عَمود السّماء
الشّيــخ بشيــر جُنبـلاط
الشّيخ بشير جنبلاط (1775-1825) هو أهمُّ المشايخ المقاطعجيِّين في جبل لبنان في العهد الشِّهابيّ، وهو القائم بِدَور كبير زمن الأمير بشير الثّاني، والمُشكِّل معه ثُنائيَّة في الحُكم استمرَّت طوال ثلاثة عقود، كانا خلالها قُطبَي العمل السِّياسيّ، ومِحور معظم الأحداث. ونظرًا لأهمِّيَّته تلك لا يُكتَب تاريخ الإمارة الشِّهابِيَّة إلاَّ ويُذكَر فيه بصفحات كثيرة، ولا يُكتَب تاريخ الأمير بشير إلاَّ ويُشكِّل جزءاً كبيراً منه، ولا يُكتَب تاريخ الموحِّدين (الدّروز) إلاَّ ويبرز فيه أحد أعلامِه الكبار.
الزَّعامَة المُبكِّرة
الشيخ بشير جنبلاط المكنَّى بـ (أبو علي)، والملقَّب بـ(عمود السَّماء)، هو ابن قاسم بن علي بن رباح بن جنبلاط. وُلِد في سنة 1775 في بلدة بعذران، في القصر الذي بناه جدُّه الشيخ علي، الذي عايَشَه ثلاث سنوات. وإذا كانت المراجع التاريخيَّة لم تذكُر شيئًا عن نشأته، ولا عن تحصيله العِلميّ، فإنَّ الاستنتاج يسمح لنا بالقول: إنَّ ما تلقَّاه من علوم كان محدودًا، شأنُه في ذلك شأنُ الأكثرِيَّة السَّاحقة من أبناء زمانه. أمَّا ما تلقَّاه من خبرة في الشُّؤون السِّياسيَّة والحياتِيَّة فهو وافِرٌ جدًّا، ذلك أنه ابن بيت عريق في التّعاطي السّياسي والاجتماعي، يُضافُ إليها وَفْرة ما تلقَّاه من خبرة عسكريَّة من خلال تعلُّم فُنون الفُروسيَّة والقتال في الميدان القائم أمام قَصْر جدِّه في بعذران. وكلاهما لا يزالان موجودَيْن إلى اليوم.
إنَّ أُولَى التجارب السياسيَّة والعسكريَّة للشّيخ بشير جنبلاط، هي اتِّخاذه وهو في سن السابعة عشرة موقفًا سياسيًّا، وموقعًا عسكريًّا، مُتعارضَيْن مع موقف وموقع والده قاسم، ذلك أنَّه كان في مواقع الكرِّ والفرِّ، التي دارَت في نهاية سنة 1791، وأوائل سنة 1792، في نهر الحمَّام، وعِينبال، وإقليم الخَرُّوب، مع عسكر البلاد، الذي يقوده الأميران الشِّهابيَّان (حَيدَر ملحم وقعدان) ضدَّ عسكر والي صيدا (أحمد باشا الجَزَّار)، الذي قَدِم مع الأمير بشير الشِّهابيّ الثاني لإعادته إلى الحُكم، وكان هذا العَسكر يضمُّ والدَ الشيخ بشير قاسم ، وتجدر الإشارة إلى أنّ الجزّار، الذي تسلّم ولاية صيدا سنة 1776، أقام في عكّا وجعلها مقرّاً للولاية حتى وفاته سنة 1804. وهكذا فعل من تسلّم هذه الولاية بعده.
وهنا يجدر التَّساؤُل: هل كان تعارُض الشيخ بشير مع والده في الموقف والموقع المذكورَيْن، من قَبِيل التعدُّد الطبيعي للميول والاتِّجاهات، أم مِن قَبِيل توزيع الأدوار بينهما، حتى إذا انتصَر فريق أحدهما يكون فيه خيرٌ للاثنَيْن معًا؟ وما يجعلُنا نطرح هذا التَّساؤُل ما ذكَرَه حنانيَّا المنيّر، وهو التّالي: “وكان الشيخ قاسم جنبلاط في كبسة شحيم مع عسكر البلاد، فلمَّا وصل إلى هناك خان واعتزل عن العسكر، وانحاز إلى الأمير بشير في عانوت. لمَّا رَكبت الدَّولة هذه المرَّة على الدَّير(دَيْر القمَر)، كان الشيخ بشير ابن الشيخ قاسم جنبلاط في نبع الحمَّام، ومعه جماعة من رجال الشُّوف، فترك أباه ومضى برجاله إلى نصرة البلاد”1.
ساهم الشيخ بشير مساهمة فعَّالة في دحْر عسكر الجَزَّار في موقعة عانوت، وظلَّ يتعقَّبه حتى دخل صيدا “وغنم عسكرُ البلاد جميعَ ما معهم حتى بِيع الفَرَس بقِرْش لكثرة الغنيمة”2.
تراجَع عسكر الجَزَّار مهزومًا إلى صَيْدا، ومنها قفل راجعًا إلى عكَّا ومعه الأمير بشير والشيخ قاسم جنبلاط. فسمح الجزَّار بِعَودة الأمير بشير، وأبقَى الشيخ قاسم مسجونًا في عكَّا إلى أن تُوُفِّي في أواخِر سنة 1793، “فأرسل الجَزَّار يطلب من الأمير بشير أن يرسل إليه الشيخ بشيرًا عِوَض والده الشيخ قاسم”3. وفي أحد المراجع التّاريخيَّة أنَّ الجَزَّار “دسَّ له سمًّا ومات ودُفِن في عكَّا، وقام ولده بشير عِوَضه”4.
إنَّ ما جرَى لِقاسم جنبلاط، مضافًا إليه عجز الأميرَين الشِّهابيَّيْن (حيدر، وقعدان) عن الاستمرار في الحُكم، وعَودة الأمير بشير إليه، كان له تأثيرٌ في تغيير موقف الشّيخ بشير، إذ إِنَّه تحوَّل إلى جانب الأمير بشير، حيث سيبدأ معه مسيرة طويلة معظمها صداقة وتحالُف، ونهايتها عَداء قاتل.
توحيد الزَّعامَة الجُنبلاطيَّة
إنَّ توحِيد الشّيخ بشير للزَّعامة الجُنبلاطِيَّة، هو، بعبارة موجِزة، إعادتها مُوَحَّدة بشخصِه، كما كانت في عهد جَدِّه الشّيخ علي المُؤَسِّس الفِعلي لهذه الزَّعامة، التي لم تتوفَّر مُعطَياتها في وراثتِه لِزَعامة والدِه رباح، وجدِّه جنبلاط، بقَدْر ما توفَّرَت في وراثته لزعامة عمِّه الشيخ قبلان القاضي، الذي كان له الشُّوف الحَيْطي، والشُّوف الشُّويزاني (السويجاني)، وبعض مقاطعة جِزِّين. كما أنَّ زَعامة الشيخ علي جنبلاط كانت مطلب أهالي الشُّوفَيْن المذكورَيْن وسِوَاهم، لأنَّهم اعتبَرُوها زعامتهم، ودفعُوا 25 ألف غرش ترْضِيَةً للأمير حَيدر الشِّهابي، كي يقبل بانتقال معظم ممتلكات الشّيخ قبلان القاضي إلى صِهره الشّيخ علي جنبلاط، فعُرِفُوا بـ(أهل السميّة) أو بـ(السميّة الجنبلاطيَّة). وعُرِف المال الَّذِي دفَعُوه بـ(مال السميّة). وقد ظلَّ الشّيخ بشير حريصاً على هذه (السميّة) ومصالحها، إذْ إنَّه في وصيَّته الوَقفِيَّة التي كتبَها سنة 1808، أوصَى الوُكَلاء بمَصالِح (السميّة الجُنبلاطِيَّة) 5.
إذن، إنَّ أهالِي الشُّوفَين كانوا يتطلَّعُون إلى زَعامة قويَّة تخلُف الشّيخ قبلان القاضي، يستَقْوُون بها، ويستظِلُّون بحمايتها في عهد سِيادة الإِقطاع، فوَجدُوها في الشّيخ علي جنبلاط الذي كان جديرًا بتحمُّل أعبائها، مُمتلِكًا صفاتِها، وقد جمع إلى جانب القيادة السِّياسيَّة، قِيادة دِينيَّة ممثَّلة بالاتفاق عليه شيخًا لِلعُقَّال، أي شيخ عَقْل6.
تجَزَّأَت أملاك الشّيخ علي جنبلاط ومعها زَعامته بين أبنائه وأحفاده، وبعد أن كان لها مَقرٌّ واحد هو دار بعذران التي بناها، تعدَّدَت الدُّور، فصار هناك دارٌ أُخرى بِقُربها بناها ابنه حُسَين، ودار في بلدة الخرَيْبة المُجاوِرة بناها ابنه يُونس، ودار المختارة التي استقَرَّ فيها ابنه نجم، وهي موروثة من الشيخ قبلان القاضي. وتوزَّعَت السميّة الجُنبلاطِيَّة على هذه الدُّور الأرْبع التي كان لِمَواقعها تأثير في التَّوزُّع، إذْ كان معظم أنصار قاسم، ويونس، وحسين، من الشُّوف الحيطي، ومعظم أنصار نجم من الشُّوف السّويجاني، وفي حين لم تبرُز المُنافَسات والنِّزاعات بين أبناء الشيخ علي، برزَت بِقوَّة بين أحفاده، وتحديدًا بين ثُنائيّة الزَّعامَتَين الرئيسَّتَين المُستقِرَّتَين في دارَي بَعذَران، والمُختارة، أي بين ابنَي قاسم (بشير، وحسن) في دار بَعذَران، وأبناء نجم (أبو قاسم حمد، وسيّد أحمد، وبشير) في دار المُختارة.
إنَّ توَزُّع المُلكيَّة العِقاريَّة، التي هي مصْدر لِلسُّلطة، على أبناء وأحفاد الشيخ علي جنبلاط، جَعل كُلاًّ منهم ذا ثَروة بسيطة، قياسًا على ثَروة الشّيخ علي الأصليّة، وإنَّ توَزُّع مَقارِّهم صعَّب اتِّخاذ القَرار المُشترَك، أو غيَّبَه، وجعلهم يذهبون في أكثر من اتِّجاه، وحتى في الاتِّجاهات المُتعارِضة، جرَّاء تدخُّلهم في صِراعات الأُمَراء الشِّهابيِّين المُتنافِسين على الإمارة، بِدعمٍ من الوالي العُثماني الذي كان يُناصِر فريقًا ضِدَّ آخَر.
