الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الصفحة الأخيرة

الصفحة الأخيرة

الحياة هبة الموت

في جسد الإنسان تعاقب لا ينقطع بين موت وحياة جديدة. تعاقب يشبه إلى حد كبير شعلة الشمعة التي تنحل في الأثير لكنها تستمر ملتهبة بسبب ما يردها من قاعدة اللهيب من وقود جديد. بنفس المعنى فإن جسدنا الذي يبدو ثابتا ومستقرا على السطح هو في موت وحياة مستمرين، وحسب العلماء فإن كل ذرات أو جزيئات جسدك التي تعد بالمليارات بل الترليونات ستكون قد ماتت كلها وحلت مكانها ذرات جديدة كل 7 إلى 10 سنوات من عمرك.

بهذا المعنى فإن الحياة هي فعلا هبة الموت، لأنها لم تكن لتستمر لولا قانون التجدد عبر موت الخلايا التي تنسحب بهدوء مخلية الطريق لنشوءالخلايا الجديدة ، كما لو أن الحياة تستمر فقط بقوة ودفع غريزة العطاء وامحاء الجزء في سبيل استمرار الكل، مثل مياه نهر يتدفق نحو مصبه في بحر الحياة اللانهائية.

لكن يحدث أحيانا أن ترفض بعض الخلايا الموت وتقرر بدل من ذلك أن تتكاثر على هواها دون أي تنسيق أو ضبط لأهدافها مع أهداف ترليونات الخلايا التي تكوِّن جسدنا الشديد التعقيد. عند ذلك يحصل خلل وجودي في حياتنا نسميه: «السرطان». رغم أنه يصعب أن ننسب إلى خلية أو بضعة خلايا «إرادة» أو «قصد» معين فإن سلوك الخلايا الخبيثة التي تبدأ بالتوسع في جسدنا دون أي حساب للنتائج يمكن اعتباره تصرفا «أنانيا» وبسبب وجود هذه الظاهرة نعيش في حال خوف من أن تحدث في نظام جسدنا وتقلب حياتنا رأسا على عقب، وهذا شبيه بما يحصل لمجتمعنا المريض أيضا نتيجة تفشي الأنانية وانهيار قوى التضامن والتراحم والتعاون بين الناس.

والمقارنة قائمة لذلك بين جسد الإنسان الفرد وما يعتريه من أمراض وسقم نتيجة «الأنانية» التي تظهرها بعض خلاياه وبين جسد البشرية التي تعاني أيضا من سرطانات لا تحصى نتيجة تفشي الأنانية بين الأفراد والجماعات والقوميات والأديان والمذاهب. وقد بلغت الأنانية حدا يبدو معه النسيج البشري اليوم مثل هشيم من أجزاء متناثرة لا يربط بينها رابط كأن سرطاناً تفشى في أنحاء الجسد المجتمعي وانتشر في مختلف الأطراف، ولن يمضي وقت حتى يصيب القلب أو الرأس وعندها فإن البناء كله سيتداعى، كما يتهاوى جسد المريض الذي هاجت فيه أنانية بعض الخلايا المارقة أو الخارجة عن قانون الطبيعة.

كان المعلم كمال جنبلاط يعتبر أن الكون يمرّ في مراحل تحكمها قوانين تشبه القوانين التي نراها اليوم فاعلة في أجسادنا السقيمة أو مجتمعاتنا المبتلاة بشتى أنواع الصراعات وأشكال الدمار والموت. وكان يقول أنه في فترات السعادة والسلام تكون قوى الجذب نحو المركز Centripetal هي الأقوى، وهوما يؤدي إلى تماسك الكتلة أو الجُزَيئات حول النواة، وهوما يشبه في المجتمع البشري غلبة قوى التضامن والتماسك والفضيلة والمحبّة والسلام. أما في مراحلها الأخيرة فإن قوى الطرد إلى الخارج Centrifugal تصبح هي الأقوى في الحياة وهو ما يؤدي إلى تلاشي قوى الجذب إلى المركز لصالح قوى الطرد والتفكيك وتطبيق ذلك على عالمنا هو ما نشهده في كل تلك الظواهر الكونية من صراعات واقتتال شاملين بين البشر وزوال قيم الإخلاص والرحمة والشرف وانهيار البيئة الحاضنة للحياة البشرية في الجو وفي المحيطات وعلى اليابسة وتردي نوعية الغذاء الذي أصبح موبوءا ومختلطا بكل أنواع السموم، وتردّي نوعية المياه التي نتجرعها والهواء الذي نستنشقه، بل أننا نرى تفكك مكونات الحياة في تلك الأسقام التي عمّت وأصابت البشر حتى لم يعد هناك أصِحَّاء إلا في بعض القِفار المجهولة والأدغال البعيدة كل البعد عن حضارة البشر.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي