الخميس, آذار 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, آذار 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

العلم والأخلاق.. جناحان لبناء الأوطان

برعاية السيدة نازك رفيق الحريري، استضافت جامعة رفيق الحريري ندوةً حواريةً بعنوان “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”. أدار الندوة الدكتور محمد السماك، وتحدث فيها كل من القاضي الشيخ الدكتور محمد هاني الجوزو، وسماحة المفتي الشيخ محمد عسيران، والأب الدكتور يوسف نصر، والشيخ الدكتور رمزي سري الدين ممثلاً سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى؛ حيث أكد المتحدثون على ضرورة أن يتجاوز التعليم مجرد نقل المعرفة ليشمل بناء الشخصية، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية، وتنمية الوعي بأهمية تعزيز القيم الروحية. واختُتمت الندوة بفقرة أسئلة وأجوبة تفاعلية أتاحت لطلاب الجامعة فرصة التفاعل المباشر مع المتحدثين.

وقد نُقلت الندوة، ببث مباشر، عبر عدد من المنصّات الإلكترونية.

وفيما يلي نص كلمة الشيخ الدكتور رمزي سري الدين:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أصحابَ الفضيلة والسيادة والمعالي والسعادة،

حضرة رئيس الجامعة،

الحضور الكريم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يشرّفني أن أشارككم اليوم في هذه الندوة الفكرية والتربوية، في جامعة تحمل اسم رجل آمن بأن التعليم هو المدخل الأسمى لبناء الإنسان، وترجم ذلك بإنشاء مدارس وجامعات وتقديم منح تعليمية لطلاب وطنه، يقيناً منه بأن الاستثمار الحقيقي هو في العقل والقيم معاً؛ إنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إن موضوع ندوتنا اليوم، “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”، ليس ترفاً فكرياً، بل حاجة ملحة في عالم يتقدم تقنياً بسرعة مذهلة، فيما يعاني في كثير من الأحيان من فراغ قيمي وأزمات أخلاقية عميقة. فالتعليم، إن اقتصر على نقل المعرفة والمهارات، دون بناء الإنسان أخلاقياً وروحياً، يبقى تعليماً ناقصاً، عاجزاً عن إنتاج مواطن مسؤول وإنسان متوازن.

لقد أظهر الفكر الفلسفي، منذ أقدم عصوره، إدراكاً عميقاً لهذه الحقيقة؛ فقد رأى الفيلسوف أرسطو أن غاية التربية ليست فقط تنمية العقل، بل تكوين “الإنسان الفاضل”. فالمعرفة عنده لا تنفصل عن الفضيلة، والتعليم الحقيقي هو الذي يعلّم الإنسان ليس فقط كيف يفكر، بل أيضاً كيف يعيش؛ فالفضائل الأخلاقية، كالعدل والاعتدال والحكمة، لا تُكتسب بالحفظ، بل بالممارسة والتربية، وهذا ما يجعل المدرسة والجامعة فضاءً لتشكيل الشخصية، لا مجرد قاعة تلقين.

أما في الأديان السماوية، فنجد هذا الترابط بين العلم والأخلاق أكثر وضوحاً وعمقاً. ففي الإسلام، يُرفع العلم إلى منزلة العبادة، فقد جاء في مسطور القرآن الكريم: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (المجادلة: 11)، وفي آية أخرى قال عز من قائل: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر: 28). فالقرآن الكريم يخاطب العقل، ويدعو إلى التفكر، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن العلم بلا أخلاق قد يكون سبباً في الفساد لا في الإصلاح. ومن هنا جاءت رسالة الإسلام لتبني إنساناً مؤمناً متعلماً مسؤولاً رحيماً، يدرك أن العلم أمانة، وأن القيم هي بوصلته في استخدام هذا العلم.

