قصص الأمثال
الحلقة 8
قسم كبير من الحكايات والأمثلة الشعبية يتناول المبالغات، فهؤلاء «الفشارين» أو «الفنّاصين» هم غالباً من البسطاء المهمشين الذين يسعون إلى شدّ انتباه الناس إليهم عبر رواية حكايات مفبركة تقوم على مبالغات مكشوفة فيظن هؤلاء أن الناس يصدقونها. وأكثر من يستمع الى هذه القصص يلعب اللعبة كما يقال فيتابع القصة وهو يبدي دهشته من فصولها ويهزّ برأسه تصديقاً لكي يشجع الفناص على المزيد من دون أن يدري الأخير أن الناس اجتمعت حوله لتستمتع بقصصه الخيالية وليست لأنها تصدق خبرياته المثيرة.
في جانب آخر تتناول حكايات الأمثال قصص التجار الفاشلين وهم غالباً يأتون إلى مهنة البيع والشراء دون خبرة ومنهم من تنقصه الفطنة فتنتهي تجارتهم إلى خباء وخسائر. وقصص التجارة الفاشلة مسلية ومفيدة لأنها جزء من الخبرة الجماعية وفيها حث على الفطنة وسخرية من الغباء في الأعمال.
في ما يلي بعض الحكايا التي تتناول حالتي المبالغة في الرواية والتجار الفاشلين:
(الضحى)
حَطِّط عن جَحْشتَـك
هي عبارة تقال للرجل الذي يحاول التدخل في شؤون الآخرين، أو يحاول تقديم مساعدة غير مرغوب فيها ولم يطلبها أحد منه، فيعرضون عنه بقولهم: « حطط عن بغلتك » أي لا نريد نصيحتك أو مساعدتك .
وقد روى سلام الراسي حكاية هذا المثل، وذكره برواية : «حطط عن جحشتك» . فقال :
يروى أن رجلاً كان على خلاف دائم مع زوجته، حتى ضجر منها . وقُدر لها أن ماتت . فأخذ يشعر بالفراغ لفقدها، وأحس بقيمة الزوجة، وسوء حال من يفقد زوجته . فأسف على ما بدر منه تجاهها، وقرر أن يتجول في المدينة، فيسدي النصائح للرجال حتى يحسنوا معاملة زوجاتهم، كي لا يصيبهم ما أصابه، فتوجه إلى سوق المدينة، واشترى جحشة ليركبها لهذا الغرض .
ويبدو أن عدداً كبيراً من الرجال كانوا يعانون من علاقاتهم السيئة مع زوجاتهم، فاجتمعوا في ساحة المدينة يتداولون في طريقة الخلاص من زوجاتهم، فتذكروا الرجل الذي ماتت زوجته، فقالوا: لا بدّ أنه قد تدبر أمر موتها بطريقة ما . وقرروا التوجه إليه لسؤاله كيف تخلص من زوجته، فوجدوه يشدّ البردعة على ظهر جحشته، فسألوه :
ـ إلى أين تمضي ؟
فأجابهم :
سأتوجه إلى الرجال ليحسنوا معاملة زوجاتهم، كي لا يصيبهم ما أصابني. عندئذٍ قالوا له:
ـ حطط عن جحشتك . أي لا داع لكي تشد بردعة الجحشة وتمضي في مشوارك لأننا لسنا بحاجة لنصيحتك .
فغدت عبارتهم قولاً سائراً1
جازة حمزي براس الإمّان
والمثل معروف في أنحاء الجبل كافة، وقد ذكره الأستاذ سلامة عبيد2 في أمثاله على نحو مختلف « جازة حمزي براس المعناي3.
