حمَد صعب
أسطورة جهاد معروفيّة
المجاهد المعروفي في ثورات المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين
خُلِق حَمد صعب لِيخوضَ غِمار الثّورات التي نشبت في زَمَنِهِ في المشرق العربي الذي شهد أفول شمس الدّولة العُثمانيّة عام 1918، فمن أين جاء هذا الرجل الذي انخرط منذ بواكير شبابه في ميادين الكفاح باحثاً عن تجسيد للحُلُم العربيّ يتجاوز ذلك الخمول الذي ران على الأمّة طيلة قرون مديدة سيطر فيها التخلّف على العرب والمسلمين؟.
نعم؛ لم يَزَل الرّجل حاضراً في ذاكرة النُّخبة من المؤرّخين والمثقّفين العرب الذين يقرّون بحقائق التاريخ. وكذلك هو الحال في أوساط أبناء المجاهدين وأحفادهم في جبل العرب.
كتب المجاهد الأستاذ الصحافي أكرم زعيتر مُشيداً بنضال بني معروف وانتمائهم إلى تراث العروبة يقول: ” تتردّد في ذاكرتي أسماءُ الشّهداء الأبطال من بني معروف كرشيد طليع والقائد العبقري فؤاد سليم وعادل نكد وحمد صعب من دروز لبنان وأمّا الشهداء من جبل العرب فلا يحصيهم عَدٌّ…”(1).
من هو حمد صعب!
وُلِدَ حَمَد بن محمود بن حسين بن محمود بن مرشان صعب عام 1891 في قرية الكحلونيّة في الشّوف وقد تلقّى علومه الأولى في المدارس المحلّيّة. التحق بالجندية العثمانيّة عام 1913، وتركها عام 1918 ليلتحق بالحكومة الفيصلية العربيّة في دمشق واشترك في معركة ميسلون في 22 تموز 1920 وكان أحد الأبطال الوطنيين الذين شنّوا حرب العصابات بقيادة فؤاد بك سليم ضد قوّات الاحتلال الفرنسي عند دخولها البلاد فشغلوا الجيش الفرنسي من جبل عامل حتى جبال العلوييِّن مدّة من الزّمن، وكان من رفاقه حسيب ذبيان وسعيد ملحم بشير ونجيب حمادة وكامل حمادة وناصيف ذبيان وحمد الحسنية وسلمان الحسنية، ثم نزح مع بعض المجاهدين إلى إلى الأردن حيث بقي فيها إلى أن اندلعت الثورة السوريّة الكبرى سنة 1925 فالتحق بها..(2)
كان حمد صعب من خاصّة الرّجال المقرّبين من الرّئيس ــ رتبة عسكريّة آنذاك ــ فؤاد سليم، الذي كان قائد الفوج المؤلّف من سلاح الفرسان والمشاة في جيش الثورة العربيّة الذي دخل إلى الشام مع الملك فيصل بن الحسين، وعندما انسحب فيصل من سورية بعد معركة ميسلون أرسل فؤاد سليم إلى حيفا بمهمّة لدى الإنكليز، ثم عهد إليه بأن يذهب إلى الأردن لتمهيد الأمر مع رؤساء العشائر العربية والإعداد لثورة شاملة ضدّ الفرنسييِّن تشترك فيها سوريا والأردن وجبل الدروز وتكون عمّان مركزها …”(3)
واستمر حمد صعب إلى جانب فؤاد سليم يجمعهما هدف عروبي جهادي واحد، فأولئك النّخبة من رجال الحلم العربي الذين كافحوا ضد العثمانييِّن وكانوا إلى جانب فيصل في دمشق قد انتقل غالبيّتهم إلى الأردنّ، ولكنّ بعضهم، وبعد أن تبيّن لهم أنّ عبد الله بن الحسين أمير دولة شرق الأردن ينفّذ سياسة الإنكليز خِفيَةً عنهم ومنهم رشيد طليع وعادل أرسلان وحمد صعب ورفقاؤهم فقد انتقلوا تباعاً إلى جبل الدروز (كما كان يُدعى حينها) للانضمام إلى القتال في معارك الثّورة السورية الكبرى بعد انتصاراتها الأولى التي حقّقتها على القوّات الفرنسيّة. ومن الثابت أنّ حمد صعب ورد اسمه مراراً في مذكّرات سلطان باشا الأطرش (4) وكان من بين أولئك الرّجال الذين لم يتنازلوا عن الحلم بالدّولة العربية الذي قاتلوا العثمانييِّن من أجله، ومن ثمّ قاتلوا الفرنسييِّن، وتناقضوا مع الإنكليز من أجل تحقيقه أيضاً.


الملك فيصل بن الحسين، وعندما انسحب فيصل من سورية بعد معركة ميسلون أرسل فؤاد سليم إلى حيفا بمهمّة لدى الإنكليز، ثم عهد إليه بأن يذهب إلى الأردن لتمهيد الأمر مع رؤساء العشائر العربية والإعداد لثورة شاملة ضدّ الفرنسييِّن تشترك فيها سوريا والأردن وجبل الدروز وتكون عمّان مركزها …”(3)
واستمر حمد صعب إلى جانب فؤاد سليم يجمعهما هدف عروبي جهادي واحد، فأولئك النّخبة من رجال الحلم العربي الذين كافحوا ضد العثمانييِّن وكانوا إلى جانب فيصل في دمشق قد انتقل غالبيّتهم إلى الأردنّ، ولكنّ بعضهم، وبعد أن تبيّن لهم أنّ عبد الله بن الحسين أمير دولة شرق الأردن ينفّذ سياسة الإنكليز خِفيَةً عنهم ومنهم رشيد طليع وعادل أرسلان وحمد صعب ورفقاؤهم فقد انتقلوا تباعاً إلى جبل الدروز (كما كان يُدعى حينها) للانضمام إلى القتال في معارك الثّورة السورية الكبرى بعد انتصاراتها الأولى التي حقّقتها على القوّات الفرنسيّة. ومن الثابت أنّ حمد صعب ورد اسمه مراراً في مذكّرات سلطان باشا الأطرش (4) وكان من بين أولئك الرّجال الذين لم يتنازلوا عن الحلم بالدّولة العربية الذي قاتلوا العثمانييِّن من أجله، ومن ثمّ قاتلوا الفرنسييِّن، وتناقضوا مع الإنكليز من أجل تحقيقه أيضاً.
حمد صعب يواجه منفرداً فصيل المداهمة الفرنسي في بيته في الكحلونية
يقول نبيه فيصل: ولعلّ أبرز شخصية في تاريخ الكحلونية هو المغفور له حمد بك صعب، وقد كان قائداً فذّاً شارك في الثّورات العربيّة الثلاث المشهورة: ثورة الشريف حسين (أي: الثورة العربيّة الكبرى على العثمانيين عام 1916)، وثورة سلطان باشا الأطرش (أيّ: الثّورة السورية الكبرى عام 1925ــ 1927)، وثورة فوزي القاوقجي؛(أي: الثورة الفلسطينية عام 1936)، وقد استشهد في العراق عام 1941(على أثر قصف الطائرات البريطانية لقافلة سيّارات من بينها السيّارة التي كانت تُقِلُّه إلى جانب فوزي القاوقجي على أثر مشاركتهما مع العديد من الثُّوار السورييِّن والفلسطينييِّن واللبنانييِّن في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضدّ الإنكليز وعملائهم) حين رمى بنفسه على القاوقجي فنجا (أي: القاوقجي) وأصِيب حمد يومها إصابة قاتلة…
ويذكر نبيه فيصل لحمد صعب حادثة بطولة فريدة بقوله: جاءت ” كَبْسة فرنسيّة”، (أي: جماعة من عناصر الدّرك الفرنسي) بُعَيْدَ طلوع الفجر تطرق بابه للقبض عليه في قريته الكحلونيّة، كان قائد المجموعة برتبة ضابط. فتح حمد بك الباب بنفسه إذ لم يكن من رجل غيره في البيت، وكان لا يزال في ثياب النوم، فالمداهمات تكون عادة عند طلوع الفجر، سألوه عن حمد صعب، فقال: ” تفضّلوا بالدّخول وسوف يحضر حمد حالاً بعد أن تكونوا قد شربتم القهوة، وتركهم يشربون القهوة في بهو منزله الأثري الذي لم يزلْ قائماً، ويسمّى الآن ” الخلوة” وهو منزل جميل فعلاً وفسيح يقيم فيه ذووه. دخل إلى غرفته وارتدى الزّيّ العسكريّ الذي يرتديه أثناء خوض المعارك وامتشق سلاحه وجُعَبَ رَصاصِه ودخل إليهم قائلاً: “تفضّلوا؛ أنا حمد صعب بتصرِّفكم”!.
ويُحكى أنّ الضابط وقف احتراماً لهيبته، ثمّ قال: “يبدو أنّي لست بالحجم والمستوى المناسبين للقبض على حمد صعب، وسوف أعتبر نفسي لم أحضر حتّى الساعة، فجوادك مُسْرَج وقد رأيناه، يمكنك امتطاؤه والذّهاب حيث تريد…”(5)
ويذكر أدهم الجندي وعلى أثره يسير الدكتور الباشا أنّ حمد صعب التحق بالثّورة(الدّرزيّة)، وحقيقة الأمر أنّ ما يدعوه كلّ منهما بـ (الثورة الدرزيّة) ما هو إلاّ الثّورة السوريّة الكبرى؛ لأنّ بني معروف؛ المُوَحّدين الدّروز لم يقوموا بثورة طائفيّة تنحصر حدودها في حدود تواجدهم الطائفي، ولو كان هذا هدفهم لقبلوا بالدّولة الدّرزيّة التي منحتهم إيّاها فرنسا واعترفت لهم بها، وقد كانت حدود تلك الدّولة المعترف بها من سلطات الانتداب آنذاك تتجاوز ضعف مساحة محافظة السّويداء الحاليّة، إذ إنّ كافة الحكومات الوطنيّة التي تعاقبت على السّلطة منذ استقلال سورية بدون استثناء؛ قد قامت بتقليص مساحة المحافظة إلى نحو نصف ما كانت عليه في عهد الانتداب.
ما يهمّنا هنا أنّ حمد صعب وأقرانه من مجاهدي بني معروف لم يقاتلوا لأغراض درزيّة طائفيّة؛ بل قاتلوا من أجل دولة عربيّة مستقلّة؛ حدودها من عدن إلى جبال طوروس…
حمد صعب كاتباً لدى الشيخ يحيى الأطرش في دار إمارة الموحدين الدروز في بلدة عِرى
من خلال البحث الميداني في التاريخ الشّخصي للمجاهد حمد صعب يبدو لنا أنَّ هناك فترة منسيّة لم يُشر إليها أحد ممّن أرّخوا لحياة هذا المجاهد الكبير، وهي الفترة التي تلت انتهائه من مدرسة بعقلين، أي فترة شبابه الباكر، وهي أنّ حمد صعب عمل كاتباً عند شيخ مشايخ الدّروز يحيى بيك الأطرش في بلدة ” عِرى”(6)، وكان على صلة حسنة به، ومن المعروف أنّ يحيى الأطرش توفّي عام 1914، وأنّه أي يحيى بيك كان على صلة بالحركات العربيّة السرّيّة المناهضة للعثمانيين، وأنّ الوالي العثماني على الشام آنذاك جمال باشا السفّاح قد أرسل قوّة من الجنود العثمانيين لاعتقاله بدعوى انتمائه لـ “الجمعيّة العربية الفتاة “التي يقوم العثمانيون بملاحقتها؛ غير أنّه عندما وصل هؤلاء إلى قرية “عِرى” كان أمامهم حشود من الموحّدين الدّروز يحضرون جنازة زعيمهم المتوفّى يحيى بيك الأطرش…
والسؤال هنا؛ لئن كان يحيى الأطرش عضواً في الجمعيّة العربيّة الفتاة، فهل يُسْتَبْعَدُ أن يكون كاتبه والمقرّب منه، الدّرزي اللّبناني حمد صعب بعيداً عن التأثّر بفكرة العربيّة الفتاة ودعوتها العروبيّة للتحرّر من النّير العثماني؟ وعلينا ألّا ننسى أنّ عدداً غير قليل من اللّبنانييِّن؛ ومنهم الدّروز لم يكونوا بعيدين عن المشاركة في الحركة الاستقلاليّة عن الحكم العثماني، وقد أثبتت ممارسات حمد صعب طيلة حياته أنّه قد وضع حياته رهناً لفكرة العروبة النّبيلة إلى جانب من رافقه في النّضال من أجل تحقيق ذلك الحلم الذي مازال متعثّراً إلى يومنا هذا.
وبالاستناد إلى رواية الدكتور ملاعب نستنتج أنّ الشّاب حمد صعب مارس عمله كاتباً في دار إمارة الدّروز قُبيل انتسابه إلى الجيش العثماني في عام 1913 حسب ما يذكره المؤرّخون الذين سبق لهم أن تناولوا سيرة حياة الرّجل بشكل مُختصَر لفقدان مذكّراته يوم استشهاده، وهذا التقصير في التأخّر في جمع المعلومات حول سيرته يرتّب على الباحث أن يُنَقّب في مذكّرات وسيَر معاصريه لكشف صورة واضحة تجلو ما أحاط جهاد ذلك المناضل من غموض.


حمد صعب، ومحاولة اغتيال الأميرال مورني في بعقلين عام 1919
في شهر آب من العام 1919 كان قائد الأسطول الفرنسي الأميرال مورني يصحبه الدبلوماسيّ الفرنسيّ جورج بيكو ويرافقهما ضباط كبار وموظفون تابعون، وكانوا بصدد زيارة سماحة شيخ العقل؛ الشّيخ حسين حمادة. في تلك الأثناء أُطْلِق رصاص غزير على مورني ومن يرافقه، فأصيب وصدرت الأوامر بالرّد، وعلى أثر هذه الحادثة حَمَّل الفرنسيون مسؤوليّة ما جرى إلى كلّ من مجموعة شكيب وهّاب ومجموعة حمد صعب(7)، لذا فقد بعثوا بحملة عسكرية إلى الشوف قامت بمداهمة القرى الشّوفيّة، فَدَمّرت البيوت وأَحرقت القرى، وبطبيعة الحال كان لبعقلين بصفتها مكان عمليّة محاولة الاغتيال، وغريفة بلدة شكيب وهّاب؛ ومزرعة الشوف والكحلونية بلدة حمد صعب نصيبٌ وافرٌ من الدَّهْمِ بقصد ملاحقة شكيب وهّاب وحمد صعب وغيرهم من الثوّار، أمثال فندي أبو ياغي زهر الدّين، وسعيد ملاعب وكان لكلّ من حمد وشكيب مجموعة يقومان بقيادتها في مقاومة الفرنسيين، ومن بين المطلوبين أيضاً كان المجاهدان فارس سَرِيّ الدّين، وأحمد عبد الباقي…
إن عبئاً غير قليل يقع على كاهل من يبحث في حياة حمد صعب هذا المجاهد البارز الذي لم يقيّض له من يبحث بتوسّع في موضوع كفاحه الوطني لظروف عديدة، ولكن أخباره تنتشر متفرّقة في بطون الكتب التي تناولت بطولات المجاهدين وثوراتهم وأخبارهم في سنوات العقد الثاني من القرن العشرين وحتى سنة استشهاده عام 1941م، ومِمّا يذكره نديم الدبيسي أنّه ” في عهد الانتداب الفرنسي كان الثّوار يلجأون إلى قرية مْرستي للاختباء في منازلها وفي جبلها هرباً من العساكر التي كانت تلاحقهم، أو للاستراحة من عناء السّير عند ذهابهم إلى البقاع وسوريا والأردن وفلسطين، وأثناء عودتهم منها. وقد شارك في الثورة ضد الانتداب الفرنسي عدد من الثوّار والمجاهدين…” وفي معرض أسماء المجاهدين الذين يذكرهم الدّبيسي(8) ممّن كانوا من روّاد مرستي تلك الأيام العصيبة يرد اسم المجاهد حمد صعب، وتقتضي منّا الأمانة ألاّ نكتفي بذكر المجاهد صعب لكونه موضوع البحث الرّئيس هنا، بل علينا أن نذكر أسماء رفاقه لكي يبقى ذكرهم مثلاً يقتدى به للأجيال، ومن أولئك الأبطال:” شامل نجم عزام من قرية معاصر الشوف، وفؤاد علامة من بعذران، وصالح العسل من بكّيفا، واسماعيل عبد الحق من عين عطا، وحسن ثابت من باتر، وأحمد سليمان هاني من بعذران، وزين الدّين شاذبك من بعذران، وخطار أبو هرموش من السمقانية وفارس سريّ الدين من عترين، وسعيد وشاهين ملاعب وشفيق سليمان الحلبي من بيصور، وسليم وغضبان الدّبيسي من عرمان (جبل العرب)، وقاسم زهر الدين وفندي أبو ياغي زهر الدين من كفر فاقود، وهاني الدّلغان من كفر نبرخ وسعد نجم الغصيني من بعقلين ويوسف حسين الحلواني من مرستي، وهاني زحلان من عاليه، وأحمد البتلوني وعمار الخفاجي وعلي شرف من جباع الشوف”. كان أهالي قرية مرستي بنتيجة إيوائِهم ومساعدتهم للثوّار يعانون أشد أنواع القهر والعذاب من قبل رجال الجندرمة الفرنسييِّن الذين كانوا يداهمون القرية على شكل مجموعات من ثلاثين أو أربعين عسكريّاً مع خيولهم؛ حيث يقومون بتفتيش المنازل وتوقيف الأشخاص والتحقيق معهم، ويفرضون على الأهالي غرامات ماليّة، وتقديم الطعام لهم والعلف لخيولهم.
حمد صعب؛ الناشط ضد
الاحتلال الفرنسي
ولعلّ ما يؤكّد صلة حمد صعب بالنشاط السرّي في الجمعيّات العربيّة صلته الوطيدة بالعقيد فؤاد سليم وهذا هو أحد الضباط الأحرار في جيش الثّورة العربيّة الذي شارك في دحر العثمانييِّن من الحجاز والشام. وعلى أثر فضح الشّيوعيين البلاشفة عام 1917 خداع الإنكليز والفرنسيين للعرب ونشرهم معاهدة سايكس بيكو التي كانوا قد أبرموها سرّاً عام 1916، وردّاً على الغدر الأ نكلو فرنسي بأماني العرب الوطنية؛ أقدم الضبّاط الأحرار في الجيش العربي آنذاك على عقد اجتماع سِرّيّ واختاروا العقيد فؤاد سليم رئيساً لِتَجمّعهم باسم ” تجمّع الضبّاط الأحرار”.
كان هذا قبل أن يتمَّ تحرير بلاد الشام من الاحتلال العثماني عام 1918، وكان حمد صعب قد التحق في أواخر تلك السنة بقوّات الثّورة العربيّة التي كان يقودها الأمير فيصل بن الحسين. وعندما تمّ تشكيل الحكومة العربيّة الأولى برئاسة رضا باشا الرِّكابي في دمشق بعد طرد العثمانييِّن منها كُلّف العقيد فؤاد يوسف سليم بقيادة فوج المشاة السيّار، وكان هذا الرّجل، ولبعد نظره، ولإحساسه بالمخاطر التي تتهدّد البلاد قد بادر باختيار فريق من الرّجال الشّجعان الموثوق بإخلاصهم الوطنيّ، ومن هؤلاء الرّجال المختارين كان المجاهد حمد صعب؛ الذي كانت رتبته في الجيش العثماني؛ نائب وكيل، وبهذا يكون حمد صعب قد كرّس انشقاقه عن الجيش العثمانيّ ليلتحق مقاتلاً في جيش الثّورة العربيّة الذي كان يقاتل للتخلّص من النّير العثماني الذي خيّم على العرب طيلة ما يربو على أربعة قرون…
كان العقيد فؤاد سليم قد اختار رجاله فرداً فرداً من مختلف الطوائف والفئات الاجتماعية في البلاد وأطلق عليهم اسم ” فرقة المغاوير الفدائية “، وكان حمد صعب واحداً من أولئك النّخبة الذين كافحوا ضد آلة الاستعمار الفرنسية العاتية؛ أقوى دولة على البر الأوربي آنذاك، وقد عملت هذه الفرقة المُنْتقاة من المجاهدين على تنفيذ عمليّات مقاومة وقتال شاغلت فيها الجيش الفرنسيّ في مواقع عديدة في سهل البقاع وعلى الحدود اللبنانيّة والسوريّة…
حمد صعب وعشرات من الدّروز يقاتلون في معركة ميسلون
في مقابلة شخصية أجراها الدكتور حسن أمين البعيني مع النائب شبلي العريان بتاريخ 23 آب 1986، ذكر العريان أن الأمير زيد بن الحسين، أخا الملك فيصل أرسل حمد صعب، وسعيد محمود وأخاه مصطفى، من دروز الشّوف إلى توفيق العريان،والده؛ ليستنفر المقاتلين من أجل الذهاب إلى ميسلون(التي هي عبارة عن ممرّ إجباري للجيوش على الطريق إلى دمشق)، والتصدّي للفرنسييّن. فحضر والده إلى ميسلون مع الرسل الثلاثة (أي: حمد صعب والأخوان محمود)، وعشرات المجاهدين واشتركوا في القتال، وأبرز المقاتلين الذين يتذكّرهم شبلي العريان هم علي أسعد العريان، وسليمان سيّور، وفؤاد الحلبي، وملحم سلّوم وسعيد ملاعب(9)
و ” ابتداء من نيسان 1919شرعت الحكومة العربيّة (أي الحكومة الفيصليّة في دمشق) بتشجيع العصابات الوطنية في “المنطقة الغربيّة”،(أي الساحل السوري اللّبناني) …
ومن بين تلك المجموعات الوطنيّة مجموعة من المجاهدين ” مؤلّفة من 103 مجاهدين من مناطق متعدّدة سوريّة ولبنانيّة، بينهم الكثير من الدّروز اللُّبنانييِّن الذين يأتي في طليعتهم القائد فؤاد سليم ومعاونه الملازم حسيب ذبيان”(10) كما أنّ “الحكومة العربيّة أرسلت عصابَتَيّ سعيد محمود وسعيد ملاعب الدرزيّتين للقيام بعمليات إخلال الأمن في جهات الجُرد والشحّار وجبل الباروك. ولم تتصدّيا ومثيلاتهما للفرنسييِّن فقط، بل تصدّتا أيضاً أيضاً للعصابات المسيحيّة التي شكّلوها (أي: الفرنسييِّن) لمساعدتهم…”.
كان الفرنسيّون وحتى الإنكليز من ورائهم يستعجلون الإجهاز على الدّولة التي تجرّأ السوريّون من سائر بلاد الشام على إعلانها واعتبارها تشمل سورية بحدودها الطبيعيّة”، فالفرنسيون يريدون سورية ولبنان(11)، والإنكليز يريدون فلسطين والأردن، وهم معاً كغرب استعماري؛ لا يريدون أن يَرَوْا في العرب دولة قويّة قد تُفْشل خططهم التي حبكوها مع اليهود الصّهاينة لتمزيق المنطقة العربيّة وسلب فلسطين من شعبها، لذلك كان يوم ميسلون يوماً فرضته مصالح أوروبيّة، وكان غورو يعتبر نفسه سليل إفرنج القرون الوسطى الذين غزوا بلاد العرب باسم الصّليب، وهو بهذه الرّؤية يمثّل المصالح الفرنسيّة في الشرق.
كان الحضور الدّرزي في ميسلون بارزاً سواء على صعيد المجنّدين النّظامييِّن، أو على صعيد المتطوعين. طلبت قيادة الفرقة السوريّة ضابطين يتطوّعان لكشف مواقع العدو في المؤخِّرة فلم يتقدم لتلك المهمّة الخطرة إلاّ سعيد عمّون (هو مسيحي عروبي من دير القمر، وابن اسكندر عمّون وقد كان هذا وزيراً في الحكومة العربيّة في الشام، وكان يرى أن استقلال لبنان تَضمنُه حماية عربيّة لا أجنبيّة)وحسيب ذبيان (درزي من مزرعة الشُّوف كان ضابطاً في الجيش العثماني، ومن ثمّ التحق بالحكومة العربيّة). وقد اشترك فؤاد سليم في ميسلون مع المناضلين الذين قادهم في حرب العصابات، ومن بينهم العديد من الدّروز”، (12)
وثبت فؤاد في ميسلون ساعة التقهقر، وكاد يؤسر ونجا بأعجوبة(13). كما يشير البعيني إلى اشتراك اشتراك عشرات المجاهدين من دروز راشيا في معركة ميسلون.(14)


حمد صعب في ميادين الثّورة السّوريّة الكُبرى عام 1925م
كتب الدِّيبلوماسي اللّبناني حليم أبو عز الدين أنَّ حمد صعب كان من رفاق سلطان باشا الأطرش والأمير عادل أرسلان وحمد البربور ونسيب الأطرش ومحمّد عز الدين الحلبي وفوزي القاوقجي وأحمد مريود وزيد الأطرش وغيرهم.
يقول القاضي أمين طليع: “سمع رشيد طليع صوت النّفير يعلنه صديقه سلطان باشا فأخذ لفوره يدبّر ما يمكن تدبيره للمساعدة والاشتراك ويمَّم وجهه شطر فلسطين من حيث أرسل الرّسل إلى الرّفاق فكان أول الوافدين العقيد فؤاد سليم الذي كان ذاهباً إلى اليمن (بدعوة من قبل الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن لتنظيم الجيش اليمني، وبانتمائه للثّورة السوريّة فقد عمل فؤاد سليم بمبدأ (الأقربون أولى بالمعروف )، ثم حضر البطل أحمد مريود من العراق؛ (كانت السّلطات الفرنسيّة تلاحقه بدعوى اشتراكه في محاولة قتل الجنرال غورو)، وسبقه إلى الجبل نبيه العظمة وتمّت المراسلة بينه وبين صديقه ابراهيم هنانو ثم جاء شكري القوتلي والقائد محمّد اسماعيل والمجاهد حمد صعب وكثيرون غيرهم…”.(15)
ومن متابعتنا لمرويّات الثّورة السورية الكبرى والأدوار التي لعبها قادتها والرّجال المسهمون فيها نلاحظ أن الدّور الذي لعبه حمد صعب كان دوراً قياديّاً وتنفيذيّاً فهو قائد فعّال حيث يتطلّب الأمر، “كان حمد صعب يقود جماعة من الثوّارمؤلّفة من ثلاثين مجاهداً هاجمت القرية (كفر مشكي) من الجنوب، فيما تقدّمت مجموعة أحمد سلمان هاني من الشمال، وفيها خمسة وعشرون مجاهدًا، ومجموعة شكيب وهّاب من الغرب وفيها خمسون مجاهداً، وقد احتلّ أولئك المجاهدون مخفر بلدة كفر مشكي الحصين بعد معركة ضارية، وأسروا عدداً من عناصر المخفر، واقتصُّوا من بعض المتعاونين مع السّلطة الفرنسيّة”(16)، وبعد تلك المعركة تقدّم الثوّار إلى بلدة ” حَلْوَة حيث أفلحوا في طرد القوات التابعة للفرنسييِّن منها، وإصابة نحو العشرين من عناصرها بين قتيل وجريح.
بعد تلك المعركة اتّجه المجاهدون نحو بلدتي البيرة والرفيد، وهناك اصطدموا بالقوّات الفرنسيّة التي سيّرها الفرنسيون لمواجهتهم بقيادة الكولونيل لوفو بتاريخ السّادس عشر من شباط 1926، كانت قوات المجاهدين بقيادة كلٍّ من شكيب وهّاب وحمد صعب، وخطار أبو هرموش وأحمد هاني. وفي تلك المعركة الضّارية تمكّن المجاهدون من السّيطرة على مُجرَيات القتال، فانهزمت القوّات الفرنسيّة، وتقهقر الكولونيل “لوفو” مع حملته الجريحة نحو راشيّا في الثامن عشر من شباط وقد خسر الفرنسيون في تلك المعركة أكثر من مئتي قتيل وجريح، كما غنم المجاهدون الكثير من الأسلحة والذّخائر والخيول(17)…
حمد صعب في معركة ينطا
في ينطا كان الثوّار مُوَزّعين على شكل مجموعات من المجاهدين يقودهم كلّ من شكيب وهّاب وحمد صعب وأحمد هاني، وخطار أبو هرموش، وإلى جانب تلك المجموعات شارك أهالي المنطقة بقيادة آل الداود وآل العريان، وأبدى المجاهدون بسالة في مقاومة الجيش الفرنسيّ، وقد انسحب الثوّار تجنّباً لوقوعهم في طَوْق القوّات المُعادية، بعدما ألحقوا بالقوّات الفرنسيّة “مئة إصابة بين قتيل وجريح، في حين سقط للمجاهدين عشرين إصابة”، ويؤكّد الدكتور حسن أمين البعيني أن حمد صعب كان قائداً لإحدى مجموعات المجاهدين في الثّورة السورية الكبرى.(18)
كانت مواجهات مجموعات الثوّار ضد القوّات الفرنسيَّة قد جعلت قيادتها تتخوّف من سيطرة قوّات المجاهدين على البقاع، وذلك خوفاً من ضرب الحصار على قوّاتهم في جنوب سوريا، وكان المجاهدون يصدرون في تحرّكاتهم الحربيّة عن تكتيك واستراتيجيّة صحيحين، لكنّ مُشكلتهم كانت تكمن في نقص الإمداد بالأسلحة، فهم يحاربون دولة أوربيّة كبرى ولديها الأسلحة الثقيلة من الطيران والمدفعية والدّبابات والعربات وما إلى ذلك، أمّا هم فأسلحتهم لا تتعدّى البنادق وبعض الرشّاشات والأسلحة الفرديّة الخفيفة والسّيوف، وهم يتنقّلون على ظهور الخيول أومشاة ومع ذلك فهم يحاربون مدفوعين بإيمانهم بحرّيّة الوطن واستقلاله.


حمد صعب قائد مجموعة في معركة راشيّا واقتحام قلعتها
كان لهيب الثّورة السوريّة الكبرى عام 1925 قد انتشر معظم أنحاء سورية كما امتدت إلى مناطق عديدة من لبنان. ويقول الدكتور محمّد الباشا أنّ حمد صعب “حضر كلّ معارك الثّورة في وادي التيم، وكان من الأبطال وهو واحد من أولئك المجاهدين الذين اقتحموا باب قلعة راشيّا، ودخلوها في 25 تشرين الثاني 1925م، ومنهم شكيب وهّاب وحمزة درويش وغيرهم”، وفي الاستيلاء على كفرمشكي كان يقود مجموعة من 30 مجاهداً سيطروا مع المجموعات الأُخرى المجاهدة على البلدة ومخفرها الحصين بعد معركة ضارية، صحيح أنّهم كانوا دروزاً، ولكنّ أهدافهم كانت تتجاوز أفق الطّوائفية الضّيّقة إلى فضاء الحُلُم الأوسع بوطن كبير قصَّرت عن تحقيقه الأجيال اللّاحقة؛ وإلى يومنا هذا…
وفي معارك مجدل شمس، كان حمد صعب من القادة الأبطال البازين، وخاض معركة الرَّشيدية الرّهيبة، إلى جانب سلطان باشا الأطرش والأمير عادل أرسلان وجرح فيها، وهذا قليل من كثير من المعارك التي خاضها حمد صعب بشجاعة فائقة ورجولة نادرة(19).
حمد صعب يحتضن فؤاد سليم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
كان حمد صعب يقاتل قريباً من فؤاد سليم في معركة مجدل شمس تلك البلدة التي أصبحت قاعدة للثّوار السّورييِّن بعد خروجهم من حاصبيّا وراشيّا، لكنَّ الفرنسييِّن قاموا بقصف المجدل بالطّيران والمدفعيّة، ولمّا وصلت قوّات الثوّار إلى مشارف البلدة جرت معارك حامية مع الفرنسييِّن الذين أعجزتهم قوّات المجاهدين من التقدّم لاحتلال المجدل، فاضطرّوا إلى الانسحاب، فما كان من الثوّار إلاّ أن قاموا بملاحقتهم إلى قرية “سحيتا”.
في تلك المعركة يوم 20 كانون الأوّل 1925م كان الطّيران الفرنسي يعمل على إسناد قوّاته المُنْسَحبة أمام ضغط المجاهدين الذين يدفعون بها بعيداً عن مجدل شمس”وبعد أن أمّن فؤدا سليم على رفاقه وأحسّ بطعم النصر في هذه المعركة المهمّة وفيما كان يحاول أن يمتطي صهوة جواده ليتقدّم نحو التلال ويتابع مطاردة الفرنسيين وإذ بقذيفة مدفعيّة تسقط بالقرب منه فتطايرت شظاياها فأصابت منه مقتلاً في بطنه فارتمى على الأرض يصارع الموت فاقترب منه رفيقه في النضال والجهاد حمد صعب فحمله على ذراعيه وأبلغ الثوّار فتمّ نقله إلى قرية قريبة في التلّ الأسود في سحيتا أُطلق عليها فيما بعد تلّة “فؤاد” وقام بدفنه رفاقه في الحملة زيد وصياح الأطرش (20)
سلطان باشا الأطرش يشهد:
“حمد صعب من صناديد المجاهدين في معركة “بقع جمرة”
كتب سلامة عبيد “وإلى اللّجاة انتقل قادة الثّورة الكبار سلطان باشا والأمير عادل أرسلان ومحمّد عز الدين والشّهيد حمد صعب وغيرهم تؤازرهم مجموعات باسلة مُتَمرّسة وخبيرة…”(21) وإلى هناك وصل النازحون من الثوّار وأُسرُهم من راشيّا وإقليم جبل الشّيخ إثر ضغط القوّات الفرنسية عليهم على حدود مِنطَقة اللَّجاة. كان الوقت عصراً، وفي موقع هو بين قَرْيَتَي خَبَب وجَدْل، كانوا يستعينون بأَدِلّاء من قبيلة السّلوط؛ لكنّ هؤلاء ضَلّلوهم وغدروا بهم، إذ ساروا بِهم وسط ضباب كثيف شمال غرب قرية “جَدْل”، إلى مستنقع موحل في منطقة تُدعى “بَقْع جَمْرة”. كانوا نحو عشرة آلاف نازح (22)
هناك، وجد النّازحون أنفسهم في حالة حصار من قبل عشائر السّلوط وبعض المتآمرين من أهالي المنطقة المتعاونين مع الفرنسييِّن الذين شجّعوهم ليعترضوا طريقهم وَيَنْهَبوا ما يمكنهم نهبه من مواشٍ وأمتعة ومال لإرباك الثّوار الدّروز…
في ذلك الطّقس البارد، والوحول المُغْرِقة، وتحت سماء ماطرة، كان مأزق النازحين الذين يرافقهم عدد من المجاهدين بقيادة فضل الله النجم الأطرش وأسعد كنج أبو صالح ومحمود كيوان وسواهم…
تمكّن الثوّار مِنَ الصّمود في المعركة إلى أن وصلت إليهم النَّجدات من قيادة الثورة ، وكان سلطان باشا والأمير عادل يرافقهم بعض المجاهدين مُتمركزين في قرية جَدْل وسط اللجاة. يقول سلطان باشا: “عهدت بقيادة القافلة إلى محمود كيوان لينقل إلينا فوراً تلك الأخبار، وسَيّرت معه من صناديد المجاهدين: حمد صعب، سعيد الحلبي، يوسف الشوفاني، خليل مريود، يوسف عبّود الشعراني، فوصل هؤلاء إلى حيث كنّا بقرية جدل الواقعة في قلب اللّجاة مع بعض أركان القيادة وكبار المجاهدين أمثال الأمير عادل أرسلان، فضل الله هنيدي، علي عبيد، صيّاح الأطرش”(23)
ولمّا كان عدد المجاهدين الذين يتّخذون من قرية جدل مركزاً لهم، فقد أرسل سلطان باشا إلى السّويداء برسالة إلى قائد الدّرك الوطني حُسني صخر، ورسالة أُخرى إلى عبد الغفّار الأطرش شيخ مدينة السُّويداء، يطلب منهما المبادرة إلى إرسال قوّات من الثّوار في الجبل للمساندة السّريعة…
لم ينتظر سلطان ومرافقوه من الثّوار وصول نَجدات المجاهدين من الجبل بل بادروا مع الصّباح إلى موقع المعركة، لكنَّ الأمير عادل برؤيته الاستراتيجيّة الحكيمة للأحداث اعترض على مشاركة سلطان باشا في تلك المعركة وحاول أن يثنيه عن عزمه في الرّكوب إلى ميدان المعركة، ذلك لأنّ المعركة ليست معركة مواجهة مع الفرنسييِّن، ويجب الحرص على سلامته كقائد للثورة، وتَحَسُّبَاً من أن يُصابَ على أيدي مُرتزقة عملاء فيتباهَوْنَ بفعلتهم على الثوّار، وهم بذلك يحققون هدف الفرنسييِّن. حقّاً لقد كان الأمير الأرسلاني مُصيباً في ما ذهب إليه من بُعد نظر وتبصّر في عواقب الأمور، فالمعركة تدور في موقع شديد الحَرَجِ، والطّقس قاسٍ…
يقول سلطان في هذا الشّأن: ” لم تَعُدْ نفوسنا الثائرة القَلِقَة تطيق الانتظار، وإنّما انطلقنا من جَدْل صبيحة يوم 11نيسان، نحن والأمير عادل أرسلان وفضل الله هنيدي وصياح الأطرش وعلي عبيد وحمد عزّام وشاهين المحيثاوي وشبيب القنطار وحسّان أبو سرحان وعبّاس أبو حسّون ومسعود مرشد والمفازيع الذين جاؤوا مع محمود كيوان من جهة كناكر العجم، وقد حاول الأمير عادل أن يثنيني عن الرّكوب(24) في تلك اللحظة قائلاً: إنك القائد العام لهذه الثّورة، ولا نريد أن تُصاب بخدش بسيط على يد هؤلاء المُرتزقة المتآمرين،فيغدو ذلك موضع فخرهم ومباهاتهم على مدى الأيّام، فكيف إذا أُصِبت لا سمح الله إصابة خطرة ومعركتنا معهم ستكون خطرة وفريدة من نوعها في ذلك المكان. وقد وافقه على ذلك فضل الله هنيدي وشاهين المحيثاوي ومحمود كيوان، وقالوا: نرجو أن تبقى هنا يا باشا إذ إنّنا سنعود عمّا قليل بإذن الله، ونحن نحمل إليك البُشرى السارّة بِدَحْر المُرتزقة وخروج إخواننا من أبناء الإقليم سالمين من الشّرَك الذي نصبوه لهم…
لكنّ سلطان لم يُطق البقاء بعيداً عن المُشاركة في معركة إنقاذ المُحاصَرِين في بَقْع جمرة، فشكر لرفاقه المجاهدين مشاعرهم، وتوجّه بخطابه للأمير عادل قائلاً: “كيف أطيق البقاء هنا ولو لساعة واحدة، وإخواننا في محنة عظيمة، وعِرْضُنا يُستباح هناك؟!، فَلْنَسِرْ في طريقنا واللهُ الموفِّق على كلِّ حال”.
على أرض المعركة كان القائد العامّ سلطان باشا والأمير عادل وسط صفوف المقاتلين، فارتفعت معنويّات المجاهدين، وفعلت السُّيوف فعلها، ووقع الخوف والرّعب في نفوس المُعتدين، كانت المشاهد مُرِيعة فى ذلك المُسْتَنقع، الشَّرَك،واستمرّت المعركة ساعاتٍ كَدَهر مَديد. كانت أصوات النَّخوات المُنْطَلِقة من حَرَس النّازحين تُشبه زئير الأسود، وقد انتشروا حولهم يذبّون عنهم ويحمونهم، كان حمد صعب واحداً من أولئك الصناديد الذين سبق لسلطان باشا أن اختارهم لحماية تلك القافلة التي أراد بها الأدلاّء وعملاء الفرنسييِّن شَرّاً ولكن إرادة الله، وبطولة المجاهدين خيّبت ما إراده الأعداء.


الثاني من اليمين من العراق سعيد الحاج ثابت الرابع رياض الصلح رئيس وزراء لبنان يليه احسان بك الجابري (سورية) يليه محمد علي الطاهر وقادة وشخصيات عربية آخرون..
يصف سلطان باشا تلك المعركة بقوله” كانت جثث الآدَمييِّن والحيوانات التي تساقطت في المعركة غائصة في الأوحال، أطفالاً يختلط صُراخهم باستغاثات النِّساء، وصهيل الخيل، وخُوار البقر، وثُغاء الماعز والأغنام.. جرحى خارت قواهم فتلوّثت جراحهم بمياه المخاضة الآسنة، وعجزوا عن النّهوض فاستسلموا للقدر، أمٌّ نجت بطفلها الرّضيع فانتحت به جانباً محاولة تهدّئة روعه بقَطَرات نَضَحَتْها بِراحَة يدها مِنْ مَسيلِ ـ ماءـ هناك، فأصابوها برصاصة في صدرها، ولمّا ذهب قريبٌ لها لإسعافها وإنقاذ طفلها، وجدها تلفظُ أنفاسَها الأخيرة والطّفل مشدودٌ بذراعيها إلى صدرها، يرضع لبناً ممزوجاً بالدّم!..”.
في تلك المعركة؛ لم تفعل السّيوف في تمزيق قوى المُرتزقة وتحقيق النّصر بالشّكل الذي أحدثه حضور سلطان باشا والأمير عادل أرسلان ومن معهما إذ ما كاد قدومهم يُلْحَظ من قِبَل حُماة القافلة ومن بينهم أسعد كنج أبو صالح وحسيب ذبيان ومحمود الطّويل وغيرهم حتى سَرَت في نفوسهم موجة من الحماسة ضاعفت من معنويّاتهم وشدّدت من عزائمهم في القتال.
لقد تراءى لِحُماة القافلة عندما رأَوْا القادة بينهم أنّ بيارق الجبل قد ملأت وَعرَة اللّجاة من خلفهم، أمّا المرتزقة الأعداء فقد اعتقدوا أنّه أُحيط بهم، فأخذ كلٌّ منهم يلتمس طريقاً ليهرب، وكان حمد صعب مجاهداً في تلك المعركة وأحد أبطالها…
حمد صعب؛ من الثورة السورية إلى ثَورة فلسطين 1936 ــ 1939
لقد كان نزوع المجاهد حمد صعب أكبر من أن تَحِدَّه الحُدود التي رسمتها معاهدة سايكس بيكو لتقسيم المشرق العربي، فهو أكثرُ أصالةً من أن يقبل بما أقرّه وعد بلفور البريطاني بإقامة دولة صهيونيّة عدوانيّة في فلسطين، ومن هنا فإنَّه لم يتوانَ عن الالتحاق بالثّورة الفلسطينيّة ضدّ البريطانييِّن والصّهاينة عندما أخذت نُذُر التَّنفيذ العَمَلِيِّ لِوَعْد بَلفور تلوح في الأفق الفلسطينيّ، إذ غادر منافي الثّوار السّورييِّن في بَوادي السّعودية والأردن إلى ميادين القتال ليجاهد في الثّورة الفلسطينيّة وكان المسؤول عن مفرزة الشّباب الدّرزي إلى جانب القائد فوزي القاوقجي في معاركها عام 1936م.
كانت مقاومة الفلسطينيين مُتَعَثِّرة قبل عام 1936م،(قبل قُدوم القاوقجي ورفاقه وفي طليعتهم حمد صعب)، فالثّورة المُسَلّحة التي قادها أحمد طافش عام 1929 (وهو العربي الدّرزي اللُّبناني الأصل من آل أبو شقرا في عمّاطور) من سكّان قرية قدس المُهَجَّرة والتي تقع في الجليل الغربي شمال صفد، وبالرّغم من شنّه الهجمات على مواقع لليهود، وتصدّيه لدوريات البوليس البريطانيّ فإنّ ثورته حوصرت نشاطاتها من قبل الأعداء، فلجأ إلى إمارة الأردنّ، لكنّ حكومة الأردن سلّمته إلى حكومة فلسطين المُصَنّعة من جانب البَريطانييِّن، وحُكم عليه بالسّجن 15 سنة في محكمة الجنايات في مدينة حيفا!.
تجدّدت الثّورة في فلسطين عام 1935 ضدّ اليهود الصّهاينة وأرباب مشروعهم البَريطانييِّن، وقد امتدَّت الفترة الزّمنية لنشاط تلك الثّورة إلى ما تلاها من الأعوام حتى عام 1939، وفي تلك الثّورة قاد حمد صعب المفرزة الدّرزيّة في قوّات الثّورة التي قادها القاوقجي، وعن دور تلك المفرزة يذكر فوزي القاوقجي في مذكّراته: “أعترف أن المفرزة الدّرزية اللّبنانيّة كانت نموذجاً عظيماً للمجاهدين في تحمّلهم وصبرهم وقلّة مَشاكلهم. وكان قائدها حمد بك صعب مثال النّخوة والإقدام…”(25).
وعلى أرض فلسطين في معركة بَلعا الثانية، وَزّع القاوقجي القوّات على الأرض: المفرزة العراقيّة بقيادة جاسم الحسين، والمفرزة الدّرزيّة بقيادة حمد صعب ويعاونه محمود أبو يحيى (من بلدة شَقَّا في جبل العرب)، والمفرزة الحَمويّة ــ الحِمصيّة بقيادة منير الرَّيّس، والمفرزة الشّامية الأردنيّة بقيادة محمّد الأشمر، فالمفرزة الفلسطينيّة بقيادة فخري عبد الهادي وعبد الرّحيم حاج محمّد والشّيخ توفيق من عَلار، إضافة إلى الشّيخ فرحان السّعدي والعريف يونس ومحمّد الصالح (أبو خالد)، والشّيخ عطيّة أحمد عوض ويوسف الحمدان، وأُنيطت بالمَفرزة الفلسطينيّة حراسة جبل المنطار.
ويذكر الفلسطينيّ وجدي جميل حسن في دراسة جامعيّة له عن مُذكرات القاوقجي أنّ القاوقجي تَقصَّد ألّا يجعلَ المجاهدين الفلسطينييِّن في خطّ النَّار كي لا يواجهوا صدمة عنيفة ويُجْبَروا على مُجابهة الأسلحة الميكانيكيّة الفتّاكة طيلة النّهار، وكان مُبرّر القاوقجي في تصرّفه هذا اعتقاده بِعَدَم اعتياد المُجاهدين الفلسطينييّن على هذا النّوع من الدّفاع”.
كان القاوقجي بعد وصوله ورفاقه إلى فلسطين في الخامس والعشرين من آب عام 1936، وتسلّمه قيادة الثورة الفلسطينيَّة وهذا عائد لخبرته وتجاربه في الثَّورات التي سبق وشارك بها؛ قد أصدر بلاغات إلى الأمّة العربيَّة والإسلاميّة كي تذيع أخبار المعارك التي تخوضها قوّاته. كانت بلاغاته تحثُّ على حمل السِّلاح والجهاد من أجل إنقاذ فِلسطين من الظُّلم والاعتساف والمستقبل الذي يتهدّدها. كما أسّس محكمة ثوريّة، كان يرأسها المجاهد منير الرَّيِّس وحمد صعب وآخرون(26) ولجاناً خاصة للإعاشة والتّموين مرتبطة به…


بطولة حمد صعب في معركة بَلعا
بدأت المعركة صباح 3/ 9 / 1936م، ولم يكن الإنكليز يتوقّعون مثل تلك المُفاجأة، ممّا أوقعَ إصابات في صفوفهم منذ اللَّحظات الأولى للقتال، فدفعوا بسلاح الطّيران إلى المعركة، وقد تمكّن الثوّار من إسقاط ثلاث طائرات، وقَتْل مئةٍ وخمسين قتيلاً. كانت معركة عنيفة خاضها الثّوار في مواجهة القوّات البريطانيّة استبسل فيها القادة الشّيخ محمّد الأشمر والمُجاهد الدّرزي حمد صعب قائد المفرزة الدّرزيّة ــ وقادة المفرزة العراقيّة إضافة لاستبسال المفرزة الفلسطينيّة بقيادة الشّيخ فرحان السّعدي.. (27) وقد انتهت المعركة “بِفَوْز المُجاهدين على المُستعمرين، وبفوز الإيمان والإرادة على الظّلم وعلى قوّة الميكانيك فوزاً باهراً لاتُقَدِّرُ قيمتَه ولا تأثيرَه ونتائجه إلّا الأجيال المُقبلة” حَسَب أقوال القاوقجي. وعن خسائر المفرزة الدّرزيّة جاء في مذكّرات القاوقجي بخصوص استشهاد المجاهد محمود أبو يحيى الذي استُشهِدَ في معركة” بلعا” يقول: “كان له الفضل في الصّمود والمحافظة على خطّ دفاعنا المركزيّ، وقد أبدى شأنه في كل معركة عرفته فيها في معارك الثَّورة السّوريّة (كان الرّجلان، محمود أبو يحيى وفوزي القاوقجي من مجاهديّ الثّورة السوريّة الكبرى عام 1925، بقيادة سلطان باشا الأطرش)، من الجرأة والشّجاعة ما يعجز عن وصفها القلم”.
ويشير المجاهد أكرم زعيتر في مذكّراته إلى استشهاد عدد من المجاهدين الدروز ومنهم حسين البنّا من بلدة شارون وهي إحدى بلدات قضاء عاليه ــ وكان قد استشهد في معركة “بلعا”ــ واستشهاد ملحم سعيد سلّوم حمادة من بعقلين إحدى بلدات الشوف، في معركة كفر صور في الثامن من تشرين الأوّل 1936، بعد أن أردى ضابطاً بريطانياً من ثقب الدبّابة، ولقد تحاشى أهله في بعقلين الإجابة عن أسئلة السّلطة المتكرّرة عن سبب مَوْته، وإقامة عزائه من دون جثّة، نظراً لما كان يتعرّض له أهل المجاهدين من ملاحقات ومضايقات وعمليّات دَهْمٍ في وقت ساعدت فيه السّلطة الفرنسيّة المنتدبة على سورية ولبنان السلطة البريطانية المنتدبة على فلسطين، بهدف قمع الثّورة الفلسطينيّة ومنع وصول المُساعدات إليها والتحاق المجاهدين من سوريّة ولبنان بها.
حمد صعب يلتحق بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق “نهاية بطل”
التحق حمد صعب بالثّورة العراقيّة إلى جانب القاوقجي في عهد رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، كان القاوقجي يعرف حمد صعب حق المعرفة، “ويثق به ويدّخره للمُستقبل…” على حد ما صرّح به أكرم زعيتر الذي كان يعرف الرّجلين حقَّ المعرفة. في تلك الآونة كان الدّعم المُقدّم للقاوقجي من الحكومة العراقيّة غير المتجانسة حينها أقلّ من المطلوب للدّفاع عن الثّورة في مواجهة البَريطانييِّن، كما كان للحاج أمين الحُسَيني مفتي فلسطين الذي لم يَكُن على وفاق معه تأثير في التقليل من تقديم الدّعم اللّازم لنشاطاته الثّوريّة. وفي مجال التّنازع بين المفتي الحسيني وبين القاوقجي فإنَّ حمد صعب أخذ الجانب القتالي ــ الجِهادي البَحت في نِضاله من أجل أُمّته وقضاياها الوطنيّة ولم ينخرط في مسائل التَّنازع على المناصب بين المتنازعين؛ ذلك التّنازع بين القادة الذي أضرّ ولم يزل يضرّ بقضايا العرب فآلت إلى ما نرى…
في تلك الفترة كان الإنكليز قد احتلُّوا دمشق وطردوا الفرنسييِّن الفيشييِّن الموالين للألمان منها في حزيران 1941، ثم زحفوا باتّجاه تدمر، وكان همّهم يتمثل بالإجهاز على أيّة قوة حليفة لِثَورة الكيلاني المناوئِة لمشاريعهم في العراق وهم يخشَوْن من امتداد تأثيرها إلى سائر المَشْرِق العربي، ومن خطّتهم أن تتقدّم قوّاتهم من تدمر إلى دير الزّور، وأن تتوَجّه بكامل قُواها باتّجاه مدينة حمص.
أمّا الفرنسيّون من جماعة فيشي الموالين للألمان والمؤيِّدين لِثورة الكيلاني فكانوا على اتّصال مستمرّ بالقاوقجي لتلاقي المصالح في ما بينهما، فَفَوزي ومن في فريقه ومنهم حمد صعب يَرَوْن في ثورة الكيلاني بارِقة أمل للأمّة العربيَّة التي خَيّب الغربيُّون آمالَها منذ الحرب العالميّة الأولى. والألمان وحلفاؤهم من الفرنسييِّن الفيشييِّن يعتبرون من مصلحتهم الإفادة من سائر القُوى المناوِئة للإنكليز والحلفاء في المِنطقة، ولهذا فإنَّ فرنسيِّي فيشي اتّفقوا على أن يستعينوا بِفَوزي وفريقه في صدّ هجمات الإنكليز من جهة تدمر، وعلى هذا تعاون معهم، وكان عليه أن يرشدهم إلى الطريق بنفسه، فمضى بسيارته “وإلى يمينه حمد صعب وكان بجانب السائق حميد (خادم) فوزي. انطلقت سيارة فوزي في مُقَدّمة سيَّارات الفرنسييِّن، ولمّا غادرت السيَّارات مدينة دير الزُّور، وبعد مُدّة من ذلك، فاجأتهم ثماني طائرات بريطانيّة في سماء البادية الصافيّة إذ حامت الطّائرات حول القافلة التي فوجئت، ولم تلبث إحدى تلك الطائرات أن اقتربت من السيَّارة التي تُقِلُّ فوزي وحمد، ورشقتها بوابل من رشّاشاتها، فأصابت حمد الجالس مِنْ عن يمين فوزي بِعدَّة رصاصات وكان حمد قد ارتمى على فوزي لِيَقِيه الإصابة، فأدى ذلك إلى استشهاده في الحال في 25 تمّوز سنة 1941. وفي رواية أُخرى أنّ حمد كان في سيارة القيادة إلى جانب القاوقجي عندما وقع على المجاهدين هجوم بالطّائرات وسقطت قذيفة قرب السّيارة ارتمى حمد على القاوقجي يحميه بجسده فقتل هو ونجا فوزي، ويقول الدّكتور محمّد خليل الباشا أنّ القاوقجي قد أخبره بذلك شخصيّاً(28).
كما أصيب فوزي بعدّة رصاصات في رأسه وساعِدِه وَرَقَبته، فَقَد على أثرها وَعْيَه، ونَزَف كثيراً من دمه، واستُشْهد سائقُه وهو عراقي من الموصل، وأُصيب حميد برصاصة جرحته في كتفه جرحاً غير مميت.
على أثر تلك الحادثة، نُقل القاوقجي إلى المستشفى العسكريّ الفرنسيّ في مدينة حلب، أمّا حمد صعب فقد دُفِنَ قرب مدينة دير الزور (قرية الحصيبة)، وانطوَت باستشهاده أروعُ صفحة في التّضحية والمفاداة في ميدان الجهاد في سلسلة الثورات العربيّة.
وعلى أثر استشهاده ” احتفلت دير الزُّور بدفن حمد صعب ورفيقه السّائق احتفالاً مهيباً، وقد خطب في المقبرة الكولونيل الفرنسيّ مؤبّناً الشهيد، وكذلك فعل بعض شباب دير الزور”(29)


حمد صعب في حياة وذاكرة فوزي القاوقجي وأكرم زعيتر وعادل أرسلان
ومِمّا يدلّ على علوِّ مكانة حمد صعب في ذاكرة القاوقجي أنّه استذكره ربطاً بحدث موت ابنه الشّابّ مجدي القاوقجي عندما تُوفِّي في ألمانيا نتيجة حادثة تسمُّم مُرِيبة، إذ لمّا علم فوزي بما حدث لابنه قال”لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، ما مجدي بأوّل ضَحِيّة، فلقد فقدت كثيراً من أعزّائي، وهم على مقربة مِنِّي في مُختلف ميادين الجهاد، وبالأمس استُشْهِد حمد صعب، وهو قريب مني، وهذا مجدي واحد منهم”(30)
وهكذا نجد فوزي القاوقجي رغم ماله وما عليه عظيماً في تعاطيه مع الأحداث، وهو هنا في ذروة مأساته بفقده ولده العزيز لا ينسى رفيق جهاده الذي كان الأقرب إليه؛ حمد صعب.
لقد وضع فوزي خسارته بفقدانه ابنه بمرتبة فقدانه حمد صعب الذي كان يقاسمه المسكن في العراق، ويشاركه الهدف الوطني المُشْتَرَك في ساحات الجهاد التي خاضاها معاً…
أمّا أكرم زعيتر فيذكر واقعة جرت في بيت فوزي القاوقجي في بغداد وكان هو الشاهد عليها، يقول:
“جاءت إخباريَّة إلى السّفارة البَريطانيّة من بغداد أنَّ فوزي يخبّئ أسلحة وعتاداً جَمّاً، في البيت الفُلاني (وقد كان ذلك صحيحاً) وكانت الحكومة الإنكليزيّة تطالب الحكومة العراقيّة أن يجري تفتيش البيت المذكور للاستيلاء على أسلحته ومعاقبة فوزي (كان القاوقجي وحمد صعب وأكرم زعيتر ورفاقهم من السورييِّن والفلسطينييِّن اللّاجئين إلى العراق موضع شُبهة من البريطانييِّن وذلك عائد لنشاطاتهم في الثّورة الفلسطينيّة سابقاً، ولِتَخَوُّف الإنكليز من تسريبهم السّلاح إلى فِلِسطين، ولتأييدهم ثورة رشيد عالي الكيلاني في سياستها المناوئة للاستعمار في البلاد العربيّة)، وقد سارع السيّد طه الهاشمي وكان وزيراً للدّفاع في عهد الوزارة الكيلانيّة إلى إخبار فوزي وعادل(العظمة) بالأمر، وشرح لهما خطورة الأمر، لا سيّما وأنّ السّلاح المذكور هو عراقيّ، وهو من طه نفسه؛ قُدِّم ليكون نواةً لمشروع الثّورة في سورية وإنقاذها من الفرنسييِّن حينها. على أثر ذلك نُقِلَ السّلاح كلّه والعتاد ليلاً إلى بيت فوزي نفسه، بطريقة لم يشعر بها أحد، وقد حُفِرَت في أرض بيت فوزي هُوَّات (الهوّة حفرة عميقة)، وأُخفِيَ ذلك السّلاح بالكامل، وغُطّي بالتّراب، ولم تَكَد تُشرق شمس اليوم التالي حتى كان السّلاح مُغّيَّباً تحت الأرض، و سارع عادل وفوزي إلى إخبار طه باشا (الهاشمي) بأنّ السّلاح قد تمّ تهريبه إلى سورية، وهو الآن في الأرض السّوريّة على الحدود، وفي مأمن من العيون والأرصاد، فَسُرَّ طه باشا طبعاً، لا سيّما وهو يحمل نصيباً من المسؤوليّة، وقد فهمت من عادل العظمة أنّهما آثرا أن يُخْبرا طه بأن السّلاح قد أُخرج من البلاد ولم يشاءا أن يبوحا له بأن السّلاح مطمور في الدّار خَشْية أن يطالبهما يوماً بهذا السّلاح، وأن يحملهما على ردّه إذا ما طرأ طارئ. واحتفالاً بنجاة السّلاح وإنجاز العمليّة أقام فوزي ليلة ساهرة، وقد زعم وعادل إثر ذاك أنّ السّلاح وصل إلى سورية، وكانت الحفلة السّاهرة في بيت فوزي نفسه، حضرها كما أذكر عادل وفوزي وسعيد فتّاح الإمام، وعبد الكريم العائدي وعثمان الحوراني وشفيق سليمان وأبو الهدى اليافي وصبحي العمري وواصف كمال وعز الدين الشوّا وسعيد الكاتب على ما أظن، وحمد صعب، وحميد، وكانت من أمتع وأبهج السّهرات، وقد كان فوزي يصيح ونحن نُرَدّد:” يادار حقّك علينا، ويعني بالدّار الوطن، ثمَّ كان فوزي وصبحي العُمَري لا يفتأان ينشدان: آن الأوان يالله يالله! (وهي شطر من أنشودة يا اللي تحب البُرتقال)، أي أنَّ أوان الثَّورة وإنقاذ البلاد قد آن. ولقد رقص في تلك السَّهرة سعيد الإمام وعزِّ الدّين الشوّا وعثمان الحَوراني فرحين … حقّاً لقد كانت سَهْرة ماتعة لذيذة، استمرّت إلى ما بعد منتصف اللَّيل”(31).
يصف أكرم زعيتر حمد صعب بقوله:” وحمد صعب هذا عربيٌّ شُجاع من شوف لبنان، قويّ البُنْية، مُكتنز العضل، مؤمن العقيدة، شجاع القلب، اشترك في ميسلون دفاعاً عن دمشق، ثمّ التحق بالثّورة السوريّة سنة 1925، وعمل فيها مع الأمير عادل أرسلان، وتجلّت فيها شجاعته وصبره، وقد رافقها إلى أن انتهت، وحين نشبت ثورة فلسطين سنة 1936،كان حمد صعب في طليعة المُتطوعين في تلك الثّورة، وعمل مع فوزي فأبلى فيها أَيَّ بلاء، الأمر الذي جعل فوزي يعتمد عليه ويثق به يدّخره للمستقبل، وحين انتهت الثورة لجأ إلى سورية، ولمّا فكّر باستئناف الثّورة أعدّ حمد نفسه للاصطلاء بنارها ، ولكنّ تأخير فوزي ثم عدوله عن الذّهاب لأسبابٍ حال دون ذهاب حمد إلى فلسطين، ثم جاء إلى العراق وعاش في بيت فوزي في بغداد لا يفارقه، وهناك عاهده أن يبقى إلى جانبه، وحين نشبت حركة العراق الأخيرة، (يقصد ثورة رشيدعالي الكيلاني)، وهبّ فوزي للقيام بواجبه فيها، كان حمد صعب في مُقَدّمة المتطوّعين في حملة فوزي، وقد حارب في الحملة المذكورة وأبلى بلاء حسناً ثم رافق فوزي إلى سورية إلى أن لَقِيَ مصرعه على الشكل الآنف الذِّكر رحمه الله، وإنَّه لَيَعِزُّ علينا أن يموت حمد هذه الميتة وأن يَظِنّ ظانٌّ أنَّه مات دفاعاً عن الفيشييِّن ضدّ الإنكليز، أو أنَّه مات في سبيل فرنسا.


كلاّ إنّما مات حمد في سبيل المثل الأعلى، في سبيل الفكرة التي آمن بها وخاض غمرات الثورات من أجلها، إنَّ الفرنسييِّن في سورية؛ الفرنسييِّن الذين أذاقوا البلاد نِكالاً وسلبوها حُرّيتها، وحاربهم حمد مرات لا يستحقُّون أن يُضحّي حمد من أجلهم بِقُلامة ظِفره(32).
ويعتب الأمير عادل أرسلان على المُفتي الحُسَيني لأنّه بعد مرور سنة على استشهاد حمد صعب أُقيمت حفلة في ألمانيا لم يحضرها المفتي الحُسيني وأنصاره، وكان ذلك ناشئاً من موقفه الشّخصي من فوزي القاوقجي الذي يخوض وإياه منافسة على الزّعامة، إلّا أنّه وهو الزّعيم الفلسطينيّ الأوّل (حينذاك) كان الأولى به المبادرة بتكريم الشَّهيد حمد صعب الذي قاتل من أجل فِلسطين، بل والسّعي بنكران ذات، وخلاص نِيّة لتوحيد كلّ القوى المُكافحة من أجل فِلسطين والقضايا العربيّة والإسلاميّة التي كان يجهر بالعمل من أجلها؛ عملاً بالحِكمة القائلة “لتكن نيّتكم خلاص أرواحكم تُقْضَ حوائجُكم”. هكذا كانت العلاقات بين أولئك القادة من العرب الذين يمثّلون القضية الفلسطينيّة والقضايا العربيّة لدى دول المِحور؛ علاقات مشوّشة ومتوتّرة، وقد انعكست علاقاتهم تلك بصورة سلبيّة عليهم، وعلى علاقاتهم ببعضهم البعض في بلاد الغربة، وعلى أُمّتهم بشكل عام، فخابوا، ولم يكن نظراؤهم على المَقلب الثاني ممَّن كانوا مَسحوبين في دولاب الحلفاء بأوفر حظّاً منهم، ذلك لأنّهم لم يكونوا ذوي قرار، وعندما استلموا بلدانهم بعد الاستقلالات الشّكليّة لم يقدّموا نماذج لقادة ناجحين في مستوى العصر الحديث، وبذلك لم تزل الأُمَّة في ضياعها، وخابت المُثُل العروبيّة التي قاتل من أجلها حمد صعب وأمثاله من المجاهدين الرُّوَّاد …
يكتب الدبلوماسي اللُّبناني حليم أبو عز الدّين يصف لقاءه بحمد صعب في العراق عام 1939، فيقول:” قبلاً كنت أسمع كثيراً عن القائد فوزي القاوقجي، ولم أكن بعد قد اجتمعت به، فذهبت لزيارته في بغداد فاستقبلني عنده مجاهد لبنانيّ كنت قد سمعت به ولكنَّني لم أحظَ بمعرفته هو: السيّد حمد صعب، وسرّني كثيراً أن أتعرّف إليه، وأن أُوَثّق صِلتي به بالنّسبة إلى مناقبيّته الوطنيّة الكبيرة وتاريخ جهاده في الحقل القوميّ العربيّ…
وهكذا فإنّ حمد صعب كان شخصيّة عروبيّة المَنْزِع، سعى لتحقيق أمانيِّه عبر مواقفه الميدانيّة في ساحات الجهاد الوطني، ومن هنا فليس غريباً أن يصفه اليبلوماسي اللبناني حليم أبو عز الدين بقوله:” كان حمد صعب من رفاق سلطان باشا الأطرش والأمير عادل أرسلان وحمد البربور ونسيب الأطرش ومحمّد عز الدّين الحلبي وفوزي القاوقجي وغيرهم…”.
كان مجيء حمد صعب إلى فلسطين برفقة القاوقجي يهدف لتحريرها من الاحتلال البريطاني وقطع الطريق على المشروع الصّهيوني فيها ولكنَّ هذه المهمّة لم يُتَحْ لها أن تبلغ هدفها؛ وفي ذلك يقول عجاج نويهض “عندما اسْتَشْرَت الثّورة والإضراب، والنّسف للقُرى والبيوت أتى فوزي القاوقجي رحمه الله من العراق بقوّة متطوّعة ورابط في أعالي الجبال في قضاء نابلس وطولكرم، ونازل القوّات الإنكليزية المُسلّحة في عدّة معارك ضارية. لكنّه اضطُرَّ إلى العودة مع القوّة التي جاء بها عندما قبلت اللَّجنة العربيّة وقف الإضراب، هذا الإضراب الطّويل الشّهير تجاوز الستّة أشهر، ثم انْحَلّ بعد وساطة فريق من ملوك العرب وأمرائهم. طُلِبَ من عرب فِلسطين فكُّ الإضراب، فاستجابت اللّجنة العربيّة العليا برئاسة المُفتي أمين الحسيني لهذا؛ إذ أكّد الإنكليز للملوك والأمراء والحكّام العرب أنّهم سَيُجرون العدل في هذه القضيّة”(33) ويُعقِّب عجاج نويهض على هذا الموقف غير المتبصّر من الملوك والأمراء العرب ومن الفلسطينيين فيقول
“وإذا كان الإنكليز قد خَدعوا أوّل مرّة الملك حُسين بن علي، ملك الحجاز، في أثناء الحرب العامَّة الأولى بشأن الوطن القوميّ اليهوديّ في فِلسطين، ففي سنة 1936 خَدعوا ثاني مرّة مجموعة من الملوك والأمراء بشأن فِلسطين”.
إنّ سيرة المجاهد حمد صعب من حيث جانبها النّضالي المَيْدانيّ ضدّ العدوان الأوربيّ ــ الصّهيونيّ على الأمّة العربيّة والإسلامية تتشابه إلى حد كبير مع سيرة المجاهد القاوقجي، ذلك “أنّ فوزي القاوقجي كان هاوياً للجهاد. لا يكاد يسمع بحركة نضال في بلد عربيّ حتى يشدَّ رحاله إلى ذلك البلد،.عمل في لبنان وسورية وفلسطين والأردن والجزيرة والعراق. نعم كان القاوقجي يعتبر نفسه، وعن حقٍّ مواطناً في كلّ بلد عربي يقيم أو يعمل فيه… وهكذا كان حمد صعب رفيقه في الجهاد، ومفتديه بحياته يومَ قصفِ الطائرات البريطانيّة لهما…
كما يذكر حليم أبو عزّ الدّين أنّه ما أن بدأت الحركات في العراق في نيسان وأيّار 1941 أيام وزارة رشيد عالي الكيلاني حتى ذهب القاوقجي على رأس قوّة من المجاهدين إلى البادية لقطع خطوط التّموين البريطانيّة عن قاعدة الحبّانيّة.
كانت هذه القاعدة من أهمِّ قواعد الطَّيران البريطانيّة في المشرق العربيّ في مواجهة الطّيران الألمانيّ وقوّات المحور في الحرب العالميّة الثانية وقد استخدمها الإنكليز للقضاء على ثورة رشيد عالي الكيلاني في ما بعد.
ويشير أبو عزّ الدين إلى أنّ القاوقجي ورفاقه في الجهاد قد اشتبكوا مع القوات البريطانيّة ومع القوّات التابعة لهم؛ القادمة من الأردنّ؛ تلك القوّات التي أرسلها الأمير عبدالله والمندوب السّامي البريطاني “أبو حنيك” (غلوب باشا)، وأنّه قد اسْتُشهد عدد من رفاق القاوقجي في تلك المعارك، وكان في مُقَدَّمة أولئك الشّهداء الشّهيد حمد صعب.
كما يكتب القاوقجي في يوميّاته في ما يخصّ استشهاد حمد صعب فيقول: “كنت قد عاودت الاتّصال برجال القبائل على الحدود، ولكنِّي علمت وقبل أن أُتمِّم الإعداد بأنَّ قوّة بريطانيّة تتقدّم نحو تدمر لتطويقها، وتوجّهت مع جماعة صغيرة لإنقاذ تدمر، وخَشية أن تطول المسافة وجّهت نداءً خاصّاً دعوتُ فيه القبائل للانضمام وطلبتُ من أكرم زعيتر أن يذيعَه بعد انطلاقي واتَّجَهْتُ من الحُصَيبة إلى البوكمال في رتلٍ من السيّارات، وبعد استراحة قصيرة في الطّريق سبقتني خلالها مخابرات قائد المنطقة الفرنسيّ الكولونيل ريو دو كرو وكان مقرّه في” دير الزُّور” وقامت طائرات بريطانيّة بقصف سيارتي، وكنت أستقلّها مع ثلاثة آخرين بينهم حمد صعب. ولم أَسمع سوى أصواتٍ مُدَوّية ودماء ساخنة تسيل على جسمي، ما حدث فعلاً ، إنّه أثر القصف قُتِل حمد صعب والسائق وجُرِحْت مع مرافقي الآخر…”.
نعم ” إنّ حَمد صعب هو أثمن رجل عرفه القاوقجي، وبغيابه فُقِدَتْ إحدى ركائز القتال المُهِمَّة. كما أشاد القاوقجي ببطولة قاسم زهر الدين”(34).
وقد كتب حافظ أبو مصلح وهو مترجم كتاب ” ثورة الدّروز وتمرّد دمشق” لمؤلّفه الجنرال الفرنسي أندريا يُعرّف فيه بـ حمد صعب ص 329 يقول: كان ” حمد صعب ، رفيق شكيب وهّاب. كان شجاعاً بطلاً، لا يهاب الموت، قُتِلَ في طريق العراق مع فوزي القاوقجي،. كان يكتب مُذَكّراته يوماً بعد يوم، لكنّه مات (استُشْهِد) وماتت (فُقِدَتْ) معه مذكّراتُه.
وباستشهاد حمد صعب طُوِيَت صفحة بطولة عربيّة معروفية يعتزُّ بها كلُّ عروبيّ أصيل.
سقط سهواً
– سقط سهواً اسم كاتب مقالَي “سعيد ابو الحسن” و”رشيد طليع” في العدد 23 وهو الأستاذ ابراهيم العاقل.
– سقط سهواً ذكر اسماء الشهداء “الشيخ علي درغام، قاسم عسل درغام، عباس دهام، صالح أبو بركه” من قرية بكيفا في موضوع “شهداء وادي التيم”