وفي المسيحية، تحتل المحبة جوهر الرسالة التربوية والروحية. فالتعليم المسيحي لا يهدف فقط إلى معرفة الحق، بل إلى عيشه. وقد جاء في الإنجيل الشريف: “تعرفون الحق والحق يحرركم”، والحرية هنا ليست تحرراً من القيود بالمعنى المادي، بل تحرر أخلاقي يجعل الإنسان قادراً على اختيار الخير. من هذا المنطلق، يصبح التعليم مساراً لبناء الضمير، وتعميق قيم التسامح، والإنسانية، وخدمة الآخر.

فضلاً عن كل ذلك، فإن التحديات المعاصرة، من الذكاء الاصطناعي إلى التغيرات البيئية، ومن ثورة الاتصالات إلى النزاعات العالمية، تقول لنا شيئاً واحداً: إن المعرفة وحدها لا تكفي. فالإنسان يمكن أن يمتلك أعقد التقنيات، لكنه يحتاج إلى قيم راسخة توجه قراراته.

وانطلاقاً من هذا الترابط العميق بين العلم والقيم الروحية والأخلاق، الذي التقت عليه الفلسفة القديمة وتعاليم الأديان السماوية، يمكننا أن نستخلص أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تهذب النفس، وتقود الإنسان إلى الاتزان، وتجعله أكثر انسجاماً مع ذاته ومع مجتمعه. فالعلم، حين يقترن بالأخلاق والقيم، يصبح نوراً، وحين ينفصل عنهما، يتحول إلى أداة هدم. لذلك، لطالما كان التعليم في جوهره مساراً أخلاقياً، يهدف إلى بناء الإنسان الصالح العاقل المتوازن.

إن كل ذلك، وعلى أهميته، لا يمكن أن يثمر خيراً ويزكو ويستمر إلا من خلال تعزيز الإيمان بالله الخالق عز وجل، وترسيخ الوعي بوجوب اتباع سننه في الكون والحياة. فالإيمان يشكل بوصلة داخلية تضبط السلوك وتمنح الوجود معنى وغاية، وتغرس في النفوس الشعور بالمسؤولية والمراقبة الذاتية. وحين يُهمل هذا الجانب، يُفتح المجال أمام العبثية والضياع الفكري، ويضعف الالتزام بمنظومة القيم والأخلاق.

من هنا، فإن التحدي المطروح أمام مؤسساتنا التربوية اليوم، هو كيف نعيد وصل ما انقطع بين المعرفة والقيم الروحية والأخلاقية، بين التقدم العلمي والمعنى الإنساني. ليس المطلوب فرض منظومة دينية بعينها، بل ترسيخ قيم إنسانية مشتركة: الصدق، المسؤولية، احترام الآخر، والالتزام بالخير العام. وهذه القيم تشكل أرضية جامعة، تلتقي عندها الفلسفة والدين، ويلتقي عندها الإيمان والعقل.

ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن تتبنى الدول استراتيجيات وطنية واضحة تجعل الأخلاق محوراً مركزياً في سياساتها التعليمية، استراتيجيات تشمل:

  • تطوير المناهج، بحيث تُدمج القيم في المحتوى العلمي.
  • تدريب المعلمين ليكونوا نماذج أخلاقية قبل أن يكونوا ناقلين للمعرفة.
  • بناء شراكات بين المؤسسات التعليمية والمجتمع لتشجيع طلبة المدارس والجامعات على خدمة المجتمع والعمل التطوعي.

فالأمم لا تُقاس فقط بعدد علماء التكنولوجيا والهندسة، بل بقدرتها على تنشئة إنسان مؤمن مسؤول واعٍ بأثر علمه على العالم من حوله.

ختاماً، إن دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم ليس عودة إلى الماضي، بل هو استثمار في مستقبل أكثر إنسانية. فبالعلم نبني العقول، وبالقيم الروحية والفضيلة نبني الإنسان، وبالاثنين معاً نبني الأوطان. وهذا هو الرهان الحقيقي للتربية، ورسالتها الأسمى عبر الأجيال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي