الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الاقتصاد اللبناني بين تراكم الأزمات وتداعيات الحروب الإقليمية

يُراكم الاقتصاد اللبناني منذ نهاية عام 2019 خسائر متتالية، في ظل تفاقم اختلالاته البنيوية وتعقد أزماته المالية والاقتصادية، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات جدية لحل مستدام. وفي هذا السياق المتأزم، ها هو لبنان واقتصاده يواجهان اليوم أزمة جديدة ناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية في سياق حرب إسناد إيران، والتي من المرجح أن تتجاوز في آثارها الاقتصادية والإنسانية مجمل الأزمات التي شهدها البلد على مدى السنوات الماضية.

أزمات متتالية

وقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في عام 2020 إلى تكوّن فجوة مالية تُقدر بنحو 80 مليار دولار أميركي، وهي فجوة ترافقت مع تبديد مدخرات اللبنانيين في المصارف اللبنانية، فضلاً عن انهيار حاد في قيمة العملة الوطنية، وما استتبعه ذلك من تآكل للقدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة. كما كان لجائحة كورونا دورها في تعميق أزمة الاقتصاد الوطني وانكماشه في ذلك الحين.

ولم يكد الاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه حتى جاء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 ليُعمق من حدة الانهيار، حيث أسفر عن خسائر مادية تقدر بما بين 10 و15 مليار دولار أميركي. وقد بلغت الخسائر البشرية أكثر من 220 شهيداً وإصابة أكثر من 7000 آخرين، بالإضافة إلى دمار واسع في العاصمة بيروت، مما يجعله واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ.

ومع حرب إسناد غزة التي اندلعت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 وتصاعد حدتها في عام 2024، تفاقم الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019، وتسببت بخسائر تُقدَّر بما بين 11 و14 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أضرار جسيمة في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وسقوط أكثر من 4040 شهيداً ونحو 16 ألف جريح. كما قُدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة جزئيًا بنحو 317 ألفًا، فيما بلغ عدد الوحدات المدمّرة كليًا نحو 51 ألفًا، موزعة على الضاحية الجنوبية والبقاع والقرى الحدودية.

ويأتي العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في سياق حرب إسناد إيران منذ مطلع آذار الماضي، ليكبد لبنان خسائر اقتصادية إضافية قدرتها وزارة الاقتصاد بـما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يومياً، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال تجدد الاعتداءات الإسرائيلية. وقد أسفر هذا العدوان عن دمار واسع وخسائر تفوق 10 مليارات دولار، فضلًا عن كلفة بشرية مرتفعة، حيث بلغ عدد الشهداء نحو 1500 شهيدٍ، وأكثر من 4640 جريحًا وفق تقارير رسمية.

تكلفة اقتصادية متعاظمة

وتتفاقم وطأة هذه الحرب وتكلفتها الاقتصادية بفعل تزامنها مع التصعيد الإقليمي، ولا سيما الحرب على إيران، وما نتج عنها من اضطرابات في الاقتصاد العالمي. فقد أدّى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. كما ساهمت هذه التطورات في تعطّل إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعارها، وازدياد كلفة النقل الجوي، الأمر الذي ألقى بظلاله على النشاط السياحي عالميًا.

وفي ظل هذه المتغيرات، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات داخلية مضاعفة ومعقدة، إذ يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب خارجي، خصوصًا ذلك الذي قد يطال الدول التي تستقطب اليد العاملة اللبنانية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية في دول الخليج، يُصبح أي دعم مالي من هذه الدول للبنان مستبعدًا، كما تتأثر تحويلات المغتربين سلبًا، مما يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات والاقتصاد الوطني.

إلى ذلك، تتفاقم ظاهرة التضخم المستورد، نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الخارج، حيث يستورد لبنان النفط ومشتقاته، التي تشكّل نحو 25% من إجمالي الواردات، كما يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 85% من المواد الاستهلاكية. وهذا ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية سببًا مباشرًا في زيادة الأسعار المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية ويُفاقم من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

خاتمة

ويبقى التحدي الأبرز الذي يواجه الاقتصاد الوطني متمثلاً في تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية، ولا سيما الاعتداءات المرتبطة بالحرب الأخيرة، التي تُضاف إلى أعباء حرب إسناد غزة وما سبقها من أزمات، في ظل عجز لبنان عن تأمين مصادر تمويل لإعادة الإعمار. كما أن ربط المساعدات الدولية بشروط سياسية وأمنية، ولا سيما ما يتعلق بسلاح حزب الله، يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر عملية التعافي.

في المحصلة، استنفدت الاعتداءات الإسرائيلية الاقتصاد اللبناني جراء حروب الإسناد المتتالية، لا سيما أنه يعاني من هشاشة بنيوية عميقة جعلته غير قادر على امتصاص الصدمات المتكررة، سواء الداخلية أو الخارجية.

ومع إبقاء لبنان ساحة للصراعات، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وغياب رؤية إصلاحية واضحة، يبقى لبنان عرضة لمزيد من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم تُبادر الدولة إلى تبنّي مسار إصلاحي شامل مدعوم بإرادة سياسية فعلية ومساندة دولية فاعلة تضع حدًا لمسار الانهيار المستمر.

الجبــل: غمــدُ “الأمَّــة” وســيفُهـا صفحات في الهوية التاريخيّة الإسلاميَّة للموحِّدين الـدّروز

يستـند البحثُ في الهـويَّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين إلى مصادر قديمة ترقى إلى ما قبل ظهور المذهب عام 408 هـ./1017 م.
وإن كان ثمّة مراسلات جرت في تلك الـفـترة مع «الأمراء السّادة آل تنوخ» في بلاد الشّام، فإنَّ تاريخ «تنوخ» يُحيل إلى زمن مديد سابق لمرحلة ظهور الإسلام نفسه. ومن المُحقّـقات التاريخية عند المؤرّخين أنَّ الإشارة إلى «تنوخ» وردت في خريطة بطليموس نحو عام 150 م. وبالتالي، فإنَّ تضمين لائحة المصادر التاريخيَّة الموثوقة لدراسة الهويّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين كلّ ما يتعلَّق بـ «التنوخيّين» هو أمر تفرضُه المنهجيّة الأكاديمية للبحث التاريخيّ.
ويُشبه كتاب الأمير صالح بن يحيى البحـتري/التنوخي سجلّاً جُمِّع فيه التأريخ والتوثيق والتحقيق والإخبار حتى أواسط القرن الخامس عشر م. وقـد كتب محقّـقـو الكتاب في المقدّمة الفرنسية ما يعبِّر تماماً عن مقدار أهميّـتـه، ليس فـقـط في باب إلقاء الضوء على حقـب في العصر الوسيط لبلاد الشام، بل وخصوصاً لجهة تنوير الأذهان عن حقائق تاريخية لا يمكن إهمالها في مسألة الوقوف أمام الملامح الأساسيَّة التي شكّلت الأسُس الموضُوعيَّة التي أدَّت إلى رسوخ وجود «الإمارة» التي يمكن اعتبارها فيما بعد النواة الصّلبة في تأسيس كيان لبنان الوطن.
وقد برزَ بعد الأمير صالح مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب «صدق الأخبار» لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط، وكان والده من كبار تلاميذ الأمير السيّد (ق). اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ سلـفه بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَـفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع. والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام «الجَزيرَة» كلِّها.
ومن الأصُول التوثـيـقـيَّة القديمة في هذا السّياق، وثيقـة مخطوطة «على قدر عالٍ من الأهمّيّة» على حدّ قول الأمير شكيب أرسلان، تُعرَف ب«السّجلّ الأرسلانيّ». يتضمَّن هذا الإرث «سجلّات ووثائق وحججاً قديمة تؤرِّخ لنسب العائلة. وهذه الوثائق هي شواهد ثقات، إذ بُتَّ في صحّتها ومصداقيّتها من قِبل قضاة مجلس الشّرع، وذلك في معرّة النعمان وبيروت وصيدا ودمشق… تبدأ بالإثبات الأوّل في نسب الأمير منذر بن مسعود بن عون أمام قاضي معرّة النعمان محسن بن حسين الطّائيّ (سنة 141 هـ/ 758 م)، وصولاً إلى زمن الأمير شكيب أرسلان وأشقّائه…».
ويعود نسب آل أرسلان إلى تنوخ، وهم أطياف قبائل اتّخذوا من عين دارة قاعدة لهم، وذلك بأمر من أبي جعفر المنصور. ثمَّ نزح قسم منهم إلى قرى في منطقة الغرب حيث ما زالت عائلات كريمة تحفظ عراقة الأنساب إلى يومنا هذا.
يذكر الأمير شكيب أنّ السّجلّ المحفوظ يتضمّن نسب العائلة «المتسلسل منذ سنة 142 للهجرة إلى هذا العصر، مثبتاً لدى القضاة والحكّام بشهادة العلماء الأعلام عصراً فعصراً بدون انقطاع… مؤيّداً ما نقلته عن السجلّ الأرسلاني بروايات الكثيرين من مؤرِّخي لبنان… بحيث ثبت لأنه لم يقع توقيع واحد منهم في إثبات من إثباتات السجلّ إلَّا ضمن مدَّة حياته، ولم يحكم به واحدٌ من هؤلاء القضاة إلَّا ضمن مدّة قضائه ممّا يتحصَّل به ثلج اليقين بصحَّة السّجلّ وصدق رواياته». ثـم ينبِّه في أدب الكرام بإيراد هذين البيتيْن:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
 يغنيك مضمونه عن النّسبِ
إنَّ الفتى من  يقول: ها أنذا
 ليس الفتى من يقولُ: كان أبي
يستـندُ البحث الحاضر إذاً، بشكلٍ أساسيّ، على أصُول تاريخيَّة مُعتمَدة. وبالتالي، على كثير من  المراجع التي يمكن نسبتها بشكل رئيسيّ إلى مستويَيْن: الأوَّل هو مصادر أساسيّة في تاريخ لبنان العام منها ما كُتِب في القرن التاسع عشر، والثاني هو الكثير من المراجع التي صنّـفها ذوو اختصاص في التاريخ وبحوثه، وهي في كلّ حال مُدرجة في هوامش البحث.
إنَّ مقاربة موضوع «الهويَّة التاريخيَّة» لا يُمكن أن يكون عشوائيّاً بالرأي والقياس النسبيَّـيْن إهمالاً للتوثيق التّـاريخيّ الموضُوعيّ الـمُتَاح. ومناسبة هذه الملاحظة هي فائض الكلام في عصرنا الرّاهـن القائم على الاستسهال الَّذي لا تصِحُّ معه حقيقة بأيّ حال من الأحوال.
يتمثَّـل الدروز رموزَ تاريخهم بصورةٍ معلَّقةٍ على حائط غالباً ما يكون صدر البيت، في القاعة التي هي قلب الدار. ويُحتَفى بها في قاعة استقبال قصر الزعيم كما في البيوت المتلاصقة لأحياء القرية الجرديَّة. في الجبل كما في الجليل، وفي مضارب القوم على سفوح جبل السمّاق كما في دُورهم الجميلة إن هم تغرَّبوا في المهاجر البعيدة. إنها صورة قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش. ولا يهم هنا تاريخ الرجل الشّخصي فقط بقدر ما هي ملامح سيكولوجيا جماعية خبيئة في الذاكرة التاريخيَّة للجماعة. هيبة الرجل الذكورية، الشاربان الواقِفان، الكوفيَّة والعِقال فضلاً عن سِمات الغضب والشهامة والثورة. وإن تَنَوَعَ الشكلُ أحياناً، كما صقـرٌ على زندِ الرجل أو عمامة بيضاء على رأسه، فإنّ اكتمالَ المعنى تُحَقِّقُه الصورةُ إذا ما كان القائدُ فيها على فرسه العربيّة الأصيلة الصافنة أو الواقفة على قائمتيها الخلفيَّتين، والسيفُ العربيُّ في اليمين العالية، ساطعاً كما هلال فضّي منير.
ما من صورة اختصرت تاريخ جماعةٍ كمثل ما فعلته صورة الباشا الثائر. ذلك أنّ المكانة التي تبوَّأها الدروزُ على صفحات تاريخ «جزيرة الشام» صنعَتْها سيوفُهم البارقة وسواعدهم المقاتلة دفاعاً – وبتوثيق تاريخي محقَّق – عن «الأمّةِ» و»الجماعة» و»المرجع الشرعيّ» الذي كان يمدُّهم بشرعيَّة السلطة ويخوّلهم تدبير الأمور على مرَّ الحِقب التاريخيَّة وتبدُّل الدول والحكّام.
إنها «المثاغرة»، تلك المهمَّة الجليلة التي دمغت طابع الدروز التاريخي بسَمتها وما تحمله من معاني القتال والجهاد والمرابطة التي باتت مثل جذور حيَّة للشخصية الجماعية الدرزية وعنفوانها الأثيل، دون التفات إلى ما قِيل ويُقال. فقد صارت عادة عند الدروز أن «يصنعوا التاريخ وغيرهم يكتبه». ولم يتوهَّج شِعارُ «العِرض والدِّين» – كما يحتفل به الدروز – مثل ما عندهم توهَّج، في منطقِ الدفاعِ عنهما، والذبّ عن حِماهما حتى بات من الشهرةِ بمكان أن مفهوم «الموت» عند الدروز تخطّى حاجزَ الخوف والرهبة إلى طقوسِ الشوقِ والالتحام:
مُتهافِـتين على الرَّدى وشِعارهم
اليوم أفضل من غدٍ يا فانِ.
وفي ذروة التعبير عن افتخار الدروز بتاريخهم وأصل عقيدتهم، وبأبياتٍ كأنها الحواشي الذهبيَّة حول صورة سلطان، يقول الشاعرُ الشيخ نايف تلحوق بلهجةِ العشيرةِ الجبلية الشاميَّة:
ويُوم أنْ بُعث هادياً من وُلْد عدنان
حِنَّا اهتدينا وباقي الناس ضلّون
كِنا «صحابة» وكانت الناس دشمان
وأسلافنا الأنصار في بدر كانون
ويمضي في قصيدةٍ طويلةٍ مادحاً قومهُ ومفـتـخِـراً بأنهم:
أمُّوا الجزيرة ملوك وصحاب تيجان
                                     نصر ولـــــــخم ومناذرة تـــنوخ يكـنـون
حِـــنّا سلايل مجد وملــوك وعيــــــــــان
                                    من يوم أوجد «كُون» من كافا ونون
وينطلق كسيل نهر هادرٍ في وصف أمجاد القتال ضد «الفرنج» و»الظَّلمَة» والاستعمار الفرنسي في ملحمةٍ تراها في بعض البيوت بموازاة صورة قائد الثورة لتلخِّص بالرسم والكلمة سرَّ التماسُك الدرزي المعروفيّ في جذوره الأكثر عمقاً.
ألحَّت هذه الصُّورةُ وتلك القصيدة بما ترمـزان على حضورهما في هذا المدخل للحديث عن التراث الإسلامي في الجبل لأنّه يعطينا بلمحةٍ بالغة التعبير المدخل الواضح لجوهر التاريخ في القلب الدرزيّ. إذ أن العشيرة المعروفية منجذبةٌ إلى تاريخها بأكثر مِمّا إلى انطلاقة المستقبل. وما يُـرادُ قوله هو أنَّ لا انفصام بين هذا التاريخ العابق بغبار القتال والحرب وبين العقيدةِ التي من أجلها ومن أجل الذبّ عن حياضها ثبت الموحِّدون في ثغورهم إلى يومنا هذا في دورٍ تـتـقمّصه الحِقـب منذ ألف عام.
ولتكن إثارة السؤال، بروحٍ تائقة إلى الإيجاب نافـرة من السَّلب: لـمَ لمْ تُـثـر قضيَّة التأويل التوحيديّ لآيات القرآن الكريم إشكاليَّةً إسلامية إلاّ في القرن الأخير رغم بروزها منذ عشرة قرون؟
وفي معالجة القضايا التاريخية التي يثيرها هذا السؤال يُستعرض هنا تراث الجبل الإسلاميّ، ويـتـمّ استقصاء جذور المشاريع المشبوهة كي لا نقع في وتيرة السرد التاريخي المألوف والمثبت في كثير من المراجع الموثوقة والمتوفّرة والمذكورة في هوامش هذا البحث.
إذا ما استثنينا بعض الصراعات المحليَّة بين زعماء الإقطاع فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبين الولاة «الإقليميين» من ناحيةٍ أُخرى، لوجدنا تاريخ القبائل العربيَّة التي استوطنت «ثغور الشام» منذ القرن الثاني للهجرة وحتّى منتصف القرن الماضي تاريخاً ملتحماً بالدور الذي أوكلته أيّاها «الأُمَّةُ» في الدفاع عن ثغورها ضد الغزو الأجنبي. إنها مهمّة «المثاغرة» لصدّ الفرنجة. وقد تقلّبت الدول فوق دسْت الخلافة وتكاثرت، وتعدَّدت العصبيّات التي ادَّعت تجسيد «الجماعة» وتمثيلها. وتفتَّت – واقعاً – مفهومُ «الاُمَّة» إلى ولايات متناحرة وممالك متصارعة، بيد أنّ الطبائع السياسيَّة للدور التاريخيّ الذي التزمت به القبائل المرابِطة في الثغور ظلَّت في جوهرها مستمدَّة من السلطةِ المستندةِ من شرعيَّتها إلى تمثيل «الأُمَّة» مهما تلاعبت بها عوامل الوهن والانقسام.
لقد استمدّ الحكم الـتـنوخيّ – بفروعه – طيلة ما يُقارب ستة قرون من الزمان مقوّمات وجودِه وشرعيَّته من تلك السلطة، وسلَّم أمانة الحُكم إلى أقربائه «المعنيّين» لأنهم قاتلوا إلى جانب الذين استولوا على السلطة إيّاها فصار لهم (العثمانيّون) السلطان على المسلمين. ولمّا خَلْخل الشهابيُّون الذين استلموا دفَّة الإمارةِ هذا الارتباط، قام الدروزُ بالدور عينه الذي قام به أجدادُهم، غير أن السلطان بات «الرجل المريض»، والطامعون بميراثه لعبوا في حقـلِ الطوائف والمذاهب مُقحمين السياق كلّه في بداية النفق.
يتحدَّر الدروزُ الموحِّدون في أنسابهم من قبائل عربيَّة عريقة في أصلابها وأصيلة حتّى بات من نوافل القول «تأكيد المؤكَّد أو إثبات الثابت» . فالدروز في النَّسب عرب أقحاح لا يوجد منَ العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبيَّة منهم. وبات متواتراً في المصادر تعداد هذه الأنساب.
فمن القبائل التي استقرَّت في بلاد الشام قبل الإسلام وتحدَّر منها الدروز تيم الله أو (تيم اللات) التي هاجرت أوّلاً من الجزيرة العربية إلى وادي الفرات ثم استقرَّت في المكان المعروف اليوم بوادي التيم في جنوب لبنان. ومنها قبيلة لخم التي استقرَّت في الحيرة وإليها ينتسب الأمراء الإرسلانيّون والبحتريون التنوخيُّون الذين حكموا لبنان خلال القرون الوسطى. ومنها قبيلة طيء التي استقرّت في الأطراف الجنوبيّة من بلاد الشام، وقبيلة ربيعة النجديَّة التي ينتسب إليها بنو معن وكذلك بنو جندل الذين ينتسبون إلى قبيلة تميم. وتفتخر بعض العائلات الدرزية بنسبها العريق كآل نكد إلى بني تغلب وآل تلحوق إلى بني عزّام وهم فرع من قبيلة الأزد وآل عبد الملك إلى بني شويزان وآل ناصر الدين والقاضي إلى تنوخ… وتحتـفظ إحداها بسجلّ هو كناية عن مجموعة أوراق قديمة وحجج صادرة عن قضاة الشرع في معرَّة النعمان ودمشق وبيروت وطرابلس وصيدا تتعلَّق بنسب الإرسلانيين وأخبار اللخميّـين الذين قدموا إلى لبنان سنة 142هـ/759م. وهو سجلّ حافل بأقدم الأخبار وأوثقها عن اللخميين جدود الفرع الأرسلاني منذ الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام، اصطُلح على تسميته «السّجل الأرسلاني».
وإذا عدنا إلى المصطلح الخلدوني في «العصبية» اللاحمة لأساس الحكم وجدناها ترتكز على أُسَّيْن جوهريين هما النَّسب والدِّين. فالنسبُ عربيٌ صُراح، والدينُ توحيدٌ مستمَـدٌّ من كتاب الله العزيز ومُستظلّ رمز الدعوةِ المحمَّدية والإسلام الحنيف على ما قال الأمير شكيب:
وليس لنا غيرُ الهلالِ مِظلّةً
ينالُ لديها العزّ من هو آمِلُه
وتلك عصبيةٌ سادت وجاهدت وأرْست تقاليد الدروز وتراثهم بمُجمله على إنطواءٍ حميم يحضن عقيدتهم في التأويل بما لا يمّس وحدة «الجماعة» ويُثير حساسيّتها المذهبيَّة.
لقد كانت فاتحة السّجل التاريخي لمهمّة «المثاغرة» عندما تسلَّم العباسيُّون الخلافة وبعدت المسافة بين بغداد عاصمة العباسيين وسواحل الشام، فأكثر الرومُ من مهاجمة السواحل. كان ذلك في عهد قسطنطين الخامس كويرونيموس (741 -775م.) فأرسل أبو جعفر المنصور حوالي عام 141هـ/758م. عشائر تنوخيَّة من معرَّة النعمان إلى المناطق المحاذية لبيروت. وكانت هذه العشائر، كما يذكر السجلُّ الأرسلاني، بقيادة الأمير منذر بن مالك بن بركات بن منذر بن مسعود بن عون اللخمي التننوخي. وكان برفقته أخوه ارسلان بن مالك وأبناء اخوته حسّان بن خالد وفوارس بن عبد الملك وعبد الله بن النعمان. تبع ذلك تدفّق بعض العشائر من مناطق أُخرى لتستقـرّ في الثغور وتتحمَّل عبء المهمّة ذاتها.
يبدأ سجلُّ مآثر الدروز في جَبَلهم من أولئك الأمراء التنوخيين الأوائل الذين قدموا إليه بمهمّة سامية. فقد اشتهر الأمير منذر بن مالك بالشدّة والشجاعة، وبذلك اشتهر الأميرُ ارسلان أيضاً حتى قال فيه أحدُ معاصريه ورفاقه اسحق بن حماد النميري أنه «مِن أشجع مَنْ أدركناه من فرسان العرب الضراغم» وكان إلى ذلك عالِماً يهاب العُلماء وقد تتلمذ على الإمام أبي عمرو الأوزاعي. وقد حكى اسحق أيضاً، وكان خادم تراب الإمام الأوزاعي، أن الأمير إرسلان، لما ووري الإمام الأوزاعي التراب خاطبه قائلاً: «رحمك الله أبا عمرو فوالله لقد كنت أخافك أكثر من الذي ولاّني».
لقد كان أجداد الدروز الموحِدين آنذاك في فترةٍ سابقةٍ على التمذهب التأويلي التوحيدي الذي سيحصل لاحقاً في أوائل القرن الخامس للهجرة. تأويل لن يحولَ دون الاهتمام بالإمام الذي أثار اهتمامَ السَّلَف، لأنه ليس انقطاعاً في العقيدة عمّا سبق، وإنما هو تبحُّر في معنى الكتاب أقرب ما يكون إلى استبطانه وتثويره وسبر أغواره على ما جاء في حديثِ عبد الله: أثيروا القرآنَ فإن فيه خبرَ الأوَّلين والآخرين. وشرح شَمِرٌ فقال: تثوير القرآن قراءتُهُ ومفاتشةُ العلماءِ به في تفسيره ومعانيه. لهذا نرى أن الأمير صالح بن يحي، وبعد حوالي سبعة قرون يتلمَّس آثارَ السّلَف فـيُـبدي اهتماماً لافتاً بالإمام الأوزاعي واصفاً إيّاه بأنه كان «عظيم الشأن بالشام وأمره فيهم أعزّ من أمر السلطان… وقد جعلت له كتاباً يتضمَّن ترجمته…» ولا غروَ في ذلك، فالخلَف هنا يتقصّى آثار أستاذ السَّلَف في تراث حيّ متواصل من غير انحراف ولا تبديل.
على كل حال، فإن المعارك مع المردة ابتدأت في الفترة الأولى للوصول، منها معركة حاسمة معهم سنة 175هـ/791م انتصر فيها الأمير سعود بن أرسلان الذي كان يقطن سن الفيل.
والأمير المذكور رافق الخليفة المأمون مع فرسانه إلى مصر واشترك معه في حربه ضد الأقباط سنة 216هـ/831 م، ولشجاعته فيها ولاّه الخليفةُ العبّاسي، بالإضافة إلى إمارة الغرب التقليدية، ولاية صيدا ومقاطعة صفد. وتابع ابنه الأمير النعمان سجلّ المآثر بتصدّيه للمردة عند نهر بيروت شرقي المدينة وانتصاره عليهم فبعث له الخليفة العباسي بكتاب يمدحه ويقــرّه على ولايته كما أهداه سيفاً وشعار العباسيين الأسود.
ومن دون متابعة تسلسل الأحداث بشكل كرونولوجي معروف، فإنّـه يُمكن استقـراء السياق التاريخي لها من استخلاص مؤشّراتها بشكل عام. فشرعيَّةُ حكم الأمراء التنوخيين ظلَّت مُستمدَّة من شرعية الدول المتعاقبة على تملُّك السلطة في عواصم الإسلام التاريخية، وهي دول وقوى تنازعت السلطات وظلت محافظة على صوريّة وجود الخلافة ليُمكّنها ذلك من إدّعاء تمثيل «الأُمَّة». وعلى أساس هذا التمثيل، وبحكم الأمر الواقع، كانت الوثائق من كتبٍ ومناشير، تنظِّم حكم الإمارة وتصدر بشأن حقوق الأمراء في تولّي الاقطاعات. ولا يمنع ذلك من اعتبار هذه الوثائق ذات أهمية تاريخية بالغة، لما تُمثّله من ارتباط دور أبناء الجبل القدامى بالسياق التاريخي العام لديار الإسلام، وكثير من نصوصها أدرجهُ الأمير صالح بن يحيى في كتابه.
لذلك فإننا نجد أن البعض دأب على توثيق تلك الرسائل التاريخيَّة بما يُشبه طقساً احتفالـيّاً بعنفوان السلالة وفخرها يستمدّ روعته من النسخ الحيّ للتاريخ ذاته. وإلاّ كيف لنا أن نفسِّر ذلك الهاجس الذي حثَّ أجيالاً عديدة متعاقبة على جمع تلك الوثائق وتصديقها من قضاة الشرع في مدنٍ عدّة عبر القرون والحقب، فكانت الوثيقةُ تنتهي على سبيل المثال بما يلي: «هذا ما ثبت بين أيادي سيدنا ومولانا قاضي قضاة المسلمين مُحيي الملّة والدين أبو المعالي محمّد المذكور في أوّل النسب وفَّقه الله للحكم بما يرضاه وذلك أمام الأسياد والعدول الآتي ذكرهم غفر الله لهم. كُتب في رجب سنة خمس وتسعين وخمسماية والله سبحانه أعلم» . وعلى هذا المنوال تتمّ المصادقة على وثائق «السّجلّ الارسلاني» المُحتفى به إلى يومنا هذا إلى حدّ نسخه بخط يد أميرةٍ بالذات.
مرجع آخر يحفظ لنا هيبةَ ذلك التراث وصلتَه بالمرجعية الإسلامية العُليا عبر الوثائق والمناشير هو مخطوط الأمير صالح بن يحيى المُسمّى بعد طباعته «تاريخ بيروت» ولربما لو لم ينقرض فرعُ الأمير في السلالة لكان تاريخه بدوره يُنسخ باليد إلى يومنا هذا.
ومن طبائع الأمور، ما لم نُلقِ عليها أحكاماً تعسُّفية، أن نعتبر هذه السّجلّات وثائق إثبات هويَّة التراث الذي عاش عليه أبناء الثغور المجاهدين عبر الحقَـب والعهود. ولا بد من العودة معها إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حيث نرى أن «المعطيات التاريخيَّة تشير إلى أن المملكة التنوخيَّة التي كان يمتدُّ سلطانها من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشام غرباً إلى نجران جنوباً، كانت في وقت من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربية»، وإلى تلك الفترة يشير الشيخ نايف تلحوق في قصيدته، وفي البيت الذي ذكرناه سابقاً حين يعدّد بطون «نصر ولخم ومناذرة تنوخ» ويكمل فيقول:
الحيرة بنوها وضمنها شاد نعمانْ
قصر الخورنق والسدير هِن شادون
بذي قار هاني ساد من آل شيبان
يوماً  سلفنا جيوش  كسرى  تَـقـفُّـون
ويتابع في أبيات ذُكرت سابقاً أن تلك القبائل اهتدت بهداية «ولد عدنان» عندما كانت الناس «دشمان» أي أعداء، ثم يقول:
عمّار والمقداد منّا وسلمان
                                     الآيات عنهم والأحاديث يَتلُون
وحِنَّا نخاف الله وندين بإيمان
                                     وحِنا نُطيع الله لو الناس عصيون…
وهكذا نرى تأثير السّجلات المذكورة في العنفوان الشعبي وتعلُّق «العصبية» المعروفية بتراثها، هذا التراث الذي يرتبط أيضاً بأيام الفتوحات المجيدة.
فالسجل الارسلاني يذكر أيضاً أن عون بن المنذر كان مع خالد بن الوليد عند قدومه إلى الشام، وقد اشترك في واقعة أجنادين عام 13 هـ/634 م. حيث جُرح ومات. وحضر مسعود بن عون بن المنذر واقعة اليرموك بألف وخمس مئة فارس من أصحابه وقاتل قتالاً شديداً. ثم أن أبا عبيدة بن الجرّاح أسكن هؤلاء المقاتلة في معرّة النعمان القريبة من حلب.
وما لبث الخلفاء أن أبدوا اهتماماً كبيراً بالثغور منذ أيّام معاوية، فكان لتنوخ حظوة لديه. ورأينا بعدها ما كان من أمر أبي جعفر المنصور وإرساله بعض العشائر إلى السواحل وما كان من أمر الأمير مسعود بن أرسلان مع الخليفة المأمون.
وإذا ما تتبَّعنا مجرى الأحداث بعد الضعف الذي أصاب وحدة الخلافة العباسيَّة وتفكّكها إلى دول متنازعة مع الإبقاء على رمز الخلافة، نرى أن السجلات تحوي كما ذكرنا آنفاً ما يُفـيد عن تواصل الإمارة الجبليَّة مع تلك القوى في إطار مهمّة «المثاغرة».
فها هو طغتكين مؤسِّس السلالة البورية ذات الأصل التركي والتي حكمت دمشق من سنة 1104 إلى 1154 م. يكتب إلى الأمير مجد الدولة محمد بن عدي التنوخي سنة 520هـ/1126م كتاباً يوليه الإمارة فيشتدّ ساعدُه ويبدأ بغزو الإفرنج. كذلك يكتب مجير الدين أبق ملك دمشق منشوراً إلى الأمير ناهض الدين أبي العشائر بحتر بن عضد الدولة يأمره أن يبقى على رسومه المستمرّة في القرى المعروفة به وبأجداده ويحثّه على الغزو والجهاد والمحافظة. وهذا الأمير هو الذي هزم الإفرنج في واقعة رأس التينة عند نهر الغدير جنوب بيروت سنة 549هـ/1151م وقُتل منهم خلق كثير «وترادفت غزواته عليهم حتى بلغ الشهرة العظيمة» كما يقول الشدياق.
واتَّبع الزنكيون السياسة ذاتها مع التنوخيين، فقد أرسل الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في 14 ربيع الأوّل سنة      552 هـ/1157 م «مرسوماً مطلقًأ» إلى الأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر الجميهري التنوخي يحث فيه على طاعته ومعاونته «في جهاد الكفّار» ، كما أرسل له منشوراً في 7 رجب سنة 556 هـ/1160 م. يزيد له إقطاعاً. ذلك لأن أبا العز زهر الدولة كرامة كان مِمَّن يعتمد الملك العادل نور الدين عليهم في حربه ضد الفرنجة وهو الذي كان من أقدر الأتابكة الذين حاربوهم إلى حدّ أن عدّهُ الفرنجة كما يقول رونسيمان «عدوّهم الرئيس».
ثم وقعت أسرة الأمير زهر الدولة وعشيرته في محنةٍ قاسيةٍ عندما اجتاح الفرنجةُ بيروت بعد مكيدة أرّخها الأمير صالح بن يحي في 11 شوّال سنة 569 هـ. ولمّا قدم السلطان الناصر صلاح الدين إلى خلدة في 11 جماد الأوّل سنة 583 هـ/1187م. لاسترداد بيروت من الفرنجة، لاقاه الأمير جمال الدين حجي بن الأمير زهر الدولة إلى خلدة واشترك معه في فتح المدينة. ويقول صالح بن يحيى أنه «لما فتح السلطان بيروت لمس بيده رأس حجي وقال له: قد أخذنا ثارك من الفرنج، طيِّب قلبك، أنت مستمرّ مكان أبيك واخوتك» وكتب له منشوراً.
يذكر صالح بن يحيى أيضاً مكاتبات من السلطان الملك الأفضل نور الدين علي بن الناصر بن أيوب إلى الأمير حجي، كذلك من الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كذلك من الملك الصالح نجم الدين أيّوب سلطان مصر ودمشق إلى الأمير نجم الدين محمد بن حجي بن كرامة، ومن الملك الناصر صلاح الدين يوسف سلطان حلب ودمشق إلى الأمير جمال الدين حجي بن نجم الدين بن حجي، ما يدلّ على علاقة وثيقة بسلاطين تلك الحقبة الأيوبيين من السَّلَف إلى الخلَف.
العلاقة مع المماليك
استمرّت العلاقة مع أصحاب السلطنة المُتداولة بعد سيطرة المماليك على مصر، فقد أرسل الملك المعز عز الدين أيبك زوج السلطانة شجرة الدر، أوّل السلاطين المماليك في مصر سنة 648 هـ/1250 م منشوراً إلى الأمير سعد الدين خضر بن محمد بن حجي بالرغم من أن سلطته لم تكن قد امتدّت بعد إلى بلاد الشام.
والأمر ذاته حصل بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من سقوط دمشق بأيدي المغول في ربيع الآخر سنة 658 هـ/1260 م، فقد أصدر كتبغا نائب هلاكو منشوراً يقرِّر فيه جمال الدين حجياً على اقطاعه الذي كان قد أقطعه إيّاه الملك الناصر الأيّوبي وقد خاطبه «بالأمير الأجلّ الأوحد الأعزّ المختار جمال الدين عمدة الملوك والسلاطين حجي بن محمد بن أمير الغرب أدام الله تعالى تأييده وتمكينه وتمهيده». وتسلَّم الأمير زين الدين صالح من المغول أيضاً الخِلع والهدايا.