برَز الشيخ بشير منذ أن اشترك في مواقع الكرِّ والفرِّ، والكبسات التي حصلَت بين عسكر البلاد وعسكر الجزَّار، والتي ورد ذِكرها، ومُنذُ أنِ استطاع تثبيت حُكم الأميرَين الشِّهابيَّيْن (حيدر، وقعدان) حوالي السنتَين، فغدا أقوَى الزُّعَماء الجُنبلاطِيِّين “وتقَدَّم على الجميع، فضادَّه بعض أقاربه حَسداً” حسبَما يَذكر المؤرِّخ طنُّوس الشِّدياق7. وأقاربه الذين ضادُّوه وحسدُوه هم أبناء عمِّه نجم في دار المُختارة، الَّذين كانوا ينافِسونه على الزَّعامة، ويتطلَّعُون إلى القيام بِدور مهمّ على مسرح الأحداث، ويرفضون تفوُّق زعامته على زعامتهم.
لا يَذكر المُؤَرِّخان حيدر الشِّهابي، وطنُّوس الشِّدياق عن صراع الشّيخ بشير وأخيه حسن، مع أبناء عمِّهما نجم، سِوَى القول إنه في نيسان 1793 كبس الشّيخ بشير وأخوه حسن أبناء عمِّهما في المختارة، وقتلوا الشّيخ حمد، والشّيخ أحمد، ولم يكن لهما عقب8. أمَّا المؤرِّخ يوسف أبو شقرا، فيَذكُر الأسباب ويقول “إنّ التَّنافُس بين الفريقَين مَوروث عن الآباء”، ويُعيد سبب كبسة الشّيخ بشير وأخيه حسن لأبناء عمِّهما إلى عِلمهما بمؤامرتهم عليهما، دبَّرُوها بالاتِّفاق مع بعض أهالي الشُّوف، فقاما بضربةٍ استباقيَّة، وهاجماهم قبل أن يهاجموهما، وفتَكا بِهم قبل أن يفتكوا بهما. وحين رأى الشّيخ بشير المتآمِرِين من الشّوف السّويجاني قادمِين إلى المختارة ليلاً، حاملِين مشاعلهم، أمَر رِجاله أن يُحَورِبوا بحسب عادة ذلك الزَّمان، فحَوْرَبوا، وأنهَوا حَوْروبتهم بالعبارات التالية مرفقة بإطلاق زخَّة من الرصاص: “راعي الدَّار الشيخ حسن، ذبَّاح الخَيل بو علي”9، أي الشّيخ بشير.
كان ما قام به الشّيخ بشير ذا نتائج سلبيَّة عليه في البداية، إذْ أثار القوَى المُناوِئة له والحليفة لِلأخوَين المقتولَين، وفي طليعتها الأُمَراء الحاكمون: أبناء الأمير يوسف الشِّهابي (حسين، وسعد الدين، وسلمان)، الَّذين طلَبُوا الشيخ بشير وأخاه، واسْتدعَوا قوَّات الجزَّار للقبض عليهما، الأمر الَّذي اضطرَّهما إلى ترك المختارة، وبَعذران. كما عُيِّن أبو دعيبس علاء الدين عبد الصمد مُتوَلِّيًا أمور الشُّوفَين بدلاً من آل جنبلاط، فأقام في قصر المختارة لسبعة أشهر، ممَّا أدخله وعائلته في نزاع مع الشيخ بشير وأخيه، عمد الشيخ حسن خلاله إلى الانتقام منهما ومن بعض أفراد عائلتهما، مع الإشارة إلى أنَّ بعض وجوهها كانوا من جملة المتآمِرِين عليهما مع أبناء عمِّهما نجم.
لكن ما قام به الشّيخ بشير أعطى النَّتائج الإِيجابيَّة التي توقَّعَها، وكانت بدايتها مع المُشترِكين في المُؤَامرة ضِدَّه وضِدّ أخيه، وهم من قرى مزرعة الشُّوف، وغرِيفه، وبعَقْلِين، وسِوَاها، إذْ إِنَّهم حين سمِعوا حَوْروبة رجاله الَّتي أنبَأَت بانتصاره، عادُوا أدراجهم قبل أنْ يصِلوا إلى المختارة، ثم ما لبِثوا أنْ تحوَّلُوا إلى نُصَراء له، ذلك أنَّ الأجْدَى لهم هو التَّعامُل مع الأحياء، لا العيش على ذِكْرَى الأموات، والأجدى لهم أيضاً إتباع الأقوِياء الَّذين كان من رُموزهم في تلك الفترة الشيخ بشير المشهور بدهائه وحنكته السياسية ومواقفه الصلبة، وأخوه حسن المشهور بِفُرُوسيَّته وشجاعته. وقدِ استقرَّ الشّيخ بشير في دار المختارة، واستقرَّ أخوه في دار بعذرَان. وهو، أي الشيخ بشير، لم يُبقِ الجرح الدَّاخلي مفتوحًا، ولم يترُك مجالاً لأحدٍ أنْ ينكَأَه، بل بلْسَمه نهائيًّا بتزويجه ابنته لنجم بن علي بن بشير.
إنَّ تَوحِيد الشيخ بشير للقَرار الجُنبلاطِيّ، ومَرْكزته بشخصه وبدار المختارة، كانا منطلق زعامته السِّياسيَّة التي استمرَّت مُتألِّقة، فاعلة، مؤَثِّرة في تاريخ لبنان حتَّى نهايته في سنة 1825. وأصبح توحيد القرار ووحدانية الزعامة نهجًا سار عليه آل جنبلاط-ولا يزالون-، زاد من قوَّة زعامتهم بصيغتها التَّقليدِيَّة، أو بصيغتها الحديثة المتطوِّرَة، وأبرَزَها بين سائر القِيادات والزَّعامات، حتى إنَّه عندما اغْتِيل فؤاد بن نجيب بن سعيد بن بشير في 30 تمُّوز 1921، وكان نجْله الوحيد كمال صغيرًا، تسلَّمَت زوجته الست نظيرة جنبلاط مقاليد الزَّعامة، حتى كبر ابنهما كمال فتسلَّمَها في سنة 1943، بعد وفاة ابن عمِّه حكمت علي نجيب جنبلاط في السَّنَة نفسِها.


الإِمساك بالقَرار الدُّرزِي
حِين تُوُفِّي آخِر الحكّام المَعنِيِّين (الأمير أحمد) بدون عقب، في سنة 1697، فضّل أعيان القيسِيِّين أميرًا شِهابيًّا سُنِّيًّا من خارج جبل لبنان، هو بشير الشِّهابِيّ، على أمير درزي يمنِيّ من الجبل. وحِين حاول أُمراء آل علم الدين اليمنيِّين استعادة الإمارة الدُّرزيَّة بمساعدة محمود باشا أبو هرموش، قضَى عليهم الأمير حيدر الشِّهابي بمُساعدة القيسيِّين في موقعة عَين داره سنة 1711، حيث انتهى بها الحزب اليمنِيّ، وفشلت محاولة الدُّروز استعادة الإمارة.
ثَبَّت الأمير حيدر الشِّهابي أقدامه، وغدا أميراً على الدُّروز في (جبل الدُّروز)، وخلَفَه أبناؤه وأحفاده، ومنهم الأمير بشير الثاني زمن الشيخ بشير، وخسر الدُّروز الإمارة، لكنَّهم حافظوا على إقطاعاتهم في جبل لبنان، وعلى السُّلطة المُتأتِّيَة منها. فكانت معظم أراضي الجبل بِيَد أُسَرهم المقاطعجيّة، ومنها أمراء آل أبو اللمع في المَتن الذين تنصَّرُوا تباعاً، والأمراء الأرسلانيُّون اليمنيُّون في الغرب الأسفل، الذين التزَمُوا الحياد، والذين تراجَع شأنهم ودَورهم. أمَّا الأُسَر المقاطعجيّة الأُخرى التي برزَت بِصفة المشايخ الكبار، فهي آل جنبلاط في الشُّوفَين، وآل العماد في العرقوب، وآل نكد في المناصِف والشَّحَّار، وآل تلحوق في الغرب الأعلى، وآل عبد الملك في الجرد.
كان من المُمكن للأُسَر الدُّرزيَّة المقاطعجيَّة أنْ تعوِّض عن فقدان الإمارة باتِّحادها، إلاَّ أنَّ المصالح السِّياسيَّة والاقتصاديَّة كانت تُباعد بينها، إذْ قَلَّما اتَّحدَت كلُّها حول شأنٍ واحد، إذا استثنينا الخطر المباشر المشترك الذي يتهدَّدُها جميعها. فلقد تفسَّخَت الوَحدة القَيسيَّة، بعد زوال الغرضِيَّة اليمنيَّة، إلى غرضِيَّات انشغل الدُّروز في صراعاتها، وشغلوا أحيانا مُساكنِيهم بها، فكانت تعويضًا تافهًا عمَّا فقدُوه من نُفوذ.
إنَّ الغرضِيَّات الرئِيسة التي خلفَت الغرضيَّتَين (القيسيَّة، واليمنيَّة) ثلاث: اثنتان منها هما الغرَضِيَّتان (الجنبلاطيَّة، واليَزبكِيَّة) اللَّتان تعُود جُذورهما إلى نزاع الشيخ جنبلاط، والشيخ يَزْبك بن عبد العفيف العماد، اللَّذين عاشا في زمن الأمير فخر الدين. وإنَّ شُيوخ آل جنبلاط هم زعماء الغرَضِيَّة الجنبلاطيَّة، وشُيوخ آل العماد هم زُعماء الغرضِيَّة اليزْبَكيَّة، وقد انضمَّ إليهم آل تلحوق وآل عبد الملك لإيجاد نَوع من التَّوازن مع الغرضِيَّة الجنبلاطيَّة القويّة. أمَّا الغرضيَّة الثالثة فهي الغرضيَّة النَّكدِيَّة، وزُعماؤها المشايخ النَّكَدِيُّون. وكان الصِّراع على النُّفوذ بين مشايخ هذه الغرضِيَّات الثلاث يَتلاقَى غالبًا مع صِراع الأُمراء الشِّهابيِّين على الإمارة، فيُناصر فريق منهم أميرًا ضِدَّ أمير، فيما يَتوَسَّل الأمراء الشِّهابيُّون هؤلاء المشايخ لإزاحة خصومهم، ولتسلُّم الإمارة، ويعمد الأمير الحاكم منهم إلى سياسة “فرِّق تسُد” إِزاء المشايخ المقاطعجيِّين الدُّروز، من أجل إنفاذ قراراته، والثَّبات في مَرْكزه، وهذا ما أضعَف هؤلاء المشايخ وشتَّت قراراتهم.
كان القرار الدرزي في الجبل بيد مشايخ الأسر الخمس المذكورة، لكن آل تلحوق وآل عبد الملك كانوا أضعفهم تأثيراً فيه، لأنهم في المرتبتين: الرّابعة والخامسة، ولأن منطقتي نفوذهم هما خارج جبل الشوف، وبعيدتان عن مركز الإمارة (دير القمر)، فيما كان التأثير القوي في القرار الدرزي هو لمشايخ آل جنبلاط وآل العماد وآل نكد، الذين أمسكوا فعلياً به، لأنهم الأقوى من ناحية، ولأنهم من ناحية أخرى موجودون في جبل الشوف الذي غدا مركز الإمارة بعد انتقالها إلى المعنيين، والذي، نظراً لأهمّيته، توسَّع مدلوله فأصبح يشمل، إضافة إلى الشوف الحيطي والشوف السّويجاني واقليم الخروب والمناصف والعرقوب، الجرد والغرب والشحّار والمتن.
بعد أن لمَس الشّيخ بشير فوائد مَرْكزَة القرار الجنبلاطي بِيَده، عمد إلى الإمساك بالقرار الدُّرزي من خلال وسيلتَين، أُولاهما: تقوية حزبه، أي السميّة الجنبلاطيّة، بزيادة المُلكيَّة العَقاريَّة، ومُراكمة ثرَواتها، لأنَّها مصْدر السُّلطة. وثانيتهما: إضعاف المشايخ النَّكَدِيِّين الذين هم أشدُّ مُنافسِيه على النُّفوذ. وهذا ما جعله يلتقي مع آل عماد، ويشترك وإيَّاهم في المؤَامرة الَّتي دبَّرَها الأمير بشير للفتْك بالنَّكديِّين. وقد تمَّ تنفيذ المُؤَامرة في اجتماع بِدَير القمر بتاريخ 23 شباط 1797، دعا إليه الأميرُ بشيرٌ الشيخَ بشير، ومشايخَ آل العماد، والنَّكديِّين، للتَّفاوُض معهم حول بعض الشُّؤُون، ولإجراء الصُّلح مع النَّكديِّين حول خلاف سابق. ولم يكن الأمير بشير بحاجة إلى حجَّة للفتك بالنَّكديِّين، إذْ كانت جاهزة عنده، وأظهرها في بداية الاجتماع بتوجِيه اتِّهاماته إليهم، وأردف قائلاً لسائر المشايخ الحاضرين: “دُونكم هؤلاء…”. عندها بدأ الفتك بهم، وقُتِل من الحاضرين أبناء كليب النكدي الخمسة، وجرَى تعقُّب الغائبين، وقَتل من ظُفِرَ بهم، وجرَت مُصادرة مُمتلكاتهم، أو شراؤها بأسعار بخسة10.
يُمكن إيجاز أسباب الأمير بشير للقيام بمُؤَامرته على النَّكديِّين بحقده عليهم، لأنهم ساهموا في عزله مرَّتين، وبرغبته في التخلُّص من عصبيتهم المشاكِسة القويَّة، ومن هيمنتهم على العاصمة (دَير القمر)، واستِئْثارهم بمعظم عائدات مغالقها، وأسواقها، وصناعاتها، وتمتُّعهم بامتيازات أخرى فيها، تتمثَّل في منع ملاحقة أيِّ مطلوب في حماهم، بِمَن في ذلك من يذنب أمام السَّرَاي ويَعبُر مجرَى (نبع الشَّالوط) إلى حيِّهم. يُضاف إلى ذلك ما يمتلكونه من أراضٍ في خراج دَير القمر، وسائر بلدات وقرى المناصِف المحيطة بها.
ويمكن إيجاز أسباب العماديِّين برغبتهم في حماية إقطاعهم في العرقوب من تمدُّد نفوذ النَّكديِّين إليه، إذِ امتلك هؤلاء منه بعض المزارع على طريق دَير القمر- الباروك، وأكثر خطّار النكدي من إعتداءاته على مزارعهم في كفرنبرخ.
أمَّا الأسباب العائدة للشيخ بشير للاشتراك في ضرب النَّكديِّين، فهي تنحصر في اثنين. أَوَّلهما: دخول الشيخ بشير النَّكدِي قبْله إلى اجتماع في دَير القمر، فيما الأفضليَّة بموجب الأعراف والتقاليد للشيخ بشير جنبلاط ، كَونه أهمَّ المشايخ وله الحقُّ في التَّقدُّم عليهم. وهذا السَّبب ضعيف في رأينا، لأنَّ الشيخ بشير- وهو الأصغر سنًّا بين المشايخ- دعاه إلى الدُّخول بقوله: “ادخُل يا عمَّاه”، كَوْنه الأكبر سنًّا بين المَوجودِين. وثانيهما: -وهو السَّبب الرئيس- رغبة الشيخ بشير جنبلاط في تحجيم النَّكديِّين وكسْر شَوكتهم من أجل التَّوصُّل إلى الإمساك بالقرار الدُّرزي. وطالما ظلُّوا أقوِياء سيحُولُون بينه وبين ذلك. وهو لم يكن يطمَع بأملاكهم، بل كان يطمع بأخذ نفوذهم. فهو لم يأخذ من أملاكهم إلاَّ القليل جدًّا، وما أخذه أخوه حسن أخذه بالشِّراء، فيما كان النَّصيب الأكبر من أملاك النَّكديِّين وامتيازاتهم من نصيب الأمير بشير الذي كان الرَّابح الأوّل، والَّذي وزَّع بعض ما كسَبه على أقربائه.
إنَّ اشتراك الشّيخ بشير في الفتك بالنَّكديِّين كان سيفًا ذا حدَّين، إذْ وفَّر له ثمانِيَ وعشرين سنةً من الهيْمنة على القرار الدُّرزي، وما في ذلك من نفوذ ومنافع. لكنَّه بالمُقابِل كان أحدَ عَوامل نهايته عند دخوله في الصِّراع مع الأمير بشير، ذلك أنَّ الأخير ترَك عن قصدٍ بعض ذكور فرع كليب الذي فُتك به، حتَّى يكونوا أعداء أكيدِين للشّيخ بشير، جاهزِين عند الطَّلب للعمل ضدَّه، لأنَّه، ومِن منطلق خبث سياسته، عاد وحضَن هؤلاء الذُّكور، فإذا بهم بدلاً من أنْ يقتصُّوا منه، كَونه رأس المؤامرة عليهم، وقفُوا معه نكايةً بالشيخ بشير وانتقامًا منه كما سنرى. وحين خطَّطُوا في سنة 1831 للانتقام من الأمير بشير لم يكن لهم أيُّ أمل في النَّجاح، وظلَّ ذلك مُؤَامرة خفيَّة.
أزاح الشيخ بشير، بتغيِيب النَّكديِّين عن المَسرح السِّياسي، الحلقة الدُّرزيَّة الأقوَى من المنافسين له، ولم يَبقَ إلاَّ الحلَقات الدُّرزيَّة الأضعَف، المُمثَّلة بسائر المشايخ الكبار. وبعض هؤلاء تحالَفوا معه، وبعضهم الآخَر أضعَفَه الأمير بشير الذي كان يعمل على مركزة القرار. وتَبعًا لذلك ساد الشيخ بشير في المقاطعات التَّابعة له، وامتدَّ نُفوذه إلى خارجها، وامتدَّ صِيته إلى خارج جبل لبنان. وغدا الزَّعيم الدُّرزيُّ الأقوَى بين زُعماء جميع المناطق المأهُولة بالموحِّدين الدُّروز، تُسمع كلمته، ويُؤخذ برأيه، ويُعوَّل عليه، ويُستنجد به. وهذا الصُّعود السِّياسِي، والنُّفوذ المُتنامِي، سمح له بالتَّدخُّل في شؤون الإمارة السِّياسيَّة، وفي الشُّؤون الاجتماعيَّة.


الاشتراك في القضاء على جرجس وعبد
الأحد باز
كما تلاقَت مصالح الأمير بشير، والشيخ بشير، وآل العماد، في ضرب النَّكديِّين، هكذا تلاقت مصالحهم ومصالح آل تلحوق، وآل عبد الملك في تصفية الأخوَين جرجس، وعبد الأحد باز، في 15 أيَّار 1807، ذلك أنَّ جرجس باز مدبِّر أبناء الأمير يوسف الشِّهابي، ومهندِس اتِّفاقهم مع الأمير بشير على أن يحكموا بلاد جبيل بالاستقلال عنه، تعاظَمَ أمره، وأخذ دَور النَّكديِّين في دَيْر القمر التي هو أحد ابنائها المَوَارِنة. فتَضرَّر منه جميع مَن وَرد ذِكرهم أعلاه، خصوصًا الأمير بشير، وأخوه الأمير حسن، إذْ بدا منافسًا للأمير بشير على النُّفوذ. وإذا كانت لِكلٍّ منهم أسبابه في ضرب جرجس باز، فإنَّ السَّبب المهمَّ عند الشيخ بشير هو تحدِّي جرجس باز له، على أثر حادثة الدِّبِّيّة والجاهليّة.
أطلق جرجس باز ستّة من نصارى بلدة الدِّبِّيّة دون سؤال الأمير بشير، الذي سبق له أن سجنهم بناءً على طلب الشيخ بشير، لأنَّهم ضربوا أُناسًا من بلدة الجاهليّة، ثم أبلغ الأمير بذلك بحضور الشيخ بشير. وحِين تعرَّض له الشيخ بشير قائلاً: “إنَّه إلى الآن ما جرَى عادة أنّ نصرانيّ الدّبّيّة يمدّ يده إلى دُرزي الجاهليّة”، تحدَّاه جرجس باز بالكلام، وممَّا قاله له: “بينِي وبينَك سهل البقاع، والسالم لسعادة الأمير، أو إني بِجْعَل شيخ عقلك يبُوس إِيد خُورِيي”، وخرج غاضبًا، وكلٌّ في قلبه حزازة ضدَّ الآخَر. ثم كتَب جرجس باز إلى أخيه عبد الأحد في جبيل، وإلى آل الخازن يخبرهم بالحادث، فأجابوه أنَّهم مستعِدُّون لمُناصرته في أيِّ وقت11.
إنَّ الفتك بجرجس باز، وأخيه، وسائر وجوه الفتك والتَّصْفيات الجسديَّة، التي جرَت آنذاك بالأشخاص والأُسَر، هي أساليب مكيافيليّة منافيَة للاعتبارات الإنسانيَّة، لكنَّها مبرَّرَة في عالم السِّياسة بضَرُورات الدِّفاع عن النَّفس، وبتحقيق الطُّموحات والمصالح، وقد اعتمدها الملوك، والخلفاء، والسَّلاطِين، والحُكَّام، والأُمراء، والشُّيوخ، والأعيان. وأكْثَرَ منها الأمراء الشِّهابيُّون، واعتمدوها ضدَّ بعضهم البعض وضدَّ الآخَرين. ومن وُجوه ذلك تصْفِيَة الأمير يوسف الشِّهابي لأخيه أفندي، وخالَيْه بشير، واسماعيل 12. كما من وجوهه ما اعتمده الأمير بشير ضدَّ خصومه، ومنهم الشّيخ بشير نفسه كما سنَرَى.
الأعمال العُمْرانيَّة
كان الشّيخ بشير يأتي في المرتبة الأُولَى بين المقاطعجيِّين بتملُّك الأرض والثَّرْوة، وقد امتلَك في أوْج مجدِه ثُلث أراضي الجبل حسبما جاء في رسالة القنصل الفرنسي في صَيْدا (الكسيس تايبو) في رسالته بتاريخ 18 أيلول 1814 13. وكانت الأموال الطَّائلة تتجمَّع لدَيْه من غلال الأراضي، ومن الضَّرائب المفروضة على الفلاَّحين، فيُسدِّد الأموال الأميرية المطلوبة منه للدَّولة، ويعتمد على الفائض المُتبقِّي لدَيْه في كسْب رضَى الوُلاة العُثمانيِّين، وفي تَوليَة الأمير الشِّهابيّ أو تثبيته في الإمارة، وفي مسائل البِرِّ والإحسان التي أنفَق في مجالها بسنةٍ واحدة 650 ألف غرش على الفقراء جميعا 14. كما أنفَق قدْرًا كبيرًا من الأموال في أعمال البِناء والعِمران.
أحدَثَ الشيخ بشير في قصر المختارة بعض الأجنحة، والإضافات، والنَّوَاحي التَّجميليَّة، وأنجَز بعض الأعمال العِمرانيَّة في قرية المختارة وسِواها، وهي ما يلي:
• التبرع بالمال لبناء ضريح لشيخ العقل حسين ماضي في العبادية سنة 1802.
• تجديد ميدان ملعب الخَيْل أمام قصر المختارة سنة 1806.
• عقْد بناية بوَّابة الدَّار الفَوقانيَّة في قصر المختارة سنة 1807.
• تجديد عَين المختارة، وإنشاء بناءٍ عليها سنة 1807.
• إنشاء مسجد (مجلس) للدُّروز في المختارة سنة 1808.
• جرُّ المِياه إلى قصر المختارة بقناة من نهر البارُوك
سنة 1808.
• إنشاء تربة (ضريح) سنة 1808.
• بناء جِسر على نهر بحنِّين سنة 1809.
• إنشاء مقعد في الدَّار التَّحتاتيَّة بقصر المختارة، مكشوف من جهاته الأربع، وهو على عمود في الوسط، مثمَّن، ودايرُهُ حَوض يستلقِي الماء من ثمانية أنابيب، سنة وذلك سنة 1809.
• إكمال بناء القاعة في الدَّار الفَوْقانيَّة سنة 1810.
• إشادَة إِيوان بِقُبَّة مزخرفة مقابلة للقاعة سنة 1812.
• إنشاء جامع بالقُرب من قصر المختارة، شبِيه بجامع الجزَّار في عكَّا، سنة 1812.
• بناء سبيل في بلدة مرستي سنة 1812.
• بناء دار لولَدَيه (قاسم، وسليم) في المختارة سنة 1813.
• تجديد بناء جسر سنة 1813.
• إنشاء مقصف على جانب القاعة بقصر المختارة للاستراحة الصَّيفِيَّة.
• المساعدة في تجديد بناء دَيْر مشموشة.
• المساعدة في بناء كنيسةٍ في المختارة على أرضٍ قدَّمَها لمَسِيحِيِّي البلدة.
تجدر الإشارة إلى أنَّ جرَّ الأمير بشير مياهَ نبع الصَّفَا بقناة إلى القصر الذي شادَهُ في بيت الدِّين، سنة 1814، جاء تشبُّهًا بالشّيخ بشير الذي سبقَهُ إلى ذلك بستِّ سنوَات حين جرَّ المياه من نهر الباروك إلى قصره في المختارة. كما تجدر الإشارة إلى أنَّ الإنجازات العِمرانيَّة للشّيخ بشير مؤرَّخة بقصائد، أو أبيات للشَّاعر نقولا التّرك، ومُدرَجة في ديوانه 15. وهي بحسب تواريخها حصلَت بين سنتَي 1806 و 1813، أي في سبع سنوات هي المرحلة الذَّهبيَّة من زمَنِه.
نجدة دُروز الجبل الأعلى
بعد قيام الحركة الوهَّابيَّة في الجزيرة العربيَّة، امتدَّ تأثيرها إلى بلاد الشَّام، ووصلَت طلائع قوَّاتها، في تمُّوز 1810، إلى سهل حَوران، وتجاوزَتْه إلى جبل حَوران فبلغَت بلدة عرى. وبعد أن أَوْقَف والي دمشق زَحْف رجال هذه الحركة، عمل إلى الحدِّ من امتدادها الفِكريّ، باعتماد أسلُوب عقائدي هو إِحياء المَظاهر السَّلَفِيَّة المتشدِّدة مع المسيحيِّين، ومع أتباع المذاهب الإسلامية غير السُّنِّيّة، وكان من نتائج ذلك على دُروز الجبل الأعلى، الواقِع إلى الغَرب من حلَب، تعرُّضُهم للضُّغوطات والمُضايَقات من قِبَل جيرانهم السُّنَّة، ومحاولة هؤلاء القضاء عليهم.
كان الشّيخ بشير، آنذاك، أقوَى شخصيَّة دُرزيَّة في بلاد الشَّام كلِّها، فاستغاث به دُروز الجبل الأعلى، وطلبُوا مساعدته العاجلة، فعرَض الأمر على الأمير بشير، فكتَب إلى صديقَيْه: سعيد آغا حاكم أريحا، وطبّل آغا حاكم جسر الشُّغور، لتسهيل مهمّة بعثة أرسلها والشّيخ بشير، قوامها ثمانون رجلاً، وفي مقدَّمها حسُّون وَرْد، وبشير حسن أبو شقرا، وفارس الشِّدياق. وقد تمكَّنَت هذه البعثة من الإتيان بأربعمائة عائلة عن طريق البقاع، فوصلُوا أوَّلاً إلى زحلة، ومنها توزَّعُوا في قرى المتن، والغَرب، والشّوف وحاصبيَّا، وراشيَّا ومدينة بيروت، وعُرِف المُتحدِّرُون منهم باسم الحلبي، نسبة إلى جهات حلَب التي جاؤوا منها16 . وقد خلَّد الشَّاعر نقولا التّرك مأثرة البشيرَيْن، وهذا بعض ما قاله:
مــــــــــن الأعـــــلــــــــــى تــــــــــَرجَّــــــــــتْ فيــــــــــه قــــــــــَومٌ أَراهــــــــــــمْ حــــــــــــادِثُ الأيــــــــــَّامِ فَــــــــــجْـــعــــــــــا
فنـــــــــادَوْا يــــــــــا شِهابَ العَصــــــــــرِ أَشْرِقْ علينــــــــــا وَاقْمَــــــــــعِ الأَخْصَــــــــــامَ قَمْعــــــــــا
فــــــــــَلاَ الشَّـــهْــــبــــــــــاءُ عــــــــــادَتْ مُــــــــــرْتَجــــــــــانــــــــــا وَلاَ الأَعْلَــــــــــى لَنــــــــــا سَكَنًا ومَرْعَى
وجَــــــــــاؤُوا بِــــــــــهِم مِنَ الأَعْلــَى وأَوْلــــــــــَوْا قُــــــــــلــــــــــوبَ الضِّــــــــــدِّ إِنْكــــــــــاءً ولَكْــــــــــعَــــــــــا
تَـــــــــــــــلــــــــــقَّــــــــــاهــــــــــُمْ بَــــــــــشِيــــــــــرُ الْــــــــــعِــــــــــزِّ شَــــــــــيــــــــــْخٌ سَما بَــــــــــيْنَ الشُّيوخِ عُــــــــــلاً ورِفْعَــــــــــا
وأَكْـــمَــــــــــلَ كُـــــــــــــــــلَّمــــــــــا يَــــــــــقْضِــــــــــي اعْــــــــــتَنــــــــــاهُ لِــــــــــرَاحتِهِــــــــــم وَأَحْكَمَ فيـــهِ وَضْعَــــــــــا
فــــــــــَأَمــــــــــْســــــــــَوْا آمِنِــــــــــــــــــــين علَــــــــــى صَـــــــفــــــــــاءٍ بــــــــهِ رَدَعُوا خُطوبَ الدَّهــْرِ رَدْعَــــا71
إنَّ تطلُّع دُروز الجبل الأعلى إلى الشيخ بشير جنبلاط دليلٌ على تجاوُز صِيتِه وشهرته حدود المقاطعات اللبنانيّة إلى سائر المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدُّروز) في بلاد الشَّام. وإتيانه بِدُروز الجبل الأعلى مع ما جاء عند المُؤَرِّخ إبراهيم العورة عن محاولته ضمّ إقليم البلاَّن إلى جبل الدُّروز 18 (جبل لبنان الجنوبي)، أوحى للأستاذ عارف أبو شقرا، محقِّق كتاب “الحركات في لبنان”، أنْ يقول: إنَّ الشَّيخ بشير أراد تكتيل دُروز بلاد الشَّام وجمْعهم في منطقة واحدة “تمتدُّ من البحر إلى جبل حَوران، يكون هو المهيمن عليها، ويكون معظم سكَّانها جنودًا له” 19. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ محاولة الشيخ بشير ضمَّ إقليم البلاَّن لم ترِدْ إلاَّ عند المؤرِّخَين إبراهيم العورة ويوسف خطّار أبو شقرا.
مع البابا بيوس السَّابع
كان سكَن الرُّهبان والرَّاهبات في المقاطعات اللُّبنانيَّة، في دَيرٍ واحد، أمرًا مقبولاً من بعض رجال الدِّين المَوَارنة، ومن بعض مقاطعجيِّيهم كآل الخازن مثلاً، على اعتبار أنَّ الرَّاهبات يساعِدْن في العمل بِحقول الدَّيْر، ويقُمن بخدمة الرُّهبان. وبالمقابل، كان هذا السَّكَن مرفوضًا من البطاركة، ومن بعض المطارنة، لِمعاكسته القوانين الكنسيَّة، ولِما يثير من التَّساؤلات والشُّكُوك، ولِما ينتج عنه من المزالق، لكنَّهم عجزوا عن حلِّ هذه المشكلة التي سبَّبَت أزمةً بلغَت مسامع البابوِيَّة في رُوما.
تدخَّل البابا لحسْم هذا الموضوع الذي يتناقَض مع القوانين المقدَّسة، فكَتَب إلى بطريرك الطَّائفة المارونِيَّة ومَطارنتها، يدعوهم إلى عقْد مَجْمع دِينيّ يلغي العيش المشترك في الأدْيِرة، ويحدِّد أدْيِرَة خاصّة لكلٍّ من الرُّهبان والرَّاهبات، ويحدِّد مكانًا دائمًا لإقامة كلٍّ من البطريرك والأساقِفَة، وينهي النِّزاعات حول الأوقاف. وحِين تأخَّر عقْد هذا المَجْمَع الدِّيني كتَب البابا إلى الشَّيخ بشير جنبلاط رسالةً في 15 شباط 1817 يقول فيها:
“شمِلنا فرَح كبير إذْ بلغَ سمْعنا لأوَّل مرَّة من جملة المزايا الرَّفِيعة التي تتحلَّى بها نفسكم، وعطفكم الخاصّ على الكاثوليك المَوَارنة.. نطلب منكم -والنفس واثقة- أنْ تسهرُوا بحمايتكم واهتمامكم على أولادنا الأعزَّاء، الكاثوليك المَوَارنَة، وتُتابعوا إعارة سُلْطتكم وخدماتكم، فتنفذ أحكامنا المذكورة العائدة بالخير على قوانين الطَّائفة الكنسيَّة. واعلموا أنَّكم بعملكم هذا تحقِّقون أمرًا عزيزًا علينا، وتساهمون في سبيل ازدهار الطَّائفة المارونيَّة الكريمة، وتوطيد السَّلام بين أبنائها”.