ويضرب المثل في الرجل إذا ألحّ في طلب الشيء دون مراعاة الوقت المناسب وحكاية المثل أرويها من الذاكرة البعيدة، وهي لا تختلف كثيراً عن رواية الأستاذ عبيد . ولم أقع على المكان الذي جرت فيه واقعة الحكاية غير أنهم يذكرون أن حمزة هذا خطر له أن يتزوج في موسم الحصاد، لأمر ما بينه وبين عروسه، ولما أنه لم يكن من المنطق أن يتوقف عن الحصيدة ليتزوج، فقد طلب منه أهله التريث ريثما ينتهون من عملية الحصاد، لكنه أبى، وأصرّ على الزواج قبل إتمام الحصاد، فذهبت زيجته مثلاً في الأمر إذا أُلح في طلبه في وقت غير ملائم فقالوا : « جازة حمزة براس الإمَّان « والإمّان هو مساحة من سهم الحصيدة يباشره الحصاد في كل شوط، ويقدر عرضه بحوالي المتر لكل حصاد، أما طوله فلا يزيد على خمسين متراً وعندما يتعاون عدد من الحصّادين في حصاد الحقل يأخذ كل منهم مسؤولية خط معين ويتقدمون بالتوازي في عملية الحصاد من أول الحقل وحتى نهايته أي حتى «راس الإمَّان». والمقصود بالمثل أن حمزة لا يريد أن ينتظر إلى ما بعد الحصاد بل يريد بمجرد بلوغ نهاية الخط في حصاد حقل القمح أن تكون عروسته قد حضرت فيتسلمها في «راس الإمان» وهذا دليل الإلحاح وقلّة الصبر.
حنا من فروع طوال، والما يطول يقطع!!
يضرب هذا المثل في معرض التفاخر حين يغمز أحدهم من قناة الآخر، لقصر قامته أو نحو ذلك .
وحكاية المثل أرويها عن والدي في معرض حكاية بدوية تقول إن عمير الضيغمي وإبن عمه عرار كانت بينهما منافسة على زعامة قبيلة الضياغمة في الجزيرة العربية، وكان عرار طويل القامة لكنه قليل الحيلة، بينما كان عمير قصيراً غير أنه راجح العقل ومحبوب أكثر من ابن عمه عرار، ما أثار حفيظة عرار، وجعله يتحين الفرص للتقليل من شأن عمير .
وصادف أن خرج عرار وعمير إلى الصيد مع بعض الرجال، فاصطاد عرار غزالاً فيما كان عمير ما يزال يبحث عن صيد ما . وذبح عرار الغزال، وقطّعه، وشوى قسماً منه وجلس للغداء مع بعض الرجال، وأفرد قسماً من الغزال، فعلقه في غصن شجرة عالٍ، وقال لرجاله :
الآن سيأتي عمير، فنقول له إن نصيبك من الغزال معلق في الشجرة، وسيقفز عمير لتناول حصته من اللحم مثل الكلب دون أن يستطيع إدراكه، وهذا ما يمكننا من النيل منه .
وحين أتى عمير قال له عرار :
ـ دونك نصيبك .
وأشار إلى اللحم المعلق فما كان من عمير إلا أن امتشق سيفه، وضرب الغصن الذي علق فيه اللحم، فإذا هو أمامه . وقال مخاطباً عرار :
ـ حنا من فروع طوال، والما يطول يقطع .
خبز بكماج ولا لحم الجاج
الكماج : الخبز الإفرنجي
والمثل يضرب لمن لا يميزالجيد من الرديء
وحكاية هذا المثل كما رواها سلام الراسي تقول : إن قروياً أمّ المدينة لأول مرة في حياته، فبهرته المدينة بتنوع سلعها، وشموخ أبنيتها، وزحمة الناس فيها . . واتفق أن مرّ أمام بائع خبز إفرنجي، وسأله :
ـ ما هذا ؟ . فأجابه البائع :
ـ هذا كماج .
فقال القروي في نفسه : لا بدّ أن يكون « الكماج « مأكولاً لذيذاً حتى أطلقوا عليه هذا الإسم العجيب الغريب . ومن دون تردد اشترى الرجل رغيف كماج دون أن يعرف حقيقته وفتح زوادته من الخبز المرقوق، وراح يغمس خبزاً مرقوقاً بكماج . على بركة الله .
