الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

خريجو الجامعات بين الهجرة والبطالة

أصبحت قضية خريجي الجامعات بين الهجرة والبطالة من أبرز الإشكاليات التي تواجه المجتمعات العربية عموماً ولبنان خصوصاً، لما تحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنموية خطيرة. فالشباب الجامعي، الذي يُفترض أن يشكّل ركيزة النهوض وبناء المستقبل، يجد نفسه اليوم عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: بطالة طويلة الأمد داخل الوطن، أو هجرة قسرية بحثاً عن فرصة عمل تحفظ كرامته وتحقق طموحه.

شهد لبنان خلال العقود الأخيرة توسعاً كبيراً في قطاع التعليم العالي، حيث ازداد عدد الجامعات والمعاهد بشكل ملحوظ، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الخريجين سنوياً الى ما يقارب 41 الى 43 ألف طالب جامعي من الجامعات اللبنانية، غير أن هذا التوسع الكمًي لم يترافق دائماً مع تطور نوعي في مستوى التعليم أو مع مراعاة فعلية لحاجات سوق العمل، بحيث لا تتعدى نسبة الخريجين الذين يجدون عملاً يتناسب مع مؤهلاتهم العلمية بعد التخرج 18% أي بحدود (7500 -7000) ونتيجة لذلك، بات السوق عاجزاً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، خصوصاً في الاختصاصات النظرية ( العلوم الاجتماعية والإنسانية)، ما أدى إلى تفاقم معدلات البطالة بين الشباب المتعلم.

وتبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ضبابية الخيارات الأكاديمية لدى عدد كبير من الطلاب الجامعيين. فكثيراً ما يتم اختيار الاختصاصات بناءً على اعتبارات اجتماعية، أو تقليداً للأقران، أو استناداً إلى صورة نمطية عن «الاختصاصات المرموقة» (طب/ هندسة/ محاماة)، دون دراسة حقيقية للميول الشخصية أو لفرص العمل المستقبلية. هذا الواقع أدى إلى تخمة في بعض المجالات، مقابل نقص واضح في الاختصاصات التقنية والمهنية التي يحتاجها السوق (تكنولوجيا المعلومات/ التمريض/ والمهن الحرفية المتخصصة).

في المقابل، يعاني سوق العمل اللبناني من ضعف بنيوي مزمن، تفاقم بشكل كبير مع الأزمات الاقتصادية والمالية في أواخر عام 2019. فمحدودية فرص العمل، وتراجع الاستثمارات، وانكماش القطاعات الإنتاجية، كلها عوامل ساهمت في ارتفاع البطالة، بين حاملي الشهادات الجامعية. وإلى جانب ذلك، تشكّل الرواتب المتدنية وعدم الاستقرار الوظيفي عاملاً إضافياً يدفع الخريجين إلى فقدان الأمل بالبقاء في وطنهم.
أمام هذا الواقع، برزت الهجرة كخيار شبه حتمي لكثير من خريجي الجامعات. فالدول الأجنبية، ولا سيما الخليجية والغربية، ما زالت تشكّل مقصداً للشباب الباحث عن فرص أفضل. إلا أن الهجرة لم تعد سهلة كما في السابق، إذ باتت فرص العمل في الخارج تتطلب مؤهلات علمية عالية، وخبرات عملية، ومهارات متقدمة، إضافة إلى إتقان اللغات والقدرة على المنافسة في سوق عالمي مفتوح. وهذا ما يجعل عدداً من الخريجين غير قادرين على تحقيق هذا الخيار، فيبقون عالقين بين بطالة الداخل وصعوبة الخارج.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال مسؤولية الدولة، التي يفترض بها أن تلعب دوراً أساسياً في التخطيط لحاجات سوق العمل وربط التعليم بالتنمية. فغياب السياسات الواضحة في هذا المجال، وضعف التنسيق بين وزارات التربية والعمل والاقتصاد، أدى إلى فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وحاجات السوق. كما أن غياب الإحصاءات الدقيقة والدراسات المستقبلية يحول دون توجيه الطلاب نحو الاختصاصات المطلوبة.

إلى جانب دور الدولة، تبرز أهمية تطوير الشراكة بين الجامعات والقطاعين العام والخاص. فالتعليم الجامعي لا ينبغي أن يقتصر على الجانب النظري، بل يجب أن يتكامل مع التدريب العملي والتطبيقي. ومن شأن برامج التدريب، والتعاون مع المؤسسات والشركات، أن تزوّد الطلاب بالخبرة اللازمة، وتسهّل انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.

إن معالجة أزمة خريجي الجامعات بين الهجرة والبطالة، تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بإصلاح التعليم العالي وضمان جودته، وتمر بتوجيه الطلاب نحو الاختصاصات المطلوبة وفق حاجات التنمية، وتنتهي عند خلق فرص عمل لائقة تحفظ كرامة الشباب. فالشباب ليسوا عبئاً على المجتمع، بل هم طاقته الأساسية، والاستثمار فيهم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن.

وفي الختام، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل الشهادة الجامعية من مجرد وثيقة أكاديمية إلى أداة فاعلة للإنتاج والتنمية. فإما أن ينجح المجتمع في استيعاب طاقاته الشابة والاستفادة منها، أو يستمر في نزيف العقول عبر الهجرة، وما يحمله ذلك من خسارة فادحة على المستويات كافة.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *