يعيش سعيد 80 سنة، بعد أن أمضى أكثر من 40 عاما كموظف فئة أولى في الدولة اللبنانية، مع زوجته سلمى 75 سنة، في شقة فخمة في محلة المصيطبة، بيروت، الطابق الأول على شارع فرعي.
ليل 2/3 أيلول 1996 كان الحر شديدا فأخلد الى النوم وترك بوابة الشرفة مفتوحة لانقطاع الكهرباء ولينعم ببعض الهواء ليعدل الحرارة المرتفعة التي تجعل نومه متقطعا.
حوالي الساعة الثالثة فجرا استيقظ مذعورا وأنفاسه مكتومة وضربات على رأسه وفمه مقفلا بيد أحدهم. لم يتمكن من الصراخ معتقدا أنه بحلم وكابوس وعندما أستعاد وعيه تحقق أنه مقيدا بحبل ومكموم الفم ومطروحا على وجهه أرضا وقربه مسلح غريب يقول:
وين المصاري؟ وين الذهب؟ بدي أقتلك بسرعة قول؟ أوعا تتحرك!
دلّ إلى مكان المال فأخذ المسلح مبلغ ألفي ليرة لبنانية وتركه مقيدا ومربوطا إلى الخزانة وحذّره من الصراخ شاهرا مسدسا حربيا بوجهه. انتقل إلى الغرفة الثانية حيث ترقد الزوجة، أقفل فمها وهي مرتعدة من الخوف ووضع البلستر على فمها وقيد يديها ونزع ملابسها وأغتصبها بوحشية ولم تؤثر فيه مقاومتها ومحاولة الصراخ، هددها بالمسدس ونزع مبرومة ذهب في يدها وأستعان بسكين لقطع شريط معدني لإكمال عملية التقييد لكنه جرح سبابة يده اليسرى. بعد أن أمضى 40 دقيقة في الشقة الغير مضاءة أخذ المال والذهب وقفز من شرفة الشقة إلى الطريق المظلم وترك العجوزين ضحيتين منفردين خائفين من عودة الوحش إليهما.
فور التحقق من ذهاب الجاني، اتصل سعيد برقم الطوارئ 112 في شرطة بيروت، حيث حضرت الدوريات ومنها دورية من التحري في العاصمة مع الأدلة الجنائية والنائب العام الاستئنافي وقائد الشرطة القضائية ضباط التحري وباشروا التحقيق العدلي بعد نقل سعيد وسلمى إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية للمعالجة.
أظهرت الصحافة وحشية الجاني وبشاعة الجريمة وخوف السكان من تكرار ما حصل وطالبو الدولة بسرعة توقيفه ومحاكمته.
تمكنت دورية من مكتب حوادث بيروت العاملة في قسم المباحث الجنائية العلمية في الشرطة القضائية من رفع أجزاء عن البصمة المتروكة على مقبض السكين المغمس بالدم حيث تم تصنيفها جزئيا بصعوبة وبدأت مراحل التفتيش والمقارنة.

تعتمد الشرطة القضائية نظام المخبرين ويتم صرف مبالغ ليست كبيرة لبعضهم وتقديم بعض الخدمات لهم تعويضا عن معلومات جنائية مفيدة تُقدم الى التحري، حيث تحقق أحد ضباط مفرزة بيروت القضائية أن أحد عمال السنكرية، يتم استدعاؤه للقيام بإصلاحات لسكان البناية ويُدعى فؤاد، مجهول باقي الهوية، غالبا ما يحضر إلى شقة سعيد، لإصلاح أعطال في الشقة القديمة العهد.
تمكن أحد الفنّيين في مكتب التحقق من الهوية في الشرطة القضائية من مطابقة الجزء من البصمة المتروكة على السكين في الشقة مع بصمة فؤاد الذي سبق وأوقف بجرم سرقة منذ سنتين في بيروت ويقيم في محلة راس النبع.

