا وخططنا وعملنا، بغض النظر عن التفاصيل في البرامج والصياغات وخطط العمل والتكتيكات اليومية، إلّا أن الأمل كان ويجب أن يبقى الالتزام بالفكر الإنساني التقدمي الاشتراكي لكمال جنبلاط مهما تغيرت الظروف وتبدلت الوقائع، والتي على أساسها يجب أن تتغيّر وتتبدل البرامج بين الجوهر أي العقيدة والقناعة بالإنسان يجب أن تبقى الأولوية التي تحكم مسار العمل السياسي والحزبي.

على سبيل المثال، فإنّ المعلم الشهيد قد أشار إلى مبدأ المثالية الواقعية أي أن نحاول ربط مبادئنا وقناعاتنا وعقيدتنا بالواقع المعاش بتعقيداته وأزماته وظروفه لكيلا نبتعد عن الناس – الإنسان، ممّا يجعلنا أقدر على اقتراح المخارج للأزمات والحلول، لأنه في الربط بين المبدأ والواقع مع صعوبة ذلك أحيانا تكون الفروقات المنطلقة من القيم والمبادئ متلاصقة أكثر بالإنسان بحاجاته ومطالبه وتطلّعاته.

وفي مكان آخر، ربما استكمالاً لهذا المفهوم يطرح كمال جنبلاط مفهوم التسوية بكل معانيها وتنوعها وشموليَّتها وفي كل شيء لأنّ استمرار الحياة وحماية المجتمعات والشعوب تتطلب القدرة على صياغة التسويات، أكان على صعيد الممارسة الفكرية أو تعايش الأديان أو تعدّد الثقافات أو تقارب المصالح الاقتصادية وحصرية صياغة عقد اجتماعي عادل وغير ذلك…

كلّ هذه الأمور تُظهر صحّة مبدأ التسويات في الممارسة وتاريخنا يشهد البعيد والقريب على هذه الممارسة في الحياة السياسية وبالتحديد بعد كل الثورات والحروب الأهلية.

إلّا أنّ ما يميّز فكر كمال جنبلاط هو أنه استطاع أن يكرّس لونا جديداً لليسار وللاشتراكية تعتمد العدالة الاجتماعية وحسن توزيع الثروة والضمانات وحماية الحقوق، ولكن مع بُعد إنساني قلّ نظيره يعتمد حرية الإنسان كمحور لكل المبادئ لا قيد أو شرط أو تضييق على هذه الحريّة مهما كانت الاعتبارات. إنها الحرية المسؤولة التي تبقي على الإبداع والتطور والعطاء وتبرز النخبة في المجتمع القادرة على التعادل في كل الميادين.

هذه الحرية التي وصفها المعلّم في صميم ميثاق الحزب وأدبيّاته جمعاء ورفض المساومة عليها بل أكثر، فقد دعا الحركة اليسارية العالمية آنذاك إلى الارتقاء واعتمادها نهجاً وممارسة.
وقد أطلق هذه المواقف في كلمة شهيرة له في محاضرة له في افتتاح مؤتمر للحزب الشيوعي اللبناني تحت عنوان «بما يطوّر ويستكمل الماركسية» حيث حاول أنسنة الفكر اليساري وجعله أقرب إلى التطبيق وعدم تضييق حرية الفرد والإفساح بالملكية الشخصية وتخفيف الاحتقان والصراع بين الطبقات، والعمل على إضفاء روح التعاون وإشراكنا بها أي ألّا نبقى أسرى الصراع الطبقي وما نتج عنه من تشوهات وممارسات ونتائج كارثية في العديد من المجتمعات.

وتبقى المسألة الأهم التي كانت وما زالت عند فكر كمال جنبلاط التقدمي اليساري ألا وهي تصالحه مع الأديان السماوية جمعاء، فهدف كتاباته يؤكد أن الفكر الاشتراكي الإنساني قد ولد مع الأديان السماوية والتي تُجمِع كلها على العدالة والتسامح والرحمة والأخلاق والقيم والتي من رحمها ولد المفهوم الاشتراكي الحقيقي قبل أن يتحول فيما بعد إلى فكر طائفي سياسي بعيد عن منطلقات الحدث الأساسي. إذاً فإنّ فكر كمال جنبلاط لا يتعارض بالمطلق مع الدين، وهو من هذا المنطلق آمن بالعلمانية، وخاصة في لبنان كحلٍّ نهائي للأزمة الطبقية المتوارثة من جيل إلى جيل والتي تمنع قيام الدولة العصرية الحديثة الموحَّدة.

فبقدر ما أحترم والتزم كمال جنبلاط بقيم الأديان ومنطلقاتها وعمقها الإلهي والإنساني بقدر ما وقف في وجه التطرف الديني والطائفي والمذهبي. ولذلك كان ينادي بالعلمانية للأنظمة السياسية وفصل الدين عن الدولة. ويتضح اليوم أنّ هذا الشعار وإن كان يتراءى للبعض أنه بعيد المنال ولكنه يشكل الحل الوحيد للبنان للخروج من مأزقه السياسي والوجودي ويخرجه من سياسات المحاور والارتباط بالخارج ويساهم في انصهار كامل لكل الشباب في البوتقة اللبنانية الواحدة بعيداً عن أي انتماءات أخرى.

سنبقى أبناء هذه المدرسة نؤمن بأنّ التقدمية الاشتراكية الإنسانية هي الطريق السليم لبناء مجتمع العدالة والحداثة والوحدة.


مع كمال جنبلاط: الإصلاح يجب أن يأتي من داخل الانسان

أ.رامي الريّس

 

في كل مرّة نستل فيها القلم للكتابة عن المعلم كمال جنبلاط، تتزاحم المصاعب والتحديات، وتتداخل الصور والمفاهيم بين النظري والواقعي، بين الخاص والعام، بين صفة الباحث والكاتب وصفة المؤمن بتعاليمه ومبادئه. ويتبادر إلى الذهن فوراً ما إذا كان ثمة إمكانية فعليّة للكتابة عنه وعن تراثه الكبير في الفكر والسياسة والفلسفة والأخلاق والاقتصاد وسواها من نواحي الحياة المتنوعة بما يوفق بين الالتزام بمقتضيات الكتابة البحثيّة والموضوعيّة، وبين إشباع تلك الرغبة الجامحة والحاضرة دوماً للاستزادة مما كتبه وعمل في سبيله.

ولكن بعيداً عن الوجدانيات التي تفرض ذاتها في كل مناسبة تتطلب العودة إلى فكره (وهي تتزايد بصورة مضطردة نظراً لحالات التحلل الاخلاقي والمجتمعي المتنامية لا سيّما في الوسط السياسي اللبناني)، ثمة مرتكزات يمكن الركون إليها في الموضوع قيد البحث ومنها عنوان لطالما رغبتُ بالتركيز عليه وهو يتصل بالأخلاق في السياسة.

إن الهوّة السحيقة اليوم بين المواطن والدولة وبين المواطن والمكونات السياسيّة إنما تولد الانطباع العارم بأن السياسة هي لعبة قذرة يتقاذفها من لا يستحقون الثقة ولا يتمتعون بالمصداقيّة ولا يحسنون تدبير الأمور ولا يقدّرون الوكالة الشعبيّة التي مُنحت لهم.

قد يكون ذلك محقاً في جانب منه، إلا أنه قد لا يصحّ على كل الأطراف بالتساوي. فثمة قوى تقبض على السلطة بكل مفاصلها وهي التي تتحكم بمسار الأمور صعوداً وهبوطاً وفي كل الاتجاهات والمجالات. لكن ليس المهم الآن الدخول في تبرئة ساحة أحد أو إثبات الاتهام على أحد، بقدر ما المهم العودة إلى النقاش في عمقه ألا وهو ممارسة السياسة بأخلاق، انطلاقاً من أنها مهمة شريفة ترمي في الدرجة الأولى إلى خدمة المواطن ورفع مستوى عيشه الاجتماعي والانساني وتطبيق المساواة بين الناس بمعزل عن انتماءاتهم الطائفيّة او المذهبيّة أو العرقية أو سواها من الحواجز التي تنتصب للتفريق بين أبناء الشعب الواحد وإيهامهم بأن ثمة انتماءات لا بد لهم أن يحافظوا عليها على أنها تسمو فوق الانتماء إلى الوطن والدولة. وفي ذلك خلط هائل للمفاهيم وتشويه للعمل السياسي والوطني بكل مرتكزاته.

لقد شكلت فلسفة الأخلاق عند كمال جنبلاط مدخلاً لكل آداب الحياة وسلوكياتها، وهو نجح في مؤلفاته وكتبه بالتوفيق بين المقتضيات النظريّة للوجود وأسراره وبين مستلزمات الواقع بكل تعقيداته ومنعطفاته.

في أدب السياسة، قال كمال جنبلاط: «لا يُبنى وطن على التكاذب المشترك، ولا على التسويات المبطنة التي تُظهر شيئاً وتستبطن شيئاً آخراً، وكأنها هدنة بين معركتين أو استراحة بين حربين».

من قال أن السياسة والأخلاق يجب أن يكونا على طرفي نقيض؟ من قال أن ما كتبه كبار الفلاسفة في مجال حقوق الانسان والديمقراطيّة وصحة التمثيل الشعبي وأسس المشاركة في السلطة غير صالح للتطبيق في عالم تطغى على الممارسة السياسية فيه كل أشكال الزبائنيّة والرأسماليّة الجشعة والمحسوبيات؟ أليس العكس هو الصحيح؟ ألا يفترض العودة إلى كمال جنبلاط وسائر المفكرين الأحرار الذين رسموا خارطة طريق لكيفية النهوض بالمجتمعات وإعلاء شأن الإنسان أولاً وأخيراً؟

كل فكر كمال جنبلاط يتمحور حول الانسان ورفعته وسبل تطوير أحواله وتحريره وإخراجه من قعر الحرمان والتخلف والجهل والأمية. لذلك، ركّز على الوعي بشكل كبير كمدخل حتمي وممر إلزامي لإصلاح المجتمع ودفعه نحو التقدم والتطور. وللتذكير، هو الذي قال: «الإصلاح يجب أن يأتي من داخل الانسان»، كما أنه هو الذي اعتبر أنه من المفترض جعل الانسان هدفاً للسياسة وليس العكس، والأمر نفسه ينطبق على الدين.

الختام مع قول لكمال جنبلاط يختصر الكثير: «الإنسان منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا… يبحث بعطش محموم عن الاستقرار والسعادة.. والاستقرار شرط من شروط السعادة (…). يطلب الانسان السعادة خارج نفسه، ولا يعلم أن السعادة التي يطلبها من الأشياء ليست موجودة أصلاً في الأشياء.. إنها موجودة في صميمه».
هذه العبارة تختصر كل الكلام، ولا كلام بعدها.


كمال جنبلاط التّوحيدي المُتَعدّد: في تذكُّرِ دقائقَ معه حول برغسون

د. أنطوان سيف

 

المناسبة: دعوة كمال جنبلاط من قِبل «رابطة طلاب كلية التربية» في الجامعة اللبنانية، التي كنتُ أرأسها في العام 1968، لإلقاء محاضرة في الكلية للطلاب والأساتذة في موضوع يختاره في الشأن العام الراهن، حينذاك، في لبنان والعالم العربي، وهي واحدة من سلسلة محاضرات اتَّخذنا قراراً بتنظيمها تضمُّ تباعاً أحد ممثِّلي القوى السياسية الفاعلة في لبنان، أو علَماً فكرياً سياسياً. وكان وفدُ الرابطة مؤلّفاً من ثلاثة أو أربعة أعضاء، بالإضافة إلى الزميل الصديق الشهيد أنور الفطايري الوسيط الذي تولَّى الاهتمام العمليّ بهذا اللقاء والاتفاق على موعده… وقد أعلَمَنا عن الموافقة المسبَقة والترحيب. وكانت الزيارةُ بروتوكوليةً، وفرصةً من قِبلنا، للالتقاء بشخصية فريدة ونادرة في حقول متداخلة متعدّدة جَمعَها ووحَّدَها في ضميمٍ منسجم: في القيادة السياسية والحزبية، والمعارف والأفكار الفلسفية، والشعر والكتابة، والروحانيات العرفانية، وفي المواقف والمسلك الخاص والعام… وعندما وصَلْنا، كانت القاعةُ لا تزال تضجُّ بمن تبقَّى من الزائرين من أهل المطالب من الزعيم الذي انتصبَ واقفاً لاستقبالنا، ولم يَعُد للجلوس إيذاناً بتوديع الباقين. وما زلتُ أذكرُ من ذلك المشهد آخرَ المودِّعين، وكان بلباسه القرويَ قائلاً: بَعدنا يا بيك ناطرينك تتشرّفنا بتلبيتك لعزيمتي لك على الغداء، التي ما زلتَ تؤجِّلها. فردَّ كمال جنبلاط، المعروف بظرفه، وعلى مسمعٍ من جميع الحاضرين: إنسيها هلّق ها لعزيمة، لأني بها الأيام عم بَعمل ريجيم! وألحقَ هذا الردّ بضحكةٍ خفيفة تدلُّ على المداعبة، نظراً إلى أنَّ البيك، النحيلَ أصلاً، معروفٌ بتقشُّفه في المأكل، واجتناب تلبية العزائم قدرَ الإمكان!

عقبذاك تفرّغَ لنا. وبعدما عرضتُ له الغايةَ من زيارتنا، وخلفياتِ قرارها الوطنية والديمقراطية، ونلنا الموافقة السريعة، مع ترك بعض التفاصيل الخاصة باللقاء الموعود إلى فترةٍ لاحقة، بادَرَنا بالسؤال عن ميادين تخصُّصاتنا الجامعية، ومعلِّقاً عليها وعلى إشكالياتها الأساسية، وروى لنا كيف عالجَ نماذجَ منها على مستوى السلطة التنفيذية في الوزارة، وفي النيابة. وانتقلَ إلى الكلام العام في الاجتماع والسياسة والثقافة انطلاقاً من ثنائية مفهومَي «المجتمع المنغلق» «والمجتمع المنفتح» عند الفيلسوف برغسون، وإمكانية قراءة هذه النظرية وحدود تطبيقها في المجتمع اللبناني، والمجتمعات العربية عموماً. وانتقلَ بعدها مركِّزاً على نظرية برغسون في الأخلاق، وموقفِه من المعرفة والعلم، وبخاصةٍ علم النفس: الوعي بالزمان والذاكرة، وموقفِه من الحضارة المادّية المنتشرة في الغرب، ونزعتِه الروحانية… وموضوعاتٍ أخرى لم أعد أذكرها، وكأننا كنَّا في درسٍ جامعيّ ينمّ عن عمقٍ لافتٍ في فلسفة برغسون وإلمامٍ واسعٍ بتفاصيلها! والأهمّ في كل ذلك، والمدهش أيضاً، هو مواقفُه الفكريّة منها، وردوده الجاهزة على مواقفَ انتقاديةٍ وُجِهت ولا تزال تُوجَّه إليها، ومحاولته قراءة أُسُس هذه الفلسفة الغربية بقاعدتها الروحانية على كونها ذاتَ أبعادٍ تُضيء على تاريخ الحكمة الشرقية، والديانات، والروحانيات الإشراقية العرفانية، وضرورة التقدُّم بالمعرفة العقلية والعرفانية، وعلى إيقاع «التطوُّر الإبداعي الخلّاق» في جانبها الإنساني، كما في كل الكائنات الحيّة، وكذلك في الحضارة …
في ذاك «الدرس الخصوصيّ» المفاجئ غيرِ المتوقَّعِ وغيرِ المعهود، وجدتُني تهيَّبتُ الموقفَ كوني، كما بدا لي، المعنيَّ الأكثرَ بهذا الشرح، وإنّي أُعامَلُ من سيِّد الشرح على هذا الأساس، إذ كنتُ وحدي، من بين زملائي أعضاء الوفد الطلّابي، من قسم الفلسفة الذي أعلنتُ عن انتمائي إليه في بداية اللقاء. وما عزَّزَ ذلك الانطباع مداخلةٌ منِّي أظهرتْ اهتمامي بهذا الشرح ودرايتي بجوانب من الموضوع، ما وفَّرَ لتلك الجلسة، على ما أظنُّ، شروطاً لحوارٍ فكريّ وفلسفي، وللاسترسالٍ تالياً في التفسيرٍ، بدا لنا جنبلاط يجد فيه متعةً، ويُظهِر به، تلقاءً ومن غير قصد، الجانبَ الأساس من هوّيتِه بأنه «مُعلِّم»، اللقبُ الأكثرُ مطابَقةً لكينونته الشخصية ولحضوره كقائدٍ وكمرجعٍ ثقةٍ لشعبه، لقبٌ ملازِمٌ له، بالسليقة وبالدربة المكتسَبةِ باستمرارِ المزاولة. فالتعليمُ إذ يقوم على نقل المعارف والعلوم، هو، بعُرفه، واجبٌ ورسالةٌ والدربُ الوحيدُ لسموّ الإنسان باتجاه غايةِ إنسانيّتِه القصوى بالمعرفة، «المعرفةِ التوحيدية الأخيرية، هذه الحكمة…التي تلتزم بمنطق العقل الأرفع دون الاستنارة بأيِّ وحيٍ سوى تعليمِ وإرشادِ الشيخ أو القطب، أو المعلِّم الحكيم»، كما قال في كتابه «مصادر الحكمة في التاريخ» (الدار التقدُّميّة ص 16)… لم يكن يُعطي معلوماتٍ مدرسيةً عن فلسفة برغسون، بل كان يدلُّ على حكمةِ علاقتها بأكثر من حقلٍ معرفي، وعلى كيف ينبغي أن تُفهَم بأبعادها المختلفة، «هذه الحكمة، هذا التحقُّق، وهذا الإشراق هو اختبارٌ كأيّ اختبارٍ علميٍّ آخر، كما بدا لوليم جيمس ولبرغسون…في مستوى الظواهر النفسية، لأننا في علم النفس نمتحنُ طاقةً لطيفةً خفية…» (ص 17). هذه «الرسالة التعليمية» هي صادرةٌ عن قائد مسؤول عن شعب، ومنه عن الإنسانية جمعاء. قال بوضوحٍ تام: إنَّ «أشرفَ مهنةٍ على وجه الأرض هي تمثيلُ الشعب وقيادتُه، حيث لا يوجد أشرفُ منها مهنةٌ، إذا عرفنا أن نضعَها في مستواها اللائق» (كمال جنبلاط، كتاب «الإنسان والحضارة»، الدار التقدمية، ص 66). شرعيةُ قيادته لم يُنزلها يوماً عن قوس المساءلة الصارمة بمقاييس أخلاقية رسولية حول واجبات القائد في الخدمة آمنَ هو بها، لا بحسب قوانين رسمية ومراسيم وضعية وحسب، وهو سليل العائلة الإقطاعية التي تتوارث الزعامةَ جيلاً بعد جيل! ألم يتساءل في محاضرة له في بيروت، مفتتحاً بها عهد «الندوة اللبنانية»، ندوةِ ميشال أسمر، بأوّل نشاطٍ لها، التي باتت بعدذاك، وعلى مدى ثلاثة عقود، المنبرَ الثقافيَّ المُجلَّ الصيتِ وطنياً وعربياً وعالمياً، محاضرةٍ بعنوان: «رسالتي كنائب»؟ أي، لماذا أنا نائب في البرلمان اللبناني؟ وقدَّم فيها ذلك النائبُ الشابُ الذي كانَه، ابنُ التاسعة والعشرين يومذاك، (18 تشرين الثاني 1946)، نصّاً أخّاذاً في الأدب السياسي، والفكر السياسي، والمسؤولية السياسية الكبرى «كرسالة»، بل «أمثولة» في العمل السياسي، كما لم يفعل أيُّ سياسيٍّ آخر؟
تلك الجلسةُ مع إنسانٍ نادرٍ بتمايُزه، ثريٍّ بشخصيَّته، بدقائقها القليلة، وبتذكُّرها المشوَّش، بعد نصف قرن، لكثيرٍ من تفاصيلها، لم يحجب حقيقةَ دلالاتها الواسعة العاتية على الامِّحاء. لاحظتُ مُذ ذاك أنَّ مدلول هذا الفيض في معرفة برغسون، ومن دون أيَّة إشارة نقدية سلبية منه، يشير إلى أنَّ لهذه الفلسفة مكانةً لافتةً في فكر كمال جنبلاط لم يتوقف عليها، مع ذلك، في بحثٍ مستقلٍ من مؤلفاته العديدة! وبدت هذه الفرضيةُ مؤكدةً بمطالعتي المعمَّقةِ لأفكار الفيلسوفَين: برغسون وجنبلاط، والأثر البالغ، ولكن ليس الأوحد بطبيعة الحال، الذي تركَه الأوّلُ في الثاني. وهذا ما أظهرتُه في مداخلتي المطبوعة بعنوان «كمال جنبلاط: الحرية وتحديات العصر» التي أَلقيتُها في «منتدى الفكر التقدمي» في بيروت، وبدعوةٍ من هيئته الإدارية، في 31/3/1993 في ندوةٍ بعنوان: «كمال جنبلاط القائد والمفكِّر»، بمناسبة الذكرى السنوية السادسة عشرة لاستشهاده، شاركَ فيها الأساتذةُ: إدمون نعيم، محسن إبراهيم، أنطوان سيف، مُنح الصلح، كريم مروّة، وأمين مصطفى. ونشرتُها كاملةً لاحقاً في كتابي: «ثلاثة حكماء من جبل لبنان: بطرس البستاني «كمال جنبلاط» عادل إسماعيل»، ط 1999، وخصَّصتُ فيه حوالي عشر صفحات (ص 135-144) للكلام على هذا التأثُر(التناص) الذي يعني قراءةً خاصةً لأفكار برغسون في صرح فلسفة جنبلاط المتعدّدة المصادر، الغنيَّة بتنوُّعها وتأويلاتها وإبداعاتها، ككل الفلسفات الكبرى!(وأُذيعت بصوتي في تلك الندوة، في إذاعة «صوت الجبل»، أكثرَ من مرَّة)، وفي كتابي إشارةٌ عابرةٌ إلى تلك الجلسة المذكورة، صغتُها منذ ثلاثة عقود ونيَّف، على النحو التالي: «… برغسون (1859 – 1941)، الأستاذ الروحي لكمال جنبلاط، وأكثرُ أساتذته حضوراً في أطاريحه ومقولاته… كان جنبلاط يشرحُ نظرياتِ برغسون ويؤوّلُها بشغَفٍ ظاهر. كانت مادةَ تدريسِه المفضَّلةَ التي يَبرعُ فيها بامتياز، هو الذي كان يُدعى بين مريديه والمقرَّبين منه، وعن جدارة، «المعلِّم» (ثلاثة حكماء…، ص 135).

ويُعطَف هذا التقريظُ لفلسفة برغسون على تقريظٍ لآراء عالم الأنثروبولوجيا تيار دو شاردان التطوُّري، مع كونه رجلَ دين، الذي أعلنَ أنَّ أهداف التطوُّر ثلاثة:

1- «الزيادة في طاقة الوعي: الفهم أو الوعي الخارجي من جهة أي الحرية، والوعي الداخلي أي الارتفاع في فهم الانسان لذاته الحقيقية ولقيَمه وقيَم الوجود.
2- نزعة التطوُّر إلى التجمُّع البشري Socialisation humaine
3- وإلى أنسنة الانسان».

وجنبلاط يوافق على أنَّ التطوُّر ليس محصوراً في الأجسام الحيَّة، كما يقول شاردان (نزوع الكائنات اللّاحيّة إلى الحياة)، إلاّ أنه يتحفَّظ على تفاصيل مواقف شاردان من هذا التطوُّر (كمال جنبلاط، الإنسان والحضارة، ص 117 – 118)، ويقول جنبلاط أيضاً في كتابه «مصادر الحكمة في التاريخ»: «والإحسان هو تمامُ توفية الإنسان، عبر تطوُّره من المادة إلى العقل الأرفع، ومن الظلمة إلى النور، ومن الحيوانية البهيميّة إلى الإنسانية المُشرِفة على عالَم المِثالات الإلهية، لحقيقة وجوده وأصالة فضيلة طبيعته» (ص 54).أشاد جنبلاط بفكرة برغسون عن «الأخلاق المغلَقة» في «المجتمع المغلَق» (التي تستحضر التقاليدَ التي لم تَعُد مفيدةً في الحاضر، وباتت عبئًا عليه وعائقاً أمام تقدُّمه) وعن «الأخلاق المنفتِحة» (التي يقرِّرها ثوّارٌ كبار: كالأنبياء والقدّيسين والأبطال الشعبيِّين) فيجدِّدون بها المجتمعَ والحضارة ويعطون دفعاً عظيماً للتقدُّم. ولكنَّ هذه «الأخلاق المنفتحة» لا تلبث أن تغدو، على مَرّ الزمن، منغلقةً، ولا بدَّ من تغييرها بأخلاقٍ منفتحة جديدة. وهكذا دواليك.
هذا التعاقُبُ بين المنفتحة والمنغلقة، قرأه جنبلاط بشكلٍ جدليّ (ديالكتيكي)، بخلاف برغسون، وهذا ما ميَّزه أيضاً عن جدليّة (ديالكتيك) الاشتراكيين المادِّيين. وكان يرى دوراً أساسياً في التغيير والتقدّم يقوم به القادةُ الروحيون والسياسيون والحزبيون (وهو منهم) في الثورة التي ستخلِّص المجتمعَ من الانغلاق، والناسَ من الجهل، عن طريق المعرفة. ويوضح: «لستُ بداعٍ إلى ثورةٍ معلومة، بل إنّا نريدها ثورةً روحية، نريدها جامحةً كالأعاصير، تُلهب النفوسَ، وتمحو القيود، وتصهر الأمّة، وتوحِّدُ وطناً، وتبني دولة»… «لأنَّ الاقتصاد، في الحقيقة، نتيجةٌ ومظهرٌ لمجموع قوى وإمكانات مادية وعقلية وروحية» (كتاب «الإنسان والحضارة»، كمال جنبلاط، ص7، محاضرة في بيروت 15-4-1947). وتأثّر أيضاً بالمفهوم البرغسوني: «دُفعة الحياة»، أي جوهر الحياة المتطوّرة باستمرار، ويسمّيها أيضاً «حيويّة الحياة»، التي تتلازم وتتماهى عنده مع الحرية والعقل والحكمة التي هي عقل العقلاء. كل ذلك في مسيرةٍ يتداخل فيها التناقضُ والتسامي بوجهةٍ صوبَ «العقل الأرفع».

لقد انفتحَ جنبلاط بمواقفه الفكرية والعمليّة على أكثر من مصدرٍ على مرّ التاريخ منذ أقدم القديم حتى المعاصَرة مع العلوم الحديثة. فالثابتُ الجوهري فيها هو الإنسان الذي يجب أن ننمّيه باستمرارٍ بالمعرفة…

في ختام هذه المداخلة المقتضبة، المداخلة / الشهادة، أُشيرُ إلى المكابدة في الكتابة، المقتضبةِ خصوصاً، عن جنبلاط المتعدّد والمتنوّع والمنفلش على أصقاع شتى من المعارف والعلوم والفلسفة والمعتقدات والأديان والمذاهب والطرائق والاشراق والأدب والشعر و«فيما يتعدّى الحرف» وغيرها، وإضافة مكابدةٍ أخرى تتعلق بكونه قائداً سياسياً واجتماعياً وروحياً… وقد عانيتُ هذه المكابدةَ، ومتعتَها، مرَّتين: الأولى، منذ ثلاثة عقود، وبعدما سقطت عندي فيها منهجيةُ «الإحاطة»، واستعصتْ عليَّ منهجيةُ «لا يدرك الشبيه إلّا الشبيه»، واستغلقتْ عليّ منهجيةُ «غير السالكين»، قلتُ بتهيُّبٍ وقتذاك:»فمن يَجرؤ، بوعيٍ تام، على أن يتحمَّلَ تبعاتِ ضغط هذه الآفاق (الجنبلاطية) المفتوحةِ، في قمقمٍ من الأسطر، ويدَّعي، مع ذلك، إيضاحاً، أي إخراجاً من الليل إلى الضحى…؟». وهذه الثانية، أخترتُ لها حلَّةَ شهادةِ شاهدٍ أَحيَيتُها من ذاكرةٍ منهوكةٍ، شهادة ذاتية، معه، في ومضةٍ مستدامة، تأتي في سياق معاناةٍ عامة وطنية غيرِ مسبوقة في إطار كارثةٍ فاجعة ثلاثية يكابدها اللبنانيون منذ سنة ونيف هي، بأحد معانيها القاسية، اغتيالٌ ثانٍ له!

وعلى الرغم من كل هذا الترهُّل العام، بل بسبب هذا الترهُّل، يبقى كمال جنبلاط مشروعَ أملٍ وتقدُّمٍ وفرحٍ وكلامٍ نقيٍّ لا ينضَب.


الدِّيمُقراطية في نظر كمال جنبلاط

د. رياض شـيّا

 

قد تكون الكتابة في الديمقراطية عملاً فيه شيء من الرتابة، لكثرة الذين كتبوا فيها، وكثرة ما كُتب عنها، وما أمعنوا وعالجوا فيها من زوايا متعددة. لكنّها قليلة نسبياً تلك التي تناولت معالجة كمال جنبلاط للديمقراطية ونظرته إليها. وهذا الأمر بالذات كان الدافع وراء هذه المحاولة، مع العلم المُسبق أنّها لن تكون الأخيرة، ولن تكون الشاملة. فالذي يقترب من فكر كمال جنبلاط، كمن يقترب من بحرٍ مترامي الأطراف وبعيد الأعماق، كيما تدرك أبعاده ونهاياته. فإذا ما اقتربتَ من أحد شطآن فكره الشمولي، محاولاً إدراك أحد موضوعاته، تجدك مدفوعاً إلى البعيد والعميق، فترى نفسك أمام عالم أكثر واقعية وأشد عقلانية وأكثر اقتراباً من الحقيقة، التي كان يراها هو ساطعة كالشمس. من هنا كانت المحاولة تفرض ارتياد رحلة معرفية بعيدة وعميقة، وصولاً إلى حيث تكتشف قدراً من الحقيقة التي ستبقى نسبية بقدر زادك من المعرفة. وهكذا سنسلك معه درب الديمقراطية الجديدة التي شادها على ركام الزيف الذي ألقي عليها في مسيرتها الطويلة، منذ بداياتها، فابتعدت الشعوب والأفراد عن روحها الحقيقي.

ولمّا كانت الديمقراطية هدفاً سامياً تسعى إليه الشعوب للتعبير عن سيادتها ولكفالة حقوق أفرادها، لتكون أملاً بتحقيق حياة أفضل حرّة وكريمة، فإنّها قد ارتبطت منذ القدم بفكرة الحرية. وأول صورها ظهرت كنظام للحكم في المدن الإغريقية، ولا سيّما في أثينا. وكلمة ديمقراطية مشتقة في اللاتينية من دمج كلمتي (Demos أي الشعب، وCratos أي حكم) التي تعني حكم الشعب، أي استبعاد الحكم الاستبدادي وهذا النموذج الأصلي من الديمقراطية، لم يكن يومها متاحاً إلّا لمجموعة محددة من سكان المدينة – الدولة، الذين ينطبق عليهم وصف «المواطنون الأحرار»، مستثنين في ذلك النساء والعبيد، في الوقت الذي كانت تطبّق فيه الديمقراطية المباشرة التي تعتمد الأكثرية في قراراتها. ومن ثمّ سارت الديمقراطية في رحلتها قُدماً، فتطورت إلى الديمقراطية التمثيلية وبأشكال متعددة، ولتنتشر بعد الثورة الفرنسية عام 1789 في كثير من دول أوروبا والعالم، معتمدة القيم الليبرالية التي كان ينادي بها الفلاسفة والمفكرون في عصري الأنوار والنهضة كالحرية والعدالة والمساواة وحقوق الأفراد.

لكنّ الإقبال على الديمقراطية أخذ أشكالاً مختلفة، ومتناقضة أحياناً كثيرة مع أصولها، سواء بسبب القصور في إدراك وفهم جوهرها، أو بسبب استخدامها للتمويه على بعض أنظمة الحكم لإضفاء الشرعية الشعبية عليها. فقد حاول منظّرو الأنظمة الكلّية تزيين تزيّي أنظمتها الدكتاتورية بالديمقراطية كما لو أنّه خدمة للأمة أو للبروليتاريا، كما في النظام النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا وإسبانيا، والنظام الماركسي في الاتحاد السوفياتي والصين وغيرهما. أمّا الأنظمة الليبرالية في الغرب، وهي الأقرب إلى النموذج الديمقراطي، فقد وصلت بها الرأسمالية إلى حدود الإساءة إلى الديمقراطية نفسها بخيانتها لمبادئ المساواة في بعديها الاجتماعي والاقتصادي. ولكمال جنبلاط آراء حادّة ترفض كل الانتهاكات التي تعرَّض له مفهوم الديمقراطية، وتدين السلوك المضلل والغوغائي في الشرق كما في الغرب. وهكذا سنرى أنّ مفهوم كمال جنبلاط للديمقراطية يبدو مختلفاً عما هو تقليدي وسائد، حتى أنّه يذهب بها الى أبعد من المفهوم الكلاسيكي المتداول في الأوساط الأكاديمية.

في تعريفه للديمقراطية بدايةً، يستعير جنبلاط من الفيلسوف الفرنسي برغسون قوله «إنّ الديمقراطية الحقيقية هي مبدأ توحيدي، عقلاني بحت»، على اعتبار أنّ الأنظمة الديمقراطية، كما يراها برغسون، تقوم على الامتثال الطوعي لتفوق العقل والفضيلة، متناقضةً في ذلك مع الأنظمة الأخرى المبنيّة على القوة أو العاطفة أو التقاليد.

المفكر الفرنسي لوفور

من هذا البعد التوحيدي والعقلاني للديمقراطية، يرى جنبلاط أيضاً مع المفكر الفرنسي لوفور Lefûr، في كتابه «الشريعة وقضاياها الكبرى»، أنّ الأسس الأولية التي قامت عليها الديمقراطية المعاصرة تكمن في حرية الإنسان والمساواة الطبيعية بين البشر، وذلك لأنّ الإنسان يتمتع بروح خالدة ولا يخضع ضميره لأي سلطة بشرية، فالناس متساوون بحكم طبيعة وجودهم المشترك مهما كانت صفتهم، أحراراً أم عبيداً، إغريقاً أم برابرة، ويهوداً أم وثنيين.
إلاّ أنّ هذه المساواة في الحق والجوهر تترافق مع تنوع مذهل بين البشر على الأصعدة العقلية والأخلاقية والجسدية. فالإنسان، على قول هكسلي Huxley، هو إلى حدٍّ بعيد النوع البرّي الأكثر تقلباً. فيعتبر جنبلاط هذا التنوع مرتبطاً بنمط التطور الإنساني وبدور البيئة المادية المحيطة بالإنسان. لكن برغم ذلك يذهب مع برغسون ولوفور إلى اعتبار أنّ الديمقراطية الحديثة هي رسولية في جوهرها، وأنّ المحبة هي دافعها وليس الإكراه.

من هذا الفهم لجوهر الديمقراطية، يرى جنبلاط أنّ الديمقراطية في بعدها الاجتماعي تعني الأخذ بمبادئ العدالة الاجتماعية في تنظيم قيم الجماعة وتكوين تراتبيتها ونخبها وقياداتها. فيراها مجتمعاً اشتراكياً خالياً من الطبقات الاجتماعية، لأنّ التفوق الاجتماعي والفضيلة، برأيه، لا يفترضان التكتل ضمن تجمعات أو طبقات تدافع عن مواقعها وامتيازاتها. فالنخبة الحقيقية تستمد مكانتها القيادية من قوانين التطور البيولوجي-الاجتماعي، أي من جوهر الحياة نفسها، التي دفعتها إلى المرتبات الأولى، كما حددت لها شروط انحلالها وتساقطها. فالفرديات القوية والشخصيات الخلاّقة هي مصدر فعل التقدم في المجتمع، وهي التي فعلت في التاريخ والحضارة، فهي الأساس الفاعل والخميرة في المجتمع. لذلك يرى أنّ الديمقراطية السياسية والاجتماعية قد جرى تشويهها وانحرافها تحت تأثير الأفكار المسبقة على صعيد المساواة البرلمانية القائمة وسوء تفسير وتشويه نظرية السيادة الشعبية. فقد رأى أنّه من الواجب السعي إلى تحقيق ديمقراطية اجتماعية صحيحة تسمح بإبراز القيادات الحقيقية من خلال بنية تنظيمية فاعلة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتكريساً لذلك جرى النصّ في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي، في تحديده لبنية هذا النظام، بوجوب ارتكازه على المساواة الجوهرية في الحقوق والواجبات، كمبدأ مثالي يحدد جوهر الديمقراطية، ويبنى على العدالة المستوحاة من الإخاء والتعاون والتضامن، وعلى احترام جميع حريات الفرد المحدودة بحريات الآخرين وبمقتضيات الخير العام، وعلى المساواة السياسية بين المواطنين التي تأخذ بعين الاعتبار قيمتهم وإمكانية انتفاع المجتمع بهم.
إنّ مبدأ المساواة الوظيفية، برأي جنبلاط، مبنيّ على التفاوت الطبيعي بين البشر، أي بمعنى آخر مبدأ الانتخاب والاختيار القائم في الطبيعة، على عكس مبدأ التجمع الفوضوي ونظرية العدد. فهذه المساواة التي يرقى اليها النظام ترتكز على «وضع معتدل متوازن آخذ بالتنوع في الوحدة وبالفردية النازعة الى تحقيق الشخصية»، كما ينصّ الميثاق أيضاً. فالتنوّع في الوحدة، في قول جنبلاط، هو من المستلزمات الأساسية في الطبيعة. ويتعاكس هذا المبدأ مع النظرية الكلّية الهادفة إلى عملية توحيد وتجانس وتبسيط مصطنعة للأطر الحياتية. لذلك يعلن جنبلاط رفضه لأي نظرية تدعي إمكانية إخضاع التعقيد الاقتصادي-الاجتماعي لصيغة أحادية المعنى تهدف إلى صهر الوقائع كلها وبأي ثمن في إطار هذه الصيغة. ولتعزيز فكرة التنوّع في الوحدة، يدعو جنبلاط في الميثاق إلى «الفردية الشخصانية» وذلك للتميّز عن الديمقراطية التجمّعية التي تأخذ في حسابها الفرد وليس الشخص. فالفرد برأيه ليس سوى «إمكانية بسيطة» قياساً بالشخص «الذي هو الفرد المنصهر في المستوى الاجتماعي وعبره في التراث الحضاري أي في المستوى الإنساني». وعملية تكوين «الشخص»، برأي جنبلاط، هي بالتحديد «رهان» العالم. فعلى ضوء هذه الحقيقة، يرى جنبلاط الخطأ الأساسي والمأساوي الذي ترتكبه الديمقراطية التجمّعية (ديمقراطية العدد)، التي لا تأخذ بعين الاعتبار لا المستوى الاجتماعي ولا «الشخص»، بل الفرد، كونه وحدة في عدد لا يحصى في الوحدات الشبيهة ببعضها.
ورغم التنوّع وإبراز قيمة الشخص، يدعو جنبلاط في الميثاق إلى «تضامن أخوي نتيجة للتخصص الوظيفي ولترتيبٍ مرتكزٍ على المواهب بين المواطنين»، فيعتبر هذا التضامن هو صيغة الانصهار الفضلى في العالم الذي يشهد سيطرة متصاعدة للآلة، وهي التي بنى عليها دوركهايم مدرسته الاجتماعية، والذي يقول «إنّ ارتهان الفرد للمجتمع يتزايد كلما ازداد تقسيم العمل».

هذا التضامن الذي لا بد له من أن يترجَم في مؤسسات الدولة التي ستوفر وتؤمّن العدالة الاجتماعية، فتسمح للديمقراطية الاجتماعية بالتوسع إلى الديمقراطية الاقتصادية التي تأخذ بعين الاعتبار ضرورة الحفاظ على الملكية الفردية، التي تُعتبر مرتكزاً للحرية السياسية وللحرية المهنية والأخلاقية.

والعدالة الاقتصادية هي على رأس قائمة العناصر الضرورية لإنشاء ديمقراطية اجتماعية، إذ إنّ أفكار العدالة والإخاء والمساواة، التي هي ملح الأرض، على حدّ تعبير جنبلاط، هي صيغ يجب أن تتحقق في المستوى الاجتماعي، وأن يعيشها الفرد في حياته الزمنية، لا أن تبقى صيغاً نظرية. فالديمقراطية الاجتماعية ومؤسساتها الجماعية سوف تنمو في إطار ديمقراطية اقتصادية تعمل على تأمين الخبز والعمل ضمن العدالة والحرية. وعندها سيتحوّل شعار «لا حقوق ولا امتيازات دون واجبات مقابلة» من شعار فارغ إلى حقيقة قائمة. وعندها أيضاً يكفي الديمقراطية الاجتماعية المبدأ الضروري القائل «بتأمين تكافؤ الفرص والامكانيات بين المواطنين لتتمكن المواهب الفردية المتفاوتة على صعيد الذكاء والأخلاق من أن تبرز وتنمو بشكل طبيعي». فيصبح العمل مقياساً لكل تقسيم وتراتبية، وبهذا المفهوم يعاد رفع شأن العمل وتطهيره من الشوائب التي رافقته عبر التاريخ. هكذا رأى كمال جنبلاط «العمل، شرعة الحياة البشرية ونبالتها، وهو الشرط الجوهري لإمكانية الإنتاج والجدوى في المجتمع. فمن يقدر ولا يعمل لا يحق له أن يأكل».

وبهذا الفهم للعمل تكون الديمقراطية الاقتصادية قد وفّقت بين حقوق الشخص وحقوق المجتمع، وبين مبدأ العدالة ومبدأ الحرية: «الخبز والعمل من ضمن العدالة والحرية». وهكذا تصبح الديمقراطية الاقتصادية إحدى الأسس الجوهرية للديمقراطية الاجتماعية. فالمساواة والحرية، كي يصبح لهما مضمون عملي ولا تكونان وهماً، يجب أن تبدأ بالخبز والعمل.
إلاّ أنّه بالإضافة إلى هذا البعد الاقتصادي الأساسي في الديمقراطية الاجتماعية، لا بد من أن يُضاف إليها مجموعة من الشروط الضرورية كتأمين العناية الصحية والجسدية لكل المواطنين، والمحافظة على بيئة سليمة، وأن تكون المعرفة والتربية في متناول الجميع. «فتحقيق وتأمين هذه العناصر هو مسألة أساسية، إضافة لإيجاد نظام سياسي ملائم ليكون هناك تكافؤ بالفرص والإمكانيات ولتتأمّن العدالة والنزاهة في المنافسة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفي الصراع من أجل الحياة ومن أجل مكانتنا في هذ العالم».

إنّ شرط وجود نظام سياسي ملائم لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية، كما رأينا، يقودنا إلى التعرف إلى الديمقراطية السياسية كما يتصورها كمال جنبلاط. ففي فهم عميق لجوهر الديمقراطية، انطلاقاً من فهمه للإنسان وللوجود، يعتبر أنّ الديمقراطية هي الوضع الطبيعي الذي يجب أن يكون في البشر. وانطلاقاً من تعريفه لها الذي بدأنا به هذ البحث، هي كما ردد برغسون «مبدأ توحيدي عقلاني بحت»، أي إنّها مشروع ينطلق من العقل. فيرى جنبلاط إنّه في إطار العقل La Raison بمفهومه القديم الأصلي الذي حدده فيثاغورس وأفلاطون، حيث تصبح الحكمة تكويناً وحدساً للإدراك الصرف، فإنّ السياسة، أي فن قيادة البشر، تصبح عملاً إنسانياً نبيلاً. والديمقراطية السياسية هي فعل انسجام، إذ إنّ الكون برأيه ليس إلاّ فعل انسجام، والانسجام هو محور أي شيء، وهو أساس الحرية. والحرية هي قانون الكيان العميق، وقانون كل كيان. ذلك أن لا وجود للتعارضات والصراعات والازدواجية في باطن الأشياء وأعماقها. ولا وجود للتنوّع إلاّ على مستوى معين من المعرفة في «قطعة صغيرة جداً» من الكيان.

ومن هذا الفهم العميق للكيان الإنساني، يرى جنبلاط أنّ السياسة هي، في واقعها، تنظيم لهذا التنوّع في المجتمع البشري. أما لعبة التعارضات والصراعات والازدواجية الظاهرية فتخفي الانسجام الأصلي للكيان. إذن، فالديمقراطية السياسية كما يراها جنبلاط، هي انعكاس لهذا التنظيم، وتكاد تكون نوعاً من العودة إلى «الانسجام» الملازم للأشياء، ونوعاً من التعبير الخارجي لحرية الكائن.

وهكذا، فمن كون الديمقراطية السياسية هي عمل عقلي، عمل الانسان المدرك، يعتبر جنبلاط أنّه يجب بناء ديمقراطية تقدمية حقيقية تعني الشخص وليس الفرد، لأنّ الفرد يشكل نقطة الانطلاق وليس نقطة الوصول، ولأنّ الفرد وسيلة وليس غاية، وهو بالنسبة للشخص نوع من الإمكانية البحتة. والشخص بلغة أرسطو، هو الفرد في حقيقته وجوهره. والشخص في هذا الإطار هو الدائرة المحورية التي يدور حولها دولاب الديمقراطية. وعليه، فإنّ كل مشروع بناء لديمقراطية جديدة وسليمة يجب أن يكون هدفه الانسان، وليس الفرد.

وهنا يسأل كمال جنبلاط، ما هو الدور المحدد للديمقراطية في إطار هذا التحديد لتطور الفرد باتجاه «الشخص» على ضوء روح التجرد والامتثال الطوعي للقوانين؟ فيجيب: إنّ على الديمقراطية أن تغرس في الانسان – المواطن روح الواجب الحقيقية، وتوضح له المدى الفعلي والغاية العليا لحقوقه كما أنها تحدد له تكامل حقوقه مع واجباته. وبهذا المعنى ستكون الديمقراطية بالفعل نظاماً «لتمهيد الأنا» ومحاولة لترفيع الانسان… إنّ الديمقراطية السياسية سوف تكون هذا التيار التجديدي الذي يهدف بواسطة المؤسسات الى إعادة آدم إلى ما كان فعلاً عليه قبل سقوطه في «الأنا». فكيف ينظر كمال جنبلاط الى هذه المؤسسات؟

يبدأ جنبلاط تصوره للمؤسسات السياسية، كونها أجهزة هذه الديمقراطية السياسية، بشكل الدولة بدايةً. الدولة العلمانية هي المطلوبة، وهي التي ستكون جوهر هذه البنى والمؤسسات. لكنّ هذه العلمانية، كما يراها، ستكون علمانية أخلاقية، جوهرها ديني – وليس شكلها – فتحترم «حرية المعتقد» وتنطوي طبعاً على مفهوم «إلغاء الطائفية السياسية».

ويتابع جنبلاط عملية بناء مؤسسات النظام السياسي الديمقراطي، بضرورة إعلان ميثاق جديد يتضمن حقوق وواجبات المواطن. بل على الميثاق، وكنتيجة طبيعية له، إعداد دستور يكون بمثابة «الضمانة» للحقوق والواجبات المُعلنة في الميثاق ويرتكز على المبادئ التي من شأنها ضمان ممارسة فعلية لهذه الحقوق وتحقيق فعلي لتلك الواجبات. ويأتي مبدأ فصل السلطات على رأس قائمة هذه المبادئ. وسوف يُفهم ويطبق فصل السلطات بروحية جديدة تعني:

1- قيام سلطة قضائية حقيقية متساوية بالحق والفعل مع السلطة التنفيذية ومستقلة تماماً عنها، ومهمتها المراقبة الفعلية لأعمال هذه السلطة خاصة بواسطة النظر في دستورية المراسيم والقوانين. ويرى جنبلاط، أنّ الذي يضمن حرية المواطن الفعلية ليس المؤسسة البرلمانية، بل سلطة قضائية قوية ومستقلة ذاتياً، مجسدةً عملياً سلطة الدولة المطلقة. فبرأيه، كم من مجالس تمثيلية (برلمانات) تحوّلت إلى أدوات مطيعة لدكتاتورية معينة أو لنظام قائم على العنف بسبب فقدان الضمانات التي يقدمها هكذا قضاء، كما كان الحال في الاتحاد السوفياتي أو كما هو الحال في بعض البلدان العربية.

2- تقوية وتثبيت السلطة التنفيذية الى حدٍّ ما على حساب السلطة التشريعية، على اعتبار أنّ الذي يحكم ويبدع هو الذي توفرت فيه صفات القائد حيث لديه انسجام وتعادل المسؤولية السياسية والأخلاقية من جهة والعبقرية الخلاّقة من جهة أخرى. ويرى جنبلاط أنّ حكومة «المجالس والأكثريات» لا معنى لها، وهي نوع من الخدعة. فالحكومة القائمة على هذا الأساس لن تكون سوى حكومة الضعف والرداءة. فالنخبة فقط مُقدَّر لها أن تفعل أشياء وأعمال كبيرة على صعيد الدولة والحضارة. ويتساءل جنبلاط، أليست السيادة الشعبية التي تمثَّل بأسلوب «الانتخاب العام» نوعاً من الخدعة هدفها إرضاء أنانية الذين يُنتخَبون ويقبلون؟ فيسارع للقول إنّ هذه الخدعة تحجب جزئياً الدور المؤثر الذي يلعبه بعض المنبثّين بين الجماهير تقتصر مهمتهم على ترجمة ارادات هؤلاء المتنوعة؟
3- أمّا التمثيل الشعبي فيُفترض أن يتطور أكثر فأكثر باتجاه تأمين «تمثيل النخبة والهيئات المهنية والاقتصادية والمعنوية تمثيلاً موافقاً في المجالس، تمكيناً للأكفّاء من تولي الحكم». لذا سيكون المطلوب وجوب البحث عن صيغة مختلفة «للتفويض»، تكون متلائمة أكثر مع مصالح ومتطلبات إدارة الأمة. إنّ صيغة كهذه تفترض قيام «نظام معتدل ومتوازن»، أي: «لا أنظمة كلية ولا فوضوية، بل شورى ديمقراطية عليها واجب الإشراف التوجيهي غير المتحكّم ولا المستأثر في كل النشاط الشعبي العملي».
وهذا يعني تثقيف الشعب سياسياً واجتماعياً، بغية التوصل الى وضع ديمقراطي بفضل تنمية رابطة محض اختيارية.

4- اعتبار المجتمع ليس مجموعة أفراد فقط بل كلاً عضوياً حيويته في تنوّعه، لكل عمل فيه كرامته، ولا أفضلية لمهنة على مهنة إلاّ في تأمين انتظام المجتمع واستمراره وترقيه.

5- مكافحة الطبقية والإقطاعية والتمهيد لقيام القيادات الصحيحة، وإيقاظ الشعور بالتضامن والمسؤولية الاجتماعيين.

وفي تصور جنبلاط لتطبيق الديمقراطية بصورة صحيحة، يعتبر أنّ الديمقراطية السياسية الحقيقية هي حكم القانون، بما يتوافق مع حقوق الإنسان وواجباته. وهذه الحقوق تتطور مع الزمن لتبرُز في أوضاع متكاملة، فتعكس أكثر فأكثر وجوه حقيقة الإنسان. والحفاظ على هذه الديمقراطية، لا يتحقق إلاّ في ظروف ملائمة، أهمها:
– أن يكون من يتسلم مسؤولية الحكم في مستوى هذه المسؤولية كي لا يفلت زمام الحكم من يده.
– وعلى المجلس النيابي بشكل خاص، والحكم المنبثق منه، أن يكونا في وضع من الكفاءة والقدرة على العمل والجرأة في مواجهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ما يمكّنهما من القيام بأعباء التشريع والحكم كما يتوجب.
– قيام أجهزة حكومية سليمة يشتد بها على الدوام التطهير وتصفّيها الملاحقة، وترفع الحصانة عن الموظفين والمسؤولين مهما كانت صفتهم والموقع الذي يحتلونه. فبدون التوجيه والعقاب والتطهير لا يمكن أن يستقيم حكم، ولا تصلح أجهزة.

وختاماً يرى جنبلاط، في تأمله لواقع الأنظمة السياسية في محيطنا العربي مقارنة بلبنان الديمقراطي الذي يحلم به، أنّه وسط عالم عربي مشحون بالتناقضات، ويسيطر عليه حكم لا ينتسب إلى حكم القانون ولا إلى حكم الشعب، بل إلى الانقلابات العسكرية المستمرة أو إلى النظام الأوتوقراطي الملكي، تبدو هذه البقعة الصغيرة، كأنّها بقية باقية من حلمٍ غابرٍ أو استباقاً – على نطاق صغير نسبياً؛ طبعاً – لما ستكون عليه الديمقراطية في عالم الغد.


كمال جنبُلاط في بداية مسيرته السّياسيّة

د. حسن أمين البعيني

 

في السادس من كانون الأول 1917 بدأت حياة كمال جنبلاط مولودًا في دار المختارة للزعيم فؤاد جنبلاط ولزوجته الست نظيرة جنبلاط. وفي حزيران 1943 بدأت مسيرته السياسية وريثًا للزعامة الجنبلاطية التي تسلّمتها الست نظيرة بعد غياب زوجها فؤاد بك جنبلاط سنة 1921، واستعانت بصهرها حكمت بك جنبلاط منذ سنة 1934. وبهذا تحوَّل كمال جنبلاط من عالم الفكر والثقافة والروحانيات الذي يريد أن يحيا فيه إلى عالم السياسة الذي أُدخل فيه قسرًا حفاظًا على الزعامة الجنبلاطية، وكان يفضّل الابتعاد عنه.

إنّ بداية المسيرة السياسية لكمال جنبلاط – موضوع هذه الدراسة – تمتد بين تاريخ وفاة حكمت جنبلاط في 4 حزيران سنة 1943، وتاريخ استقلال لبنان؛ حياة كمال جنبلاط السياسية التي بلغت 34 سنة، ولكنها ذات أهميّة ومدلولات، لأنّها كانت بداية ناجحة، برهن فيها عن قيادة حكيمة واعية، واتخذ قرارات شجاعة ومسؤولة، بالرغم من حداثة تجربته السياسيّة، ولأنه ظهرت فيها، كما في محطّات قليلة قبلها، جذور مبادئه التقدميّة والإصلاحيّة، ومبادئه الاشتراكيّة، وكانت بداية تحويله الزعامة التقليدية التي ورثها إلى زعامة حديثة متطوِّرة ومُطوَّرة، كما ظهرت فيها ملامح دوره الكبير الذي سيتعملق مع الأيام، ويتجاوز حدود الطائفة والمنطقة ولبنان.

بين الثقافة والسِّياسة كخيارَين ومجالَي عمل، فضَّل كمال جنبلاط الخيار الأوّل. وليس هنا مجال المفاضلة بين الثقافة والسِّياسة، ولا بين كمال جنبلاط المفكِّر والعالِم والمعلِّم والفيلسوف، وكمال جنبلاط السِّياسيّ، ذلك لأنه لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر لتكاملهما في شخصه وفي أعماله وفي مسيرته. فالوعي السِّياسي جزء من الوعي الثّقافي، والسّياسة عنده هي وسيلة لخدمة الإنسان الذي هو الغاية، وهي لا تكتسب قيمتها الحقيقية إن لم تكن جزءًا من الثقافة، وعاملًا من عوامل تطوير المجتمعات، وصنع الحضارات، وتمدين الشُّعوب.

كان كمال جنبلاط، منذ تفتُّح عينه على كنوز المعرفة، استثنائيًّا في حياته الدراسيّة، كما غدا استثنائيًّا فيما بعد في حياته السّياسية. شُغف بالعلم فنهل المزيد منه، ونجح في كلِّ الامتحانات بدرجة عالية، وأخذ أكثر من اختصاص في نفس الوقت، كانضمامه إلى معاهد الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع إضافة إلى دراسة الحقوق التي كان يتابعها في جامعة باريس. كان يريد التحليق كالطائر لا أن يصعد السُّلَّم درجة درجة. وفيما كان يرى نفسه مشروع زعيم سياسيّ. وقد وضعته والدته ونشّأته في دار المختارة في هذه الأجواء شيئًا فشيئًا بالرغم من عدم ميله إليها، وتفضيله أجواء العلم عليها، وحبه للعزلة والابتعاد عن الناس.

كانت الست نظيرة جنبلاط تعلم أن ابنها كمال لا يميل إلى السياسة، وإنما يظهر اهتماماته في شؤون أخرى، ويريد التخصُّص في الهندسة. لقد استشارت في السابق صديق البيت الجنبلاطي، المطران أوغسطين البستاني، بشأن المدرسة التي يتعلّم فيها ابنها، فنصح بمدرسة الآباء اللعازاريِّين في عينطورة، وهي حاليًّا توسّطه لإقناعه بالتخصّص في المحاماة، لأنها أفضل السبل للنجاح في ميدان السِّياسة، الذي تراه مجالًا طبيعيًّا له. وبناءً على نظرتها إليه كزعيم سياسيّ مستقبلي سيأخذ دورها، كانت تدخله – ما أمكنها ذلك – الأجواء السِّياسيّة، وتغتنم وجوده في قصر المختارة أثناء عطلة الأسبوع وعطلة الصيف ليشارك معها، ومع شيخ العقل حسين طليع وذوي الشأن، في استقبال كبار الزائرين من أجل أن يتعرَّفوا عليه. وكانت تقدِّمه أحيانًا خطيبًا باللغة الفرنسيّة أمام المسؤولين الفرنسيِّين. وقد اصطحبته معها عندما كبر لردّ الزيارات، ومنها، مثلًا، زيارة المفوّض السامي الفرنسي ورئيس الجمهورية اللبنانيّة في شباط 1939 حيث كان برفقتهما حكمت بك جنبلاط (1).

فيما كان كمال جنبلاط يستزيد من العلم والثقافة، كان يكتسب المعرفة السِّياسيّة منهما، ومن خلال مواكبته للأحداث المتلاحقة، وخصوصًا أحداث الحرب العالميّة الثانية التي كانت لها انعكاساتها القويّة عليه وعلى لبنان. فهو لم يكن آنذاك فقط الطالب الذي يتابع دراسة المحاماة، ولا المحامي الذي يمارس مهنة المحاماة بعد تخرُّجه، بل كان أيضًا المُتتبِّع بكل اهتمام لما يجري على صعيد العالم، ولما يجري حوله في لبنان، وينخرط هو نفسه أحيانًا بحلّ بعض المشكلات، حتى إذا ما جاء يوم تسلُّمه للزعامة، وبدء ممارسته للعمل السِّياسي مرغمًا، كان عنده من الوعي ما يكفيه للبدء بنجاح في مسيرته السياسيّة.

المبايعة بالزّعامة 

توفِّي حكمت جنبلاط في 4 حزيران 1943 في مستشفى عطيَّة في بيروت، ونُقل جثمانه إلى المختارة حيث أُقيم له مأتم حاشد تقاطرَت إليه، بالإضافة إلى الوفود الرسميّة، وفود وجماهير من لبنان وسورية وفلسطين، يتقدَّمها الأعيان، أحْيَت المأتم بالمظاهر السائدة آنذاك: إنشاء النَّدب، عزف النّوبة، حمل البيارق. وتكلَّم الخطباء فأشادوا بصفات الفقيد، وبدور الزعامة الجنبلاطيّة في تاريخ لبنان، وهم: جواد بولس (وزير الخارجيّة والأشغال والصحة العامة) – الشيخ بشارة الخوري (رئيس الكتلة الدستوريّة، رئيس الحكومة والوزير والنائب سابقًا، ورئيس الجمهوريّة لاحقًا) – حبيب أبو شهلا (نائب بيروت) – محيي الدين النصولي (نائب بيروت) – جورج عقل (عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب اللبنانيّة) – الشيخ خليل تقي الدين – أمين بك خضر. وتكلّم كمال جنبلاط باسم العائلة الجنبلاطيّة، وباسم والدته الست نظيرة، فشكر ممثِّلي السلطة، والخطباء والمشيِّعين.

توقَّع الكثير من المشيِّعين الإعلان عن اسم الزعيم الذي سيخلف حكمت جنبلاط على قاعدة: «مات الزعيم، عاش الزعيم» ورجّحوا أن يكون كمال جنبلاط، وتمنَّوا ذلك، بحسب ما أوردته الصحف الصادرة آنذاك (2). لكن الإعلان عن هذا الأمر لم يحصل في المأتم. وحدهُ الشيخ شاهين المصري من صليما تطلَّع إلى كمال جنبلاط، حين كان نعش حكمت جنبلاط يُوارى الثَّرى في المقبرة العائلية، وقال: مات الملك، عاش الملك.

أمَّا لماذا لم يُبايَع كمال جنبلاط بالزّعامة الجنبلاطية في مأتم حكمت جنبلاط، بالرُّغم من أنه المرجَّح لتسلُّمها، فذلك لأن هذا الموضوع لم يُبحث سابقًا، ولأنه يتطلّب الأمرَين التاليَين: أوّلهما اتِّفاق البيت الجنبلاطيّ، وثانيهما موافقة كمال جنبلاط التي تقتضي منه المباشرة بمزاولة العمل السياسيّ من خلال الترشُّح للانتخابات المُزمع إجراؤها آنذاك. وبالنسبة للأمر الأول، أي موافقة البيت الجنبلاطيّ، فقد جرى التعبير عنها بتصريح للصُّحف أدلَى به نجيب علي جنبلاط بعد أسبوع من تاريخ وفاة أخيه حكمت هو التالي:

«إن هدف الأسرة الجنبلاطية هو المحافظة على الرِّسالة التي سار عليها بيتنا وخدمها منذ القدم. وكما أن امرأة عمِّي (الست نظيرة) قد عطفت على صهرها شقيقي حكمت وفضَّلته على ابنها، فإنني بدوري أفضِّل نجلها ابن عمِّي كمال بك على نفسي، وأتمنّى له التوفيق ليتمِّم الرّسالة التي خدمها أخي حتى النَّفس الأخير» (3).

وبالنسبة إلى الأمر الثاني، أي موافقة كمال جنبلاط على مزاولة العمل السِّياسي، فقد تردَّد في البداية بالرُّغم من إلحاح والدته والأصدقاء، لأنه لا يميل إليه في الأصل، وسيَحول بينه وبين متابعة تحصيل العلم الذي يرغب به أكثر من أي شيء آخر، ودون نيل شهادة البولتيكنيك من جامعة باريس ليفيد بها وطنه. استشار والد صديقه كميل (نجيب بك أبو صوّان) وزير العدليّة سابقًا وأوّل رئيس لمحكمة التمييز، وصديق دار المختارة، فنصحه بتسلُّم المهمّة، وخوض غمار السِّياسة، ومتابعة دور آل جنبلاط التاريخي، كونه الوحيد القادر منهم على ذلك (4) فقبِل النصيحة.
بعد شيوع نبأ موافقة كمال جنبلاط تقاطرَت الوفود إلى المختارة تعلن البيعة له، وتبدي استعدادها لنصرته وتأييده في الانتخابات. وتهتف «عاش الزعيم». ومنذ ذلك الحين لبس عباءة الزّعامة وحمل أعباءها. وإذا كان إلباس هذه العباءة يعني توريثًا للزّعامة في المجتمع الإقطاعي والعشائري، فإن كمال جنبلاط لبس عباءة قيادة حديثة، وطنيّة وعربيّة، حاك خيوطها بنضالاته وأفكاره العابرة للحدود، وشاد على تاريخ مجيد، وعلى بناء قائم متين، بتعديل يتماشى مع قيمه ومبادئه وروح العصر.

الفوز بالنِّيابة 

تزامَنَ تسلُّم كمال جنبلاط الزّعامة في حزيران 1943 مع الاستعدادت لخوض الانتخابات النِّيابيّة التي وافق الفرنسيّون الأحرار على إجرائها نزولًا عند طلب حلفائهم البريطانيِّين وضغطهم، ونزولًا عند طلب السوريِّين واللبنانيّينن بعد أن أرجأوا إجراء هذه الانتخابات لمدّة سنتَين بحجّة ظروف الحرب.

بعد مضيّ أيام قلائل على مأتم النّائب والوزير حكمت جنبلاط، بحثَت الست نظيرة موضوع ترشُّح ابنها كمال، مع ريمون إميل إدّه والطبيب يوسف حتّي اللَّذَين بقِيا في المختارة للتداول في هذا الأمر. وحين وافق كمال جنبلاط على خوض المعترك السياسيّ بدأ يستعدّ لخوض معركة الانتخاب.

أسند مندوب فرنسا الحرّة الجنرال كاترو إلى الدكتور أيوب ثابت سلطات رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وحصر بحكومته مهمّة الإشراف على الانتخابات. وكان الدكتور أيوب ثابت من أبرز الأمثلة عن المحافظين المتشدِّدين من المسيحيِّين، وجعل بمرسومَيه الصادرَين في 17 حزيران 1943 عدد النوّاب المسيحيِّين 32 نائبًا، وعدد النوّاب المسلمين 22 نائبًا، أي بفارق 10 نوّاب بين المسلمين والمسيحيّين على أساس احتساب أصوات المغتربين، وأكثريّتهم آنذاك مسيحيّون. وهذا أثار احتجاج المسلمين الذين كانوا يطالبون بإنصافهم وزيادة عدد نوّابهم، فهدَّدوا بمقاطعة الانتخابات، وكادت تحصل فتنة طائفيّة في البلاد (5). وحين لم يتراجع أيوب ثابت عن مرسومَيه، أقاله السفير الفرنسي هلّلو في 21 تموز، وعيّن مكانه بترو طراد الذي أصدر مرسومًا حدَّد فيه عدد النوّاب بـ 55 نائبًا: 30 للمسيحيِّين و25 للمسلمين، على أن يجري إحصاء عامّ لأهالي لبنان في مهلة لا تتجاوز سنتَين (6).

زاد عدد النوّاب الدروز نائبًا بموجب مرسوم بترو طراد، فزار كمال جنبلاط وجميل بك تلحوق والمقدَّم علي مزهر السراي في 29 تموز، وقابلوا أركان الحكومة، وطلبوا أن تُصان حصة الدروز، وهي أربعة مقاعد (7).

كانت هناك كتلتان يتمحور حولهما العمل السياسيّ في لبنان، هما الكتلة الوطنيّة التي أسّسها إميل إدّه سنة 1932، والكتلة الدستوريّة الّتي أسّسها منافسه القوي على النفوذ، بشاره الخوري، سنة 1943، وسُمّيَت بهذا الاسم لأنها طالبت بإعادة الحياة الدستورية التي عطّلها المفوَّض السامي هنري بونسو سنة 1932. وكان من الطبيعي أن يخوض كمال جنبلاط المعركة الانتخابيّة في لائحة الكتلة الوطنيّة، نظرًا للتحالف التاريخي المبنيّ على المصلحة المشتركة، والقائم بينها وبين الست نظيرة وحكمت جنبلاط. وليس هناك دليل يؤيِّد ما جاء عند الرئيس بشاره الخوري من أنّ السلطة الفرنسية منعت كمال جنبلاط أن يخوض الانتخابات إلى جانبه سنة 1943 كما منعت من قَبل حكمت جنبلاط (8).

ورث كمال جنبلاط، بتسلُّمه الزّعامة الجنبلاطيّة، زعامة الغرضيّة الجنبلاطيّة الملازمة لها آنذاك. كانت انتخابات سنة 1943 مرحلة يتحدَّد فيها مصير لبنان، واستقلاله، واختلفت عن سابقاتها في التعبئة لها، وفي الشِّعارات المطروحة والتدخُّل الخارجي. ففيما كانت الكتلة الدستورية ترى ضمان استقلال لبنان بالتّعاون بين مسلمِيه ومسحيِّيه بصيغة ميثاق وطنيّ بينهم، وبتعاون لبنان مع الدول العربية وعدم انحيازه إلى أيّ منها ضد الأخرى، كانت الكتلة الوطنية ترى ضرورة استقلال لبنان مع ضمان الحماية الفرنسية لاستقلاله ولحدوده، وتخشى ذوبانه في المحيط العربي والإسلامي الواسع. وقد أحدثَت تصريحات رئيسها إميل إدّه، السابقة، نقزة عند المسلمين (9) بمختلف طوائفهم، إذ يُنسب إليه أنه صرَّح عن ترحيل المسلمين إلى مكّة المكرّمة وترحيل الدّروز إلى جبل الدروز (جبل العرب).

جرت الانتخابات النِّيابيّة في أجواء ديمقراطية، في المحافظات اللّبنانية على مرحلتَين، في 29 آب و5 أيلول 1943، ولأوّل مرّة لا يستطيع الفرنسيون أن يتدخَّلوا تدخُّلًا فعّالًا لمصلحتهم لضعف وجودهم العسكري، ولوجود المنافس البريطاني المتفوِّق عليهم عسكريًّا وسياسيًّا، إذ كانت المعركة الانتخابية في أحد عناوينها تجري بين الجنرال كاترو ممثِّل فرنسا الحرّة ومؤيّد الكُتْلوِيِّين، والجنرال سبيرس ممثِّل بريطانيا العظمى ومؤيِّد الدستوريِّين، الذي يعمل لإحلال نفوذ بلاده في سورية ولبنان مكان النفوذ الفرنسي، ويوحيٍ لِلُّبنانيِّين أن زوال الانتداب الفرنسي، واستقلال لبنان، يتمَّان عبر التحالف معها (10).

أظهرَت نتائج الانتخابات فوز الكتلة الدستورية في كل المحافظات باستثناء جبل لبنان حيث فازت الكتلة الوطنيّة بأكثريّة المقاعد فيه، حتى إن قطبَين من أركان الكتلة الدستورية لم يفوزَا بالدورة الأولى في جبل لبنان، وهما الشيخ بشاره الخوري والأمير مجيد أرسلان. أمّا كمال جنبلاط فقد فاز عن الشوف في محافظة جبل لبنان في الدورة الأولى (11)، وبدأ يستقبل المهنِّئين. إلَّا أن مظاهر ابتهاج مُناصرِي دار المختارة لم تكن كعادتها في سائر المناسبات بسبب غياب حكمت جنبلاط عنها. وكان كمال جنبلاط أصغر النوّاب سنًّا (25 سنة) لكنه سيغدوَنْ من أنشطِهم، ومن أبرز المجدِّدين بأطروحاته الإصلاحيّة. وبهذا انتقل من ميدان الثقافة وصفائها إلى ميدان السِّياسة وألاعيبها، ومن عالم الفلسفة والروحانيات إلى عالم الواقع المعيوش وما فيه من تناقضات ومساوئ.

في انتخاب رئيس الجمهوريّة
تعديل الدستور اللبناني لتحقيق الاستقلال 

شهدت مرحلة ما بعد الانتخابات النّيابيّة تعاوُنَ أبرز شخصية سياسيّة مسيحيّة مارونيّة، وهو الرئيس الشيخ بشاره الخوري، مع أبرز شخصية سياسيّة مسلمة سنّيّة، هو رياض بك الصلح، النّائب عن صيدا في لائحة الكتلة الوطنيّة. درس الرَّجلان أسس الميثاق الوطني الذي هو دستور غير مكتوب، كان له – منذ تبنِّيهِ في سنة 1943- دورهُ في تنظيم العمل السياسي وتوجيهه كدستور لبنان المكتوب الموضوع في أيّار 1926، وقد وضَعَا الميثاق باسم جميع اللّبنانيِّين، وانضمّ إليهما أكثريّة الفعّاليات السياسيّة وبينهم كمال جنبلاط، لأن الميثاق ركّز على استقلال لبنان التامّ والناجز دون الالتجاء إلى حماية من الغرب، أو اتِّحاد مع الشرق، ولأن فيه اعترافًا بعروبة لبنان وضرورة تعاونه مع الدول العربيّة. بيْد أنه كان لكمال جنبلاط مفهوم للعروبة أوضح وأفضل من المفهوم المُعطَى لها في الميثاق.

كلّف رئيس الجمهوريّة بشاره الخوري رياض الصلح بتشكيل الحكومة، فشكَّلها من خمسة وزراء، هم حبيب أبو شهلا (نائب رئيس مجلس الوزراء وزير العدليّة ووزير التربية الوطنية)، سليم تقلا (وزير الأمور الخارجيّة ووزير الأشغال العامّة)، الأمير مجيد أرسلان (وزير الزراعة ووزير الدفاع الوطني ووزير الصحة والإسعاف العام)، كميل شمعون (وزير الداخلية ووزير البرق والبريد)، عادل عسيران (وزير الإعاشة ووزير التجارة والصناعة) أي وزير الاقتصاد الوطني.

مثَلت الحكومة أمام المجلس النيابي بتاريخ 7 تشرين الأول 1943، وألقى رئيسها رياض الصلح بيان الثقة الذي سُمّي ميثاق الاستقلال، لأن فيه الطلب من المجلس النيابي إجراء التعديلات الدستوريّة، وذلك بإلغاء المواد المتعلِّقة بالانتداب وبصلاحيّات السُّلطة الفرنسية المُنتدَبة من الدستور «لكي يصبح دستور دولة مستقلة تمام الاستقلال»، فنالت الحكومة الثقة على أساس بيانها بأكثريّة النوّاب وبينهم كمال جنبلاط.

كان كمال جنبلاط يستمع إلى مناقشات النوّاب لبيان الحكومة، ويسجِّل الأفكار والنّقاط التي لم يتناولوها. وقد لفته خلوُّ مناقشاتهم من استعراض الحلقات التاريخية لاستقلال لبنان، وتطوُّر إطاره الجغرافي، وخلوُّها من الإشارة إلى الأمير فخر الدين موسِّع هذا الإطار، وإلى الموحدين (الدروز) ضامنِي استقلاله سابقًا، وإلى من يضمنه حاليًّا. وحين تكلّم قال إن لبنان لم يبلغ يومًا ما حدوده الحاليّة إلَّا في عهد الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الكبير. ومن بعده صغر وتقلَّصت حدوده، إلَّا أن السيطرة الدرزيّة «ظلّت تضمن له الرَّخاء والاستقلال والكرامة مدّة مائتي سنة».

وأضاف كمال جنبلاط قائلًا: وحين وسَّع الفرنسيون حدود لبنان ضمَّت حدوده مقاطعات «لم يكن لِلُبنان علاقة بها كما أنها لم تكن ترغب أن يكون لها مع لبنان علاقة». وهو يقصد بذلك الملحقات التي ضمَّها الجنرال غورو بشخطة قلم إلى متصرّفيّة جبل لبنان في 31 آب 1920، وأعلن في اليوم التالي قيام دولة لبنان الكبير. ثم توجَّه كمال جنبلاط إلى النوّاب قائلًا:
«أنتم لا تُدركون تمامًا أهمّية هذا الوضع من وجهة الحقوق الأساسيّة والدوليّة، فإنه لأوّل مرة في تاريخ لبنان يعترف أهل لبنان الكبير بلبنان مسلِمِه ومسيحيّه ودرزيّه وشيعيّه. فإنني والعزّة تملأ نفسي، أحيِّي هذه البادرة، وهذا العهد الجديد، أُحيِّي لبنان وأحيِّيه بصفته العربية، لأن العروبة وحدها تكفل لهذه البلاد الوحدة القومية والاستقلال المُصان». ثم منح الحكومة الثقة قائلًا إنه «يترفَّع عن روح الحزازات والعنعنات مُؤْثِرًا مصلحة البلاد الكبرى على كل مصلحة» (12).

وهو يعني بالجملة الأخيرة ترفُّعَه عمّا رافق الانتخابات النيابية وانتخاب رئيس الجمهورية من اتّهامات وشائعات مُغرضة، وإيثاره المصلحة العليا للبلاد على مصالح الأحزاب والتكتُّلات والفئات والمصالح الشخصيّة.

بدا كمال جنبلاط في كلمته نائبًا متفهّماً جيِّدًا لتاريخ، ولتطوُّر لبنان من مرحلة الإمارة الكبيرة والقوية في عهد الأمير فخر الدين، إلى مرحلة الإمارة الصغيرة في العهد الشِّهابي، إلى مرحلة المتصرِّفيّة أو «لبنان الصغير». وقد رأى أن الدروز العرب هم الذين صانوا في الماضي حدود هذا البلد وكرامته ورخاءه بحدوده الموسَّعة أم بحدوده الضيّقة، فهم كما كان يردِّد سيوف لبنان. كما رأى أن العروبة وحدها هي التي تضمن ذلك في الحاضر والمستقبل.

كانت سمات العروبة بارزة في أقوال كمال جنبلاط ومواقفه قبل ذلك التاريخ. وقد ظهرت أثناء سنوات الدراسة تعاطفًا مع القضايا العربيّة، وإيمانًا بالقوميّة العربيّة. ومن وجوه ذلك طلبُه من رئيس مدرسة عينطورا إعلان ذكرى استقلال مصر سنة 1934 بموجب المعاهدة المصريّة البريطانيّة: يوم عطلة رسميّة.

بعد تثبيت الفرنسيِّين أقدامهم في لبنان توطّدَت العلاقة بينهم وبين دار المختارة زمن فؤاد جنبلاط، واستمرّت متوطّدة مع الست نظيرة وحكمت بك، وقد علَّق المفوَّض السامي الجنرال ويغان، وهو راكع، وسام الاستحقاق على صدر كمال جنبلاط يوم 9 تشرين الثاني 1923، عندما زار مِنطَقتَي الشوف وجزِّين وخصّ دار المختارة بتناول الطّعام على مائدة الست نظيرة، ومن البديهي اعتبار هذا الوسام المُعطَى لابن ست سنوات وسامًا لدار المختارة (13).
وفي سنة 1943 رغب المندوب السّامي في استمرار العلاقة الفرنسية مع كمال جنبلاط حين قال في رسالة التعزية بحكمت جنبلاط، المُرسَلة بتاريخ 11 حزيران ما يلي: «المرحوم حكمت بك من أرومة اشتهرت بأصالتها وبسالتها وتمسُّكها بالصداقة الفرنسية اللبنانية. وكنت ألمس أكثر من غيري حدّة ذكاء الوزير حكمت بك وإدراكه العميق لواجبه». وكأنّ المندوب السّامي يريد بذلك لفت كمال جنبلاط إلى ضرورة التمسُّك بهذه الصّداقة.

عندما كبر كمال جنبلاط ونضج تفكيره وتوسّعَت معارفه، تكوّنَت عنده الآراء الشخصيّة المستقلّة والاتّجاهات السياسيّة المبنيّة على القناعات. كان عند نُشوب الحرب العالميّة الثانية متعاطفًا مع فرنسا وبريطانيا في مواجهتهما لألمانيا وإيطاليا لأن الدَّولتَين الأولَيَين ذات نظام ديمقراطي فيما الدولتان الأخرَيان ذات نظام فاشيٍ دكتاتوريّ. إلّا أنه كان في الوقت نفسه يعتبر فرنسا وبريطانيا دولتَين استعماريَّتَين لطَّفَتا استعمارهما لدول المشرق العربي بصيغة الانتداب. لذا لم يشأ التمسُّك بالصّداقة الفرنسية اللبنانية التي تعني عند المندوب السّامي استمرار الانتداب الفرنسي وقبول اللبنانيّين به، بل أراد إنهاء هذا الانتداب. وبمنحه الثقة للحكومة على أساس بيانها الوزاري الاستقلالي أعلن قطع العلاقة نهائيًّا مع الانتداب الفرنسي الذي كان البيت الجنبلاطي يستظلُّ بظِلّه، كما أعلن تأييده المطلق للحركة الاستقلاليّة، وتحوُّله عن الكتلة الوطنية التي لم ؟؟؟ إلا في الانتخابات النّيابيّة.

مع الحكومة الوطنية 

عارَض المندوب الفرنسي العام هلّلو، بإيحاء من «لجنة التحرّر الوطني» الفرنسية الموجودة في الجزائر، جميعَ إجراءات تعديل الدستور اللبناني، وعدَّها مؤامرة على فرنسا وعلى لبنان، وفاجأ الجميع بإصداره في 10 تشرين الثاني 1943 القرار رقم 464 الذي يعدُّ تعديل الدستور غير شرعيّ، ويحلّ المجلس النِّيابي، ويوقف تطبيق الدستور إلى ما بعد إجراء انتخابات جديدة، ويوكل السُّلطة التنفيذية إلى رئيس دولة، رئيس حكومة، يعيِّنه المندوب العامّ، ويؤازره وزراء دولة يعيّنهم المندوب العامّ أيضًا، ويكونون مع الرئيس مسؤولين أمامه. وعيَّن هللو بموجب القرار رقم 465 إميل إدّه رئيسًا للحكومة. وأصدر الأمر باعتقال أركان الدولة، فاعتقل الجندُ الفرنسي ليل 10-11 تشرين الثاني رئيس الجمهوريّة بشاره الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح، والوزراء كميل شمعون وسليم تقلا وعادل عسيران، والنائب عبد الحميد كرامي، ونقلهم إلى قلعة راشيّا، لكن المندوب العامّ هللو لم يأمر باعتقال حبيب أبو شهلا الصديق القديم لإميل إدّه على أمل اكتسابه، ولا باعتقال الأمير مجيد أرسلان خوفًا من إثارة الدروز ضد الفرنسيِّين كما فعلوا في سنة 1925، وكان ذلك السبب المباشر لقيام الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش.أنهى إميل إدّه حياته السِّياسيّة بخطأ كبير حين قبِل السير بعكس التيّار الاستقلالي الجارف، وتسلَّم رئاسة حكومة لا شرعية من يد المندوب الفرنسي هللو، بالرّغم من نصيحة ابنه ريمون له بألّا يفعل ذلك. وباشر بتشكيل الحكومة مراهنًا على أصدقائه وحلفائه السابقين، متوقِّعًا اشتراك بعضهم فيها، لكن معظم هؤلاء لم يناصروه، وبعضهم – ومنهم كمال جنبلاط – تخلَّوا عنه، ونُقل عنه لاحقًا أنه فعل ذلك ليُجنِّب لبنان قيام حكومة عسكريّة فيه يفرضها الفرنسيون عليه.

وقفت أكثريّة اللبنانيِّين ضد الحكومة اللاشرعية، وزادت تدابير هللو من وحدتهم وتأييدهم للحكومة الوطنية، وقاموا بالتظاهرات الضخمة في مدن بيروت وطرابلس وصيدا، التي أَقفلَت كلها أسواقها. واجتمع أكثر النوّاب في 12 تشرين الثاني في منزل النّائب صائب سلام، بعد تعذُّر اجتماعهم كلهم في المجلس النيابيّ، وأجمعوا على إعطاء الثقة للحكومة الوطنية الشرعية الممثَّلة بالوزيرَين حبيب أبو شهلا ومجيد أرسلان، واعتبروها حكومة مؤقّتة تقوم مقام رئيس الجمهوريّة، ويمكنها ممارسة السلطة التنفيذيّة، كما اعتبروا حكومة إميل إدّه باطلة وغير شرعية.

انتقلت الحكومة الوطنيّة المؤقّتة إلى بلدة بشامون التي شاءها الأمير مجيد أرسلان معقلًا لها حيث أصبحَت بحماية مئات المسلّحين، وفشل هجوم الفرقة الفرنسية على هذه البلدة لإخماد الانتفاضة المسلَّحة الموجودة فيها، وجاء الجنرال كاترو من الجزائر ليُصلح ما أفسده المندوب العامّ هللو بتدابيره المتسرِّعة والفاشلة، واستدعى رئيس الجمهوريّة من معتقله في راشيّا وقابله في شتوره وعرض عليه إطلاق سراحه في حال تخلِّيه عن الحكومة الوطنية التي يرأسها رياض الصلح، فرفض الرئيس ذلك. ثم استدعى الجنرال كاترو رئيس الوزراء من معتقله وعرَض عليه إطلاق سراحه إذا استقال من الحكومة، فرفض ذلك، وإزاء وحدة الرئيسَين وعدم تنازلهما عن الاستقلال، وإزاء صمود الحكومة الوطنية في بشامون، وتوحُّد اللبنانيِّين حولها، وإزاء ضغط الجنرال سبيرس وإلحاحه على الفرنسيّين بوجوب إطلاق سراح المعتقلين في راشيّا، نزل المندوب السّامي كاترو عند طلبه في 22 تشرين الثاني. فكان ذلك تاريخًا للاحتفال باستقلال لبنان.

ماذا كان موقف كمال جنبلاط في هذه المرحلة، وهو الحديث العهد في السِّياسة، والسائر في طريقها منذ بضعة أشهر؟ إنه لم يقف إلى جانب حليفه في الانتخابات النيابيّة، إميل إدّه، ويشترك في الحكومة التي أسّسها، ولم يقف على الحياد وينسحب من الميدان كما فعل في انتخاب رئيس الجمهوريّة، بل إنه استنكر موقف إميل إدّه، وكان من بين النوّاب المجتمعين في 12 تشرين الثاني، وممّن منحوا الثقة للحكومة الوطنية المؤقّتة. كما كان من المشتركين ميدانيًّا لإسقاط حكومة إميل إدّه. فقد صرّح في مقابلة صحفيّة بما يلي:
«اشتركتُ فعلًا في لجان المقاومة في بيروت مع السيد حميد فرنجيّة وغبريال المرّ، وكنا نواصل العمل في بيروت لاتّخاذ التدابير اللازمة في سبيل التخلّص من الحكومة التي فرضها الفرنسيون على لبنان».

وأضاف كمال جنبلاط إنّ الجمهور استقبله وجميل تلحوق بالهتافات المدوِّية وبكاء الفرح لدى انضمامهما إلى المجتمعين في 12 تشرين الثاني «لِعِلمهم أن انضمامه إلى الحركة الوطنيّة يعني في الواقع وحدة الدروز في مطالبتهم بالاستقلال المنشود وقطْع كل أمل بنجاح الحركة المعاكسة. فوحدة الدروز خاصة، والوحدة اللبنانية بصورة عامّة، هي التي كان لها التأثير الفعّال في إرجاع الأمور إلى نصابها في لبنان» (14).

إذن اتَّخذ كمال جنبلاط الموقف المنسجم مع أفكاره وقناعاته وتطلّعاته، والذي أمْلَته عليه المصلحة الوطنية يوم وُضع لبنان أمام استحقاق استقلاله السِّياسي، ويوم وُضع اللبنانيون للحصول عليه أمام فرصة استقلال تناقض مصالح البريطانيّين مع مصالح الفرنسيّين، فأحسنوا ذلك ووقفوا على أرجلهم.

أمّا رأي كمال جنبلاط في ما حصل آنذاك، فهو رأي المؤرِّخ الدقيق والموضوعي، إذ اعتبر أن اللبنانيِّين حصلوا على الاستقلال بأهون السبل، وبدعم البريطانيين، فقال: «لا نزال نذكر الإنذار السِّياسي والعسكري الذي وجّهتْه الحكومة البريطانية لقوى فرنسا الحرّة في لبنان بضرورة إخلاء سبيل بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما المعتقلَين في راشيّا، وتطويق القوات البريطانية للفصائل الزاحفة لاحتلال مواقع الحكومة المؤقّتة اللبنانية في بشامون». كما اعتبر أن ما جرى هو أحد المشاهد عن التحوُّل الذي حصل إبّان الحرب العالميّة الثانية بعد سقوط فرنسا وصيرورتها ضعيفة منهكة محتلّة من الألمان، والذي أخذ خلاله عدد كبير من الوجهاء والزعماء المسيحيين وغير المسيحيين «يتحوَّلون عن فرنسا إلى بريطانيا وسياستها، كميل شمعون، الكتلة الدّستورية، الكتائب اللبنانية، الزّعامات التقليدية الإسلامية كأحمد الأسعد وصبري حمادة والأمير مجيد أرسلان وهنري فرعون وحبيب أبو شهلا وسواهم» (15).

ذهب كمال جنبلاط أبعد من ذلك في حكمه على الرّجالات الذين حقّقوا الاستقلال سنة 1943، إذ اعتبرهم رجالات بريطانيا التي ساعدتهم في معركة الاستقلال، لأنها كانت تعمل على إنهاء الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان لِتَرث فرنسا فيه، فقال في إحدى مقالاته إبّان انتفاضته عليهم بعد ذلك، وسعيه للتخلّص من مساوئ حكمهم: «جاء بهم الأجنبي فليذهب بهم الشعب»، ذلك أنهم حقّقوا استقلال الدولة بمساعدة الأجنبي، وفشلوا بتغليبهم مصالحهم على المصلحة الوطنية العليا في بناء دولة الاستقلال، فسادَ الفسادُ في عهدهم إلى درجة جعلت اللبنانيين يترحَّمون على زمن الانتداب الفرنسي، الذي، بالرّغم من مساوئه، كان فيه (ما يحول) دون شتّى التجاوزات في الإدارة، في القضاء، في المصالح العامة، وكان يحاول العودة إلى القانون وحكمه» (16).

التعابير الأولى عن الاشتراكية والإصلاح 

منذ أن تفتّحَت عينا كمال جنبلاط على آفاق المعرفة، ومنذ أن وُضع على احتكاك مع الناس والتجارب، عاش التعاليم التي آمَن بها، والقيم الخلقية التي جعلها أساسًا لسلوكه، واستهواهُ الخير فعمِل له، وكانت الرّغبة في مساعدة الآخرين من جملة المشاعر الإنسانيّة التي عبَّر عنها في مجالات عدة.
حين كان كمال جنبلاط يتابع دراسته في مدرسة عينطورة تكفّل بتعليم خمسة من رفاقه الذين يعجز أهلهم عن تحمّل نفقات دراستهم. وحين كان يتابع دراسته في باريس تأثَّر بالأفكار الاشتراكية، وأبدَى تعاطفًا مع اليساريِّين ومنظّماتهم الطالبية، ومنها منظّمات شيوعية. وبعد عودته من باريس أبدى المزيد من التعاطف مع الفقراء والمعوزين من أهالي الشُّوف خلال الحرب العالميّة الثانية التي أسفرَت عن أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة جرّاء الاحتكار، وارتفاع الأسعار.

عاش كمال جنبلاط أحداث الحرب العالمية كما عايش الناس خلالها، وعرف تفاصيل ظروفهم ومعاناتهم ومشكلاتهم. كان يرى جموع المؤيِّدين تأتي حادية هازجة إلى دار المختارة، وتُحْيِي حلقات الرقص والدّبكة فيها، وبينهم الكثير من الفقراء والمعوزين. وكان يرى أنه مقابل ولاء هؤلاء الناس للزّعامة الجنبلاطية الممثَّلة آنذاك بوالدته الست نظيرة، وبصهره حكمت بك جنبلاط، هناك واجب على هذه الزّعامة إزاءهم، بل كان يحسّ أكثر من ذلك، أي بواجب الغنيّ، مُطلَق غنيّ، نحو الفقير أيًّا كان، بمعزل عن الولاء والمصلحة الشخصيّة.

كان لدار المختارة أراضٍ في كفرفالوس وماروس وسبلين، فجمع كمال جنبلاط محاصيلها من القمح واشترى كميات منه من سوريّة، ووزّعها على الفقراء والمحتاجين. وحين قلَّت مادّة القطرون التي تدخل في صناعة الصابون، عمد – وهو المُلمُّ بعِلم الكيمياء – إلى تأمينها باستخراجها من المِلح ومن موادّ أخرى.

ومن أجل تخفيف معاناة الناس من البطالة تحدَّث كمال جنبلاط عن فتح ورشات وإنشاء معامِل لخلق فُرص عمل لأهالي الشُّوف تكسبهم أجرًا يتراوح بين 15 و25 غرشًا، يُضاف إليه كيلوغرام من القمح، وقرن ذلك بإيجاد أوراق سُمّيَت «العملة الجنبلاطيّة»، إذ رسم بخطّ يده على ورق مُقوّى فئات من التذاكِر تُسلَّم للعمّال من فئة 5 و10 و25 غرشًا.

جرى خلال تحرير الحلفاء لسوريّة ولبنان بين الفئتين معارك عنيفة، وحصلت أضرار بشرية وأضرار بالمزروعات والحيوانات وبالبيوت، كما جرى قصف الجسور ومنها الجسر الواقع على نهر الباروك (الأولي) بين قريتَي المختارة وجديدة الشُّوف، وشُكِّلَت لجان لإجراء مسح شامل بالأضرار وتحديد التعويضات، فقدّم المتضرِّرون طلبات التعويض عليهم إلى هذه اللجان، ومنهم من قدمها إلى الجنرال كاترو. ثم أمَّن الحلف القمح وسائر المواد الغذائية، ونظّموا التوزيع بواسطة الميري، وخلقوا الكثير من فرص العمل بإعادة الجسور المهدمة، وبمدِّ خط سكة الحديد الساحلية، مما أراح اللبنانيي من بعض الهم الاقتصادي.

في خطابه السياسي الأول سنة 1941 أمام مندوب فرنسا الحرّة الجنرال كاترو، في منزل شيخ العقل الشيخ حسين طليع في جديدة الشوف، طرح كمال جنبلاط قضايا عدة تهمّ الناس، وعلَّق السيد بارت (Bart) على طرحه هذا بهمسه في أذن حكمت جنبلاط، قائلًا: «ابن عمْكُم اشتراكي». والقضايا التي طرحها هي مسألة القمح، ومسألة تناقص السكّان في الأرياف، ومسألة الاتّصال مرورًا إليها بإعادة بناء الجسر المهدم بين المختارة والجديدة، ومسألة تأمين فرص العمل للفلّاحين والعمَّال.

أوّل البرامج السياسيّة

حين قرَّر كمال جنبلاط مزاولة العمل السِّياسي والترشُّح للانتخابات كان عنده نهج سياسي ومبادئ وأفكار يريد تحقيقها من خلال ذلك، وكان أول تعبير له عن نهجه حينذاك عندما وقف خطيبًا في الحفلة التأبينيّة المقامة لتكريم صهره حكمت جنبلاط في الجامعة الأميركية ببيروت مساء الأربعاء الواقع فيه 7 تموز 1943، حيث قال:
«هذه كلمتي فيك إذا أجزتُ لنفسي مع هذا الحفل، ورغم القربى والأسى أن أذكرك، وهذه الذّكرى قَسم عليّ وعهد، عهد قطعتُه بيني وبين ربِّي، وقَسم بيني وبينك. سنُتمّم ما بدأت، ونبني فوق ما أسَّسْت، ونشيد بإذن الله على سواعدنا العالم الذي يضمن للعامِل حقّه، وللفلّاح جهده، وللغنيّ واجبه، وللزعيم إيمانه، ويكفل للبلاد الكرامة والعمران» (17).

إن كلمات كمال جنبلاط هذه هي مبادئ إصلاحيّة وأهداف نبيلة سيعمل لتحقيقها، جذورها في أفكار اشتراكية آمَن بها، وبما أنه يدرك أن النّيابة ليست غاية وتشريفًا، بل هي تكليف ووسيلة للإصلاح ولخدمة الناسن طلب في خطابه، أثناء الحملة الانتخابيَّة، من أهل جبيل تأييد إميل إدّه على أسس معيّنة، هي بمثابة برنامج انتخابي، فقال:
«إنكم تطلبون ونطلب منه الإخلاص لتلك القضيّة التي أخذ على عاتقه الدفاع عنها». «نطلب منه وتطلبون، أن يعالج مشاكل الأمّة على ضوء المصلحة العامة والوطنية الصادقة وأن يرذل سياسة الأنصار والمحاسيب التي كانت علينا وبالًا في عهد المجالس النِّيابية السابقة».
«نطلب منه وتطلبون أن ينهض بمرافق البلاد الاقتصادية فيروي الوهاد ويسقي العباد ويمد الأسلاك الكهربائية وينشئ المعامل ويبني المدارس ويشيد المعاهد ؟؟؟ من زراعية وصناعية».

«نطلب منه وتطلبون تحوير الدستور بشكل يجعل السلطة ثابتة قادرة على أن تتمشّى على منهاج عمومي وأن تحققه دون أن تخشى مناوأة في المجلس تسقط الوزارة كل شهر أو كل يومين لأسباب تافهة أو لمجرد غايات شخصية ممقوتة».

«نطلب منه وتطلبون فوق كل شيء راحة الفقير ورفاهية العامل وسعادة الفلاح والمنتج الصغير، لأن في سعادة العامل ورفاهية الفلاح وراحة الفقير الضمانة الوحيدة للسّلم والتقدم والعمران.. ولن تتم راحة العامل والفلاح والمنتج إلّا بتنظيم هذه الدولة تنظيمًا اقتصاديًّا يستوحي مبدأه من نظام النقابات الخيرية والجمعيات التعاونية».

«على هذه الأسس وحدها يبايعك الجبليون مني وينتخبونك منذ هذه اللحظة، وعلى هذه الأسس سينتخبك الدروز باسمي.. والدروز سيف لبنان» (18).

بداية الدور الكبير

مما ورد ذكره نرى بداية دور كبير لكمال جنبلاط سيزداد كبرًا وعملقةً مع تواصل مسيرته السياسيّة التي انتهت في 16 آذار 1977، ونرى جذور مبادئه التقدميّة الاشتراكيّة التي ظهرت في أطروحاته وأعماله قبل أن تظهر في مبادئ الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسّسه في أيار سنة 1949. كما نرى بداية الاختلاف عن والدته الست نظيرة، وعن سائر الزعماء الجنبلاطيِّين السابقين، إذ كانت زعامتهم إقطاعية وتقليديّة، تمَوْرَنت في عهد الست نظيرة، فيما هو جعل هذه الزعامة، التي ورثها عنهم، زعامة وطنية قومية حديثة، وأدخلها في العالم العربي الواسع، زعامة تُعالج المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتُدافع عن حقوق الطبقات العمّاليَّة والفقيرة، وتساهم في خلق مجتمع أفضل، وتجعل السياسة سبيلًا لبناء الإنسان، وقد قال في ما أرادت والدته الست نظيرة له، وما أراده لنفسه ما يلي:
«أنا لستُ حجرًا مزخرفًا يوضَع في قصر المختارة، بل حجر أساسي لبناء مجتمع فاضل في سبيل الأجيال القادمة. لا أريد شيئًا من ؟؟؟ (الست نظيرة( ولا أريد ان أتحمّل مغبَّة سياستها» (19).

وكما لم يشأ كمال جنبلاط أن يكون حجرًا مزخرفًا في قصر المختارة الذي تمشَّى قبله على سياسة تقليدية، هكذا لم يشأ أن يكون حجرًا حتى عمودًا في قصور الأحزاب الوطنية واللبنانية الموجودة آنذاك، ولا عمودًا في قصرَي الكُتلتَين السياسيَّتَين الرئيستَين اللَّتَين استقطبَتا معظم الشخصيات البارزة: الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية لأنه لم يجد فيهما وفي سائر الأحزاب سبيلًا إلى بناء المجتمع الفاضل والوطن المستقرّ المزدهر. وآثر أن يكون بانيَ حزبٍ يحقِّق مبادئه وأفكاره، ويكون هو قائده وموجِّهُه وصاحب الدور الرئيس فيه. وقد باشر بعد معركة الاستقلال مباشرة بتأسيس حزب نيابيّ مستقل عن الدستوريِّين والكُتلَوِيِّين سمّاه «حزب الشَّعب» لكنه ما لبث ان تخلَّى عنه لأنه غير مؤهَّل لتحقيق الغاية التي يريدها.

منذ أن وُضع كمال جنبلاط أمام معالجة القضايا الاجتماعيّة والسِّياسيّة، بدأ متميِّزًا في كيفية النظر إليها، ووضْع الحلول لها، واتّخاذ المواقف منها، إذ تميَّز، وهو ابن الأسرة المقاطعجيّة، بأطروحاته الإصلاحيّة الاجتماعية المتقدّمة. كما تميّز في نهجه السياسي عن النهج الذي سارت عليه والدته طوال عقدَين ونيّف، وسار عليه صهره حكمت جنبلاط طوال تسع سنوات وأبرز مشهد لهذا التميُّز على الصعيد السياسي ظهر خلال الإعداد للانتخابات النيابيّة سنة 1943.

جرى تشكيل اللائحة الانتخابيّة في لقاءات عدّة حضرها كمال جنبلاط، كان آخرها الاجتماع الذي حصل في قصر المختار لحسم الموضوع، والذي ضمّ والدته الست نظيرة، وإميل إدّه وجورج عقل وكسروان الخازن وإفرام البستاني وجميل تلحوق. كان كمال جنبلاط مستمعًا خلال الاجتماع الذي شهد نقاشات طويلة، وتداولًا في الأسماء، وكانت الست نظيرة هي التي تتولَّى الحديث عنه لأنه كان أمام أولى التجارب السياسية، ولأنها كانت خبيرة في فن السياسة. وعن خبرتها هذه قال رياض الصلح، رئيس الوزراء لاحقًا: «كنا نظنّ أنفسنا كبارًا في ألاعيب السِّياسة، ولكن لما التقينا نظيرة جنبلاط رأينا أنفسنا صغارًا».

توافَق المجتمعون كلهم على لائحة الأسماء بعد جدال حادّ، وكتبوا اللائحة بصيغتها النهائية التي توصَّلوا إليها، وقدّموها إلى كمال جنبلاط، فطواها ووضعها في جيب جاكيته الصغير، وسحب من هذه الجاكيت ورقة أخرى قدّمها لهم قائلًا: هذه لائحة كمال جنبلاط، وعلى أساسها أشارك في الانتخابات، وكان فيها تعديل في الأسماء مع ترك اسم إميل إدّه على رأسها. فتفاجأ الحاضرون بمن فيهم الست نظيرة، ودهشوا من موقفه المتحوِّل من مستمع طوال الجلسة إلى معلن في نهايتها للائحة أسماء أعدَّها مسبقًا، وكان ذلك أول المشاهد السياسيّة المعلنة التي يختلف فيها موقفه عن موقف والدته بعد مبايعته بالزعامة، فبدت غاضبة ومحرجة، وسألته: لماذا لم تضع اسمك في رأس اللائحة؟ فأجاب بهدوئه المعاد: وضعتُ اسم إميل إدّه في رأس اللائحة لأنه رئيس جمهوريّة سابق. ولكي تسوِّي الأمر، وتحلحل العقدة التي أوجدها بطرحه المفاجئ، وسّطت الأصدقاء والمقرَّبين لإجراء بعض التعديلات على لائحته (20).

نرى في هذه الواقعة الأمرَين التاليِيَن: أولهما بداية الاختلاف في الرأي بين كمال جنبلاط والست نظيرة، وتميُّز نهجه السياسي عن نهجها، وثانيهما بداية الدور الكبير الذي يراه أكثر من اسم يدرج في لائحة الكتلة الوطنية بعد اسم رئيس هذه اللائحة، وأكبر من حيثية سياسية تتكامل مع سائر القوى لإنجاح اللائحة في جبل لبنان.

لم يكن تصرُّف كمال جنبلاط، المذكور، عملًا انفعاليًّا أو ارتجاليًّا، إنما هو حصيلة معرفته لدور آل جنبلاط التاريخي كقادة وزعماء أوائل في لبنان. اطلّع على التاريخ العام، وعلى الدراسة التي كان يعدُّها صهره حكمت جنبلاط عن آل جنبلاط، فرأى من أجداده الشيخ علي جنبلاط الداعم الأقوى للأمير الشِّهابي الحاكم، والشيخ بشير جنبلاط المنافس للأمير بشير الشهابي الثاني على الحكم، بل الحاكم الفعلي للجبل، ورأى من آل جنبلاط في شمال سورية، المعتبَرِين عنده أجداد جنبلاطِيِّي لبنان، الكثيرين من العظماء ومنهم حسين باشا والي حلب، وعلي باشا المتمرِّد الكبير على الدولة العثمانيّة. وبناءً على كل هذه الاعتبارات كان يرى نفسه المخوَّل الأول لتشكيل اللائحة، والمؤهَّل لإتمام دور مهمّ بدأه الأجداد واستمرّ لقرون. وإذا كان هذا الدور قد ضعف بعد نكبة الشيخ بشير سنة 1825 وموت ولده سعيد سنة 1861، فإنه سيتجدَّد أقوى ممّا كان عليه كمال جنبلاط الذي سينطلق في مسيرته مدعومًا بقاعدة شعبيّة تعتبره زعيمها الشابّ، وتعتبر دار المختارة دارها.

كان موقف كمال جنبلاط، عند تشكيل اللائحة الانتخابيّة في سنة 1943، أجدَّ المؤشرات لمرحلة سيكون فيها مشكِّل اللوائح الانتخابية ورئيسها، والمقرِّر البارز في مسار تاريخ لبنان، والمتحكِّم بأمر انتخاب رئيس الجمهورية بحيث لُقِّب بـ «صانع الرؤساء». وقد عبَّر عن ذلك بالقول في 12 نيسان 1953، بمناسبة استقبال الأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية، في بيت نجيب جنبلاط ببيروت، إذ قال: «قلنا لذاك زُلْ فزال، وقلنا لهذا كُن فكان». وقد عنى بالقِسم الأوّل من كلامه رئيس الجمهوريّة بشاره الخوري، وعنَى بالقِسم الثاني رئيس الجمهوريّة كميل شمعون الذي كان حاضرًا هذه المناسبة.

المراجع:

1- النهار، عدد 23 شباط 1939.
2- البيرق، عدد 6 حزيران 1943.
3- البيرق عدد 13 حزيران 1943.
4- أيغور تيموفييف، كمال جنبلاط الرجل الأسطورة، ص90-91.
5- للمزيد من المعلومات انظر كتابنا: دروز سوريّة ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي ص325- 33.
6- انظر كيفية توزيع النواب على الطوائف اللبنانية: النشرة الرسمية للمفوضيّة العليا الفرنسية، مجلد عام 1943،
ص149- 151.
7- البيرق، عدد 30 تموز 1943.
8- بشاره الخوري: حقائق لبنانية، الجزء الأول، ص255- 256.
9- انظر وليد عوض: رؤساء لبنان، الأهلية للنشر والتّوزيع، بيروت1977، ص171، 176.
10- للمزيد من المعلومات انظر يوسف سالم: 50 سنة مع الناس، دار النهار، بيروت 1975، ص 121، 122، 146.
11- للمزيد من المعلومات عن عدد الأصوات التي نالها النواب سنة 1943، انظر فارس سعاده: الموسوعة
الانتخابية، الجزء الثالث، ص464 وما بعدها.
12- انظر كلمة كمال جنبلاط عند يوسف خزما الخوري: البيانات الوزارية ومناقشاتها في مجلس النواب، مؤسسة
الدراسات اللبنانية، بيروت 1986، المجلد الأول، ص135.
13- خلّد الشاعر شبلي الملاّط المناسبة بالأبيات التالية:
وبيت رفيع قد وقفنا بظلِّه به شبل وفيه لبؤة لها
ولاح وسام الطفل بالطفل فرقدًا ومن حوله جمعٌ يقوم ويقعُدُ
كل أهل الفضل بالفضل يشهدُ كما أن هذا البيت بالشُّوف فرقدُ
14- الصفاء، عدد 24 أيار 1946.
15- مقدّمة كمال جنبلاط لكتاب “ربع قرن من النضال” إعداد مركز البحوث الاشتراكية سنة 1974، ص33- 34.
16- المرجع نفسه، ص34.
17- البيرق، عدد 9 تموز 1943.
18- البيرق، عدد 25 آب 1943.
19- خليل أحمد خليل: كمال جنبلاط، ثورة الأمير الحديث، ص60.
20- للمزيد من المعلومات انظر شوكت اشتي: الست نظيرة جنبلاط، دار النهار، بيروت 2015، ص227- 228.


قراءة في المجموعة الشعرية “سعادة الروح”، أو “آنندا السلام”
لـ “المعلّم” كمال جنبلاط

أ. د. محمد شيّا

 

قبل الدخول إلى عالم المعلّم كمال جنبلاط المتفرّد في مجموعته الشعرية «سعادة الروح»، وإلى عميق أفكار المجموعة، وتساميها، وإلى صورها الشعرية المبتكرة بامتياز واقتدار، يجب التأسيس أولاً بموقف كمال جنبلاط من مسألة الدين بعامة، والفهم المتفرد الذي أظهره، ليس فقط للدور المركزي الذي يضطلع به في بعده الميتافيزيقي الأقصى – وهو ما سنعود إليه – وإنما على المستويات العملية، الاجتماعية والتربوية والأخلاقية تحديداً. فبخلاف موقف ماركس المتشكك في الدين ودوره وجعله مجردَ ظاهرةٍ تاريخية مشروطة، كان المعلّم حاسماً في تأكيد دور الدين، والإيمان الديني، شرط أن يكون إيماناً مبصراً منفتحاً قابلاً لكل صورة، لا إيماناً طارداً لإيمان الآخرين، وللصور والاجتهادات الأخرى في معرفة الله، وعبادته. وجنبلاطإنما يستند في ذلك إلى تاريخ طويل من الحكماء الأوائل، ثم أفلاطون، إلى هيجل حديثاً. لهيجل (الفيلسوف الألماني الأكثر أهمية مطلع القرن التاسع عشر)، في «فينمنولوجيا الروح» و»موسوعة العلوم الفلسفية»، الدين جزء جوهري ورئيسي وحتمي في تطور العقل والحقيقة والمطلق. هو الخطوة قبل الأخيرة في انكشاف العقل لذاته، واتحاده بذاته، بعد رحلة انشطار طويلة؛ وحدةٌ لن تتحقق إلا بالدين والفلسفة حسب هيجل.

وعليه، فالدين للإنسان، حسب المعلّم، حاجةٌ وضرورة، «فهو باقٍ ما بقي الإنسان». وقد جعل المعلّم ذلك في صلب «ميثاق» الحزب التقدمي الاشتراكي (الذي أعلن بزوغ فجره في الأول من آيار 1949 مع كوكبة من كبار مفكري زمنه مثل العلايلي وألبير أديب وآخرون). في «الميثاق»، الدين إسّ جوهري من أسس المجتمع البشري، يقول النص:
«اعتبار الدين إسّاً جوهرياً في قيام المجتمع الأسمى، والترحيب بعمل رجاله في نشر ميادئ الكمال الإنساني». (الميثاق)

لقد كان للمعلم من المعرفة النظرية، والخبرة التاريخية، ما سمح له بأخذ الموقف الصحيح، والذي جاءت التحولات التاريخية مصداقاً له. يقول المعلم بكثير من الدقة والدراية والمعرفة الواسعة:
«لقد تحوّل الغرب عن الأديان وأبدل المعتقدات الدينية بالفلسفة – فلسفة هيجل وكانت وفيتشه والتومائي وماركس وغيرهم ممن لا يعدّون ولا يُحصون وفلسفة انبياء القومية والدولية والوجودية والطبقية على السواء – فإذا بالغرب وبعد جهد المحاولة وتحقيق الرغبة، يتطلع إلى نفسه فيجد ذاته حيث كان: لم يتقدّم خطوة ولم يتأخر خطوة من جهة حل معضلته الأساسية مع ذاته، معضلة المعرفة، معضلة السعادة….» (ثورة في عالم الإنسان، 319-320)
لكن كمال جنبلاط، المفكّر الواقعي لا المنظّر فقط، نبّه إلى أن الدين عند بعض رجال الدين ليس دائماً على هذا المستوى المتسامي الحتمي والضروري، لذلك قال صراحة:
« الخطر كل الخطر في الدين إذ يُنزّل إلى مستوى التجمع الطائفي الطقسي، أي في الحقيقة مستوى التعصّب السياسي، فلا يعود ديناً بل حزباً.» (المصدر نفسه، 321)

ومن ذلك محاولة البعض، في غير زمان ومكان ونصّ، فرض شكلهم الديني الخاص على سائر البشر واعتبار أنفسهم «شعب الله المختار»، يقول:
«… عندما نعتقد أنه يجب أن نفرض ديننا على سائر البشر، وأنه أفضل الأديان، فهذا الاعتقاد يجعل فكرة «الشعب المختار» – الفكرة العنصرية للشعب المختار – بالإضافة إلى محاولة كل جماعة منتمية إلى دين من الأديان الكبرى فرض دينها على أفراد وجماعات أخرى (… بالتبشير والحرب كذلك)… هذه الفكرة بدأت في اليهودية لأنها أول من أحتضن فكرة شعب الله المختار وأبرزت مفهوماً يميّز هذا الشعب من سائر الشعوب…». (جوهر الإبداع ووحدة التحقق، 115)

وينقل جنبلاط عن المؤرخين أنه وبفعل التعصّب للفكرة الواحدة والاجتهاد الواحد حتى داخل الدين الواحد حدثت «مجازر في شوارع الاسكندرية بين أنصار الطبيعة الواحدة وأنصار الطبيعتين وسقط فيها 300 ألف قتيل من جرّاء الهرطقات التي كانت قائمة. وفي لبنان يحدّثنا المؤرخون أنهم شاهدوا في أكثر من ليلة جبال لبنان ساطعة بنور المساكين الذين كانت تُطلى أجسادهم بالقطران ويولِعون بها النار لتصفيتهم فكانت مشاعل حيّة».(المصدر نفسه، 113-114)

وبعض ما جاء به المعلم، وعلى نحو لم يسبقه إليه أحد حلاً للتعصب والتفرّد والرغبة بالإقصاء، اقتراحه التربية على قبول الآخر المختلف من خلال التربية الدينية الواحدة، قال:
«في رأينا يتوجب جعل التعليم الديني إلزامياً في المدارس العامة والخاصة (وفي صف الفلسفة تحديداً) فعلينا واجب عرض الحقيقة كما خلُصت ووصلت إلينا من خلال مناحي الوحي، على أن يكون للطالب حرية القبول أو الرفض … أما أن يظل لا يعرف الذي يتوجب عليه رفضه، أو اختياره، فأمرٌ غير معروف ولا معقول.» (ثورة في عالم الإنسان، 27)
هو اقتراح بجعل المعرفة بالدين متاحة، كأية معرفة أخرى، وللطالب بعدها حرية أن يقبل أو يرفض. كما أنه اقتراح ينزع عن التعليم الديني الفئوية وإلغاء الآخر، بجعله الدين في الموقع نفسه لجهة الجوهر، وتقديمه بهذه الصورة للناشئة، كل الناشئة.

تلك مجرد إلماحات تأسيسية كي نفهم الموقع الخاص الذي احتله الدين في فكر المعلّم، وفي ممارسته العرفانية بالتأكيد؛ وهو ما يجعلنا نفهم على نحو أفضل تفرّد كمال جنبلاط في فهم الدين خارج كل تعصّب وكل ضيق في التفكير أو أطر تطرد كل ما هو خارجها: «لقد أضحى قلبي قابلاً كل صورة….». هذا الفهم الجنبلاطي الديني/المتسامي يجد تعبيره الشعري الأخّاذ في مجموعته الشعرية، موضوع هذه المقالة، «سعادة الروح».

سعادة الروح هو المصطلح الصحيح لوصف الحال الذي عاشه المعلّم الفذّ، غير الاعتيادي، منذ نعومة أظفاره تقريباً، وفي خلال سنوات حياته المثيرة من الخارج /الهادئة من الداخل/ وصولاً إلى لحظة استقباله الخاتمة الحزينة:
أموتُ ولا أموتُ فلا أبالي
فهذا العمر من نسجِ الخيالِ

للمعلّم، السعادة الحقيقية هي للروح، وليس للجسد، أو الغريزة،
أو الانفعالات العارضة العابرة. في الثلاث الأخيرة، ما يُظنّ أنه سعادة، هو وهمٌ عارض زائل، يدوم لحظةً ويتبدد ليعقبه الألم، بكل المعاني. ألمُ الجهل، ألمُ الشرّ، ألمُ الغريزة، ألمُ المادة. إذ ليس من السعادة في شيء برقٌ يلوح للحظة ثم يرحل. وليس من السعادة في شيء انفعالٌ يطفو لثانيةٍ أو نحوٍ منها ثم يتبدد كأنه لم يكن. وليس من السعادة في شيء أن تبحث عنها في الجسد، أو المادة، وأعراضهما الآنية المتبدّلة الزائلة. هو في أسوأ الأحوال وهمُ السعادة، وفي أحسنها مجردُ طيفٍ ظاهرٍ عابرٍ لكنه يذكّركَ بنقيضه، أي بضرورة البحث عن السعادة في الروح لا في الجسد، في العقل لا في الغرائز، في التوازن لا في الفوضى، في ما لا يموت، وفي ما منحنا الله من ملكات متسامية هي هوّية الإنسان الحقيقية في البدء وفي النهاية. والسعادةُ هنا ليست في الخاتمة السعيدة الأبدية فقط – وهي غاية الإنسان الأبدية وفق أرسطو – ولكن على الطريق أيضاً، أي في كل خطوةٍ نخطوها في الدرب الصحيح المفضي إلى سعادة الروح، السعادة الحقيقية الأبدية. ففي سعادة المادة والجسد الموهومة لا لذة إلاّ ويعقبها فوراً الألم – لا شبعَ إلا ويعقبهُ جوعٌ مبرّح ولا ارتواء إلا وبعده عطشٌ قاتل، وهكذ دواليك في سلسلة مضنية لا تنتهي من وهمِ الارتواء ثم زواله، وهم الراحة ثم تبدده، ووهم اللذة وآلام تعقبه، فإذا الفرد في دوامة يدورُ ويدور حول نفسه، يتقدّم خطوة إلى أمام ويعود خطوات إلى الوراء، ويمضي العمرُ سريعاً فلا يكتشف إلاّ في نهاية حياته القصيرة أنه إنما كان يلاحق وهماً لا قرار له، ولا حقيقة فيه. وإذ يواجه في النهاية الموت، كان يحزن ويرتعب لأن الحياة الواهمة العارضة التي عاشها يجب أن تنتهي في موت الظاهر الواهم العارض ذاك؛ ولا يكتشف مبلغ ما كان عليه من وهم إلا بعد فوات الآوان؛ وصحّ هنا تماماً القول الكريم «لو أخّرتني» لفعلت كذا وكذا، ولما غرّني الظاهرُ والسطحيُ والعابرُ الزائلُ، ولكنتُ بحثتُ طوال العمر عن الحقيقة، ولتمسكتُ بها حين أعثرُ عليها تمسّك الغريقِ بخشبةِ الخلاص، بل لكنتُ وجدتُ رضاي وطمأنينتي، وسعادتي، في مجردِ البحث عنها – فنعمةُ، بل متعةُ، البحثِ عن الحقيقة لا تقلّ كثيراً عن متعة بلوغِ الحقيقة والتماهي بها، أمرٌ ليس مستحيلاً لكنه ليس متاحاً دائماً، وليس متاحاً بسهولة إلاّ لمن كرّسوا النفسَ بما فيها والحياةَ القصيرةَ وما احتوت لهدف أعلى وحيد: بلوغ الحقيقة، أو ما تيسّر منها، والتماهي بها، ما وسعَ المرءُ ذلك – وهي قصةُ المعلّم كمال جنبلاط، وغيره من «الواصلين»، مع الحقيقة، جوهر سعادة الروح.

من الجميل جداً أن يقول المترجم – فيصل الأطرش – في مقدمته للمجموعة:
«….. شخصياً كنت على شبه يقين أنني، بسبب عزمي على القيام بعمل مبارك كهذا، سوف تحلّ بركته في ذهني، فتكشف لي خباياه، لا لأنني – كإنسانٍ عادي – أستحقُ هذه البركة…. بل لأن العمل الذي أزمعتُ على تنفيذه يستحقها….»(ص 7)

وقبل الانتقال إلى مضمون المجموعة، نقول يستحق المترجم ما رجاهُ كما نعتقد، فترجمة كمال جنبلاط في الأصل ليست بالأمر السهل، فكيف بترجمته عن الفرنسية، شعراً؛ جهدٌ كبير لهُ من القارئ كل الثناء.

يبدأ المعلّم مجموعته بقول مختصر بسيط عميق، أخّاذ:
«من خَبِرَ السعادة لا يعرف الموت.»
من سعى إلى المعرفة الحقيقية، معرفة الحق، وعاشها، وتماهى بها، فزالت من عقله، بل عن عينيه، حُجُبُ المادة وأعراضُ الظاهر والباطل والعدم، وأوهامها، سيلتقي الموتَ يوماً ما، شأن كل من خالطه بالولادة الجسدُ والمادةُ؛ ولكن أيّ موت ذاك؟ هو موتُ الظاهر والوهمي والزائل، موتُ الجزء الذي كان من تراب ويعودُ إلى التراب. أما الجزءُ الأسمى فيه، بل الجوهر، فهو الروحُ: الجوهرُ أو السرُّ المكنونُ الخفيُ، الذي لا يظهر، وبه يقوم كل ما يظهر، ثم يموتُ كلُّ ما يظهر، وهي سنّة المادة والتراب والجسد – وهو لايموت. هوذا تفسير قول المعلّم كمال جنبلاط في ديوانه «فرح»: «أموتُ ولا أموتُ..»، وقوله في مجموعته «سعادة الروح»: «من خَبِرَ السعادة لا يعرف الموت.» الظاهر والمادي والعارض والآني والزائل هو ما يموت فينا، أما الجوهر والحقيقي والحق فينا فلا يموت، لأنه في الأصل غير مصنوع من مواد أو مكوّنات تفنى أو تموت. يقول المعلّم في مجموعته المترجمة هذه:
« إن مركز اعتمال العقل الذي يعجز عنه الوصف يشبه بلورة تنعكس عليها صورُ الأغراض المحيطة. لا تؤثر به الأفكار، ولا أحاسيس الألم واللذة، ….
اللونُ المنعكسُ لا يدخلُ في تركيبة البلّورة، تماماً كما لا تدخلُ الغيومُ في تركيبة الماء الذي تتمرّى به السماء.
الجاهلُ تلتبسُ عليه ذاتُه الخاصة مع اللون الذي يصبغها، أما الرجلُ الحكيم فالمعرفة تحرره من كل التباس: فهو يعرف أنّه بلّورٌ صرفْ». سعادة الروح، 20.
(لو كنتُ أنا أترجم هذا النصّ لقلت «بلّورٌ محض»، لا بلّور صرف)
وإذ يصل المريدُ إلى مقام الحق، تبطلُ عنده كل ثنائية وكل ازدواج، ولا يبقى غير الحق، لا شيء غير الحق، وما عداه بعضٌ منه، تجلٍ له، أو إشاراتٌ للعاقل أن يراها فيتبعها صُعُداً إلى مراتب الحقيقة والحق:
«ما كان قطُّ سواكَ الحتمَ والوكَدَ
ولا المرايا سواكَ استعكست أحدا» (سعادة الروح، 74)
أو قوله في «فرح»:
«…..
هل الشمس التي تدور
في عناية الفلك،
أو في فلك العناية،
فتسجدُ ركعة الصلاة الكاملة،
كل ليلٍ ونهار،
هل هي تُبطئ خطوها
لتنظر إلى الزهور،
ولتشهدِ الأنهار…
وليكتحلَ شعاعها بتفتقِ البراعم،
ولتتمتع بتألقِ الندى،
وهديرِ البحار، وتأويبِ الجبال،
وتصوّر الخيالات؟
لا إله إلاّ الحق، ولا وجود إلاّ هوْ،
وهل الأرض سوى ذرةٍ
تدورُ في أفق الحق الواسع،
يحتويها
وهي تحجّ إليه…» (فرح، 38)

أنّى توجهتَ، فقِبلتك الحق:
«…..
فاسجد وإياي
في صلاة المسلمين،
وفي استشراف صورة النور
عندما يعلو لهب الشعلة
في المشكاة،
في معراج فؤاد نور زجاجه،
فيتألقُ الكون
«كوكباً درياً»
في مشكاة زيت الحكمة،
والحكمةُ ليس لها وطن….
ولنرفع مع النصارى
قربان الوجود،
هذا القرصُ البدرُ،
في يدي الكهّان،
في يدي المسيح الحقيقي،
العقل الأرفع،
……..
ولنعرّج في صلاة إخواني
أبناء التوحيد، أهل الحق،
وفي هجعات شهودهم،
عندما يتسلّق فيهم العقلُ الأرفع
حدود التكوين،
حدود الهيولى الأولى،
المندرجةُ إليهم، وفيهم،
في شجرة تكوينِ الإبداع،
فيلقون الحق،
في شهود ذواتهم لذاتهم،
فتضمحل الذوات،
فلم يكن في المنزل
أحدٌ سواه». (فرح، 46-48)

ويختمّ المعلّم الكبير سوناتا الوجود الرائعة بحركة أخيرة:
«حنانيكَ مولاي…
أطلق قبساً من شعلة قدسك،
لكي نرتوي….
مولاي ربيعنا يمضي مع الفصول،
أما ذاك الربيع
فلا تبصرهُ العيون،
ولا تغمضُ عنه جفونُ العقل،
ولا تغربُ فيه شمسُ الأزل» (فرح، 48)

أو كما في آنندا السلام، (في ترجمة خليل أحمد خليل)، وسعادة الروح (في ترجمة فيصل الأطرش):
«أنت الحقيقة،
خلف ورقة الشجر،
أنت غلافُ الحياة
في الثمرةِ الفجّة،
أنت عطرُ قد انطوى
في الزهر!»(آنندا السلام، 98)

أنّى تلفتّ فثمة حقيقةٌ واحدة، الله. لا فرق، في لبّ الثمر أو في قشرته، في قلب الحياة أو في غلافها. سيّان، فأنت روحُ الأشياء، ظاهرها وباطنها، وأنت نسغُ الحياة في كل ما هو حيّ.
وإذ يكتشف المعلم الحقيقة، يتماهى بها، فتبطلُ المسافاتُ بين المحب والمحبوب:
«لأجلك عشتُ،
ولأجلك أُعطِيتُ
الحبّ
كما يُعطى الفرحُ
لكل الناس،
ولم يبق شيء مما أحببت،
لم يبق ولو ظلٌّ
حتى تستدعي الظلال الأخرى
المضمحلة في ذاتي،
المتخفية في قلبي.
لا شيء.
لا شيء سواك-
من قبل، وإلى الأبد.» (26)

ما عسى المرء أن يزيد من معرفة في معبد العارف وقد جعله كعبة لكل عابدٍ، وبستاناً في الآن نفسه مفتوحٌ لكل محب»:

«لا أملكُ إلاّ قيثاراً
أنّ…فتركتُ له الأوتارَ
تُبدي ما طاب لها تبدي
كالعطرِ يفوح من الورد،
وتركت الباب ببستاني
مفتوحاً….». (سعادة الروح، 28)

بابُ البستانِ الرائع
لا يسكنه غير الحقيقة، والحب،
وهما واحد،
بستانٌ مفتوحٌ
لمريدي المعلّم،
مريدو الحقيقة،
يَسعون أن يكونوا شهوداً لها أيضاً.
أيها العارفُ،
بلغتنا حكمتُك، وتملّكنا حبّك،
لقد كنتَ المعلّم بحق، على طريق الحق،
فيا لحظِ من عرفك، واستمع إلى صوتك الاستثنائي،
تجربة شخصية، لا تُنسى.

(ترجمة فيصل الأطرش عن الفرنسية، بيروت، دار النهار، 2002، تنضاف إلى ترجمة خليل أحمد خليل تحت عنوان «آنندا السلام»).

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي