غيَّبَ الموتُ واحداً من الرّجال الأَشِدّاء، وقائداً عسكريّاً امتاز بالشّجاعة، والجُرأة والإقدام، بكلّ معنى الكلمة، فكان شخصيّةً فذّةً ورجلاً حواريّاً مع جميع الأفرقاء، فرض احتراماً وتقديراً من الجميع، وكانت له ميزات مُختلفة، ومكانة مُمَيّزة رفيعة، بين زملائه الضبّاط، عَنَيْتُ به بكلِّ فخرٍ وإباء العميد الرّكن الممتاز عصام أبو زكي.
ترك الرّاحل بَصمات لا تُمحى وإرثاً كبيراً فهو القائد العسكريّ الفذّ، والرّجل الكبير الذي عرفناه معرفة جيّدة، وقضينا وقتاً طويلاً معه. كان طيّب القلب، هادئ الطبع، ذا نظرة ثاقبة، رَصيناً مُحترماً عزيزاً مُكرَّماً حيث حلَّ وأين ارتحل، وفي عدّة مناصب أمنيّة كانت له مواقف وبطولات يعجز عنها الرّجال كما يعجز عن وصفها القلم في مواقف البطولة والفداء.
رحل عنّا العميد الرّكن المتقاعد عصام أبو زكي، في ظرف عصيب وفي أزمة اقتصاديّة وأمنيّة غير مستقرّة. تدرَّج وبلغ أعلى المناصب فتبوَّأَ المراتب العسكريّة الرّفيعة وكان قائد الشّرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي، بقي فيها نحو تسع سنوات متواصلة، وهذا يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّه كان قويَّ الشكيمة، بلا منازع.
هو أحد الضبّاط البواسل القلائل الذين تمرّسوا بالوظائف العسكريّة الخطيرة فكان لها وكانت تليق به. رجل من القلائل الذين حافظوا على مكانتهم العسكريّة، وكانت لهم الكلمة المسموعة في جميع الميادين السّياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والإنسانيّة.
جريءٌ – كما قلنا – لا يهاب الموت، كان يحمل دماءه على كفّيه ويمضي حيث معارك الموت والقتال ماثلة أمام ناظريه. تحمَّل مسؤوليّاتٍ مختلفةً ومهمّاتٍ صعبةً فكان الإنسان الفذّ السّاهر على الأمن في الوطن وعلى أمن المواطن وسلامته وصحّته.
اختارَه الله إلى جانبه مبكّراً فاختطفه الموت، وهو مبتسم يخالطه المرح رغم تعاقب الأيام والسنين التي تحدّثنا عن رجل اقتحم غمرات الموت مرّات كثيرة، ورأى الظّلام بسواد عينيه وضلوعه وفي جميع أنحاء جسمه، إنَّه أحد الجبابرة الذين كانوا في انتظار الموت يقترب منهم في كلّ لحظة، والموت حقٌّ، وإرادة الله وحكمته لا مهربَ ولا مناص منهما لأنّ القضاء والقدر محتوم علينا القبول بهما فمشيئة الله وإرادته لا رادَّ لهما.
كان كلّما سنحت له الظّروف يزور القيادات الرّوحية في الطّائفة الدرزيّة، ويأخذ منها البركة والدّعاء بالتّوفيق والنّجاح والرّضى والتّسليم والمشورة واتّباع الرّأي الحكيم السّليم. كان العميد الرّكن عصام أبو زكي من أوفى الأوفياء وأخلص الخُلصاء وأنبل النّبلاء. هكذا عرفته وهكذا أعطي شهادة فيه في ختام حياته أمام النّاس جميعاً بصورة صادقة.
يمكننا القول بكلِّ فخرٍ واعتزاز: لقد كان العميد الرّاحل ضابطاً عسكريّاً باسلاً من ضبّاط الجيش اللّبنانيّ، كما في قوى الأمن الداخلي، وهو بذلك ينضمّ إلى كوكبة من أبرز الضبّاط المعروفييِّن الذين تعاقبوا عُمراً أو زمناً أو رتبة في تولّي أدقّ المسؤوليّات في الجيش اللبنانيّ كما في قوى الأمن الداخليّ، فنهضوا بها على أحسن وجه، وكانوا مثالاً يُحتذى في القيادة والنّزاهة والشّجاعة والحِرص على الوطن.
ولادته وعلومه
هو عصام بن أنيس بن أمين بن علي أبو زكي. وُلِد في “عينبال” الشُّوف، في جبل لبنان في 22 حزيران عام 1941.
تلقّى علومه الابتدائيّة في بلدته “عَيْنبال” ثمَّ انتقل إلى مدرسة الأمريكان في طرابلس، ومنها انتقل إلى مدرسة “الفرير” في منطقة فرن الشبّاك في بيروت، ثم انتقل إلى مدرسة عينطوره، ثمَّ إلى الجامعة الوطنيّة في “عاليه” وبعدها أكمل دروسه الثانويّة في مدرسة طريق الجديدة الرسميّة في بيروت “مدرسة البرّ والإحسان”.


قيادات عسكرية تولاها
تولّى القيادات العسكرية التالية:
قيادة سَرِيّة بعلبك، قيادة سريّة مدينة طرابلس، قيادة سريّة المُساندة، قيادة سريّة الجنوب، قيادة سريّة الطّوارئ في الفرقة 16.
كما تسلّم قيادة الشّرطة القضائيّة من عام 1984 إلى عام 1993.
واشترك في دورات وبعثات ومؤتمرات هي التالية:
◄ انتُدِب لمتابعة دورة دراسيّة في حقل الأمن في فرنسا في عام 1964، وفي عام 1965.
◄ تخصّص في حقل مُكافحة المخدِّرات والجرائم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، من عام 1973 إلى عام 1985، كما انتُدِب لتمثيل لبنان في مؤتمر (الإنتربول) والمؤتمر الدّولي للشّرطة الجنائيّة في (لوكسمبورغ) في عام 1984، وترأَّس وفد لبنان إلى مؤتمر (الإنتربول) الذي عُقد في واشنطن في عام 1985، ثم ترأَّس وفد لبنان إلى مؤتمر الإنتربول الذي عُقد في يوغوسلافيا في عام 1986.
انتُدِب لمتابعة الأعمال الأمنيّة التالية:
◄ متابعة دورة دراسيّة في إيطاليا لمكافحة الإرهاب، ثم تابع دورة أمنيّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في عام 1988 عنوانها (كيفيّة معالجة الكوارث).
◄ تابع دورة في مكافحة الجرائم في ولاية فرجينيا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في عام 1992.
◄ ترأَّس وفد لبنان في عدّة أمكنة دوليّة وجال في عدد من الدّول العربيّة والأجنبيّة..


الأوسمة والتنويهات
حاز على الأوسمة التقديريّة التالية:
◄ نال الوسام التَّذكاريَّ في عام 1965.
◄ ثمَّ نال وسام الاستحقاق الوطنيّ برتبة فارس في عام 1984، ووسام الأرز الوطنيّ برتبة فارس في عام 1981.
◄ وسام التّقدير من جمهورية هايتي في عام 1982.
◄ وسام الاستحقاق اللبنانيّ من الدّرجة الثانية في عام 1983.
◄ نال أيضاً وسام الحرب في عام 1983.
◄ ووسام الصّليب الأكبر من رئيس الجمهوريّة في هايتي في عام 1984.
◄ ثم ميداليّة الجدارة في عام 1985.
◄ شهادة تقدير من وزارة العدل في الولايات المتّحدة الأميركيّة في مكافحة المخدِّرات في آذار سنة 1986.
◄ ثم وسام الحرب في عام 1992.
◄ ونال عدداً من الأوسمة الأجنبيّة والكثير من شهادات التّقدير من مختلِف البلدانِ العربيّة والأجنبيّة، ووسام الاستحقاق اللبنانيّ من الدّرجة الأولى في عام 1996، ثم وسام الأرز الوطنيّ من رتبة ضابط في عام 1997.
أمّا المِنَحُ التي أُعطِيت له بمرسوم جمهوريّ فهي التّالية:
◄ صدر مرسوم جمهوريّ في عام 1974، بمنحه ترقية للأقدميّة، سنة واحدة لبلوغه رتبة أعلى لأعمالٍ عسكريَّة باهرة قام بها.
◄ صدر مرسوم جمهوريّ لترقيته حسب الأقدميّة في سنة واحدة لبلوغ رتبة أعلى لقيامه بأعمال أمنية دقيقة في ظروف صعبة في مدينة طرابلس.




أبو حسن عارف حلاوي
بطولات ومآثر
◄ تصدّى للقوّات الإسرائيليّة في أثناء تولّيه قيادة سَرِيّة الطوارئ (فرقة 16) وحال دون تمكُّن الإسرائيلييِّن من الدّخول إلى حَرَمِ الثُّكْنَةِ العسكريّة في (ثُكنة الحلو على كورنيش المزرعة).
◄ أماط اللّثام عن شبكة تجسّس وأوقف أحد عناصرها.
◄ كشف الكثير من الجرائم الخطيرة وأوقف مرتكبيها.