وعندما رجع الرجل إلى القرية، وقدم القوم للسلام عليه، أخذ يحدثهم عن مشاهداته وانطباعاته في المدينة، حتى وصل إلى « الكماج « فأسهب في وصفه ولذته، فسألوه :
ـ وهل يؤكل الكماج وحده، أم مغمساً بالخبز ؟
فهز الرجل رأسه وأجاب :
ـ « خبز بكماج، ولا لحم الجاج »
فذهب قوله مثلاً4
خبز وبصل مأكول الأصل
وتطلق هذه العبارة في معرض القناعة بما هو موجود لعدم توفّر ما هو أفضل . وأصل العبارة كما كان يرويها لنا الكبار أن ثلاثة رجال جمعتهم مهمة ما، فحمل كل واحد زوادته ومضوا . وحين حان موعد طعامهم فتحوا زواداتهم وبدأوا يأكلون . كان الأول يحمل خبزاً وبصلاً، فصار يأكل الخبز والبصل قائلاً معزياً نفسه : « خبز وبصل مأكول الأصل5 » .
أما الثاني فكان يحمل خبزاً حافاً وماء، فأخذ يبل لقمته بالماء ويقول ـ « خبز وماء مأكول العلماء».
فقال ثالثهم ساخراً :
ـ « كله فلاس من قلة الغماس »، أي كل هذا الكلام لأنه لا يوجد مرق (أي غماس) يغمس به الخبز.
وقد أورد سلامة عبيد المثل وجعل أحدهم يحمل خبزاً وزيتوناً، وجاء برواية : « خبز وزيتون أحلى ما يكون6» .
خمَّنــا الباشا باشا
يضرب هذا المثل في الرجل الذي ترسم له في مخيلتك صورة ناصعة جراء ما سمعت عنه، فإذا رأيته وجدته أقل شأناً مما تصورت .
وقد أورد سلامة عبيد المثل دون الإشارة إلى حكايته، غير أن سلام الراسي ينقل حكاية المثل على النحو التالي :
عندما تولى الأمير بشير الشهابي الثالث إمارة جبل لبنان، كانت صورة سلفه الأمير الشهابي الكبير ما تزال ماثلة في أذهان اللبنانيين . لحية غضة كثيفة، وعينان مشرقطتان تحت حاجبين متنافرين، وسيف مذهب، وعباءة مزركشة، وصوت جهوري يقصم الظهر .
لذلك لم يملأِ خلفه الأمير بشير الثالث عيون مواطنيه . فقد كان حليقاً، نحيلاً، خافت النبرات، تعوزه مظاهر الرجولة، فثاروا عليه، وأرغموه على الفرار . وانتهى بذلك حكم الإمارات المتعاقبة على لبنان من تنوخيين ومعنيين وشهابيين خلال أجيال عدة .
وعيّنت الدولة العثمانية بعدئذٍ عمر باشا النمساوي، وكان لقب باشا يعني في نظر اللبنانيين أكبر من لقب أمير، بالنظر لما رسخ في أذهانهم من عظمة أحمد باشا الجزار، ومحمد علي باشا، وابنه إبراهيم باشا، وسائر باشوات ذلك الزمان، الذين كان أمراء جبل لبنان يخضعون لهم في أغلب الأحيان . لذلك أكبر اللبنانيون مبادرة الدولة العلية بتعيين أحد الباشوات حاكماً على جبل لبنان، إلا أنهم ما لبثوا أن أصيبوا بخيبة أمل عندما رأوا الباشا يطل عليهم من فوق صهوة جواده، فقالوا : «خمنا الباشا باشا، تاري الباشا زلمي» . وجرى كلامهم مجرى المثل إلى يومنا هذا7 .
داوي الحاضر بالحاضر
يضرب المثل في الرجل الذي يحاول حل مشاكله بالمتاح بين يديه، فإذا احتاج شيئاً ما تدبره بما بين يديه من دون ان يتكلف عناء البحث عن وسائل بعيدة .
وأصل المثل كما يروي سلام الراسي عن أم سعد إحدى عجائز عين مريسة في بيروت أن الدكتور يوحنا ورتبات أحد مؤسسي معهد الطب في الجامعة الأميركية في بيروت جاء مرة يزور أحد المرضى، فوجد حالته قد تحسنت عما كانت عليه في الزيارة الأولى، فسأل ذويه ماذا فعلوا من أجله ؟ . فقالوا :
ـ نحن جماعة فقراء، نداوي الحاضر بالحاضر، أحضرنا له كمية من البطيخ، ورحنا نطعمه منها باستمرار، ونضع قشور البطيخ الباردة على جبينه الحار، فيرشح جسمه بالعرق من أكل البطيخ، ويتندى جبينه بالبرودة من قشوره الباردة . بهذه الطريقة نعالج المريض إذا ارتفعت درجة حرارته . فصار الدكتور ورتبات كلما رأى مريضاً ارتفعت حرارته قال له : « داوي الحاضر بالحاضر « فصارت العبارة قولاً مأثوراً .
الحق على برقة لكن القاضي بو حسون
مثل يضرب في الحق الضائع، حينما يتواطأ القاضي مع المحقوق لإماتة الحق . والمثل معروف في أنحاء الجبل، وحكايته أرويها من الذاكرة ..
و«برقة» إسم إمرأة اتهمت بسرقة دجاجة فاشتكتها صاحبة الدجاجة إلى «بو حسون» شيخ القرية وقاضيها . وكانت تقوم بين برقة وأبي حسون صداقة فحاول إحراج المدعية لإظهار بطلان دعواها.
قال للمرأة الشاكية : أنت تقولين أن برقة سرقت دجاجتك لكن هل وجدت دجاجتك بين دجاجات برقة؟ .
قالت المرأة : لا، ولكنني وجدت ريشها .
القاضي بو حسون: وما أدراك أنه ريشها ؟
قالت المرأة : دجاجتي وأعرفها .
قال بو حسون : إذن إبعثي لي دجاجة أخرى من دجاجاتك، وسأذبحها، وأضع ريشها بين ريش من دجاجات أخرى، فإذا استطعت أن تنتقي ريش دجاجتك من بين الريش الآخر يكون ادعاؤك صحيحاً .
فخرجت المرأة من بيته وهي موقنة بأن صداقة القاضي للسارقة أضاعت حقها وكانت تقول :
ـ « الحق على برقة لكن القاضي «بو حسون» !!» .
أي كيف يمكن أن يحكم «بو حسون «على برقة وهي صديقته ؟! .
الدعسة دعسة عجيلة . والشغل شغل حجيلة
يضرب المثل في حال عدم كفاية الأدلة لاتهام أحدهم، مع الاعتقاد بتورطه في الفعل، وحكاية المثل نقلها سلامة عبيد. إذ أورد أن فتاة أرادت أن تسرق الشعير من معلف الحصان، ولإخفاء أثر أقدامها كانت تركب على ظهر عجلة8 . وأضاف عبيد أن المثل يضرب في اتهام شخص تنقصه البراهين الواقعية9.
والمثل في صيغته يشبه مقولة سعد بن أبي وقاص حينما رأى فرسة البلقاء تكر في المعركة وفوقها فارس يشبه أبا محجن الثقفي، مع أن أبا محجن كان محبوساً في سجن سعد بجريمة شرب الخمر، فأطلق سعد عبارته قائلاً : « الكر كر البلقاء، والضرب ضرب أبي
محجن»، ليتبين بعد نهاية المعركة أن زوجة سعد قد أخرجت أبا محجن من الحبس، وأسرجت له البلقاء في حكاية تناقلتها كتب الأدب .
من جانب آخر، فإن حكاية الفتاة في سرقة الشعير تشبه حكاية الرجلين اللذين عزما على سرقة العنب من أحد الكروم . فركب أحدهما ظهر الآخر وقطف العنب . وحين شكاهما صاحب الكرم إلى القاضي أنكرا فعلهما، ما دفع القاضي إلى إلزامهما باليمين، عملاً بالقاعدة الفقهية : اليمين على من أنكر . ورضخا للأمر فأقسم الراكب أنه لم يدس الكرم بقدميه وأقسم الآخر أنه لم يقطف عنقوداً واحداً فكان قسمهما صحيحاً مع تورطهما في جريمة السرقة .