على الفور توجّهت دورية من مفرزة بيروت القضائية وبدلالة المخبر إلى راس النبع، حيث ترصدوا عودة فؤاد إلى غرفته، فتشوها وعثروا على مبرومة الذهب ومبلغ 1,500 ليرة لبنانية وضبطوا مسدّساً حربياً نوع توكاريف مع 8 طلقات صالحة للاستعمال. اقتادوه إلى المفرزة وباشروا استماعه بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت وقائد الشرطة القضائية وضباط المفرزة الذين تعاونوا لكشف خفايا الجريمة البشعة التي هزت العاصمة. اعترف فؤاد بأنه خطط لسلب العجوزين اللذين يعيشان منفردين في شقة يمكن الدخول إليها من الطريق العام، إذا كانت بوابة الشرفة مفتوحة بظل انقطاع الكهرباء في الشارع العام. تسلق عبر الاستعانة بقسطل من الحديد ودخل الشقة ونفذ عملية السلب وأغتصب السيدة ولم يرد على استغاثتها بإعطائه ما لديهم مقابل تركها مع زوجها. وقد فرّ عبر الشرفة بعد الانتهاء من تنفيذ جريمته.
تعرّفت السيدة سلمى إلى المبرومة الذهبية ورفضت أن تقابله كونها تخاف أن يعيد جريمته بعد خروجه من التوقيف !
بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت والصحافة أعلن قائد الشرطة القضائية التوصل لكشف خفايا جريمة وحشية غامضة نفذها مجرم بحق عائلة تعيش بأمان في شقة ضمن حي راق في العاصمة وأوقف الجاني وضبط المسروق ولم تنفعه أساليب التمويه والتخفي التي اعتمدها، نوه بجدارة التحري والعاملين في قسم المباحث الجنائية العلمية الذين تمكنوا من رفع جزء من البصمة المغلفة بالدم عن السكين ومقارنتها ومن حسن الحظ أن الجاني سبق أن أوقف وحفظت بصمته لديهم.

ترك توقيف الجاني خلال 48 ساعة من الحادث الارتياح العام لدى الضحايا وعامة الناس والثقة بأجهزة الدولة وأنها وحدها مسؤولة عن أمن وسلامة السكان وسوق المجرمين إلى العدالة لأخذ القصاص المناسب.
نوّه قائد الشرطة القضائية بأعمال من تولى التحقيق والمتابعة بسرعة فائقة وبتقنيات مميزة في مكتب التحقق من الهوية والنجاح بمقارنة أجزاء من البصمة مع محفوظات لديهم طابقت مع بصمة موقوف سابق تم أخذ بصماته وتوقيفه. كما أشاد الأستاذ سعيد والصحافة بجدارة الشرطة القضائية بسرعة كشف الجاني وتوقيفه واستعادة المسروقات والثقة بالتحري لنشر الأمن والسلامة العامة في العاصمة.
في ضوء ما تقدم، ونظراً لأهمية وحساسية الدور الذي يقوم به الأمن اللبناني، إننا نطلب وبعد 39 سنة في خدمة الأمن اللبناني:
- تطويع عناصر كفؤة وإخضاعها لدورات تدريبية وبرواتب مقبولة.
- تجهيز هذه القوى بالمعدات الحديثة واللوجستية المتطورة
- أن لا يكون هناك مناطق خارج سلطة الدولة لتسهيل عمل هؤلاء المختصين بمكافحة الجريمة وكشف أكثر الجرائم غموضا وسوق الجناة إلى القضاء لإصدار الأحكام العدلية المناسبة.
لدينا العناصر البشرية الكفؤة تعمل بجدارة ووطنية بإشراف القضاء، لكن هل يتاح لها الفرصة المناسبة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقها دون عوائق المناطق المحرمة ونفوذ أصحاب الشأن؟
إعداد العميد المتقاعد أنور يحيى
قائد سابق للشرطة القضائية
دبلوم في القانون العام.