◄ انتُخِب رئيساً لرابطة آل أبي زكي الاجتماعيّة في بلدته “عينبال” الشُّوف، بتاريخ 10/1/1986، وساهم مساهمة فعَّالة لبناء دار العائلة مُقدِّماً الكثير من المساعدات والخدمات في مُختلِف الحقول الإنسانيّة والاجتماعيّة، كما انتخب عضواً في المجلس المذهبي بموجب عام 2006 وتولى رئاسة اللجنة الاجتماعية وكانت له مساهمة فاعلة على صعيد تقديم الخدمات الاجتماعية. ويُذكر أنَّ والده الضابط الشّجاع أيضاً العقيد المرحوم أنيس أبو زكي (1910 – 1989)، ووالدته هي نجلا محمّد أمين حسن من بلدة عترين الشُّوف، في جبل لبنان، وكان متزوِّجاً من مَيّ فؤاد الغريب من بلدة “كفر مَتّى” قضاء عاليه، وأنجب منها ولدين هما: أنيس وباسل.
وفاته
مَرِض مَرَضاً شديداً في أواخر أيّامه، وعلى الرغم من العلاجات المتكررة في الدَّاخل وفي الخارج، إلا أن إرادة الله سبحانه وتعالى فوق كلّ إرادة إذ اختاره وهو بين أفراد عائلته وأقربائه في “عينبال” الشُّوف مسقط رأسه.
رحل العميد عصام أبو زكي إلى الأبد، ولكنّ ذكراه باقية، فهي دعامة الخلود في الآخرة… ولن ينال منك النّسيان مهما كان طاغياً ولا من ذكرك وذكراك أيّها البطل.
توفِّي الرّاحل الكريم في 25 شباط سنة 2018 وكان الوداع الأخير للعميد الذي أعطى ما في وُسْعه من أعمالٍ ومآثرَ وبطولاتٍ يعجز فيها الكلام.




كان مأتمه حاشداً إذ سدَّت الوفود الطّرق المؤدِّية إلى “عينبال” الشُّوف، من الإقليم وبعقلين وغريفة ودَير القمر.
حضر حفل التشييع ممثلون عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء حيث قلّده ممثل رئيس الجمهورية وسام الأرز برتبة ضابط أكبر.
كما حضر المأتم أيضاً جمع غفير من مشايخ طائفة الموحدين الدروز وفي طليعتهم سماحة شيخ عقل الطائفة الشيخ نعيم حسن.
ومن أبرز الوفود المشاركة كان وصول الرئيس وليد كمال جنبلاط يرافقه نواب اللقاء الديمقراطي ومسؤولون في الحزب التقدمي الاشتراكي وشخصيات أخرى.
كما حضر المأتم أيضاً قضاة المذهب الدرزي ووفد كبير من مؤسسة العرفان التوحيدية برئاسة الشيخ علي زين الدين وأركان المؤسسة وأساتذة العرفان. بالإضافة الى حضور مدير عام وضباط قوى الأمن الداخلي ورئيس أركان الجيش اللبناني اللواء حاتم ملاك.
وقد تقبّلت العائلة التّعازي أيضاً في دار الطائفة الدرزيّة في بيروت التي كانت مزدحمة بالمُعَزّين فضاقت عن استيعاب الحشود التي جاءت من جميع المناطق اللبنانيّة لتقديم التّعازي الحارّة والأسف الشّديد على فَقْدِ هذا الرّكن الرّكين في البلاد.
وقد قدّم واجب التعزية بالفقيد أيضاً عطوفة الأمير طلال أرسلان.
كان العميد عصام أبو زكي شجاعاً جريئاً ثابتاً في مواقفه بالرّغم من محاولات بعض السياسييِّن إقصاءه عن قيادة الشّرطة القضائية في سنة 1993 إذ كافح الاتجار بالحشيشة والفساد والرّشوة والجريمة، وتمكّن بفعل خبرته وشجاعته وشفافيّته من الإمساك بأصعب الملفّات والإيقاع بأخطر عصابات التجسّس والاتجار بالمخدِّرات. كانت قبضة العميد الرّكن أبو زكي قبضة وطنية من حديد، وبخاصة في اللحظات الحرجة، كما كان لا يُبارى في نزاهته وبشهادة جميع عارفيه وزملائه.
العميد الركن المرحوم عصام أبو زكي مدرسة في الوطنيّة والإخلاص والمحبّة والوفاء ورفعة الأخلاق، انتزع احترام النّاس بمواقفه وحرصه على تنفيذ القانون وتفانيه في خدمة مجتمعه وأهله، كما لقوى الأمن الساهرة على أمن المواطن والدّولة معاً.