وحفاظاً على «إصلاح الحال»، إبّان تصارع القوى الكبرى، توجَّه الأمير زين الدين صالح إلى معسكر المماليك في عين جالوت وشاركهم نصرهم التاريخي على المغول بعد أن قاتل قتال «شجاعة وفروسيَّة» فنال الحظوة أمام الملك المظفَّر قطز بعد أن أخبره المقاتلة عن بطولته.
رسم تخيلي للملك المعز عز الدين أبيك (أول سلاطين دولة المماليك)
نعود لنلقى الوتيرة ذاتها في بعث المناشير والكتب، فبعد استيلاء الظاهر بيبرس على السلطنة، أقرَّ الأمير جمال الدين حجياً على معظم اقطاعه الذي كان له بعد أن زاد عليه قرى أخرى. وقد حرص بيبرس الذي عُرف عنه مجالدته للفرنجة وصراعه الطويل معهم وانتصاراته الأسطوريّة عليهم على تعزيز مهمّة «المثاغرة»، فكان لنائبه على الشام جمال الدين أقوش النجيبي عدّة مكاتبات إلى الأمراء يحثُّهم فيها على القيام بمهمّتهم. أراد الظاهر بيبرس بذلك أماناً له من الخطر الكامن في الثغور ليفرغ إلى حروبه مع القلاع الصليبيّة في الداخل ومع التتار الذين لاحقهم حتى الأناضول. وقد بعث بنفسه مرسوماً إلى الأميرين زين الدين صالح وجمال الدين حجي بعد أن تحقَّق استحقاقهما للشكر والتكريم. ويذكر صالح بن يحيي نص المرسوم الذي يبدأ بالتوجُّه إلى «الأميرين المختارَيْن المحترمَيْن الأخصَّيْن المجاهدين… فخري القبائل والعشائر مجدَي الأمرا اختياري الدولة عمدي الملوك والسلاطين…».
وقد توطّدت العلاقة مع المماليك بعد بيبرس بعد أن شهدت تطوّراً أيّام السلطان الأشرف خليل والسلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث انضمَّت قوى الأمراء التنوخيين المُقاتِلة إلى الجيش لكي يؤلِّفوا حلـقة من حلقات الجيش المملوكي. وقد أدّى هذا الانخراط في التشكيلات العسكرية المملوكية إلى إعادة تنظيم مهمّة «المثاغرة» التاريخيَّة المستمرّة منذ ما يُقارب خمسة قرون.
يستمدّ القولُ الشعبي الدرزي «الدروز سيفُ الإسلام» جذورَهُ بالتأكيد من الفترة التنوخيِّة. وينبت جذعه سنديانةً صلبة في الأعقاب التي فاخرت بتراثها وحرصت كل الحرص – لا نصفه ولا ثلثه – على المحافظة عليه في حميميَّة أقرب ما تشابه طقساً مقدَّساً غير متنازع عليه. وإذا ما أضفنا إلى فترة حكم الإمارة التنوخيَّة تاجَها التي به أضاءت وتكرَّست حقيقةً حيَّةً في جوهر التراث التوحيدي، بما يعني هنا الثورة الإصلاحية الاجتماعية الثقافية النيِّرة التي قام بها الأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) لأدركْنا كم تتماهى الوثيقةُ التنوخيةُ في هيولى الشخصيةِ الدرزية التوحيدية ظاهراً وباطناً. وقبل الحديث عن الأسُس التي وضعها الأمير السيد(ق) للنظام الاجتماعي التوحيدي، يحسن بنا استكمال السياق التاريخي ما بعد التنوخي في خطوطه العريضة.
«الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشَّرع مَعنية…» الشّيخ الخالدي
دون الدخول في المتاهةِ التي اصطنعها المؤرّخون الموارنة للأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، يمكن التحدُّث باختصار عن التزام الأمير المعني بتراث عشيرته التزاماً ثابتاً بما لا يمنعه من أن يتملّك رؤيا ذات أبعاد حضاريَّة.
المقصود بال «متاهة» مَا أُريد لقصّة الأمير فخر الدين أن تصبح أيديولوجيا الفكرة اللبنانية الخاصّة في جدلها العنيد مع محيطها العربي، فباتت كما قصّة الشرق الذي اصطنعه المستشرقون وفق ما أرادوا للشرقِ أن يكون.
ولا يُـعتـقـد أنَّ الشيخ أحمد بن محمَّد الخالدي الصفدي مؤرِّخ الأمير فخر الدين المعاصِر له استعمل التعبير لضرورة السجع عندما قال: «الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشرع معنيَّة…» دون أن يعني ذلك حقاً. ولربّما يتمّ التأكيد على ذلك من خلال السّيرة التي ثبتها الشيخ الخالدي ذاته في تاريخه لأميره عندما كان الأخير لاجئاً في توسكانا.
فقد رفض الأمير أن يأكل «إلاّ من ذبيحة المسلمين» وعيَّن له قصَّاباً من جماعته الحاج محمد قواس باشي ليتولّى شأن الذبائح. ثم أنه أقام الصلاة جماعة في رمضان في مقرّ إقامته الذي لم يمنعه من إجهار الأذان حيث كان له مؤذن هو أحمد صبايا في بيروت مِمّا أثار حفيظة مضيفيه أكابر نابولي. ولم تمنعه الأزمة الحادّة التي نشبت معهم، عندما أراد مغادرة بلادهم والعودة إلى وطنه مهدِّداً بتفجير المركب، من المثابرة على صيام شهر رمضان وسائر أفراد عائلته.
هذا فضلاً عن اهتمامه الزائد، أثناء حكمه في إمارته، برحلة الحج السنويّة التي كان يولي عليها أميراً، أحياناً أحد أولاده بالذات.
وكان الأمير فخر الدين الكبير يحضر الصلاة في الجامع أيّام الأعياد الكبيرة ويرتِّب في حاشيته العلماء والمؤذِّنين.
وقد بنى الأمير فخر الدين الجوامع عُرف منها جامع القاع في البقاع والجامع «البرّاني» في صيدا، وفي عهده أيضاً قام الأمير مُنذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي، أثناء ولايته على بيروت من قِبل الأمير علي بن فخر الدين المعني عام 1025 هـ/1616م بإنشاء المسجد المُسمَّى باسمه والواقع في قلب العاصمة بيروت (حالياً) في الوسط التجاري للمدينة بالقرب من المنطقة المعروفة باسم باب ادريس. وأما جامع دير القمر فقد بناه تنوخيّ آخر هو فخر الدين عثمان بن معن «أمير الأشواف» كما يصفه حمزة بن سباط.
الجامع “البرّاني” في صيدا
جـامـع المخـتــارة
دخلت العلاقات بين الزعماء المحليين والولاة الإقليميين إبّان الحكم العثماني مرحلة من الاضطراب والتشويش لِما شهدته من الدسائس والفِتن فيما بينهم. ولم تعد لمهمة «المثاغرة» تلك الأهمية القصوى نظراً لانشغال أوروبا بمقاومة الإندفاع العثماني إلى قلبها بعد سقوط القسطنطينيّة وتهديد أسوار فيينا. وفي كل حال نرى أن تحوُّلاً أساسيّاً طرأ على السياق التاريخي لإمارة «جبل الدروز» كما كانت تُسمَّى آنذاك وذلك بعد انتقال الحكم فيها عن طريق ما يشبه «الشورى» إلى الشهابيين.
ومن دون استرسالٍ في سرد مجريات الأحداث التي شهدت إرهاصات الصراع على حكم الإمارة بين زعماء الإقطاع ومن ثمّ تطوّره واستفحاله إلى حدِّ استنفار الحسّ الطائفي بتأثير من تدخّلات الدول الأجنبية بشكل تصاعدي، فإننا سنتوقف عند حدث يرمز إلى نقطة تحول هامة وصارخة التعبير فيما يخص مسألة التراث والصراع على هوية الجبل. لقد كان الأمير بشير الشهابي «لا يعقد محلولاً ولا يحل معقوداً إلا بعد وقوفه على رأي الشيخ بشير جنبلاط واستطلاعه وجهة فكره ومنصرَف إرادته وذلك نظراً لما كان عليه الشيخ من السؤدد والمهابة ونفوذ الكلمة وعلو الشأن». ولِما كان له من الفضل من توليته أميراً وتقديم «الدعم المالي والعسكري له لإثبات حكمه ونفوذه».
كان الشيخ بشير جنبلاط شخصية بلغت حدّ الأسطورة لِما تمتع به من «العقل والذكاء والجود والسخاء والشجاعة والفصاحة والخِلال التي أقـرّ له بها الأقران وصيّرته وحيداً في عصره وغُرَّة في جبـين دهره حتى لقَّبه اللبنانيون بعمود السماء». وكان الشيخ صاحب رؤيا نافذة في النظر إلى تاريخ عشيرته ومستقبلها في خِضّم تصارع القوى من حولها بخاصّةٍ مع بروز تأثير العامل الأجنبي (حملة نابليون على مصر) وتفاعله في الداخل. ومن الطبيعي أن يسخِّر نفوذه وثراءه واندفاعه الحيوي في خدمة بني قومه مع دعمه للأمير الحاكم. بيد أن الريبة نهشت قلب الأمير الشهابي فتطلَّع إلى إثارة الخلافات بين أقطاب العائلات الإقطاعية الدرزيَّة تمهيداً لضرب سَمِيِّه.
يقول الشدياق المؤرِّخ المعاصر للأمير بشير: «بنى الشيخ بشير جامعاً في المختارة فانكاد الأمير منه جداً واستصوب تقوية اليزبكية» وليست الحال، فيما يخصّ بناء الجامع، كما حاول أن يصوِّرَه مؤرِّخو «الغرض الطائفي»، وإنما هي نهضة تستلهم تراثها كما رأيناه في السابق. وشكْل الجامع كما هو في ذهنيَّة «عقّال» الموحِّدين لا يرتبط تحديداً بالهندسة المنطلقة إلى فضاء الفسحة الخارجية بقدر ما هو مرتبط بمفهوم «الداخل» فتبحثُ النفسُ فيها عن انسجامها في تكوير المنحنيات «العقدية» والشكل الموحي بالتواضع لقباب تنحني في خشوع كما تجسّده خلواتهم ومساجدهم المتواضعة وتكاياهم الصوفية. ويبدو أن الشيخ بشيراً أراد لجامعه أن يكون حائطاً بالمعنَيـيْن ظاهراً وباطناً، فأقامه ببذلٍ وسخاء، وكان في كل حال جزءاً من نهضةٍ عمرانية أصابت القصور والجواسق والأقنية الخ…
هكذا بنى الشيخ «جامع المختارة» عام 1230هـ/1814م. غير بعيد عن قصره، على نسق جامع الجزّار في عكا، بمحاذاة القناة المائية التي أجراها من نهر الباروك. واستُعملت خمسة عشر قنطاراً من الرصاص في بناء قـبّته ومأذنته. وأقيمت في هذا الجامع الصلوات الخمس. وقد زيَّنت مدخله أبيات من الشعر:
الا اسجدوا في مسجدٍ جاء نورُه
                                      وأهدى الراكعين ضياء الهدى
مقـــــــــــــامٌ لدين الله أضحـى منـــوَّراً
                                      بآيــاته الحسـنى وأطلع فــرْقـــــدا
بنــــــاهُ بشـيرُ الجــنبلاطيُّ يرتجي
                                       من الله عفواً والثوابَ المشيَّدا
يلوح بتقوى الله جهراً فأرِّخوا
                                       وقارٌ وأمنٌ فادخلوا البابَ سُجَّدا
وعندما انفجر صراع البشيرَيْن وخرج الأميرُ الشهابيُّ منه منتصراً، لم يتورّع عن إشفاء غُلَّة كبده «فلغم الجامع بالبارود ودكّهُ كما دُكَّ الطور فغادره أثراً بعد عَين».
جبل «الاستشراق»!
سيشهد الجبل منذ الآن فصاعداً تحوّلاً عميقاً، ليس في انحراف وجهة الدروز الموحِّدين عن تراثهم وإنما في بروز عامل التدخُّل الاستعماري الغربي آنذاك واستخدامه للعبة الطوائف الجبليّة، وبالتالي الانكباب على بذر عوامل التفـتـيت المذهبية للإجهاز على جسد «الرجل المريض» الذي صارته أمبراطورية بني عثمان. إنها قصّة معروفة مسألة الأحداث الطائفية في الجبل الحاصلة منذ ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وانفجارها عام 1860 بشكلٍ شامل، واستغلال الدول الكبرى آنذاك لعصبية الطوائف وارتكاز كل منها على طائفة مما أدّى إلى فرض حلٍّ من قِبلها على العثمانيين فيما سُمِّي ببروتوكول 1861. ما يـهـمّ هنا هو عمل الاستشراق كأداة واكبت التدخُّل الاستعماري ومهَّدت له عن طريق استخدام المعرفة عاملاً من عوامل الفعل السياسي الهادف إلى تفـتيت المجتمع وتحطيم وحدته تمهيداً لتـنفـيذ خطط السيطرة و»الانتداب».
كان المستشرق البارون سيلفستر دو ساسي عميد المستشرقين الذي كتب في عقيدة الدروز وديانتهم. يُلاحَظ أن كتابه صدر في باريس عام 1838 حين كان دو ساسي قبل ذلك بسنوات «يُستشار بانتظام حول جميع المسائل المتعلِّقة بالشرق من قبل وزير الخارجية (الفرنسي)، وفي حالات معيَّنة، من قِبل وزير الحربية أيضاً». لم يكن هاجس دو ساسي معرفياً خالصاً ليتوغَّـل في بُنية التأويل التوحيدي وارتباطها الجوهري اللطيف بتراثها الإسلامي، وإنما كان منهجه يسير «طبقاً للقواعد المعرفيّة الجوهرية المتعلّقة بالخسارة والكسب التي كان دو ساسي أوّل من وفَّـرها وطبّـقها» إذ كان الموضوع العظيم في حياة سلفستر دو ساسي هو «الحسّ المكرَّس للنفعيّة التربويّة والعقلانية» . وهكذا، كان «الحسُّ المكرَّس للنفعيَّة» يخدم آنذاك المخطَّطات الفرنسية في «استقلاب» هويّة الإمارة الجبليّة ذات الموقع الاستراتيجي الممتاز.
وبتأثير الحسّ ذاته طالَعـنا «غيز Guys» بكتابه الموسوم بتلكَ التسمية التي لم يُسمع بمثلها من قبل: «الأُمَّة الدرزية» وهو كتاب واكب مجريات الأحداث المتسارعة التي تلت الفتن الطائفية عام 1860، وكان أبرزها عقد مؤتمر باريس في          3 آب 1860، ونزول الجيش الفرنسي في بيروت في السادس عشر من الشهر ذاته، ومن ثم الاتفاق على البروتوكول الأوّل في 9 حزيران 1861 والذي عُدِّل عام 1864 والذي ينص في السطر الأول من المادة الأولى فيه على ان «يتولّى إدارة جبل لبنان متصرِّف مسيحي تعيِّنه الدَّولة العليا…».
وما لبثت ان ازدحمت حقبة «حُكْم المتصرفية» الهادئة في لبنان بوفود الإرساليات الأجنـبيَّـة التي نشطت بشكل محموم، وزرعت بذور الانتماء الطائفي بمعناه السياسي في تربة الوطن القادم. ما يهمّنا هنا هو أن التراث الثقافي لكل طائفة بات سلعة للأهداف السياسية خاصّة وان التنافس اللامتكافئ كان محموماً حول دمغ الهوية بطابع مرغوب. وفيما يتعلَّق بالدروز فقد بدأت دفقات المنشورات حول تراثهم وعقيدتهم تتدافع إلى الظهور، وبدت الرغبة الأكاديمية في المعرفة المجرَّدة وليدة المشروع الاستعماري لأنها واكبته أولاً بأوّل فكأنّها تبزغ وفقاً لرغبات الهدف السياسي الذي يتحكّم به «الحسّ المكرّس للنفعيّة» إيّاه.
الأمر ذاته حدث بعد انحسار نجم العثمانيين وفرض نظام الانتداب على دول المنطقة وانفجار ثورة سلطان باشا الأطرش ضد فرنسا عام 1925. وما لبثت أبعاد هذه الثورة أن تفاقمت بشكل خطير بعد أن أذاع الزعيم الاطرشيّ باسم «قائد جيوش الثورة الوطنيّة السوريّة العام» البيانات الأولى التي حملت شعارات «الدفاع عن الأمّة» والدعوة إلى الثورة الشاملة ووحدة البلاد وقيام حكومة شعبية وجلاء المحتلّين.
لم يكن سلطان باشا يبحث عن مصالح طائفية وإنما كان انبعاثاً لتاريخ معروفي عتيق، ورمزاً لتراث الجماعة التاريخي المتمثّل «بسيف الأمّة» الممشوق دفاعاً عن كرامتها وعزتها وشرفها. و«أمَّتُه» كانت إسلاميّة عربيّة كما تعسَّف «هنري غيز» مِن قبل وسمّاها كما شاء لها أن تكون.
لن نستطرد في سرد التأثير العميق الذي أحدثته «الثورة السورية الكبرى» بينما الحديث عن تراث الجبل اللبناني، وإنما تجدر الملاحظة بأن رموز الثورة المذكورة صارت جزءاً ساطعاً في صُلب ذاكرة التراث المعروفي أينما وُجِدوا الدروز وأينما حلّوا.
الاستشراق الصهيوني
في هذه الفترة ايضاً انتعشت ذاكرة الاستشراق ونشطت، فصدرت موجةُ جديدةُ من المنشورات الباريسية التي تتناول بالبحث تاريخ الدروز وعقائدهم. ويُمكننا هنا أن نخلص إلى النتيجة إيّاها وهي أن «المعرفة» الاستشراقية كانت وسيلة لتحقيق الأيديولوجيا، والنتيجة مزيد من فوضى المعلومات والتشويش وتعميم الأحكام التعسُّفيّة.
ومن جملة المعلومات المغلوطة أن الدرزيَّةُ دينٌ قائمٌ بذاته، والدروزُ أُمَّةُ مغايرة للإسلام لهم تراث مستقل غير مرتبط بتراث «الجماعةِ» وذاكرتها التاريخيّة. هذه هي المبادئ التي جهدت دوائر دولة إسرائيل في تعميمها بشأن الدروز.
وقبل الدروز، فقد كانت مواجهة الباحثين الصهاينة قائمة على مستوى العرب والإسلام بشكل عام. ومنذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل كان الهدف الصهيوني في جوهره، كما يعرفُ الكبيرُ والصغير، هو خلق دويلات طائفيّة تحيط بالكيان اليهودي المصطنع كحدود آمنة. «وكان قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 على أرض فلسطين مرحلةً جديدة بالنسبة للاستشراق الصهيوني بكل المعاني» . فقد أدّى إلى تغيُّر الرؤى والمناهج في مواجهة العرب والإسلام. وتصاعدت حدّة تقـنية التـفـتيت وذلك عن طريق إثارة كل ما يؤجِّج نزعة التمذهب ويصطنع اختلاق غريزة حسّ الأقليات بما يخدم التوجّهات الطائفية. ليس هذا فقط، وإنما عَمِلَ الاستشراقُ الصهيوني على التشكيك بالمقدّسات الإسلامية مثل مفهوم النبوَّة ومفهوم التنزيل وقت دأب على بعث التاريخ الباطنيّ المنسيّ لدى مختلف المذاهب فلم ينجُ من شره أحد.
هذا النهج الصهيوني هو ما ينطبق تماماً على بعض المنشورات التي صدرت في أثناء احتدام الحرب اللبنانية قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبات الاقتناع راسخاً بأنها كانت تمهيداً له عن طريق إثارة الفتن الطائفية. هنا نجد أيضاً أن الأهداف السياسية غير البريئة هي التي تقف خلف المشروع بأسره، فأيُّ حقيقة تملكها تلك المنشورات غير حقيقية الدسّ والتزييف وإثارة الشكوك؟ أم أن ذاكرتنا التاريخية صارت بدورها نِتاجاً صهيونياً صِرفاً؟
السيِّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) 820هـ./884هـ.
تُعيدنا تلك الكتابات إلى مسألة العقيدة عند الدروز الموحِّدين. ولا يعتقدنَّ أحدٌ ان انفصاماً دهريّاً ممكناً بين جسد العشيرةِ التاريخي وروحها باستطاعته التعشُّش في شخصيتها طيلة تسعة قرون. وإلا كيف لنا أن نفسِّر هذا التواصل القديم الدائم بين سيوف الموحِّدين ومصلحة «الجماعة»؟ ويُعنى بالجماعة هنا المفهوم الذي عناه النبيُّ العربيُّ الكريم صلى الله عليه وسلّم.
نعم، ارتكز الموحِّدون في عقيدتهم القرآنيَّة على إيمانهم «بإمامة التأويل» التي ميَّزت فِرق التشيُّع بأكملها، بيد انهم أغلقوا باب التفسير دون المساس بقدسيَّة الوحدة المُفترض أن تكون عليها «الجماعة». يدخل هذا عندهم في طبيعة العلاقة المعقَّـدة القائمة في جدليّة الظاهر والباطن. لقد مسخ المستشرقون والاستشراقيون حقيقة هذه الجدليَّة العميقة إلى مجرَّد موضوع «التقيَّة» و»المساترة» بمعنى الدهاء السياسي. والحقيقة أن الأمر متعلِّق بطرائق المعرفة الروحيَّة التي منها العرفان والتصوُّف واستبطان المعنى وتثوير النصّ والتحقّق الذاتي لأبعاد الإنسان الذي هو «خليفة الله» على ما جاء في القرآن الكريم ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ…﴾. لهذا تفرض العقيدة على الدروز الموحدين عدم المساس بمفاهيم الجماعة بل الانطلاق منها، من الإيمان بها، إلى أبعادها المعرفية، كل حسب قدرته وطاقته ﴿لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسْعَهَا﴾. وهذا ما يفسِّر تاريخهم وتراثهم مثلما ورد في القليل منه في هذا البحث. وبما أن السياق افترض ذكر بعض وجوه الطبقة السياسيَّة والتزامها الأثيل بمصلحة الجماعة، فقد آن الأوان للتحدث عن الشخصيَّة الروحية التي يعتبرها الدروزُ الموحِّدون الأكبر التي عاشت في بلاد الشام في العصر الوسيط.
هو الأمير السَّيِّد جمال الدين عبد الله البحتري التنوخي، ابن الأمير علم الدين سليمان بن بدر الدين محمد بن صلاح الدين يوسف بن سعد الدين خضر أمير الغرب التنوخي. ربي يتيماً مع والدته فظهرت «مخيلات الورع» وهو صغير، وكان مولده ثاني عشر ربيع الأوّل سنة عشرين وثمانمائة، أوّل ما رغب في حفظ الكتاب العزيز فختمه سريعاً ثم جرّده ثانياً ودرسه. وكان يطوف القرى في طلب العلم والحديث وهو صغير السنّ. تورّع يافعاً ما لا تصل إلى ورعه الكهول من أولى العلم. ولما ثبت جنانه وشيّد بنيانه… طرح الدنيا واشتغل بعبادة الرحمن فجرّد كتاب الله العزيز المقدَّس المطهَّر ودرسه وتلاه غيباً وداوم الدراسة فطبعت فصوله وآياته وأعشاره وسوره وسطوره في قلبه حيث لا يغيب عنه منه لفظة واحدة… ثم جمع الشروحات والتفاسير من تفسير القرآن العزيز المكرَّم الشريف. وجمع كُتُب اللغة العربية… وسيَر الملوك وأخبار الأنبياء وكتب التواريخ والفلسفة وعلم الفقه على المذاهب وكُتُب النحو وغيرها. وكان يقرأ الكتاب العزيز ويشرحه ويتكلّم في علم الفقه والحديث ويُصَحِّح الأخبار ويشيد الإسلام ويرفع للحقّ منار… ثم أنه أمر بعمارة المساجد في القرى وتجديد الجوامع وإنشاء الوقوفات، ثم انه حثَّ على القراءة الصحيحة في القرآن المكرّم وجلب الفقهاء إلى النواحي وأقام الخطب في الجوامع يوم الجمعة في كل قرية يكمل العدّة. وأطاعَتهُ الخليقةُ واقتدت بأوامره ورضت بأحكامه الخصوم، وطاعته أكابر النواحي ومشايخ البلاد، كان له تلاميذ كُثُر… وكان له يوم معلوم من أيام الجمعة يفيد أهل بلده في معاني كلام الله تَعَالَى في كتابه العزيز وقول رسوله الكريم، ثم أخبار الأنبياء وأشعار الأتقياء ومناقب الصالحين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وأخذ من أخبار «سيدي عبد الرحمن الأوزاعي الفقيه» ورسخت هيبته في قلوب أهل المعاملة الكبير والصغير والغني والفقير والأكابر والمقدّمين وعلت كلمته وقويت حجّته… وكانت تأتيه الخصوم من أقصى المعاملة، من جيرة صفد إلى أطراف حلب، إلى حدود طرابلس، إلى شوف بعلبك مع أطراف دمشق. وكانت الذمة (يقصد أهل الذمة) من اليهود والنصارى تأتي على خبره وتحضر بين يديه في اختلافٍ بينهم في أمر الدنيا.
هكذا تمضي سيرةُ الأمير السيد(ق)، فتأتي بعدها على ذكر إقامته في دمشق لسنوات غير يسيرة ثم عودته إلى عبيه ووفاة ابنه الأمير سيف الدين عبد الخالق وصبره والتزامه جانب تأدية رسالته في نشر المعرفة وإعلاء جانب الحق حتى وفاته عام 884هـ/1479م.
تكرَّست «قداسةُ» السيّد الأمير لأنّه كان التجسيد الأمثل للحياة التوحيديَّة. وهذا الأمر يحظى بإجماع «عقّال» الموحِّدين في أربع جهات بلاد الشام. وحتى يومنا هذا يبقى ضريح الإمام التنّوخي محجَّة الدروز الروحيين والزمنيين في ذلك المزار الجميل القائم في حضن الثغر التنوخيّ القديم، بقناطره الصاعدة مع انحناءةِ الإقرار كمعراجِ نفسٍ طائعةٍ لوجه ربّها الكريم، بقبَّته المتواضعة على هيبةٍ ليس مثلها هيبة سوى ما توحي به تلك السلسلة الغريبة من العابدين الزاهدين المجاهدين الذين عرفهم زمن التصوُّف الأوّل في حضارة الإسلام الأولى.
تكرَّست أيضاً طريقةُ السيّد الأمير ونهجه في حياة الموحِّدين المسلكيَّة مرجَع ثـقةٍ بإجماعٍ لم يُر مثله لا من قبل ولا من بعد. فبعد وفاة السيد بحوالي مئة وخمسين سنة كان الشيخ الفاضل محمد أبي هلال الذي عاش حياة تقى وعبادة كانت الأمثل من حيث تطابقها شبه التام مع نهج الأمير التنوخي. وهو الذي قال فيه تلميذُه وكاتبُ سيرته الشيخ أبي علي عبد الملك ابن الحاج يوسف الحلبي الشافعي إنَّ آداب الشيخ الفاضل مع شروحات الأمير قدَّس الله روحه «أنه كان واقــفاً على جليلها وحقيرها، ملتزماً حدودها، حاضاً على العمل بها وانتهاج نهجها». ويحظى الشيخ الفاضل أيضاً بإجماع «العقاّل» على وضعه في رتبةٍ تأتي بعد رتبة الأمير السّيِّد مباشرة، ودائماً فيما يتعلَّق بالكيفيَّة التي يجب أن يكون عليها مسلك التوحيد والتي وردت بمعالمها الجوهرية في سيرة الأمير السيِّد(ق).
وبعد، فكأنَّ بالدروز حسّاً عميقاً بالقدَريَّة التي تعني هنا التّسليم القلبي الصّادق بإرادة الله في السرَّاء والضرَّاء، والنيَّة عندهم هي قطب الأعمال، فإذا ما صلُحت النيَّة حَسُن المصير وإذا ما خبثت انقلب سوءُ العمل على صاحبه ﴿ولاتَ حين مَناص﴾.
فإذا ما تطلَّعنا أخيراً إلى بعض رجالات الجبل من عشيرة بني معروف في القرن الحالي لرأينا أسماء كبيرة لرجال مجاهدين مثل شكيب وعادل أرسلان، سلطان الأطرش، أمين آل ناصر الدين، علي ناصر الدين، عجاج نويهض، كمال جنبلاط وغيرهم كثُـر… ولرأيناهم أيضاً رجالاً «للأمَّةِ» بما لا يُقاس مع ما هم لطائفتهم. أَلَمْ يَبْقَ الجبل بزعامته الوطنية طيلة الحرب اللبنانية الأخيرة قلعةً من قلاع العروبة وسيفاً ساطعاً من سيوف الإسلام الحق؟ إنه الوفاء لتراثٍ أقوى من أن تزعزعه أبوابُ الجحيم وأرسخ من أن تشوِّهَه خبايا المُغرضين والعَرَضُ زائلٌ والجوهر باق ما دامت الحياة.
نُشِرت هذه الدراسة للشيخ غسّان الحلبي في مجلة «تاريخ العرب والعالم» عدد 145، 1993، في إطار أعمال «المجلس الدرزي للبحوث والإنماء» في حيـنه، ويُعاد نشرُها اليوم لأهميتها في التذكير بثوابت التاريخ والهوية.

استقطاب الناخب اللبناني: مقاربة علمية لحملةِ انتخاباتٍ نيابيّة نزيهة

تشكّل الانتخابات النيابية لحظة حاسمة في مسيرة بناء الديمقراطية في لبنان، لا سيما في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة. ومع تزايد الطلب على تمثيلٍ نزيه وفعّال، يبرز الدور الحاسم للطرق العلمية والأخلاقية في الحملات الانتخابية لاستقطاب الناخبين المقيمين والمغتربين على حدٍّ سواء. فاستقطاب الناخب ليس مجردَ عملية ترويجٍ شخصي، بل هو فن وعلم يتطلب فهماً عميقاً للسياق الوطني، وتحليلاً دقيقاً لسلوك الناخب، وتخطيطاً استراتيجياً يرتكز على أفضل الممارسات الدولية في النزاهة والشفافية. في هذا الإطار، تستعرض هذه الدراسة أفضل الممارسات العمَلية التي يمكن اعتمادها في السياق اللبناني، مستفيدةً من تجاربَ ديمقراطياتٍ راسخة.

 

أولاً: تحليل الجمهور وفهم احتياجات الناخبين

يُعدّ تحليلُ الجمهور المستهدف (Voter segmentation) أساساً علمياً لتصميم الحملات الانتخابية الفعّالة. ففي دول مثل ألمانيا وكندا، تَستخدم الحملاتُ الانتخابية قواعدَ بياناتٍ واسعةً لتقسيم الناخبين إلى شرائحَ اجتماعيةٍ واقتصادية وديموغرافية، ما يساعد على توجيه الرسائل بشكل يناسب كل فئة.

في السياق اللبناني يمكن للمرشحين جمع بيانات منسّقة عن الناخبين المقيمين والمغتربين عبر استبيانات ميدانية ومنصات رقمية، كما يمكن استخدام التحليل الإحصائي لتحديد اهتمامات الناخبين وقضاياهم الأساسية، بالإضافة إلى تصميم رسائل مخصصة لكل شريحة، مثل الشباب، المرأة، العمال، والأسر المغتربة. هذه الخطوة لا تسهم في زيادة نسبة الوصول فحسب، بل تعزز مصداقية المرشح لدى الجمهور لأنه يُظهر فهماً حقيقياً لاحتياجاتهم.

 

ثانياً: صياغة رسائل انتخابية واضحة وواقعية

لقد أثبتت تجاربَ الدول الديمقراطية أن الناخب يستجيب أكثر للمرشحين الذين يقدمون رسائل واضحة المعالم وحلولاً قابلة للتطبيق بدلاً من الشعارات العامة، فالتركيز على قضايا ملموسة كالتعليم، الصحة، تأمين فرص عمل، وتحسين الخدمات العامة يعزز قبول الناخبين للبرنامج الانتخابي.

وفي هذا الإطار، يتعيّن على المرشح اللبناني ان يصيغَ برنامجاً انتخابياً يضعُ أهدافاً قابلة للقياس ويربطُ بين القضايا العامة وخيارات الناخبين اليومية، فضلاً عن تجنّب الوعود الانتخابية الغامضة أو التي تبدو غير قابلة للتنفيذ.

وعند مخاطبة الناخب اللبناني المغترب، يتعين أن تشمل الرسائل أيضاً قضايا الهجرة، الحقوق المدنية، الاندماج في المجتمع اللبناني بعد العودة، والمشاركة في الحياة السياسية من الخارج.

 

ثالثاً: الشفافية في المعلومات والتمويل

من أهم مبادئ الديمقراطية احترام الشفافية في كل عناصر الحملة الانتخابية، وخاصة فيما يتعلق بتمويل الحملات ونشر المعلومات الصحيحة، فعدم الالتزام بذلك قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين الناخب والمرشح، ما ينعكس سلباً على نسبة المشاركة.

في لبنان، يتعين على المرشحين الإعلان بوضوح عن مصادر التمويل الخاصة بحملاتهم، وتقديم تقارير دورية عن نفقات الحملة، إضافة إلى توضيح مصادر المعلومات والبيانات المستخدمة في الحملات، وتجنّب التضليل أو نشر معلومات غير موثوقة. ان تكامل هذا المبدأ مع وجود آليات مراقبة مستقلة يمكن أن يعزز من مصداقية العملية الانتخابية، ويشجّع الناخبين، خصوصاً المغتربين منهم، على المشاركة بثقة.

 

رابعاً: استخدام التكنولوجيا الرقمية بفعالية

تلعب الوسائل الرقمية دوراً متزايداً في الحملات الانتخابية في معظم الديمقراطيات. ففي الولايات المتحدة وأوروبا يتم الاستفادة من المنصات الرقمية لاستهداف الناخبين بكفاءة عالية. لكن للنجاح في هذا المجال، ينبغي الالتزام بأساليب أخلاقية تتجنّب استغلال البيانات بشكل مسيء.
من أفضل الممارسات التي يمكن اعتمادها في الحملات الانتخابية في لبنان في هذا الاطار، إنشاء محتوى رقمي جذّاب يتناسب مع اهتمامات الناخبين، استخدام التحليلات الرقمية لفهم سلوك المستخدمين وتحسين الرسائل، إلى جانب احترام خصوصية البيانات وعدم شراء أو استخدام بيانات شخصية بدون موافقة صريحة من أصحابها.

وبالنسبة للناخبين المغتربين، تُتيح المنصات الرقمية إمكانيةَ التواصل المستمر والمباشر عبر البريد الإلكتروني، وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات البث الحيّ، ما يعزز الارتباط بين المرشح وجمهوره مهما كانت المسافات.

 

خامساً: التواصل المباشر والمشاركة المجتمعية

تُمثّل جلسات الحوار المباشر مع الناخبين، أو ما يعرف باصطلاح (Town Halls)، أحد أهم الممارسات الشائعة في دولٍ ديمقراطية مثل ألمانيا وكندا. فالاستماع الحقيقي لمشاكل واهتمامات الناس يوفّر فرصة للمرشح لشرح رؤيته بشكل شفّاف، ويخلق مساحةً للتفاعل الحقيقي.

في لبنان، يمكن تنظيم لقاءات ميدانية في المناطق المختلفة لتغطية التنوع الجغرافي والاجتماعي، إضافة إلى إجراء جلسات حوارية مفتوحة مع مجموعات من الشباب، النساء، العمال، والمغتربين عبر المنصات الرقمية. يتم الاستفادة من هذه اللقاءات لجمع ملاحظات ورؤى قد تساهم في تحسين البرنامج الانتخابي.

 

سادساً: التحالفات وبناء الشبكات

في النظم الانتخابية القائمة على التمثيل النسبي والتحالفات، كما في السويد مثلاً، تشكّل التحالفات جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الانتخابية. فالتحالف مع قوى سياسية أو منظمات مجتمع مدني يمكن أن يعزّز من قاعدة الدعم ويوسّع دائرة التأثير.

في السياق اللبناني، يمكن للمرشحين المستقلين أو الأحزاب بناء تحالفات واضحة ومعلنة ترتكز على مبادئ وقيم مشتركة، كما يمكن وضع ميثاق شرف أخلاقي بين شركاء التحالف لتجنّب الانقسامات الداخلية، هذا إلى جانب التواصل الجماعي مع الناخبين عبر جولات مشتركة ورسائل متّسقة. تُظهر هذه الاستراتيجية للناخبين قدرة المرشح على التعاون والتوافق بعيداً عن الانقسامات الحادّة.

من خلال ما تقدم، يتبين جلياً أن تبنّي الطرق العلمية النزيهة في الحملات الانتخابية يُمثّل شرطاً أساسياً لنجاح المرشحين في الانتخابات النيابية اللبنانية، سواء كانوا أفراداً مستقلين أو أحزاباً. وتُظهر التجارب الدولية في دول مثل كندا، السويد، نيوزيلندا، وغيرها أن الديمقراطية تتعزز بنهجٍ يرتكز على تحليل البيانات، الرسائل الواضحة، الشفافية، الأخلاقيات في التواصل، الشمولية في التعامل مع الناخبين المقيمين والمغتربين، والقدرة على التحالف. ويمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تُعزّز الثقة بين الناخبين ومرشحيهم، وتضمن مشاركةً أوسع وأكثر نضجاً في العملية الديمقراطية.

حينما يتكلم التراب… يحكي الوطن

كان يسير وحيداً، دخل حديقة عامة في الحي الذي يقطنه، وبعد جولة قصيرة وجد مقعداً فارغاً، جلس وكان يشعر ببعض التعب. فيه شوق لماضٍ ابتعد عنه كثيراً، وقع نظره على الأرض الطيبة، فرفع رأسه وأغمض عينيه، ثم انحنى تملأ رئتيه رائحةُ ترابِ قريته التي غادرها منذ زمن بعيد، عادت إليه ذكرياتُ الطفولة والصبا في حاراتها، سهولها وحقولها، التي انغمست يداه في ترابها، لعباً ولهواً وحبّاً، عندما زرع فيها أشجار الزيتون، مع والده وأمه وإخوانه.

في غربته اكتشف أن الوطن ليس المكان الذي يعيش فيه فقط، إنما الوطنُ يعيش في داخله، فحينما يتكلم التراب، لا يسمعه بأذنيه، بل بالحنين الذي يسكن أعماقه، يحكي أحلام الماضي، التي بناها على أطراف قريته الجميلة، وصوت والده الذي كان يناديه من خلف الأشجار، ممزوجاً مع زقزقة العصافير، ووجه أمه التي كانت توصيه دائماً، بأن ينتبه لنفسه، ودموعها التي كانت تترقرق على خديها عندما ودعته في المطار.
حينما يتكلم التراب، يحكي له الوطن عن قصص الشهداء، الذين ضمّهم في أحضانه، وعطروه برائحة دمائهم الزكية، وبأنه ليس فقط خارطة، مرسومة مخزنة في عقله، الوطن مدرسة، تعلم فيها منذ قدومه إلى الحياة، معاني الصداقة، حب الأهل والجيران، عشق الأرض والإخلاص لها، كفلاح يزرع حقله، كجندي يعشق ترابه ويسيِّج حدوده، كمعلم ينقل المعرفة والعلم لتلاميذه، مثل أبٍ يؤدي رسالته اتجاه أولاده، وأمٍ تَهَبُ حياتَها وحنانها لهم.

الوطن مجد، كبرياء، فخر، شوق، اعتزاز بتاريخ يحتضن قيمَ بطولاتٍ وبناء وإنجازات.
الوطن مئذنة مسجد وأجراس كنيسة، تنادي: حَيَّ على الصلاة.

فما أعظمك يا وطني حينما يتكلم ترابك!.

نبض الأرض في أرقام: كيف غيّرت وزارة الزراعة وجه القطاع في تسعة أشهر؟

في إطار التزامها بدعم المبادرات الوطنية وتسليط الضوء على الجهود المؤسسية الهادفة، تنشر «» هذا التقرير الصادر عن وزارة الزراعة، تقديراً للعمل الريادي الذي يقوده معالي وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، بما يحمله من رؤية ثاقبة ونهجٍ علمي متكامل في التخطيط والتنفيذ. لقد تميّزت مسيرته بشغفٍ أصيل بالأرض والبيئة، وبعلاقةٍ وثيقة مع المزارعين والناشطين البيئيين، تقوم على الشراكة والثقة والاستماع إلى التحديات الواقعية. كما برزت خبرته في إطلاق المبادرات النوعية ورعايتها، وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتطبيق ذات أثر مستدام. ويأتي هذا التقرير توثيقاً لجهود تُسهم في دعم القطاع الزراعي وتعزيز صمود المزارعين، وفي صون البيئة والطبيعة بوصفهما ركيزتين للتنمية المتوازنة. وإذ تضع هذا التقرير بين أيدي قرّائها، تتمنى لمعاليه ولفريق عمله دوام التوفيق والتقدم في كل ما من شأنه خدمة الزراعة وحماية الموارد الطبيعية وبناء مستقبل أكثر استدامة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التكنولوجيا الحديثة: رحلة الشباب نحو المستقبل

هل تخيلت يوماً أنك ستتحدث مع جهاز كمبيوتر بنفس سهولة حديثك مع صديقك؟ أو أن ترتدي نظارة ذكية تحول العالم من حولك إلى أداة تفاعلية تفهم احتياجاتك؟
هذا ليس علماً خيالياً، بل هو واقعنا الحالي في عام 2026. التكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها؛ بل أصبحت جزءاً لا ينفصل عن طريقة تفكيرنا وحياتنا اليومية.
لكن السؤال الحقيقي: هل أنت مستعد لهذا التحول؟
وهل تفهم كيف تؤثر هذه التطورات على مستقبلك؟

 

الذكاء الاصطناعي: ليس مجرد برنامج، بل حوار مع المستقبل

أحد أكثر الأشياء المثيرة للدهشة في تطور التكنولوجيا هو النقلة النوعية في الذكاء الاصطناعي. لم يعد الذكاء الاصطناعي محصوراً على تطبيقات بسيطة أو ألعاب أنتجتها شركات عملاقة. بل أصبح الآن جزءاً من كل ما تفعله على الإنترنت.

عندما تبحث عن شيء على محرك البحث، لا تجد فقط قائمة بالمواقع. بل تجد إجابات مباشرة من الذكاء الاصطناعي تفهم سؤالك بشكل عميق. ومتصفحات الويب الجديدة أصبحت مزودة بمساعدات ذكاء اصطناعي مدمجة تجيب على استفساراتك حول المواقع التي تزورها. حتى تطبيقاتك المفضلة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وواتساب تحتوي على روبوتات دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأصبح بإمكانك التفاعل معها بشكل طبيعي دون أن تشعر أنك تتحدث مع آلة.

لكن هنا يأتي الجزء المهم: الشباب اليوم يكبر وينمو بمحاذاة هذه التكنولوجيا. بحسب دراسة حديثة، أكثر من 68% من المراهقين يقولون إن شخصياتهم وهويتهم الرقمية تشكلت أكثر من خلال الخوارزميات بدلاً من أصدقائهم أو عائلاتهم. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة؛ إنه الآن يشكل كيفية رؤيتك للعالم وفهمك له.

 

الرفاق الرقميون: هل نثق بهم؟

واحدة من أكثر الابتكارات إثارة للقلق والفضول في نفس الوقت هي «رفقاء الذكاء الاصطناعي» – وهي برامج تتطور لمرافقة الإنسان وتقديم الدعم النفسي له. يمكنك الآن تطوير علاقة حقيقية مع برنامج ذكاء اصطناعي يحاكي التعاطف والفهم. لكن هنا تكمن المشكلة: هل يمكننا فعلاً الوثوق بهذه «الرفقاء الرقميين» بنفس الطريقة التي نثق بها بالبشر؟
الدراسات تظهر أن المراهقين أقل عرضة من البالغين لتشكيك دقة وقصد المعلومات التي يعطيها لهم الذكاء الاصطناعي. هذا يعني أن الشباب قد يثقون بشكل أعمى بإجاباتهم، دون أن يدركوا أن هذه الرسائل قد تحتوي على انحيازات أو أخطاء. لذلك، من الضروري جداً أن تطور ما يُسمى «محو الأمية الرقمية» – أي القدرة على فهم الذكاء الاصطناعي وتقييم مخرجاته بشكل نقدي.

 

الروبوتات: عندما تصبح الآلات قادرة على المشي والتحدث والعمل

إذا كنت تشاهد مقاطع فيديو مثيرة للإعجاب على الإنترنت تظهر روبوتات تشبه البشر تقوم بمهام مذهلة، فأنت تشاهد المستقبل الذي يحدث الآن. عام 2026 سوف نشهد طفرة حقيقية في عالم الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

شركات مثل Tesla عرضت روبوت «Optimus» الذي يقدم الفشار في المطاعم. وشركات صينية أطلقت روبوتات على شكل إنسان قادرة على التفاعل الطبيعي مع البشر. لكن الأهم من الشكل هو الوظيفة. هذه الروبوتات لا تعمل فقط بموجب برمجة محددة سلفاً؛ بل إنها تتعلم وتتكيف مع بيئتها. يمكنها فهم ما تقول لها، وتغيير طريقة تفاعلها معك بناءً على ردود أفعالك.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك كشاب؟ هذا يعني أن الوظائف القديمة تتغير بسرعة. المستقبل لن يحتاج بالضرورة إلى عمال ينفذون مهام روتينية؛ بل سيحتاج إلى مبتكرين ومفكرين قادرين على العمل مع الروبوتات والتحكم فيها وتوجيهها.

 

النظارات الذكية والواقع المختلط: عندما يلتقي العالم الحقيقي بالعالم الافتراضي

تخيل أنك تمشي في الشارع، وترى المعلومات مباشرة أمام عينيك. اسم الشخص الذي تقابله، وظيفته، حتى السعر الأفضل للمنتج الذي تريد شراءه – كل هذا يظهر في عدسات النظارة التي ترتديها. هذا ليس من الخيال؛ إنه حقيقة 2026.
شركات مثل Meta أطلقت نظارات ذكية بشاشات رقمية تعرض البيانات والتطبيقات مباشرة في محيط رؤيتك. وApple تستعد لإطلاق أول هاتف آيفون بشاشة قابلة للطي تحول هاتفك إلى جهاز آيباد محمول. لكن هذه ليست مجرد تطورات في التصميم؛ من جهتها شركة Samsung فقد سبق واطلقت هاتف Galaxy بشاشة قابلة للطي.

إنها ثورة في طريقة تفاعلنا مع التكنولوجيا.
مفهوم «الواقع المختلط» الذي يجمع بين الواقع الحقيقي والعوالم الافتراضية يتطور بسرعة هائلة. سيشهد عالم التكنولوجيا تحولاً جذرياً خلال عام 2026، نتوقع سماعات رأس أخف وزناً وأكثر استقلالية، توفر تجارب غامرة بشاشات عرض أوضح ومستشعرات أسرع. هذا التطور سيزيل الحدود الفاصلة بين العالمين المادي والافتراضي، مما يفتح إمكانيات لم نتخيلها من قبل في التعليم والترفيه والعمل.

 

إنترنت الأشياء: كل شيء متصل ببعضه

هل فكرت يوماً كم عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت من حولك؟ ساعتك الذكية، ثلاجتك، مكيف الهواء، حتى مصباح غرفتك – كل هذه متصلة ببعضها وتتواصل مع بعضها البعض.

هذا ما يُسمى «إنترنت الأشياء» (IoT)، وهي شبكة ضخمة من الأجهزة التي تجمع المعلومات وتتبادلها تلقائياً، دون الحاجة إلى تدخل يدوي منك. ما الفائدة؟ تخيل أن ساعتك تلاحظ أن درجة حرارة جسمك مرتفعة وتخبر الثلاجة الذكية تلقائياً بأن تحضر العصير البارد لك. أو أن المنزل يشعر عندما تقترب وتشعل الأضواء والتدفئة قبل دخولك بدقائق.

لكن هذا يأتي مع تحديات أمنية كبيرة. كلما زاد عدد الأجهزة المتصلة، زادت نقاط الضعف الأمنية. الخصوصية أصبحت موضوعاً حساساً جداً في عالم الإنترنت المتصل. لذلك من المهم جداً أن تفهم كيف يتم جمع بيانات وحماية معلوماتك الشخصية.

 

الحوسبة السحابية والحافة: حيث تتم معالجة المعلومات

تطور آخر مهم هو كيفية معالجة وتخزين كميات ضخمة من البيانات التي ننتجها يومياً. الحوسبة السحابية التقليدية – حيث ترسل بيانات إلى خوادم مركزية بعيدة – بدأت تتطور. الآن، هناك «حوسبة حافة» (Edge Computing) حيث تتم معالجة البيانات بالقرب من مصدرها، على الجهاز نفسه أو قريباً منه.

ما الفائدة؟ معالجة أسرع، كمون أقل (زمن التأخير)، وخصوصية أفضل. بدلاً من إرسال جميع بيانات هاتفك إلى خادم بعيد، يمكن معالجة جزء كبير منها محلياً على الجهاز نفسه. هذا يعني ابتكارات أسرع وأكثر كفاءة في كل المجالات.

 

الواجهات بين الدماغ والحاسوب: هل سنقرأ أفكارك؟

إحدى أكثر التقنيات إثارة للجدل والاهتمام في 2026 هي «واجهات الدماغ والحاسوب (Brain Computer Interfaces). هذه التقنية تسمح بالتواصل المباشر بين دماغك والحاسوب، متجاوزة أساليب الإدخال التقليدية مثل لوحة المفاتيح.

تخيل أنك تستطيع التحكم بروبوت أو جهاز كمبيوتر بمجرد التفكير فيما تريده. هذا ممكن الآن! التطبيقات الأولية تظهر في المجالات الطبية – مثل مساعدة الأشخاص الذين يعانون من الشلل على التحكم بأطراف اصطناعية، أو مساعدة الأشخاص في إعادة التأهيل بعد السكتة الدماغية.

لكن هذا يرفع أسئلة أخلاقية كبيرة جداً: هل يمكن اختراق أفكارك؟ من يمتلك حقوق بيانات دماغك؟ هذه أسئلة يجب أن نبدأ بطرحها الآن، قبل أن تصبح التكنولوجيا منتشرة على نطاق أوسع.

 

المحطات الفضائية التجارية: الفضاء لم يعد حكراً على الحكومات

شيء آخر مثير في 2026 هو انتقال استكشاف الفضاء من أيدي الحكومات إلى أيدي الشركات الخاصة. أول محطة فضائية تجارية مأهولة بالسكان مقررة للانطلاق في مايو 2026.

هذا يعني أن رحلات الفضاء لن تكون حكراً على رجال الفضاء الحكوميين بعد الآن. وسيكون بإمكان الأشخاص العاديين – بما فيهم الشباب – السفر إلى الفضاء والمساهمة في الأبحاث العلمية هناك. قد لا تستطيع أن تذهب بنفسك فوراً، لكن هذا المسار يفتح احتمالات لم تكن موجودة من قبل.

 

الاستدامة والتكنولوجيا الخضراء: بناء مستقبل أفضل

وسط كل هذا الابتكار التكنولوجي، هناك توجه مهم جداً: التكنولوجيا الخضراء والمستدامة. الأجهزة الذكية الجديدة تستخدم مواد معاد تدويرها ومستشعرات منخفضة الطاقة. بطاريات أكثر متانة تعني أجهزة تعمل لفترات طويلة دون الحاجة لشحن متكرر.
في المنازل، التقنيات الذكية تحسن إدارة الطاقة من خلال منظمات حرارة أكثر ذكاءً وإضاءة محسنة، وإدارة تلقائية للأجهزة غير المستخدمة. هذا يعني فاتورة كهرباء أقل، وتأثير بيئي أقل. وفي المستوى الأكبر، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحسين إدارة الموارد الطبيعية وتقليل الهدر.

 

 

الشباب والتكنولوجيا: فرص وتحديات

كشاب في 2026، أنت تمتلك فرصة تاريخية. ولدت وكبرت مع هذه التكنولوجيا، وتفهمها بطريقة قد لا تفهمها الأجيال السابقة. لكن هذا يأتي مع مسؤوليات كبيرة.

أولاً، محو الأمية الرقمية لم تعد خياراً اختيارياً. أنت بحاجة لفهم ليس فقط كيفية استخدام التكنولوجيا، بل كيفية التفكير النقدي حولها. الدراسات أظهرت أن الطلاب الذين يُدربون على تقييم إجابات الذكاء الاصطناعي بشكل نقدي يحققون نتائج أفضل وينسون المعلومات بشكل أقل.

ثانياً، الخصوصية والأمان ليسا كماليات. مع كل أداة جديدة تستخدمها، أنت تسمح بجمع بيانات عنك. من المهم أن تفهم ماذا تعطي الشركات مقابل الخدمات التي تستخدمها. قراءة شروط الاستخدام ليست مملة وغير ضرورية – إنها ضرورية لحماية نفسك.

ثالثاً، التوازن بين التكنولوجيا والحياة الحقيقية أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. جيل الشباب اليوم يستهلك أكثر من 34 جيجابايت من البيانات يومياً. كل هذا المحتوى السريع والشيق قد يؤدي إلى ما يُسمى «التفكير السريع» – معالجة سطحية وسريعة للمعلومات دون التفكير العميق. خذ الوقت للتفكير، للقراءة، للحوار المباشر مع الآخرين.

 

 

الفرص الوظيفية الجديدة

إذا كنت قلقاً بشأن وظيفتك في المستقبل – وهذا قلق طبيعي – فاعلم أن هناك فرصاً جديدة تظهر بنفس السرعة التي تختفي بها الوظائف القديمة. سوق العمل يحتاج إلى:
● متخصصي الذكاء الاصطناعي والبيانات: من يستطيع فهم وبرمجة وتحسين أنظمة الذكاء الاصطناعي
● مهندسي الروبوتات: من يستطيع تصميم والتحكم بالروبوتات
● متخصصي الأمن السيبراني: مع زيادة الأجهزة المتصلة، الحاجة لحماية البيانات أصبحت ملحة
● مبتكري التكنولوجيا الخضراء: من يجدون حلولاً لاستخدام التكنولوجيا بطريقة مستدامة
● مُعلمي التكنولوجيا: من يستطيع نقل هذه المعرفة للأجيال القادمة

 

 

التكنولوجيا في العالم العربي

في منطقتنا العربية، التطور التكنولوجي لم يعد مستوى رفاهية يمكن الانتظار فيه. دول عربية مثل السعودية، الإمارات، والمغرب بدأت تستثمر بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي وتقنيات المستقبل.

السعودية وحدها أنشأت صندوق بـ 100 مليار دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى كجزء من رؤيتها 2030. يُتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي حوالي 135 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي السعودي بحلول 2030.

هذا ليس مجرد أرقام. هذا يعني فرص عمل جديدة، شركات ناشئة، ابتكارات محلية. كشاب عربي، هذا وقتك. يمكنك أن تكون جزءاً من هذا التحول التكنولوجي، وأن تساهم في بناء مستقبل منطقتك.

 

 

الخلاصة: كيف تستعد للمستقبل

مع كل هذه التطورات، قد تشعر بالإرهاق. لكن لا تقلق – إليك بعض الخطوات العملية التي يمكنك اتخاذها الآن:
تعلم المهارات الأساسية: لا تحتاج أن تصبح مهندس برمجيات. لكن فهم أساسيات البرمجة والبيانات سيعطيك ميزة كبيرة. هناك موارد مجانية على الإنترنت للبدء.
طور فضولك النقدي: لا تقبل كل ما يخبرك به الذكاء الاصطناعي بالتسليم. اسأل، تحقق، فكر بشكل نقدي.
ابقَ متوازناً: التكنولوجيا أداة، وليست الحياة. أقضِ وقتاً مع الأصدقاء وجهاً لوجه. اقرأ الكتب. مارس الرياضة. أنجز هواياتك البعيدة عن الشاشات.
كن جزءاً من الحوار: لا تكن مستهلكاً سلبياً للتكنولوجيا فقط. شارك في الحوار حول الآثار الأخلاقية والاجتماعية لهذه التطورات. صوتك مهم.
استكشف الفرص المحلية: ابحث عن المشاريع والشركات الناشئة في منطقتك التي تعمل على هذه التقنيات. ربما تجد فرصة للتدريب أو العمل.

التكنولوجيا الحديثة ليست مستقبل بعيد – إنها حاضرنا. كشاب اليوم، أنت لست مجرد شاهد على هذا التحول؛ أنت فاعل في صنعه. المستقبل ليس شيئاً يحدث لنا – إنه شيء نصنعه بخياراتنا اليومية وقراراتنا الواعية.
السؤال الآن: هل أنت مستعد لأن تكون بطلاً في هذه القصة التكنولوجية الجديدة؟

فواكه خطرة ومسموحة لمرضى الكلى
تجنّب هذه الأربع واختر هذه الثلاث لحماية كليتيك

الموز
الموز غني بالبوتاسيوم، والكلى المتضررة لا تستطيع التخلص من البوتاسيوم الزائد، مما يعرّض القلب للخطر، ويُذكر أن الموز عموماً ليس ضاراً بالكلى لدى الأصحاء، ولكنه قد يشكل خطراً على مرضى الكلى المزمنة بسبب محتواه العالي من البوتاسيوم.

 

البرتقال
البرتقال ليس مفيداً للكلى، قائلاً «يبدو البرتقال صحياً، ولكنه غني بالبوتاسيوم أيضاً، حتى برتقالة واحدة قد ترفع مستويات البوتاسيوم بشكل خطير لدى مرضى الكلى، لذلك يجب على من يعانون من مشكلات في الكلى تجنبه.

 

الأفوكادو
الأفوكادو معروف عنه أنه فاكهة غنية بالعناصر الغذائية، لكنها ليست مناسبة لمن يعانون من ضعف الكلى، حيث يقول الطبيب «الأفوكادو غني بالبوتاسيوم والدهون، مما يزيد من صعوبة عمل الكلى»، لذلك يجب على من يعانون من مشكلات في الكلى تجنبها.

 

الفواكه المجففة
الفواكه المجففة مثل الزبيب والمشمش ليست جيدة للكلى أيضاً، ويؤكد الطبيب أن هذه الفاكهة تحديداً خطيرة للغاية، فهي صغيرة الحجم، لكنها غنية جداً بالبوتاسيوم والسكر، وكلاهما يُرهق الكلى أكثرـ حيث تحتوي هذه الفاكهة على سم عصبي تستطيع الكلى السليمة ترشيحه، لكنها قد تُسبب نوبات صرع لدى مرضى الفشل الكلوي.

فيما يلى.. 3 أنواع من الفاكهة مفيدة لمرضى الكلى على وجه الخصوص:

البطيخ
ثبت أن البطيخ غني بالماء، مما يساعد على ترطيب الجسم وطرد السموم، وبالتالي تحسين وظائف الكلى بفضل الليكوبين والبوتاسيوم الموجودين فيه، ووفقاً لدراسة، يُعرف البطيخ بخصائصه الوقائية من أمراض الكلى وقدرته على تنقية البول، وقد أكدت الدراسة الاستخدامات التقليدية للبطيخ، وأظهرت أن مستخلص لبّه يتمتع بخصائص فعالة مضادة لتكون حصوات الكلى ومدرة للبول.

 

التوت
التوت غنيّ بمضادات الأكسدة، ويُقال إن لها خصائص مضادة للالتهابات تساعد على الوقاية من التهابات المسالك البولية، وتعزيز صحة الكلى بشكل عام، ووفقاً لدراسة، فإن استخدام التوت في النظام الغذائي اليومي يساعد على تعزيز صحة الكلى، من خلال محتواه العالي من الأنثوسيانين والبوليفينول ومضادات الأكسدة، مما يقلل من الإجهاد التأكسدي والالتهاب والتليف، مع تحسين وظائف الكلى في نماذج مرض الكلى المزمن.

 

الأناناس
تُعد هذه الفاكهة غنية بمركب يُسمى البروميلين، والذي يُساعد على تقليل الالتهاب ودعم صحة الكلى، ووفقاً لإحدى الدراسات، يُقال إن الأناناس يدعم الكلى بفضل إنزيم البروميلين وفيتامين سي ومحتواه العالي من الماء، مما يُوفر تأثيرات مضادة للالتهابات ومضادة للأكسدة ومدرة للبول، والتي قد تُساعد على الهضم، وتُقلّل التورم، وتُعزز ترطيب الجسم في المراحل المبكرة من مشكلات الكلى.

خمسة مشروبات طبيعية مدعومة علمياً لعلاج الكبد الدهني والوقاية من مضاعفاته

يعد الكبد الدهني مرضاً يُصيب الكثيرين حول العالم، ورغم شيوعه بين 90-100% من متعاطي الكحول، إلا أن عوامل أيضية ونمط حياة أخرى تُسهم في ظهوره لدى آخرين أيضاً، ويمكن لبعض المشروبات الطبيعية أن تساعد في علاج الكبد الدهني، وفقاً لتقرير موقع «تايمز أوف انديا».

بحسب مؤسسة الكبد الأمريكية، يُعاني حوالي 100 مليون أمريكي من مرض الكبد الدهني غير الكحولي، ورغم أن تناول المكملات الغذائية والأدوية قد يُساهم في حل المشكلة، إلا أنه يُكلف مبالغ طائلة، ومن أسهل الطرق للتعامل مع هذه الحالة تجربة أكبر عدد ممكن من الطرق الطبيعية، بما في ذلك اتباع نظام غذائي صحي، وممارسة الرياضة، وغيرها، كما يُمكن أن يُساعد تناول بعض المشروبات الصحية بشكل كبير في علاج الكبد الدهني بسرعة.

فيما يلى 5 مشروبات يُمكنك البدء بها لعلاج الكبد الدهنى:

الشاي الأخضر
يُعد الشاي الأخضر كنزاً صحياً لما له من فوائد جمة، فهو غني بمضادات الأكسدة المعروفة باسم الكاتيكينات، والتي تُعرف بفعاليتها العالية، وتحمي هذه المضادات خلايا الكبد من التلف عن طريق تحييد الجذور الحرة، كما تُقلّل من الالتهابات التي يُعتقد أنها تُحفز الإصابة بمرض الكبد الدهني، وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2015 في المجلة الدولية للطب السريري والتجريبي أن مُستهلكي الشاي الأخضر أقل عرضة لتراكم الدهون في الكبد.

الزنجبيل
يحتوي الزنجبيل على أكثر من 400 مركب حيوي نشط و40 مركباً مضاداً للأكسدة، وقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة «هيباتيتس مونثلي» أن تناول جرامين من مكملات الزنجبيل يومياً لمدة اثني عشر أسبوعاً يقلل من مقاومة الأنسولين وعلامات الالتهاب في الكبد، لذلك فإن إضافة كوب من الزنجبيل لا يساعد فقط في علاج الكبد الدهني، بل يساهم أيضاً في خفض ضغط الدم والغثيان وتعزيز المناعة.

 

خل التفاح
يُعد خل التفاح مشروباً فعالاً للغاية للبعض، بينما يُشكل خطراً كبيراً على آخرين، وبالنسبة لمن يسعون لعلاج الكبد الدهني، فهو خيار ممتاز، فهذا المشروب غني بمضادات الأكسدة والبروبيوتيك، وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة BMC للطب التكميلي والعلاجات أن خل التفاح يُخفّض بشكل ملحوظ مستوى الجلوكوز في بلازما الدم لدى مرضى السكري من النوع الثاني، ويُمكن أن يُساهم تحسين مستوى الجلوكوز ومقاومة الأنسولين في تحسين حالة الكبد الدهني بشكل كبير، ومع ذلك، يُنصح بتخفيفه بشكل صحيح لتجنب إتلاف مينا الأسنان.

 

القهوة
لا تتوقف عن شرب فنجان قهوتك اليومي، فالقهوة غنية بمضادات الأكسدة والبوليفينولات، وتساعد على تقليل الالتهابات من خلال استهداف الجذور الحرة، وقد ثبت أنها مفيدة في علاج الكبد الدهني، وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة «أمراض الكبد» أن الاستهلاك المنتظم للقهوة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني غير الكحولي.

 

الكركديه
الكركديه مشروب غني بمضادات الأكسدة مثل الفلافونويدات والبوليفينولات والأنثوسيانين، وقد وجدت دراسة أجريت عام 2014 ونُشرت في مجلة «الغذاء والوظيفة» أن تناول الكركديه لمدة 12 أسبوعاً يُقلل من وزن الجسم ونسبة محيط الخصر إلى محيط الورك ونسبة الدهون في الكبد.

مجموعة مآثر وعبر

براءةٌ مُزيَّفَةٌ وصراحةٌ مُنْجِيَةٌ

زارَ أحدُ الحُكّامِ سِجْنَ المدينةِ، فتفقَّدَ السجناءَ وسألَ أحدَهُم: ما ذنبُكَ؟
قالَ: لا ذنبَ لي، إنّما سُجِنْتُ ظلماً بتهمةِ القتلِ.
ثمّ سألَ الآخرَ فأجابَ كالأوّل، وهكذا حتّى وصلَ إلى الأخيرِ فسألَه: أأنتَ بريءٌ أيضاً كرفاقِكَ؟
فقالَ: لا يا مولاي، إنّما أنا قاتلٌ وسارقٌ وقاطعُ طريقٍ.
فهنا أمسكَهُ الحاكمُ بيدِهِ وأخرجهُ من السجنِ وقالَ له:
اذهبْ في سبيلِكَ، لأنّكَ لا تستحقُّ أن تكونَ بينَ هؤلاءِ الصالحينَ، لئلّا تُفسِدَ لهم أخلاقَهُم.

 

أحلامُ الموجِ وصخورُ الواقعِ

قالتْ موجةٌ لأُخرى، وهما معاً تتلاطمانِ في خِضَمِّ بحرٍ زاخرٍ بالأمواجِ العاتيةِ: أختاهُ، ما تظنّينَ سيكونُ وَقْعُنا متى بلغنا اليابسةَ؟
لا شكَّ أنّنا سنُزيلُ الجبالَ العاليةَ، ونقتلعُ الأشجارَ السامقةَ، ونغمرُ التلالَ المرتفعةَ والوديانَ السحيقةَ، ونبدّلُ معالمَ الأرضِ ونغيّرُ وجهَ المعمورةِ.
التفتتْ إليها الأخرى وأجابتها بتشاؤمٍ:
آهٍ يا أختاهُ من شططِ أحلامِنا، إذ لو كانَ ما تقولينَهُ حقيقةً، لكانَ الذينَ سبقونا من قبلُ، وقد كانوا الأجلَّ والأعظمَ والأقوى، قد أدركوا من أحلامِهم ما نسعى نحنُ اليومَ إلى إدراكِهِ.
فالخوفُ كلُّ الخوفِ يا أختاهُ أن نتحطّمَ ساعةَ نبلغُ النهايةَ، وما نحملُ من أحلامٍ وأمانٍ على صخورِ واقعٍ لطالما سمعنا عنها: صلبةً، ملساءَ، قاسيةً…

 

سرعةُ البديهةِ

جيءَ إلى الخليفةِ المأمونِ برجلٍ ادّعى النبوّةَ، فسألهُ: ما الدليلُ على نبوّتِكَ؟
فأجابَ الرجلُ قائلاً: الدليلُ أنّي أعلمُ ما في نفسِكَ.
قالَ: فماذا في نفسي الآنَ؟
قالَ: في نفسِكَ أنّي كذّابٌ!
فضحكَ المأمونُ وأمرَ بحبسِهِ أيّاماً، ثمّ دعاهُ وسألهُ: هل أُوحيَ إليكَ بشيءٍ؟
قالَ: لا، لأنّ الملائكةَ لا تدخلُ السجنَ!
فضحكَ المأمونُ، وقَبِلَ توبتَهُ وأخلى سبيلَهُ.

 

ليسَ كلُّ من في النورِ بصيراً

فبينما الجرذُ ينقُبُ في الترابِ ليتّخذَ لهُ في بطنِهِ حجراً، إذ خرجَ على صوتِ حركتِهِ خُلْدٌ، فقالَ له: يا هذا، أما يَسْلَمُ من أذاكم وإزعاجِكم، معشرَ الجرذانِ، أحدٌ لا فوقَ الأرضِ ولا تحتَها؟
التفتَ إليه الجرذُ وأجابَ: يا عزيزي، أما آنَ لكَ أن تملَّ وتسأمَ الإقامةَ في هذه الأنفاقِ المظلمةِ فتخرجَ إلى النورِ؟
فإنّ المرءَ في النورِ يُصيبُ ما لا يُصيبُهُ في الظلامِ.
تأفّفَ الخلدُ وقالَ: يا صديقي، لم تَعْدُ الحقَّ ولم تتجاوزِ الصوابَ، ولكن ليسَ كلُّ من أصابَ من الزهرةِ أنتجَ عسلاً، ولا كلُّ من عاشَ في النورِ كانَ ذا بصرٍ!

 

العُمقُ الحقيقيُّ والعُمقُ الزائفُ

وقفَ إنسانٌ على شاطئِ أحدِ البحارِ وهتفَ بملءِ صوتِهِ:
يا بحرُ، أنا مثلُكَ، كلانا عميقٌ، وكلانا يزخرُ باللآلئِ والجواهرِ، وعلى سطحِهِ تمخرُ مراكبُ الأحلامِ.
ضحكَ البحرُ وأجابَ بصوتٍ هادرٍ:
مخدوعٌ أنتَ أيّها الإنسانُ، فلستَ مثلي؛
فأنا أرمي بتفاهاتي على شاطئي، وأحتفظُ بنفائسي في أعماقي،
وأنتَ تقذفُ بنفائسِكَ على لسانِكَ، وفي أعماقِكَ تحتفظُ بالتفاهاتِ.
وأنا أحملُ فوقَ كاهلي سفنَ الأحلامِ،
فيما أنتَ لا تعدو أن تكونَ راكباً على متنِ إحدى سفنِ أحلامِكَ.

طليع حمدان

بين جمالية الصوت ورقّته وعمق الكلمة ونضارتها يترك طليع حمدان واحته المحمّلة بالظلّ وباقات حقوله المذهّبة بالشمس.. المليئة بالذكريات، وخربشات على جدران ذاكرة غصّت بها الأرواح، ليبدأ رحلته مع الخلود ويسدل ستارة إبداعه على مسرح الغياب، منهياً مسيرته الأسطورية وملقياً وشاح خياله على ناصية الزمن.
من خُلُقٍ سما به إلى مراتب الكمال الشعري وموج عبرت بين حناياه مراكب الجمال .. من قندول الفكرة ورحيق الزهرة جاء بقوافيه منشداً قصائده وأغانيه على وقع الترانيم المتناغمة مع مقامات الموسيقى السريانية والتسبيح الروحي للإنشاد المسيحي والتجويد القرآني الإسلامي، فكان بحقّ من أصفياء الشعر المختارين وأحد أبرز ملائكته المجنّحين.
غصنه الميّاد وفكره الوقّاد وصوته الشجي ولمعة خياله الراقي وفرحه الوردي السابح في عليّات الطبقات المجاورة للأنجم بكل أشكال بديعها وبيانها المليئة بالزخارف الفائقة الجمال.. صفات طوّبته شاعراً ساحر اللفظ، نادر الوجود.
رحل طليع حمدان محمّلاً رسالة الروح قصائد عاصفة ً باللّهب.. تائهة مختفية في جداول المـقام.. رحل مفجّراً في الشباب أعيناً تسقي المتعطّشين للشعر المرهف بكلّ ألوانه  الآتية من أفلاك الإلهام، ورسالة موقف في الحياة وأوتاراً لصوت انحنت أمامه الشواهق والقمم.. جاعلاً من قصائده مغناة حياته الزاخرة بكل ألوان البديع حتى أضحت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الوطن الجماعية، خلّدها الناس وجعلوا لها في قلوبهم مكانة ومنزلة.
توزّعت دواوينه على موضوعات الشعر الزجلي وأغراضه جميعها، وأتقن أساليب الحوار الشعري وأفانينه المبتكرة مُظهِراً قدرةً إبداعية ندر أن تجد لها نظيراً لدى أقرانه من الشعراء.
قتلني الشعر ع الورد النبيدي
دفنّي بزرّ غطاني بحنّي
أنا ربّي عجن فيي القصيدي
وتا خلّدها رجع فيها عجنّي
هو العابر لحدود الكيانات نحو آفاق العروبة والإنسانية بكل مظاهرها البيانية وسماتها العصرية بلغة متفرّدة غنيّة بالإيحاءات الجمالية..
هام بحبّ لبنان فغناه في السهرات والأمسيات وأقام لأجله الحفلات، وجاب المغتربات  منادياً بقيم الوفاء للوطن الأحبّ، معبّراً عن همومه وقضاياه، معيداً الحنين إلى نسائم البحر وجريان النهر وسقسقة السواقي بضفافها المغطاة بأشجار الحور وأزهار الربيع،  إلى الجبال والرواسي المنتشية بصلابة الأرز الخالد، تاركاً بصمة لا تمحى وذاكرة سوف يتردّد صداها ما بقي للمنبر أركان من خيال.
طليع حمدان، الشاعر الذي بسط في وجدانه  أجنحة تحمل روحه الشاعرية  وعصارة من خفقات قلبه الوطيدة تجاه رفاق الدرب من شعراء جيله
شبابي عندما طلّت فصولو
وربيعي عندما غطّى الحفافي
عليي تا الوحي بلّش نزولو
ما بنسى طلعت ع كتافك مسافة
مجّد بطولات الجيش والقوى الأمنية وأفرد لتضحيات اللبنانيين في مقاومة الاحتلال بحوراً من قصائده وأشعاره، ووقف مع شعب الجنوب ومعاناة وصمود أهله في مواجهة غطرسة العدوان، وحيّا شهداءه وأبطاله.. مستلهماً من عرس قانا فلسفة الإغريق وقيامة السيد المسيح !..
مدري أثينا بأرض مزروعة جمال
فيها مشي من جديد سقراط الحكيم
مدري وعي يللي إنصلب فوق التلال
وعاود مشي الفادي بشوارع أورشليم
غنّى فلسطين، وراح ينثر رائعات قوافيه حبّاً لشعبها وثوّارها وانتفاضتها صلوات رتّلها العنفوان وأناشيدَ ستبقى مناراً للأجيال القادمة في مسيرة النضال ضد الطغيان وجبروت الاحتلال
يا شعبنا تا أرفع جبيني
عطيني حجر من فضلك عطيني
وخذني على الضفة مع الأرياح
وهونيك بفلسطين خليني
ويا بايعين الكون كلّو سلاح
ما بتستريحوا ولا حدا بيرتاح
بأرض القدس.. تا ترفرف الرايات
ع دولة الشعب الفلسطيني
معيداً للذاكرة وقفاته المنبرية مع كبار الشعراء وبإنتمائه الوطني والعروبي والإنساني مفاخراً بنزعته التوحيدية وبالإنتماء لعشيرته المعروفية
جبت المصيبة يا ردى ما أسرعك
حتى إنت يا موت نشّف مدمعك
حمدان قلبك.. بالقصيدة دلّعك
وغير الطفولة بالمهد ما بتنفعك
إنكنّك طفل بتحبّ ترجع للحياة
بتحبّنا أطفال رجّعنا معك
يترجّل طليع حمدان، و يبقى صدى قصائده يتردّد في وديان لبنان وقممه مع كلّ شروق إرثاً لا يطويه النسيان.. ورسالةُ وطنٍ صِيغت بالقوافي، فما زرعه لم يكن مجرد حروفٍ قيلت، بل كانت نبضاً من روح الأرض لا يعرف الغياب إليه سبيلاً.

وطن الفتن والمحن في الرابطة الثقافية

شدّد مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد على أننا، وإن كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليمية والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ولتعزيز مفهوم المواطنة بالتوازي مع التمسك بالمبادئ الأساسية التي قام عليها لبنان، وهي: التنوع، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الإبداع.فقد رعى الدكتور الصمد باسم وزارة الثقافة لقاءً بدعوة من الرابطة الثقافية وكلية الآداب في جامعة الجنان والندوة الشمالية ومركز صلاح الدين للثقافة والإنماء ودار المحجة البيضاء وجمعية الوفاق الثقافية، لعرض ومناقشة موسوعة «وطن الفتن والمحن: لبنان بين ألم التاريخ وأمل الغد» للدكتور حسن قبيسي، الذي أقيم في قاعة مؤتمرات الرابطة الثقافية في طرابلس.ألقت فرح صفوح يكان كلمةً نوّهت فيها بالكتاب والمشاركين، ثم ألقت قصيدةً تناولت فيها المؤلف وقيمه الأدبية، كما أشارت إلى الكتاب قيمةً ومضموناً، وعرضت لمؤلفات الدكتور حسن، مؤكدة رعاية وزارة الثقافة للمناسبة والكتاب، ومشيرةً إلى حرص المدير العام الصمد الدائم المتعدد الجوانب.
وممّا جاء في كلمة مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد: نلتقي لنناقش كتاب موسوعة للدكتور (حسن محمود قبيسي)، يتصدّى لدراسة المقوّمات التاريخية والجغرافية للبنان، بالإضافة إلى خصائصه الديموغرافية، وإلى سائر الموضوعات المتصلة بالفكر السياسي والعلاقات الدولية.
وبما أنه بات معلوماً أن عدداً لا بأس به من الباحثين والمفكّرين قدّموا مساهمات في هذا الكتاب، فإنني – من ناحيتي – سأتوقّف عند سؤال ما انفكّ يشغلني، ويندرج بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن موضوعات الكتاب، ألا وهو: لماذا منذ نشأة لبنان ما زالت تتكرّر حروب ونزاعات وصراعات على امتداد الجغرافية اللبنانية؟

ما هي أسباب تلك الحروب؟ وهل ثمّة سبيل لبناء دولة يُنزَع فيها المسبّبات الداخلية للحروب؟
وهل ممكن تحييد لبنان عمّا يجري في الإقليم عامّةً، وما يحصل على أرض فلسطين من حرب إبادة مستمرّة منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948؟

لن أجيب على كلّ هذه الأسئلة في مداخلتي هذه، لأن الوقت لا يسمح بذلك، ولأنني أفترض أن الكتاب الذي بين أيدينا قد قدّم قراءات لما سبق وطرحته. غير أنني سأتوقّف لأستعيد أبرز القراءات للحرب اللبنانية عام 1975، التي ما زالت – في اعتقادي – ضروريّة للإحاطة بما يجري اليوم من انقسامات، وما نواجهه من تحدّيات.

لقد تمّ تطوير نظريّتين أساسيّتين لقراءة وتحليل أسباب الحرب اللبنانية:
النظريّة الأولى: تركّز بشكل أساسيّ على العوامل الداخلية المرتبطة بطبيعة النظام السياسيّ اللبنانيّ التوافقيّ، الذي ينتج عنه تفاوُت أو عدم مساواة على الصعيد السياسيّ بين المكوّنات الطائفيّة اللبنانية، وفوارق اجتماعيّة واقتصاديّة، ولاسيّما بين المركز والمناطق الطرفيّة.

النظريّة الثانية: ترى أن الحرب اللبنانية هي ترجمة أو امتداد للصراعات الإقليميّة، مسلّطة الضوء بشكل خاصّ على العوامل الخارجيّة والإقليميّة المرتبطة بالجيوبوليتيك على مستوى المنطقة، وعلى تدخّل اللاعبين الإقليميّين أو الدوليّين في الشؤون الداخليّة للدولة اللبنانيّة.

وإلى هاتين القراءتين، ثمّة نظريّة ثالثة دعمها عدد كبير من الباحثين، وأنا شخصيّاً أميل إليها، وتقوم على التفاعل بين العوامل الإقليميّة والداخليّة أو المحلّيّة. وتندرج ضمن منطق تاريخيّ مرتبط بعدم اكتمال عمليّة بناء الدولة اللبنانيّة من جهة، وبتداعيات الصراع العربيّ – الإسرائيليّ من جهة أخرى.

 

 

اليوم، وبعد مرور خمسين عاماً على اندلاع الحرب اللبنانية، ما زالت البلاد تواجه نفس التحدّيات، ولاسيّما على ضوء الحرب الإسرائيليّة الأخيرة المستمرّة على لبنان. فثمّة حاجة حقيقيّة لقراءة موضوعيّة للمرحلة، بهدف تحديد الخيارات واتّخاذ القرارات التي تحفظ السلم الأهليّ في لبنان، وتسهم في تعزيز قوّة الدولة، الأمر الذي من دونه لا يمكن تحقيق أيّ نهوض اقتصاديّ أو ماليّ.

وإذا كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكّان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليميّة والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهليّ والوحدة الوطنيّة، ولتعزيز مفهوم المواطنة، بالتوازي مع التمسّك بالمبادئ الأساسيّة التي قام عليها لبنان، وهي: التنوّع، وحرّيّة التفكير، وحرّيّة التعبير، وحرّيّة الإبداع.
عميد كلّيّة الآداب في جامعة الجنان، الدكتور هاشم الأيّوبي، عرض لالتزامات الكاتب ومعايشته محن الوطن الذي شاء أن يؤرّخ ما عاش، معتبراً أن المحنة تنتهي، أمّا الفتن فلا تنتهي. وأشار إلى أن المؤلّف اتّخذ صفة المؤرّخ، فغاص عميقاً في مهمّة أساسيّة ومعقّدة في مرحلة تاريخيّة من مراحِل الأمّة.

ولفَت إلى أنّه في عصرنا، بعد تقسيم البلاد العربيّة وحياتنا في مرحلة خطرة، تعيش الأمّة صراعات فلسطين في قلبها، مع حرب إبادة، ولُبنان لا بدّ أن يتحمّل، وقد تحمّل أكثر ممّا يتوقّعون، من المِحَن التي ساهم الكاتب في توثيقها بموضوعيّة.
كما استعرض الدكتور الأيّوبي ما يجري في غزّة، ودور المؤرّخ المُلتَزِم في تدوين الواقع لإيصال رسالة التاريخ، كما يدوّن وقائع لبنان. وأكّد أنّه في التحليل اكتسب قيمةً بحُجَج وبَرَاهِين موثوقة، إذ استحضر الوقائع والمستندات والبَرَاهِين حول سعْيِ العدوّ إلى تقسيم الدول العربيّة، وسعْيِهِ إلى تسييج نفسه بكيانات شبيهة له – أيِ العدوّ – في سياق كتابيّ تاريخيّ.

وشدّد الدكتور الأيّوبي على أهمّيّة دور المثقّفين الكبير، والمسؤوليّة المُلْقاة على عاتِقِ المؤرّخين لتعميم ما يقوم به العدو. تناول الشيخ أحمد عاصي في مداخلته واقع لبنان «بلد الفتن والمحن»، مُلَخِّصاً تجربته في المشاركة في كتابة هذه الموسوعة عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة. وتحدّث عن لبنان، هذا الوطن الغريب بتركيبته، وعن النظرة إلى التاريخ وإلى المسألة، وعن وجهة النظر وكتابة التاريخ من خلال كلّ جزء من أجزاء هذا الوطن.

ولفَت إلى أنّ أهمّيّة الموسوعة أنّها نظرت إلى هذه الأجزاء وخرجت منها بصورة الكلّ. وأضاف: «أنّ كتابتي كانت عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة، وتوخّيت فيها رصد الأحداث وتسلسُل الوقائع بموضوعيّة، بعيداً عن وجهة نظري الشخصيّة التي ربّما تأخذني بعيداً عن الموضوعيّة والشفّافيّة». ثمّ ختم قائلاً. وفي الختام، تحدّث المؤلّف الدكتور حسن قبيسي، مشيراً إلى أنّ التاريخ تضمّن تمويها للأحداث في المنطقة وتغييراً لأسباب الحروب التي كانت تقف وراءها أسباب كبيرة، حاول السرد تأويلها وتسخيفها.

وأكّد أنّ الإنسان هو من يصنع التاريخ، وعَلَيْهِ أن يصنع في حاضرِهِ ما يخدم غدَهُ، وأنّه يجب أن نعرف أنفسَنا لنعرف أسباب التحوِّلات.

 

معرض رُؤى محدَّبة

لا زالت أصداءُ معرَض رُؤىً مُحدَّبَة وأسلوبُه الفنّي للفنّانةِ هناء عبد الخالق تتوالى عبرَ مقالاتٍ نقديّةٍ ورُؤى تحليليّةٍ جديدة. وهو معرَض استندَ إلى فكرةِ المرايا المُحدَّبة الّتي تجعلُ المُتلقي يرى الوَهمَ والحقيقةَ معاً، يُدرِكُ الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد، فالصُّورةُ قد تتضخَّم أو تتقلَّص إبداعيّاً حسب زاويةِ المشاهدة.

وقد كتبَ الفنّانُ القدير حسن جوني سابقاً عن المعرَض:
«د. هناء عرَفت كيف يكون معرَضها مرايا لذواتِنا المُنقَّبة عن كلِّ جديد، نُثبِت به قدرتَنا على خَلق ما يدور في سريرتنا، نحن الباحثون معها عن الجمال والكمال».

أمّا النّاقد أحمد بزون فيرى أنّ:
«بينَ المرايا المُحدَّبة والرُّؤى المُحدَّبَة مسافةٌ شعريّةٌ في التَّسمية، ومفارقةٌ تشكيليّةٌ في بناء المشهد الرِّيفي أو المدني، الخاضع للّعبة الِّتي ابتكرتها الفنّانة هناء عبد الخالق. فمجرّدُ التَّفكير في هذا الموضوع يُعتَبَر خوضاً في هدفٍ مهمّ، هو تقريبُ الفنّ من الحياة المعاصرة… ومن خلال هذا الأسلوب تشدُّ الفنّانةُ الانتباهَ إلى تحويلِ المشهد من واقعيّة فسحات الطَّبيعة أو شوارع المدينة ورومانسيّتها، نحو تعبيريّةٍ تسلبُ المشاهدَ وتَجتذبُ اهتمامه. فالشَّكلُ الدَّائري لبعض اللَّوحات بحدّ ذاتِه نبعُ حركة، وكَسرٌ للشَّكل التَّقليدي للّوحة، كما أنّ الانحناءاتِ القوسيّة تجعلُ الأبنيةَ والأبراجَ تنتقِل من شكلِها الجامد إلى مساحةٍ تضُجُّ بالألوان والأفكار والأحلام».

توالت أعمالُ الفنّانة عبد الخالق بهذا الأسلوب، خاصّةً بعد انفجار مرفأ بيروت، لتُصبِحَ الدَّائرةُ مساحةً مُلهِمة تحتضنُ الأشكالَ الهاربةَ من الدَّمار وتحملُ في طيّاتها الكثيرَ من الرَّمزيّة والتَّأمّل. وتُؤكّدُ الفنّانةُ أنّ المهمَّ في أعمالها هو التَّعبيرُ العميقُ والرُّؤيةُ الفلسفيّةُ الجماليّة، لا الرِّسالةُ المباشِرة.

واليوم، يُضيء النَّاقد خالد البغدادي عبرَ مقالٍ عن تجربةِ الفنّانة في جريدة القاهرة.

 

هناء عبد الخالق
رُؤى مُحدَّبَة ..!!
كتب د/ خالد البغدادي
«(المرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الوَهمَ والحقيقةَ معاً.. ترى الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد..!!)»

لعلّ تلك العبارة الَّتي ذكرتْها الفنّانة هناء عبد الخالق في التَّعليقِ على أحد معارضها تكون هي المدخلَ الصَّحيحَ للدُّخول إلى عالمها وفَهم أعمالها الفنيّة، فهي دائماً ما تبحث عن زاويةِ رؤيةٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ للوصول إلى حالةٍ من الدَّهشة والجاذبيّة البصريّة.

الحقيقة أنّها عضوٌ فاعلٌ في المشهدِ الثَّقافيّ اللُّبناني، فهي باحثةٌ وفنّانةٌ تشكيليّة، وأستاذةٌ جامعيّة، وعضوٌ في نقابةِ الفنّانين التَّشكيليّين اللُّبنانيّين، وأمينُ سرِّ جمعيّةِ الفنّانين اللُّبنانيّين للرَّسم والنَّحت منذ عام 2019 وحتّى الآن. كما شاركت في العديد من المعارض الفرديّة والجماعيّة في دولٍ عربيّةٍ وأوروبيّة مثل: مصر، الأردن، باريس، وغيرها.

ولها العديدُ من المقالات والدِّراسات المنشورة في الصُّحف اللُّبنانيّة والعربيّة، منها: بحث بعنوان «مفهوم التَّلقّي وإشكاليّة التَّربية الفنيّة.. لبنان نموذجاً – الثَّقافة التَّشكيليّة تخرج من الشَّرنقة إلى عالم التَّواصل»، ومقال عن فنّ التجهيز: إشكاليّة العلاقة بين المبدع والمتلقِّي، وموضوع بحثي بعنوان «الإنسانيّة بديلاً عن النَّسويّة في الفنّ والحياة».

 

مِرآةٌ مُحدَّبَة
عندما يسيطرُ حُبُّ الفنِّ على ذاكرةِ الإنسان، فإنَّه يسرقُه من ذاتِه ومن عالمِه، ويضعُه في سياقٍ إنسانيٍّ مختلفٍ ومُغاير، لأنَّ للفنِّ طاقةً تأثيريّةً روحيّةً وأثيريّةً تُسيطر على وعيِ الفنّان. فعندما تُناديكَ فكرةٌ ما وتسيطرُ عليك حتّى تأخذَك بعيداً عن هذا العالم، وتضعكَ في عالمٍ موازٍ ربّما لا يُدرِكُه الآخرون ويُدرِكُه أنتَ وحدَك، حتّى يستغرقَك ويملأَك، وهنا تتحوَّل (هواية) الفنِّ إلى (غواية) لا تستطيعُ الانفكاكَ منها ..!!
والفنّانُ بطبيعتِه هو أكثرُ المخلوقاتِ حساسيّةً في التَّفاعلِ والتَّعامُل مع مفرداتِ الكونِ المُحيط؛ حيث يُدرِك عقلُه التَّفاصيلَ، ويرصُد بصرُه المتغيِّرات، وتستشرِف بصيرتُه التَّحوّلاتِ الثَّقافيّة / والاجتماعيّة / والأيديولوجيّة حتّى قبلَ حدوثِها أحياناً ..!!

لذا فهي دائمةُ البحثِ والتَّجريبِ في بناءِ تكوينٍ فنّيٍّ جديد. إنَّه نوعٌ من التَّفكيرِ العقلي والتَّفكيرِ البصري. وفي هذا السّياق جاءت تجربتُها الفنّيّة الَّتي حملت عنوان (رُؤى مُحدَّبَة)، فالمرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الأشياءَ بشكلٍ مُغاير، إنّها تجعلكَ ترى الحقيقةَ والوهمَ معاً. فزاويةُ الرُّؤيةِ المختلفةُ والمُغايرةُ وغيرُ التَّقليديّة هي الَّتي يبحثُ عنها كلُّ فنّانٍ طوالَ حياتِه الفنّيّة، والفنّانُ الَّذي يصلُ إلى هذه الرُّؤيةِ الجديدةِ والمُغايرة يكونُ قد حصلَ على شيءٍ ثمين. الفنّانُ الحقيقيُّ هو بالضّرورة فنّانٌ متأمِّل، لكنَّه يتأمَّلُ بعقلِه وروحِه أكثرَ ممّا يتأمّلُ بعينَيه ..!!

في محاولةٍ منها للإعلانِ أنّها لم تعُد تُقيِّدُ نفسَها برسمِ الأشكالِ والرّموز أو المفرداتِ الطَّبيعيّة الَّتي حولنا، بل تحرَّرت من تلك الزّاوية الضَّيّقة الَّتي يَحبِسُ البعضُ أنفسَهم فيها، والخروج من فكرة (المُحاكاة) لظواهرِ الطّبيعة إلى فكرةِ التّعبير والانطلاقِ في رحابةٍ وفضاء الفنّ. كما نُلاحِظ أنّ اللَّونَ يلعبُ الدَّورَ الرّئيسَ في بناءِ أعمالِها الفنّيّة، وفي طريقةِ تفكيرِها بصريّاً وتشكيليّاً، حيث تصلُ إلى حالةٍ من الغنائيّةِ اللَّونيّة ..!!
كما واصلت تجاربَها الفنّيّة والبصريّة في معرَض (أحلامٌ في زمنٍ هارب)، وأيضاً في تجربة (المرأة والمنطاد)، وهي تجربةٌ نوعيّة في محاولةٍ لرؤيةِ الأشياء بشكلٍ مختلف: إمّا من منظورِ عينِ الطَّائر الَّذي ينظرُ من أعلى إلى أسفلَ بزاويةٍ حادّةٍ للرُّؤية، أو من منظورِ الشَّخصِ الواقفِ على الأرض ويتطلّعُ ببصرِه إلى السّماء في زاويةِ رؤيةٍ مُنفَرِجةٍ من أسفلَ إلى أعلى. كما تتعامَل مع شكلِ ومفهومِ المرأة في أعمالِها الفنّيّة من خلالِ بُعدٍ إنسانيّ، لا من خلالِ الحضورِ الجسدي، فهي فكرةٌ ومعنى أكثر من كونِها مادّةً حسّيّةً للإثارة ..!!

ثمّ وصلت في تفكيرِها البصري إلى فكرةِ الدَّائرة الَّتي تمثِّل الكونَ كلَّه، فالكونُ والكواكبُ والمجرّاتُ وكلُّ شيءٍ حولَنا يتحرّكُ في دوائر. فالدَّائرةُ هي الشَّكلُ الهندسيّ المُكتمل، حيث كلُّ نقطةٍ فيها تُمثِّلُ نقطةَ بدايةٍ ونقطةَ نهايةٍ أيضاً. ومن يتأمَّل في أعمالِها سيجد خطّاً فكريّاً / وفنّيّاً متَّصلاً ومُتواصِلاً، وبحثاً بصريّاً / تشكيليّاً متوالِياً، حيث تحوَّلت (المرآة المُحدَّبة) إلى (دائرة).. والدائرةُ تحوَّلت إلى (منطاد) ..!!

 

 

فَنُّ التَّجهيز في الفَراغ
ولأنَّها مُتفاعلةٌ مع هُمومِ وقضايا وطنِها، نجدُها دائماً حاضرةً في كلِّ ما يمرُّ به من منعطفاتٍ ومنحنيات. وما كان لها أن تَصمُت بعدَ تفجيرِ مرفأ بيروت، هذا التَّفجيرُ المُدوّي الذي كاد أن يُوديَ بالمدينةِ كلِّها، المدينةِ الَّتي تمثِّل درّةَ المتوسِّط. فصرخت بألوانِها ولوحاتِها، وعبَّرت بخطوطِها عن هذا الكمِّ الهائلِ من الألمِ والمحنة. فماذا يمتلكُ الفنّانُ في النّهاية غيرَ فرشاته وألوانِه وروحِه المُتّقدة الَّتي تتفاعلُ مع الألم وتحوِّلُه إلى محبّةٍ وهِبةٍ للخلاص؟
ورغم أنّها بالأساس مُصوِّرة، وتمثِّلُ اللّوحةُ الفنّيّةُ العمودَ الفقريَّ في مشروعِها البصري، إلّا أنّ لها العديدَ من التّجارب الفنّيّة المتميّزة في مجالِ التَّجهيز في الفراغ (Installation)، الَّذي كتبت فيه العديدَ من الدّراسات، وأصدرت كتاباً مُتخصِّصاً في هذا النّوع من الفنّ.

ولعلَّ أبرزَ أعمالِها في هذا السّياق جاءَ العملُ المُعَنون (صرخة ضدّ الحرب)، وهو عملٌ نوعيٌّ ضخم، عبارة عن تجهيزٍ في الفراغ على امتداد 21 متراً، مُكوَّن من عدّة أقفاصِ حَبسٍ كبيرة، سُجِنَت فيها بقايا قذائف ومخلّفات حربيّة، وأجزاء وأشلاء من الحرب الأهليّة جُمِعَت من أكثرَ من مكان، لتصرخ ضدَّ العنف والموت والدّمار، وللتَّنديد والتَّحذير من الحرب الَّتي يخسرُ فيها الجميع ولا يربحُ فيها أحد.

وبعدَ انفجارِ مرفأ بيروت جاءَ عملُها النَّوعيّ الجديد بعنوان (متاهة وطن)، وهو تفكيرٌ مُجسَّم ثلاثيّ الأبعاد، حيث قامت بصلبِ خريطةِ لبنان على الصَّليب بدلاً من السيّد المسيح، في دلالةٍ رمزيّةٍ واضحة.. وكأنّها صرخةٌ للأملِ والخلاص والتَّحذير في آنٍ واحد. ومن يتأمّل خريطةَ لبنان جيّداً سيكتشف أنّها تُمثِّل من الجانب (البروفيل) وكأنَّها وجهُ إنسانٍ يصرخُ بكلِّ قوّةٍ في الفراغِ المطلق. إنّ أعمالَها الفنّيّة سلسلةٌ من التّجاربِ الفنّيّة والإنسانيّة في الحُلم والضّوء.

الفَقرُ والمَوتُ يَدوران في دائِرَةٍ مُبهَمة
هذا العملُ الفنّي هو رَدّةُ فعلٍ مُؤلِمة، تتأرجَحُ بين الواقعيّة والعبثيّة.
فالواقعيّةُ تتجسّدُ بالفَقرِ المُثبَّت بالهِجرةِ غيرِ الشّرعيّة،
والعبثيّةُ في تشتّتِ عائلةٍ برؤيةِ مرآةٍ مُحدَّبةٍ مُهشَّمةِ الأجزاء، مُتناثِرةٍ في أرجاءِ اللّوحة ..!!

العدد 44