الصفحة الأخيرة
الحرام
الحلال هو ما أباحه الشرع ، وأما ما نهى عنه وحظّره فهو حرام. ومن يعدم التمييز بينهما، لا يستقيم به مسلك مثمر. فالإيمان والحرام لا يجتمعان. لكن هذه الحقيقة الأصلية لم يعد هناك مع الأسف من يعمل بها ويعتني بفرائضها حق عناية إلا من رحم ربيّ من القلة التي أنعم الله عليها بالحفظ.
من علامات زمن الفترة أو المحنة إستطابة الحرام والانغماس به فالمرء يتوهم أن ما يحصل عليه من حرام هو «كسب» بينما هو حجة عليه ووزر ثقيل. وهناك غريزة افتراس استيقظت وغلبت وأصبح الكثير من الناس ضالعين في فنون المكر ينصب كل منهم الشراك للآخر وعينه على ماله أو على ما يتمتع به لا يضيره أن ما يفعله إنما هو اعتداء وخيانة وفساد في الارض.
كان جيل البركة من السابقين والسلف الصالح يعتني أشد اعتناء بأمر الحلال والحرام، وكان راعي الماعز إذا قضمت إحدى ماعزه ولو بضعة أوراق من رزق أحد من الناس يسارع إلى حلب تلك المعز على كعب الشجرة التي أخذت منها لأنه كان يعتبر ما في ضرعها قد أصبح حراماً لأنه اختلط بحرام، ولو كان ذلك الحرام بضع وريقات من شجرة. وقد روي عن أبي يزيد البسطامي أن رجله زلت في أحد أزقة المدينة فتمسك بحائط لكي يقي نفسه السقوط، وما أن اعتدل في وقفته حتى سارع إلى باب ذلك المنزل وطرقه وعندما أطلّ صاحب الدار طلب البسطامي من الرجل أن يسامحه ويجيز له تمسكه بحائط داره.
وروي عن الشيخ الفاضل رضي الله عنه أنه أراد يوماً أن يشرب من عين البلدة ولم يجد ورقة جوز يضعها في الميزاب الحجري للنبع لكي يستطيع الشرب، وكانت العين محاطة بأشجار الجوز، لكنه ما قبل أن يستخدم ولو ورقة جوز واحدة قبل أن يعرف مالك الشجرة ويطلب منه أن يأذن له بذلك. وما هي ورقة الجوز؟ أنها لا شيء وليست لها أي قيمة، لكن الأولياء الصالحين كان همهم أن يقدموا المثال على دقة أمر الحلال والحرام وضرورة عدم التهاون أو الترخيص فيه. وكان ذلك أحد أعظم وجوه تعليمهم لأجيال زمانهم ولتلك التي توالت بعدهم.
وقد برز مؤخراً في منتصف القرن الماضي المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج من عبيه الذي ساد بتقواه وورعه وله سيرة مليئة بالمآثر والتعليم البليغ حول الحلال والحرام وسنأتي على تفصيل سيرة هذا الشيخ القدوة في عدد قادم من «الضحى» بإذن الله.
أين نحن اليوم من شيوخ التقوى والورع هؤلاء ؟ أين نحن من تعليمهم؟ وقد برزت في تبرير الحرام في أيامنا نظريات «التجارة» و«الشطارة» وأغمض الكثيرون أعينهم وهم يتناولون الباطل فقست القلوب وماتت الضمائر وسهل الكذب والغش. لكن بدل التصدي لمثل هذه المعاصي والكبائر إنشغل كثيرون عنها بأمور شكلية مثل أن يأخذ أحدهم على جاره تقاضيه لراتب من الدولة ولا يأخذ على غيره أو حتى على نفسه تقاضي المال من تاجر فاسد أو من صاحب ثروة مشكوك بمصدرها أو من مرتكب أو آكل حرام أو شارب خمر أو راش أو مرتشٍ.
الدولة اليوم هي دولة راعية تقدم خدمات الطبابة والتعليم والاقتصاد والرعاية الاجتماعية وتحافظ على أمن الأفراد وتقضي بين الناس وتقمع المرتكبين، وهذه الدولة، وإن لم يكن عملها قريباً مما هو مرغوب ومأمول، لا ينطبق مع ذلك على مالها ما كان ينطبق على مال السلطان الجائر في عصور الإستبداد وظلم الناس وإرهاقهم بالضرائب والسخرة وغيرها من الآثام. ومن كان يعتبر مال الدولة حراماً فليمتنع إذاً عن قبول خدمات الكهرباء والهاتف والمياه ولا يرسل اولاده إلى مدارسها وليرفض مساعدتها الصحية وكل ما يمتّ إليها بصلة، لأن العبرة ليست في النقود بل في التعامل حتى لو كان تسديد موجبات مالية لها ونحن لا يمرّ يوم لا نتعامل فيه بمختلف الأشكال مع الدولة وإداراتها ومؤسساتها!!
«الحلال بيّـِن والحرام بيِّـن» لكن لكثرة انتشار الحرام اختلطت الأمور وبات كل يجتهد على هواه. الأولى من كل ذلك هو مراقبة النفس واستيقان الحلال في رزقنا والصدق في كلامنا وإيفاء عهودنا قبل رمي الآخرين بالتهم والظنون. هذا هو الأمر المهم، أن نصلح ضمائرنا ونراقب عيوبنا وتقصيرنا وأن لا نتدخل ونحكم على هذا وعلى ذاك فذلك من الفضول الذي لا طائل تحته ولا يتأتى منه أي إصلاح بل هو فتنة بين الناس. -}قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) { (سورة الكهف).
أستغفر الله .