عقَدَ البطريرك الماروني والمطارِنة مَجْمع اللُّوَيزة في سنة 1818، وساهَم الشَّيخ بشير، والأمير بشير، في إنجاحه، وفي تحقيق طلب البابا. وأرسل الشَّيخ بشير رسالة إلى البابا بتاريخ 21 رجب سنة 1233هـ =27 أيّار 1818م. هذا بعض ما جاء فيها:
“وما تَقدَّم من فحوى الخطايا صار معلومنا، وحسب المرغوب بسطْنا أعراض الرَّجا لسعادة أفندينا الأمير بشير الأفخم -أطال الله بقاه-، فيما التمسْتُموه من لَدُنْهُ، ومن وُفُور غَيْرَته، ومزيد شهامته، أمَر بإتمام مطلوباتكم إلى حضرة مُحبِّنا البطرك ومُحبِّينا المطارين، وأقاموا مَجْمعهم وانتها [وانتهى] حسبما أمرتموهم به بمُوجب رسوم ديانتكم” 20.
إنَّ جدَّ الشَّيخ بشير جنبلاط (الشيخ علي) تلقَّى رسالة من قَداسة البابا كليمنت الثالث، تاريخها 11 أيلول 1765، يطلب منه أنْ يشمل بعنايته البطريرك الشَّرعي تايودوسيوس، ويمنع البطريرك الدَّخيل اغناطيوس من التَّجاسُر عليه، وبلبلة سلام وهدوء الكاثوليك المتَّحدين مع الكرسي الرَّسولي. وفي رسالته هذه، ورسالة حفيده الشَّيخ بشير، دليل على اهتمامهما بشؤون المسيحيِّين، وعلى رعايتهما لهم، كما فيهما وفي غيرهما من الرَّسائل المُرسَلة من البابَوات إلى سائر مقاطعجيِّي الدُّروز، دليل على أنَّ الموحِّدين (الدُّروز) الذين استقْدَموا المسيحيِّين إلى مناطقهم، أو استقبلوهم فيها، عاملوهم أفضل معاملة، وتسامَحوا معهم، ووهبوهم الأراضي، وساعَدوهم في بناء الأدْيِرَة والكنائس، وفي تنظيم شؤونهم، وسهَّلوا لهم سبل العمل، الأمر الذي أَرْسَى قواعد متينة من العيش المشترك، لم يُزعْزِعها فيما بعد إلاَّ التَّدخُّل الخارجي، ونشوء فكرة قيام الوَطن المسيحِي على حساب الدُّروز، عندما اختلَّ التَّوَازن الديمغرافي لمصلحة المسيحيين بِفضل تكاثُر أعدادهم، وتَنامِي ثرواتهم.
ثُنائيَّة البشِيرَيْن
أمسك الشَّيخ بشير قاسم جنبلاط بالقرار الدُّرزي، وأمسك الأمير بشير قاسم الشِّهابي بحُكم جبل لبنان ما عدا جبيل. ثمّ قويَ موقعه بعد الفتك في العام 1807 بجرجس وعبد الأحد باز، وهذا ما سمح له بانتزاع بلاد جبيل من أبناء الأمير يوسف الشهابي وضمّها إلى الإمارة. ومنذ ذلك التّاريخ شهد تاريخ جبل لبنان ثنائيَّة البشيرَيْن بالاسم، وبالفِعل، والتي يمكن أن نطلق عليها تعبير الحُكم المزدوِج.
ما كان الشَّيخ بشير يطمح إلى توَلِّي الإمارة، لأنَّه ليس أميراً، ولأنَّ مسألة إمارة الجبل حُسِمت في موقعة عَين داره لمصلحة الأسرة الشِّهابيَّة، حتَّى إنَّ المعارضِين للأمير الحاكم كانوا يسيرون في معارضتهم له تحت شعار أميرٍ شهابي أو أكثر، لإيصاله إلى الحُكم. وكان الأمير بشير يعْلم أنَّ الشَّيخ بشير لا ينافسه على منصبه، وإنَّما على النُّفوذ، كما يمكنه أن يُزَعزِع استقرار أوضاعه بتأييد المنافِسِين له من أبناء الأمير يوسف وسِوَاهم. لذا، ما كان بوسعِه إلاَّ أنْ يعطي الشَّيخ بشير المجال الحيَوِي لِدَوره، حتى أنّه كان يعامله معاملة الأمراء اللّمعيِّين والشِّهابيِّين، فيكتب له في نصف طبق، بينما يكتب في ربع طبق لغيره من المشايخ، باستثناء مشايخ آل حماده في بلاد جبيل، لأنَّهم قديمًا كانوا يتولَّون أمْرها، والشَّيخين ناصيف وحمُّود النَّكديَّيْن، “وهو لم يذكُر كنية إلاَّ للشَّيخ بشير جنبلاط لأنَّه كان على جانب عظيم في البلاد” 21. وكنية الشَّيخ بشير هي أبو علي.
وعلى هذا بُنِيَت ثُنائيَّة البشيرَين واستمرَّت، فكانت على الشَّكل التَّالي: سُلطة إداريَّة رسميَّة للأمير، وسُلطة مقاطعجيَّة فعليَّة للشَّيخ بشير، تُوَازي سُلطة الأمير، مع تفوُّق الأمير بامتلاك القَرار الرَّسمي، وتفوُّق الشَّيخ بالرِّجال والثَّروة، بحيث كان يمدُّ الأمير بالرِّجال في المَواقع، وبالأموال لتلبيَة طلبات الوُلاة العثمانيِّين.
كان الأمير بشير أكبر من الشَّيخ بشير بلقَبِه، وبمَوقِعه الذي يمكنه بواسطته انْ ينزع من الشَّيخ ما يشاء من مقاطعات. وقد وَرد الحديث عند المؤرِّخ إبراهيم العورة عن الشَّيخ بشير أنَّه كتخدا الأمير بشير22، أي وكيله وأمينه. وفي حين لُقِّب الأمير بشير بـ(الكبير) لأنَّه أهمُّ الأمراء الشِّهابيِّين، ولِلتَّميِيز بينه وبين الأميرَين: بشير الأوَّل، وبشير الثَّالث، لُقِّب الشَّيخ بشير بـ (عمود السماء). فإذا كان الأمير بشير عمود الإمارة، فإنَّ الشَّيخ بشير هو عمود ما هو أهمُّ من الإمارة، أي السماء.
وهناك مَقُولة تعبِّر عن شأنَي البشيرين وهي: “الصِّيت لأبُو سعدَى، والفِعل لأخُو عدلا”23. وأبو سعدَى هو الأمير بشير، وأخو عدلا هو الشيخ بشير. وكانت اللاَّيدِي استر استنهوب البريطانيَّة المُقِيمة في بلدة جون، تنظر إلى الشَّيخ بشير باحترام كلِّيّ، وقد حافظت على علاقاتها الجيِّدة معه، في حين أنَّ علاقتها بالأمير بشير بدَأَت تسوء منذ سنة 1818، ثم نقمت عليه عند قيام النِّزاع بينه وبين الشَّيخ بشير، وعند اتِّخاذه الإجراءات القاسِيَة ضِدَّه24.
يَصِف المؤرِّخ يوسف خطَّار أبو شقرا علاقة البشيرَين ببعضهما، وكيفيّةَ تصريفهما للشُّؤون، فيقول: إنَّ الأمير بشير حين يصله البريد من عكَّا، كان يُرسله إلى الشَّيخ أوَّلاً ليفضَّه ويطَّلع عليه، وبعد تحرير الأمير للأجوبة، كان يرسلها إلى الشَّيخ ليقف عليها “فينفِي منها ما يريد نفْيه، ويثبت ما يريد إثباته”. ولم يكن الأمير يعيِّن مأمورًا أو يعزل موظَّفًا “إلاَّ بأمر الشَّيخ”. كما أنَّ الرَّاغبين في الاستخدام كانوا يسألون الشَّيخ أوَّلاً قبْل الأمير، وكانوا لا يُكملون الطّريق إلى الأمير إذا لم يَرُقْ طلبهم للشَّيخ 25.
إنَّنا نرى أنّ كلام المؤرِّخ يوسف أبو شقرا ربّما ينطبق على الأمير عبّاس الشهابي الذي تسلّم الإمارة سنة 1822، ولا ينطبق على الأمير بشير، كما أنَّه لا ينطبق على جميع الشُّؤون وينطبق على السَّمِيّة الجنبلاطيّة فقط، إلاَّ أنَّ فيه دلالةً على مدَى تاثير الشَّيخ بشير في قرارات الأمير، وهذا أمرٌ ما كان متيسِّرًا إلاَّ قليلاً جدًّا قبْل الشَّيخ بشير، بين الأمير الشِّهابي ومقاطعجيِّي الجبل، الَّذين كانت تحُول تجاذباتهم وتضارب مصالحهم دون اتِّخاذ القَرار الموَحَّد. وإضافة إلى ما ذكَرَه المؤرِّخ يوسف أبو شقرا عن أهمِّيَّة الشيخ بشير، نرَى في ديوان شاعر الأمير بشير (نقولا التّرك) ما يدلُّ أيضًا على هذه الأهمِّيَّة، إذ فيه عشرات المدائح في الشَّيخ وفي تاريخ مناسباته.
تَعاوَن البشيران في تصريف الشُّؤون وتَسْوِيَة المشكلات، وإجراء التَّسوِيات، ونادرًا ما كان الأمير بشير يرفض طلبًا للشَّيخ، أو حلاًّ لمسألة يطْرحه. ومن وجوه ذلك إصلاح الشَّيخ الأمر بين الأمراء الشِّهابيِّين والأمراء الأرسلانيِّين، بعد خلاف نشبَ بينهم في مأتم الأمير موسى منصور الشِّهابي سنة 1807، وإصلاح الأمور بين الأمير بشير ومشايخ آل الخازن، وإعادة مقاطعة كسروان إليهم، وتَولِية الشَّيخ بشارة جفال عليها. وقد تعمَّقَت جرَّاء ذلك العلاقة بين آل الخازن وآل جنبلاط، ولا تزال مستمرَّة إلى اليوم، مع الإشارة إلى أنَّها تعُود إلى زمن الشَّيخ علي جنبلاط، حيث ساهم آل الخازن في دفْع مال السميّة لإجراء التَّسوِيَة مع الأمير حيدر الشِّهابي على ترِكَة الشَّيخ قبلان القاضي.
ساعَد الشَّيخ بشير الأميرَ بشير في تثبيت دعائم حُكمِه، وأنجدَهُ بالرِّجال للقَضاء على عاميّة لحفد، وخاض معه المَواقع الحربيَّة مع والٍ عثمانيٍّ ضدَّ آخَر، وتحمَّلا نتائج الهزيمة والخسارة، ومن ذلك سجنهما معاً في عكا سنة 1794م ومغادرتهما البلاد بعد عاميّة انطلياس وعزْل الأمير بشير عن الحُكم. كما نَعِما بمنافع الانتصار والرّبح. وقليلاً ما تَعارَض موقفهما، كوُقُوف الأمير بشير موقف المؤيِّد ضمناً للجنرال بونابرت عند بلوغ جيشه عكَّا سنة 1799، وغضِّه النّظر عن المساعدات المُرسَلة إليه، في حِين تخوَّف الشَّيخ بشير من تقدُّم الجيش الفرنسي إلى الجبل. لذا، كان أحد زُعماء الدُّروز المجتمعين في عبيه في مقام الأمير السَّيِّد، حيث تقرَّر التَّصدِّي للفرنسيِّين، وللأمير بشير.
بعد نحو ثلاثة عُقود من التَّحالُف والتَّعاوُن بين البشيرَين، حصلَت أحداث وتحوُّلات سياسيَّة كُبرى فرَّقَت بينهما، ووَجد الأمير بشير فيها فرصة سانحة للتَّخلُّص من مُشاركة الشَّيخ بشير له في القَرار. ناصَرَ الأمير بشير في سنتَي 1821 و1822 والي صيدا عبد الله باشا في قتاله لوالي دمشق درويش باشا، وجاراه الشَّيخ بشير بدايةً وقليلاً في ذلك، لكنَّه حين علِم أنَّ الدَّولة العثمانيَّة تؤيِّد درويش باشا، ضدَّ عبد الله باشا الذي خرج على إرادة السُّلطان محمود الثاني، نصح الأمير بشير بالوُقُوف مع الدَّولة. وقد أسْفَر هذا الصِّراع عن هزيمة عبد الله باشا وتراجُعِه عن دمشق، بعد قدوم مصطفى باشا والي حلَب، مرسَلاً من الدَّولة العثمانيَّة لنصرة درويش باشا. وكان من الطَّبيعي أنْ يتأثَّر وضْع الأمير بشير بذلك، فسعى الشَّيخ بشير لدَى درويش باشا، لإبقائه في الحُكم، لكنَّه رفَض ذلك مفضِّلاً بقاءه إلى جانب عبد الله باشا، وسافَر إلى مصر، وهناك صار مقرَّبًا من واليها محمّد علي باشا الذي كان يقرِّب إليه أمراء ومشايخ العشائر في بلاد الشَّام تمهيداً لأخذها من الدَّولة العثمانيّة.
كان الأميران حسن وسلمان الشِّهابيَّان مرشَّحَي الحزب اليزبكي لتسلُّم إمارة الجبل مكان الأمير بشير، فحال الشَّيخ بشير دون وصولهما، وعمل لدى درويش باشا على تولية الأمير عبَّاس الشِّهابي، فكان له ذلك في آب 1822، وبما أنَّ الفضل في تولية هذا الأمير هو للشّيخ بشير صار الأمير مُسَيّراً كلياً بإرادته بدليل ما صَّرح به لميخائيل الدّمشقي عند مراجعته له في مسألة ماليَّة، إذ قال له: “إنَّك لحدِّ الآن ما عرفْت بأنِّي أمير على طاولة الطَّعام فقط، وأنَّ كلَّ شيء بيد الشَّيخ بشير26”. وبناءً على ذلك يمكن القول إن الشَّيخ بشير صار الحاكم في الجبل بعد عزْل الأمير بشير.


صِراع البَشِيرَيْن
قال الأمير يوسف الشِّهابي لشيخ العقل يوسف أبو شقرا أثناء مناظرتهما الحادَّة حول ضريبة الشَّاشيَّة التي فرضها الأمير: “البلاد لا تتَّسع ليُوسفَين”، فأجابه الشَّيخ يوسف: “المزروك يرحل”. أي المتضايق يرحل. وهذا الأمر نفسه ينطبق على البشيرَين، وخصوصًا على الأمير بشير الذي كان متضايقًا من تعاظُم قوَّة الشّيخ بشير، ويترقَّب الفرصة السَّانحة ليتخلَّص من ازدواجيَّة الحُكم معه، والتي قبِل بها مُكرهًا ليؤمِّن استمراريَّته فيه. إذ بقدر ما كان دعْم الشيخ بشير له ضروريًّا ليثبت في الإمارة، بات عبئًا ثقيلاً عليه يرغب في إزاحته عن كاهله، والتَّحرُّر من قيوده. لذا رفض تولية درويش باشا له، لأنَّها جاءت بوساطة من الشيخ بشير.
وفي حين بدا للشَّيخ بشير انّ هيمنته على الإمارة الشِّهابيَّة ستستمرُّ بوجود الأمير عبَّاس، وأنَّ الأمير بشير ابتعد نهائيًّا عنها، حصل ما لم يكن في الحسبان، وما لم يكن متوقَّعًا حسب تطوُّر الأمور والوقائع، إذ إنَّ تدخُّل محمّد علي مع الدَّولة العثمانيَّة قلَب المَوَازين، وأعاد عبد الله باشا واليًا على صيدا، والأمير بشير أميرًا على الجبل. كما أنَّ عجز درويش باشا عن احتلال عكَّا لِدفاع عبد الله باشا القويّ عنها، آلَ إلى عزْل الدّولة العثمانيَّة له، وتعيين مصطفى باشا والياً على دمشق مكانه.
بعد وصول الأمير بشير إلى عكَّا أواخر سنة 1822، آتياً إليها من القاهرة، ومزوَّدًا بنصائح محمّد علي بضرب أخصامه من المقاطعجيِّين، أرسل إلى أعيان الجبل ينبِّئهم بقدومه، وإلى الشيخ بشير يطلب منه 750 ألف غرش كمساهمة في تأدية المبلغ المقرَّر لقاء العفو عنه، وإعادته إلى الإمارة. فقَبِل الشيخ بشير بذلك، وقدَّم مبلغاً آخَر لعبد الله باشا إرضاءً لخاطره.
انتقل الأمير بشير سنة 1823 من عكَّا إلى صَيدا، فوجد أعيان البلاد في استقباله وبينهم الشّيخ بشير الذي حضر في وفد كبير. فسار الأمير بشير بالموكب الضّخم نحو بيت الدِّين، ولدى الوصول إلى مرج بعقلين نادى الشّيخ بشير قائلاً: “يا شيخ بشير، درب بيتك من هون”27، وهذا يعني في الجغرافيا ألاَّ يكمّل الشّيخ طريقه إلى بيت الدِّين، بل يسلك طريق الصّليّب التي توصله إلى المختارة، ويعني في السِّياسة افتراقًا بينهما، وبداية للصِّراع السِّياسي الذي سينتهي صداماً عسكريًّا.
أظهرت الوقائع والتَّطوُّرات، ولا سيَّما الاجتماعات التي عقَدَها الأمير بشير مع عبد الله باشا، وجود مؤامرة ثلاثيَّة مدبَّرة ضدَّ الشّيخ بشير، عناصرها محمّد علي باشا، وعبد الله باشا، والأمير بشير، وأداتها التَّنفيذيَّة المباشرة هي عبد الله باشا، والأمير بشير، اللَّذان تناوَبا على ابتزاز الشّيخ بشير ماليًّا لإضعافه اقتصاديًّا وسياسيًّا، تمهيداً للقضاء عليه. وقد وعى الشّيخ بشير خلفيَّات ذلك وأهدافه ومخاطره، فعمد إلى إرضاء عبد الله باشا والأمير بشير بالممكن تقديمه لهما من الأموال، لكنَّه لم يتمكَّن من وقْف طلباتهما المتكرِّرة، وإشباع نهمهما إلى المال.
ابتعد الشيخ بشير عن الشُّوف، وأقام في راشيَّا. لكن عبد الله باشا قبل بعودته مقابل دفع أربعمائة كيس، فعاد إلى المختارة وذهب إلى بيت الدِّين لمقابلة الأمير بشير وبرفقته ألْفا رجلٍ من قبيل إظهار القوَّة. استقبله الأمير بحفاوة وخلع عليه، لكنَّه بعد ذلك أرسل من يبلِّغه استياءه من كبر الحشد الذي رافقه إلى بيت الدِّين، فعاد الشّيخ إلى مقابلة الأمير مع وفد صغير، لكنّ هذا لم يغيِّر شيئًا في مجريات الأمور، وفي سير الأمير في مخطَّطه، إذ توالت طلباته الماليَّة ومضايقاته للشّيخ بشير ولأنصاره، الأمر الذي اضطرَّ الشيخ إلى الابتعاد مرَّة ثانية عن البلاد، واللُّجوء إلى حوران، ثم العودة منها إلى عكَّار قاصدًا توسيط والي طرابلس سليمان باشا. وقبْل أن يصل فوجِئ بخبر وفاته، وبهذا فقَد أيّ أمل في تسويَة الموضوع بالسِّياسة وبالتَّوسُّط، وفي تأجيل الصِّدام العسكري مع الأمير بشير، وهو صراع أخطأ في تأخيره وفي المراهنة على الوقت وحصول المستجدّات، لأنَّ معطيات واحتمالات فَوزه فيه كانت في سنة 1823، وبعدها بقليل، أكثر منها في أواخر سنة 1824، ومطلع سنة 1825.
كان من أنصار الأمير بشير آل نكد، وآل تلحوق، وآل عبد الملك، وآل أبو اللمع، وآل الدحداح، وآل حبيش ومعظم الشِّهابيِّين وآل الخازن، وآل حماده، وآل عبد الصَّمد، ومعظم مسيحيِّي دَير القمر. وكان من أنصار الشّيخ بشير فريق كبير من الدُّروز، يضمُّ إضافة إلى الجنبلاطيِّين، آل العماد، وآل أرسلان. وكان معه بعض آل الخازن، وبعض الأمراء الشِّهابيِّين وهم: الأخَوان سلمان وفارس، وحسن أسعد، وعبَّاس الطَّامح إلى تسلُّم الإمارة، كما من أنصار الشّيخ بشير أيضًا الفلاَّحون النَّصَارى العاملون في أراضيه.
كانت الاستعدادات تجري للمعركة الحربيَّة بين البشيرَين، وكان أنصار الأمير يحتشدون في بيت الدِّين، وأنصار الشَّيخ بشير يحتشدون في المختارة. وقَبْل أنْ يأتي الشَّيخ بشير من عكَّار هاجم أنصاره قصر بيت الدِّين، لكنَّهم عجزوا عن احتلاله، لأنَّهم وسائر مقاتلي الجبل آنذاك لا يحسنون تسلُّق الأسوار كما قال القنصل الفرنسي هنري غيز الذي عاصر ذلك28.
وبعد أن ربح الأمير بشير المعركة سياسيًّا بوقوف الوُلاة العثمانيِّين معه، بدأ يربحها عسكريًّا بصدِّ رجاله الهجومَ على قصْره، ثم بِقدوم النَّكديِّين من دَيْر القمر وثنْيه عن الرَّحيل الذي عزَم عليه، وذلك بتقطيعهم حبال الأحمال المحمَّلة على الجِمال، وبِمُداوَمتهم على حراسة قَصْره، إذ إنهم وجَدوا في ما يجري فرصة سانحة للانتقام من الشّيخ بشير الذي ساهم في نكبتهم سنة 1797.
لا مجال هنا للتَّوَسُّع في الحديث عن المَواقع التي دارَت بين البشيرَين، وإنَّما يُمكن القَول إنَّه بعد هجوم رجال الشَّيخ بشير على بيت الدِّين تتالَت مَواقعهم الدِّفاعيَّة في خطٍّ تراجعيّ، وهي السِّمقانيَّة، سهل بقْعاتا وظهور الجدَيْدة، الجدَيْدة، المختارة، إضافة إلى كبسة بعقلين الفاشلة التي قام بها رجال الشَّيخ بشير ضدَّ أنصار الأمير في البلدة. كما يمكن القَول إنَّه كان للنَّجدة العسكريَّة المُرسلة من عبد الله باشا إلى الأمير بشير الدَّور الكبير الفعَّال في تخلِّي بعض أنصار الشَّيخ بشير عنه، وفي هزيمته.
تناوَل العديد من المؤرِّخين صِراع البشيرَيْن، والمواقع التي دارت بينهما29. وإذا كان لنا من رأيٍ خاصّ نُبدِيه، فهو تشبيه هذا الصِّراع بفُصولِه، وعناصِره، ونتائجه، بموقعة عَيْن داره في النواحي التَّاليَة:
1. كان المتقاتلون في عين داره دروزاً مما جعل القتال فيها درزياً درزياً. وكان معظم المتقاتلين في صراع البشيرين دروزاً، لكنّ القتال فيه لم يكن ذا طابع طائفيّ دِينيّ، وإنَّما ذا طابع سياسيّ وصراعٍ على النُّفوذ، بالرّغم من أن رجال الكنيسة المارونية ألّبوا المسيحيين على القتال مع الأمير بشير ضد الشّيخ بشير.
2. لم يتسنَّ لِعسكرِيِّ واليَيْ دمشق وصَيْدا نصرة أمراء آل علم الدِّين، ومحمود باشا أبو هرموش، لأنَّ الأمير حيدر الشِّهابي استطاع حسْم المعركة لمصلحتِه قَبْل وصولهما، في حِين تسنَّى لِعسكر والي صَيْدا (عبد الله باشا) الوصول إلى قلْب الشُّوف، والاشتراك في القِتال والمساهمة في حسْم المعركة لمصلحة الأمير بشير.
3. قضَى الأمير حيدر الشِّهابي، وبمُساعدَة القيسيِّين الدُّروز، على اليمنيِّين في عَيْن داره، وأفشل محاوَلة استرداد الإمارة الدُّرزيَّة. وقضَى الأمير بشير الشِّهابيّ على أكبر زعيم درزي هو الشّيخ بشير، وعلى مرْكزيَّة القَرار الدُّرزي التي تَوصَّل إليها، وجسّدها بشخصه، وذلك بمساعَدة فريق دُرزيّ له، مُمثَّل بالنَّكديِّين، والتَّلاحقة، وآل عبد الملك، وبعض الأُسَر الدُّرزيَّة الأخرى. وما استطاع بعد ذلك أحدٌ من أعيان الدُّروز القِيام بدَور الشَّيخ بشير أو ببَعضه، حيث كان ندًّا بالسُّلطة للأمير بشير، ذلك أنَّ الدُّروز بلَغُوا في الخمس عشرة سنة من أواخِر عهده أقصَى درَجات ضُعفهم، وأسْوَأ مراحل تدنِّي دَورهم في عهد الإمارة الشِّهابيَّة. أما الفراغ الذي تركه الشّيخ بشير. فقد ملأت معظمه الكنيسة المارونيّة.


تَمادِي الأمير بشير في اقتصاصِه ومظالِمه بعد انتصاره على الشّيخ بشير
بعد انتصاره على الشّيخ بشير انفسح المجال واسعاً أمام الأمير بشير للإمعان في إجراءاته القمعيَّة، والتَّمادِي في مَظالمِه، والاقتصاص بشتَّى الأساليب من أنصار الشَّيخ بشير بِمَن فيهم الأمراء الشِّهابيُّون، فسَمَل أعيُن، وقطع ألسُن الأمراء: عبَّاس، وسلمان، وفارس، لأنَّهم وقَفُوا مع الشَّيخ طمَعاً في تسلُّم الإمارة. وهذا، حسبما جاء عند ميخائيل الدِّمشقي، “قساوَة وحشيَّة، لأنَّ الفتْك أهْوَن من هذا العذاب، وكان النّاقص سكب رصاص في آذانهم ليصبحوا طرشان أيضاً”30.
تتبّع رجالُ الأمير بشير رجالَ الشّيخ بشير وأنصاره، فقتلوا كلّ من ظفروا به ولم ينجُ باختفائه أو بفراره، حتى أنّ الأمير اقتصّ ممّن لم يقفوا إلى جانبه والتزموا الحياد. ومن سَلِم من الاقتصاص بالقتل أو بالسجن، لم تسلم ثروته وأملاكه من المصادرة، كما لم تسلم من الهدم دور كثيرة.
هدَم الأمير بشير قُصور آل جنبلاط في المختارة وبَعْذران، ودكَّ بالبارود جامع المختارة الذي بناه الشَّيخ بشير كأحد الأدلَّة على إسلاميَّة الموحِّدين (الدُّروز)، وجرْياً على عادات أكابرهم منذ مئات السِّنين. إنَّ هدْم هذا الجامع ما كان لِيحصل بتصرُّف ذاتي من الأمير بشير نظراً لدقَّة الموضوع وخطورته، وإنَّما تمَّ بأمرٍ من والي صيدا عبد الله باشا الذي طلب ذلك “لأنَّ الدُّروز غيْر أهلٍ له”، كما جاء عند طنُّوس الشِّدياق31. وهذا يُظهر مدَى تحامُل عبد الله باشا على الشَّيخ بشير وقَومه الدُّروز، كما يُظهر دهاء الأمير بشير ونجاحه في إظهار إسلامه، وإخفاء مسيحيَّته التي عاش ومات عليها، كالعديد من الأمراء الشّهابيِّين، والتي نرجّح أنَّه أخَذها عن والده قاسم عمر حَيْدر الذي يذكُر طنُّوس الشِّدياق أنَّ البطرك اسطفان الغسطاوي نَصَّرَه في سنة 1764 32. لكنَّه حيَّرَ المؤرِّخين بِغموض هُويَّته الدِّينيَّة، إذ كان أميرًا مُعيَّناً من الدَّولة العثمانيَّة المُسلمة على المسلمين الدُّروز في جبل الدُّروز، الذي بات في عهده مكوُّنًا من أكثريَّة مسيحيَّة.
صادَر الأمير بشير ما في بُيوت آل جنبلاط، وخصوصاً دار المختارة، من تُحَف، وأسلحة، وحلَىً، وجواهِر، وما يردُ إليها من غلال الأملاك الواسعة، وصادَر كلَّ إِقطاعات الشَّيخ بشير المُمتدَّة من البقاع الغربي إلى البحر، ووزَّعها على أنصاره، وعلى أبنائه الذين نالُوا الحصَّة الكُبرى منها. فأعطَى الشُّوف وبعض إقليم الخَرُّوب للشَّيخَين حمُّود، وناصيف النَّكدي، وطلب منهما الإقامة في بلدة الشَّيخ بشير (المختارة)، التي وهَبهما إيَّاها أيضًا. وأعطى الغَرب الأسفل لآل تلحوق، باستثناء بلدة الشُّوَيفات التي أعطاها للأمير بشير ملحم شهاب، وأعطى بعض إقليم الخَرُّوب للشَّيخ حسين حماده، وأعطى إقليم جِزِّين وإقليم التُّفَّاح لِوَلده خليل، والعرقوب لولدِه قاسم.
أمعَن الأمير بشير خصوصاً في الاقتصاص من العائلات الجنبلاطيَّة، فعمَد إلى التَّضيِيق على أفرادها والفتك بوجهائها، ومُصادَرة ممتلكاتهم، ممَّا أدَّى إلى إفقارها، وإلى نزوح قسم كبير من أبنائها إلى جبل حوران (جبل العرَب). وكان يختلق السَّبب لِمَن يريد الاقتصاص منهم، ويجبرهم على تحرير صكّ فراغٍ وانتقال إلى أحد أتباعه.
بلَغ إضعاف الأمير بشير للمقاطعجيِّين الدُّروز مداهُ بقضائه على أكبرهم، الشَّيخ بشير. وبعد أن أضعف الموحِّدين (الدُّروز) سياسيًّا بالفتْك بزعمائهم واحدًا بعد آخَر، وتحجيم دَورهم، وأضعفَهم اقتصاديًّا بنهْب ثرَواتهم ومُصادَرة ممتلكاتهم، عمَد إلى إضعافهم اجتماعيًّا بتعيِين رُؤسائهم الدِّينيِّين، بحيث صار لهم منذ سنة 1825، وبِتدخُّل منه، ثلاثة شيوخ عقْل، اثنان منهم على أساس الغرضيَّتَين (اليزبكيَّة والجنبلاطيَّة)33. ثم إنَّ ما قام به خلال الخمس عشرة سنة التي أعقَبَت انتصاره على الشَّيخ بشير يطُول شرحه، ولكن يمكِن إيجازه بأنَّه من أهمِّ نتائج انفراده بالحُكْم، وخلوِّ الجوِّ له بعد تغيِيب أكبر شخصيَّة شارَكَته في الحُكم، وكانت ندًّا له.
في حديثه عن الأمير بشير يذكُر الأمير شكيب أرسلان، أنَّه “لم يَسْلَم بيت من بُيوت الأكابر في جبل لبنان من تغريم الأمير بشير بدلاً من المرَّة مرَّات”، كما يُضيف أنَّ ثروَته تَضاعفَت كثيرًا بِسبب ذلك، وأنَّه بِرغم كلِّ ما كان يُؤَدِّي للوُلاة كانت خزانته يوم صُرِف من وِلاية الجبل سنة 1840، تحوِي ثمانية عشر ألْف كيس، أي نحو سبعين ألف جنيه، عدا الحلى والمجَوهرات34.
يُضاف إلى هذه الثَّروة الطَّائلة، التي ذكَرها الأمير شكيب أرسلان، أملاك واسعة وغنيَّة، آلَت إلى الأمير بشير بلْصاً ومُصادَرة، وأربعة قُصور شادَها في بيت الدّين له ولأبنائه: قاسم، وخليل، وأمين. وأكبرها قَصْره الَّذي عُرف مؤَخَّرًا بـ(قَصْر بيت الدِّين)، وصار مُلكًا للدَّولة، ومقَرًّا صيفيًّا لرئيس الجُمهوريَّة. وإنْ كانت هذه القُصور كسِواها من قُصور أرباب الحُكم والشَّأن، دليلاً على العظَمة والجاه، ونَوعاً من أنواع العُمران، إلاَّ أنَّها بُنيت بأموال الفلاَّحِين والفُقراء، والضَّرائب الباهِظة التي كانت تُفرَض زيادةً عن المطلوب للدَّولة، وتُجبَى أكثر من مرَّة في السَّنَة. وقد بُني بعض أقسام هذه القُصور بما صادَره الأمير بشير بعد انتصاره على الشَّيخ بشير، وبالحجارة والأخشاب والرّخام والبلاط، التي نقلها بعد هدْم قصْر الشَّيخ، وجامِعِه في المختارة. ثم إنّ بيت الدّين كانت ملكاً للموحِّدين (الدّروز) قبل أن“يناكدهم الأمير بشير ويشتري أراضيهم وبيوتهم” حسبما جاء عند ميخائيل الدّمشقي35. لذا تركوها، وانتقلوا إلى بلدتَي كفرنبرخ، وبَعْذران، حيث حمَلوا فيهما شهرة (البتدِّينِي)، نسبة إلى بلدتهم الأصليَّة (بيت الدِّين).


نهاية الشَّيخ بشير
بعد هزيمته في أواخِر كانون الثاني 1825، تَرك الشَّيخ بشير المختارة متنقِّلاً من مكان إلى آخَر أمام قوَّات الأمير بشير التي تُطارده، واتَّجَه نحْو حوْران قاصدًا إمَّا عرب الفحيليَّة والسّلوط، حيث لجأ إليهم في السَّنَة الماضِيَة، وإمَّا المشايخ الحمدانيِّين في جبل حوْران (جبل العَرب)، حيث أمَّن عِياله في سنة1820 عندما غادَر مع الأمير بشير الشوف، إثر عزْل الأمير. ولدَى وُصوله إلى نوى وَجد نفسه ورجاله مُحاطِين بِقوَّات الدَّالاتيَّة بقيادة كنج آغا. فسلَّم لهذا القائد على أمان أُعطِي له، لكن القائد نهب أمواله ثم سلَّمه إلى والي دمشق مصطفى باشا الذي قام بتسليمه إلى والي صيدا عبد الله باشا، بناءً على طلب الأخير.
وَضع عبد الله باشا الشيخ بشير في السِّجن لِمدَّة ثلاثة أشهر، ولم يقتله لطمَعه في مالِه والمساوَمة على إطلاق سراحه. لكنَّ الأمير بشير الذي كان مصِرًّا على تصفِيَة الشّيخ بشير، ويخشى حُصول تحوُّل ما ضدَّه، أو تغييرٌ مفاجئ يُعَرقل مخطَّطه وسياسته، أرسل إلى محمّد علي باشا يُعْلمه بالأمر، ويطلب منه القضاء على الشيخ بشير، فكتَب محمّد علي إلى حليفه عبد الله باشا أنْ يُجْهزَ على الشَّيخ، فأمَر بشنْقه ورفيقه أمين العماد، ونفذ ذلك ليلة الخميس في 9 شوَّال 1240هـ = 27 أيَّار 1825م، حسبما جاء في رسالته إلى الأمير بشير الشِّهابي، وظلَّت جثتاهما معلَّقتَين أمام مدْخل عكَّا لمدَّة ثلاثة أيام. ويذكُر قنصل فرنسا بعكَّا في رسالته إلى رئيسه بتاريخ 26 حزيران 1825 أنَّ الشَّيخ بشير حين بلَّغَه الحَرس بأمر إعدامه “أدَّى الصَّلاة ومات ثابت الجَنان”، وأنَّ الحَبْلة التي عُلِّقَت برقبته انقطعت مرَّتَين، “فقال لجلاَّدِيه بهدوء: أليس عند سيِّدكم حبْلة في سرايَته أمْتن من هذه”36. وبِشنْق الشَّيخ بشير في عكَّا سنة 1825، بعد مَوت والده فيها بالتَّسميم له سنة 1793، تصبِح عكَّا شُؤْمًا على آل جنبلاط.
كَتب الشَّيخ بشير وصيَّته في سنة 1808 تحسُّبًا من المَوت، أو من القتل في إحدى المَوَاقع الحربيَّة، أو من القضاء عليه كما كان يحصل لأكابِر القَوم. وبنَى ضريحًا في سنة كتابة وصيَّته حتَّى يُدفن فيه. لكنَّه قُدِّر له أن ينتهي بعد 17 سنة من كتابة وصيَّته، وألاَّ يُدفَن في الضَّريح الذي بناه، وأن يُدفَن في أرضٍ غير لبنانيَّة، ذلك أنَّ أحد وُجَهاء دُروز فلسطين (مرزوق سعيد معدِّي)، وكان صديقًا لعبد الله باشا، طلب منه السَّماح بِدَفن الشَّيخ بشير ورفيقه، فنقلهما إلى قريته (يرْكا)، ودفنهما فيها خلْف مدفن الشَّيخ أبو سرايا، ولا تزال رفاتهما هناك.
نهاية الشيخ بشير و”المسألة الشرقية”
غالباً ما يجري النِّقاش بين المؤرِّخين حول مدلُول (الحَدث)، و(الحادثة)، ويختلفون حول الأمثلة عنهما لاختلاف زاوية النَّظر إليها، ولأدلجة المواضيع. فلقد اعتَبر بعض المؤرِّخين عزل الأمير بشير في سنة 1840 حدَثًا لِما تلاه من تطوُّرات، ونتائج خطيرة، فيما اعتبروا نهاية الشَّيخ بشير حادثةً لنتائجها المحدودة، في رأيهم. وفي الحقيقة أنَّ نهاية الشَّيخ بشير شنْقًا في عكَّا، بطلب من الأمير بشير المُنتصِر عليه، وبِقَرار من والي صيدا الذي نزَل عند طلب والي مصر (محمّد علي)، هو حدَث يتوالى فصولاً في تاريخ لبنان عُموماً، وتاريخ الموحِّدين (الدُّروز) خصوصًا، ماثل في الذّاكرة الشّعبيّة والأدبيّات، جاء في سلسلة تمهيدات محمَّد علي لاحتلال بلاد الشَّام، وهو من كان بِحروبه وتوسُّعاته جزءاً من المسألة الشَّرقيّة. لذا، يمْكن اعتبار الشّيخ بشير أيضاً إحدى ضحايا هذه المَسألة، وقد كانت لنهايته نتائج كثيرة ورَد ذِكرها، بعضها كارثي، ونتائج أخرى بعيدة لم يتَّسِع المجال لها.
يعتبر المؤرّخ كمال سليمان الصّليبي نهاية الشّيخ بشير على يد الأمير بشير حدثاً مؤثّراً في تاريخ لبنان، فيقول: “كان سقوط بشير جنبلاط حدثاً ذا أثر في تاريخ لبنان. فبقضاء الأمير بشير على منافسه القويّ، الواسع الثّراء، أصبح هو وحده السيّد المطاع في لبنان. لكنّه، في الوقت نفسه، قضى على الزّعامة الدرزيّة الفعّالة الوحيدة التي بقيت في البلاد. وبذلك سدّد ضربة قاضية على مكانة الدّروز فيها، وإذ ضعفوا وصاروا بلا قيادة، أحجموا عن التّعاون الفعلي في شؤون الإمارة، منتظرين فرصة سانحة للثأر. ولئن صحّ القول بأنّ الأمير الشّهابي المسيحيّ إنّما سحق الشّيخ الجنبلاطي الدّرزي، لا لأنه درزي، بل لأنّه كان خصماً سياسيّاً عنيداً، إلّا أن الدّروز حملوا الأمر على غير محمله. وما كانت سياسة الأمير بشير، فيما بعد، إلا لتجعلهم يمعنون في النّظر إليه كعدوّ مسيحي”37.
تمُرُّ السُّنون، ويدُور الزَّمان دَورته، وتتَوالى الأحداث آخذًا بعضها برقاب بعض، وتنسحب أيضًا آثار بعضها على بعض. وتبدأ الحرب الأهليَّة اللُّبنانيَّة في سنة 1975، ويكون من فُصولِها المَأسويَّة والكارثيَّة حرب الجبل، ويكون من أهمِّ محطَّات حرب الجبل صعود الميليشيات المسيحيَّة أو (القوَّات اللُّبنانيَّة) إليه مع الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان سنة 1982، واتِّخاذ بعض قراهُ وبلداته ثكنات عسكريّة لها، ومنها بيت الدِّين، وذلك بقرار مشترك من والي عكَّا مجازًا: الدَّولة اليهوديَّة، ومن حليفها، قائد القوات اللُّبنانيَّة (بشير الجميِّل). ويوضَع الموحِّدون (الدُّروز) أمام خطر التَّهجِير والإخضاع والإذلال، والتَّبعيَّة للمارونيَّة السِّياسيَّة التي يشكِّل عهد الأمير بشير إحدى مراحل نهوضها. لكنهم ينتصرون في حرب الجبل بقيادة حفيد الشّيخ بشير (الزَّعيم وليد جنبلاط).
لقد شاد الأمير بشير أحد أجنحة قصره في بيت الدّين، ولا سيّما واجهته ومدخله، مما نقله من قصر الشّيخ بشير جنبلاط وجامعه، وأنهى بناءه في سنة 1829، فأُرّخ ذلك ببيتين من الشعر يشيران أيضاً إلى انتصاره على الشّيخ بشير، وهما:
شـــــــادهــــــــا المـــــــــــولـــــــى الشّهابـــــــيُّ الـــــــذي جـــــــاء بـــــــــــــالسعـــــــد بـــــــشيـــــــراً لـــــــلأنـــــــام
وعلـــــــــــــــــــــى بـــــــاب الحمـــــــى قـــــــد أرّخـــــــوا دام نَـــــــصراً فـــــــادخلـــــوهــــــا بــــــــــــــسلام
وفي سنة 1983 أهدى الدّروز انتصارهم في حرب الجبل إلى المقاتلين الأبطال، وإلى الشّيخ بشير، وأرّخوا ذلك بثلاثة أبيات من الشّعر، وُضعت ردّا على البيتين المذكورين أعلاه، وهي:
هذا هــــــــــــــــــــــــــــــــــــو القَصْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ انْحَنَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى لِسُيوفِنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
لِمَلاحِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم الأبطالِ لِلنَّصْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِ الْكَبِيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
وأَطَــــــــــــــــــــــــــلَّ فَجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــْرُ الحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقِّ بَعْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد أُفـــــــُولِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ
والدَّهْرُ يَخْشَــى صَوْلــــــــــــــــــــــــــــــــــــةَ الشَّيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــخِ البَشِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــير