أحد أبرز أركان الثورة السورية الكبرى 1925 – 1927
رشيد طليع
إداريّ قائد، وسياسي عربي مُتَعدّد المواهب
هو رشيد بن علي بن حسن بن ناصيف طليع، ولد في قرية جديدة الشّوف بلبنان عام 1876م، وتلقّى علومه الابتدائيّة في مدرسة القرية ثم انتقل إلى المدرسة الداوديّة في عبيه وبعدها في المكتب الإعدادي في بيروت عام 1892 فنال شهادته بتفوّق، ومنذ أيام الدراسة تلك برزت لديه إمارات الذّكاء والنُّبوغ،
بعد المكتب الإعدادي، بعثته الدّولة مع بعض أبناء العشائر إلى الآستانة ليلتحق بمكتب العشائر ومعهد الإدارة والمال وكانت مدّة الدِّراسة ثماني سنوات ، فتخرَّج سنة 1900، وعاد إلى بيروت فَعُيِّنَ برتبة مأمور معيّة لولاية سورية، وفي عام 1901 عُيِّن وكيل قائمّقام بعلبك، وفي عام 1902 عين قائمقامًا للزّبَداني، وفي 1903 قائمّقامًا لراشَيّا وفي عام 1906 قائمقامًا لحاصبيّا ثم قائمقامًا في جبل الدّروز (كما كان يُدعى آنذاك) في بلدة عاهرة (عريقة اليوم) بين عامي 1907و 1909وفي سنة 1910 نُقِل قائمّقامًا إلى المِسِمْيَة (في اللّجاة) ومن ثم مُتصرّفاً في لواء حوران(درعا) عام 1912 وقد انتخب عضواً في “مجلس المبعوثان” (مجلس النّواب العثماني) عن لواء حوران في العام نفسه ، وفي آب عام 1914عيّن مُتَصَرِّفاً على طرابلس الشام وفي 13 تموز 1915 عُيّن متصرّفاً لِلِواء الإسكندريّة (الإسكندرون ــ أنطاكية) وعندما سقطت الدّولة العثمانيّة عام 1918 آبَ إلى موطنه لبنان (1).
وهو سليل أسرة وجيهة أنجبت رجالاً مُمَيّزين منهم الشّيخ حسن طليع الذي كان شيخ عقل طائفة الموحّدين الدّروز بين عامي 1917 وإلى تاريخ وفاته عام 1949.
في أثناء وجوده في الآستانة، وفي فترة عُضْوِيّته في البرلمان العثماني عام 1912، كان لرشيد موقف يُحسب له في باب نقده أخطاء الحكومة العثمانيّة (2). وفي تلك الفترة التقى بالأمير فيصل بن الحسين الذي كان نائباً عن مدينة جدّة (في الحجاز). وفي العام ذاته أُعيد إلى الوظيفة مُتصرّفاً لدرعا بعد حلِّ مجلس المبعوثان.. وفي العام 1913 كان له دور مؤثِّر في انتخاب الأمير شكيب أرسلان نائباً عن لواء حوران في مجلس النوّاب العثماني، وفي عام 1914 جرى تعيينه مُتصرّفاً لطرابلس الشام. وفي العام التالي نقل ليكون متصرّفاً في اللاذقية حتى عام 1918. كانت سرعة التنقلات للولاة سُنَّةٌ عثمانيّة قديمة لمنع استئثار الولاة في ولاياتهم أو تفكيرهم في الانفصال.
وعلى أثر يأس العرب من الإصلاح العثماني، انتسب رشيد إلى “الجمعية العربية الفتاة” عام 1918، وهي جمعيّة عربيّة انتقلت من المطالبة بالحكم اللّامركزي في إطار الامبراطوريّة العثمانيّة إلى الدّعوة للانفصال عن الحكم العثماني. وفي العام نفسه عُيّنَ حاكماً عسكريّاً لحماة.
تعارُف الأزمة بين رجلين كبيرين
المُتَصرِّف رشيد باشا طليع والشّاب سلطان الأطرش
حصل التّعارف بين الرّجلين عَبْر أزمة نزاع على الأرض، فقد كان سلطان الشاب وسائر الدّروز آنذاك في حالة يأس من عدالة الدّولة العثمانيّة التي جرّدت عام 1910حملة انتقاميّة على الجبل بذريعة “حوادث فرديّة (بين الدّروز والحوارنة) كان حلُّها مُمْكِنًا”(3)؛ أسفرت عن إفقار مُتَعمّد و دمار وسلب وقتل في مجتمع جبل الدروز وإعدامات لستّة من زعمائه، بينهم ذوقان الأطرش والد سلطان. ومن التُّهم التي وُجِّهَتْ إليهم تُهْمة الخروج على الخلافة والكفر بالإسلام، وقد تمكن رشيد بحنكته من حل الخلاف بين الدروز والحوارنة وإعادة الأرض المستولى عليها بالتراضي لأهل القريا.


اللّجوء إلى جبل الدروز
والإعداد للثَّوْرة السُّوريَّة الكُبرى
لم يكن رشيد طليع لينسى الغاية العربيّة الاستقلاليَّة التي انضمَّ إلى الجمعية العربيَّة الفتاة من أجل تحقيقها، ولم ييأس الرّجل من هدفه ذاك حتى بعد احتلال غورو لدمشق وسقوط الحكومة العربية فيها، وكان بحكم معرفته لمواطن الفعل المؤثِّر في بُنى المجتمع السُّوري يرى في الجبل عامّة، وفي سلطان والفريق الملتفّ حوله منذ أيام الثورة العربيّة على العثمانيين بؤرة وطنيَّة مناسبة لمواصلة النِّضال لبلوغ هدفه الاستقلاليِّ العروبيّ، وعلى هذا فقد تَوَجَّه مُتَخَفِّياً إلى السّويداء بعد فشل ثورات الشّمال السوريّ.
يذكر علي عبيد وهو من العاملين على التَّأسيس للثّورة السُّوريَّة الكبرى إلى جانب سلطان في مذكِّراته أنّ رشيد طليع حضر إلى بيته في السُّويداء في تلك الفترة من عام 1920 وبقي “في بيته مدة تنوف على أربعة أشهر مُسْتَصْحِباً رفيقه (الدّمشقي) الشّهم الهمام نبيه بك العظمة وبدأوا يبثُّون نصائحهم بين الدروز لعدم الانصياع إلى وعود الدّولة الأفرنسيّة”(4).
كان لجوء رشيد طليع إلى الجبل إلى جانب قيادات من الحركة العربيّة عقداً للهيئة على المقاومة، وتطبيقاً لما كان عليه الاتفاق من الإقامة في حوران أو شرق الأردن، وإقامة حكومة وطنيّة وبذل الجهد لجمع الشباب واستئناف المقاومة (5).
وقد ذكرت الوثائق البريطانيّة أنّ رشيد طليع أرسل منشوراً إلى قرى جبل الدروز يطلب من رجالها الاشتراك في الهجوم الذي سيقوم فيه الأمير عبدالله بن الحسين على الفرنسييِّن و”أنّ الفرنسيين طالبوا بطرده “. كذلك اندفعت “السُّلطات الفرنسيّة إلى إنذار زعماء الدّروز بضرورة طرد رشيد من الجبل فوراً وإلاّ ستدمِّر بلدة السويداء على من فيها إذا بقي رشيد طليع يوزع المناشير الدّاعية لحركة الأمير عبدالله والانتساب إليها”. ذكرت ذلك صحيفة التايمس اللّندنيّة بتاريخ 10 آذار 1920، مشيرة إلى جهود رشيد طليع في تطويع المجاهدين العرب ونقلهم إلى الأردنّ (6)، إذ كان الجبل لم يزل باقياً على عهده إلى جانب الثورة العربيّة التي لم تخمد شعلتها فيه بعد، وكان الفرنسيُّون يَرَوْن فيه “ملجأً للمجرمين من كلِّ المناطق المجاورة (يقصدون بذلك لجوء رجال الحركة العربيّة إلى الجبل بعد ميسلون 1920)، وبحيث أنّ حكم الجبل يبدو أكثر صعوبة عليهم بسبب عدم انضباط زعماء عائلة آل الأطرش وأبرزهم الأمير سلطان”(7). حقًّا كان سلطان باشا وفريقه من زعماء الجبل يقفون في صف فريق رشيد طليع العروبي الاستقلالي، وكان نشاط هؤلاء العروبيين الذين يرفضون معاهدة سايكس بيكو يضع عبدالله بن الحسين حليفهم بادئ الأمر الذي كان يدعو لتحرير سورية من الفرنسييِّن في مو قف حَرِج، فإمّا أنْ يرضى بشروط البريطانييِّن وهم أقوى طرفي سايكس بيكو، وإلاّ فهو سيخسر إمارة الأردن إن استمرَّ في التعاون مع رشيد طليع وفريقه من الاستقلاليين العرب.
شكّل اعتصام رشيد طليع في السويداء عام 1920 إلى جانب عدد من قيادات الاستقلالييّن ومن ثم انتقاله بعدها مُكْرَهاً إلى عمّان على أثر ضغوط الفرنسييِّن بضرورة إخراجه من الجبل فترة تهيئة الأرضيّة بالتّعاون مع سلطان ونخبة من طليعة الرّجال الوطنييِّن في الجبل للإعداد للثورة الاستقلاليّة المقبلة. وظهر دوره الرئيسي جَلِيًّا في حزب الاستقلال في إمارة الشَّرق العربي (كما كانت تدعى الأردنُّ آنذاك)، إذ أصبحت بعد ميسلون موئلًا للسياسييِّن العروبييِّن في تلك الأيّام العصيبة، إذ حَلَّ بها سياسيُّو الحكومة العربيّة التي أطاح بهم الاحتلال الفرنسيّ لدمشق، ورجالات سوريّة، أي ” عصبة الاستقلالييِّن” التي اضطُرَّت إلى التشتّت إثر انهيار الحكم العربيّ. وفي محاولة منهم للتجمّع استقرّوا في عمّان وأبرز رجالاتهم الذين كانوا يجتمعون معاً: رشيد طليع وأحمد مريود والأمير عادل أرسلان ونبيه العظمة وسامي السرَّاج وعادل العظمة وخير الدين الزِّركلي وفؤاد سْليم، وأحمد حلمي عبد الباقي وعثمان قاسم وآخرون، وقد شكلت عصبة الاستقلالييِّن هذه لجنة مركزية لحزب الاستقلال تتولَّى قيادة النّضال ضد الانتداب الفرنسيّ (في سورية) مؤلّفة من زعماء الحزب: أحمد مريود ورشيد طليع وعادل العظمة وعادل أرسلان وغيرهم.. وكان رشيد طليع المرشّح الأول باسم الحزب لرئاسة أوَّل حكومة عربيّة في شرق الأردن وقد مثّلت اللَّجنة المركزيّة تلك وجود الرّجال الاستقلالييِّن (دعاة استقلال سورية كاملة بحدودها الطِّبيعيّة) من نواحٍ عربية مختلفة على امتداد سورية والعراق وفلسطين ولبنان، وقد اتَّخذوا من عمّان مقرًّا ومُنْطَلقاً.
لقد كان رشيد طليع أمينًا لمُنْطَلق الثّورة العربيّة على العثمانيين عام 1916 وفي السَّعي للتّحرُّر من أيّة سيطرة أجنبيّة، ومن هنا كان تقبّله لدعوة عبدالله بن الحسين التي أطلقها “للجهاد والتّحرير”، لتحرير سورية من الاحتلال الفرنسي. إذ وفد إلى عمّان على رأس “جمع كبير من فرسان الجبل في 27 آذار 1921، هم الذين كانوا يأخذون دعوة الأمير عبدالله لتحرير سورية على أنها أمر محتوم، وفيما بعد فإنّ رشيداً وسائر رفاقه الاستقلالييِّن اضطروا لمواكبته على مضض بعد رضوخه لمطالب بريطانيا إثر اجتماعه بـ ونستون تشرشل (وزير المستعمرات حينها) في بيت المقدس في 29 آذار 1921، لكنهم ظلّوا يعملون في الباطن على هدفهم العروبيّ.
رشيد طليع وفريقه في امتحان الخيار الصَّعب
لم يكن أمام أولئك الاستقلالييِّن العروبييِّن من خيار آخر، فَهُم “قَدِموا إلى الأردن، وأكثرهم لا يملك مكان الخطوة التالية (ملجأ) إذا انسحب من عمّان وغدا في مركز حَرِج، وبخاصّة أنّ هؤلاء الإخوان مبعدون من الدِّيار أو محكومون بالإعدام من السّلطة الفرنسيّة، أو هم غير مرغوب بإقامتهم في المناطق الخاضعة للنفوذ الإنكليزي”(8).
لقد كانت العلاقة بين الأمير عبدالله والاستقلالييِّن علاقة بين مضعوفين كلٌّ بحاجة للآخر، كما أنّ بريطانيا كانت ترى أنّهم “يَحْظَوْن باحترام أهالي البلاد ويتمتّعون بِصِلات ممتازة مع زعمائها ووجهائها، وكانت لهم في الغالب كلمة مسموعة ومقدرة بالغة التّأثير في الحياة العامّة إضافة لذلك فهم يملكون خبرة طويلة في العمل السياسيّ وتنظيمًا سياسيًّا اجتمع فيه وحوله العديد من السياسييِّن المتمرِّسين والإدارييِّن والعسكرييِّن المُحترفين”(9). لكنّ الافتراق قارب أن يقع أخيرًا بين الأمير والاستقلالييِّن.
رشيد طليع على رأس الحكومة الأردنيَّة
كان الاستقلاليّون قد طلبوا من الأمير عبدالله أن “يستدعي رشيد طليع بصفته رئيس حزب الاستقلال”، وبصفته أوسع رجل عربي في الأهليَّة والكفاية ليؤلِّف الحكومة” (10).
وكان رشيد طليع حينها يرأس حزب الاستقلال العربيّ ، ولهذا فقد أقنع رفاقه الاستقلالييِّن أن يقبلوا بتأليف حكومة عاديّة في الظاهر ثوريّة في الباطن مستندة إلى تأييد الأهلين والعشائر، وذلك من أجل تحقيق هدف حزب الاستقلال في “سوريّة دولة مُوَحَّدة مستقلّة”.
وفي شمال الأردن، كان اللّواء علي خلقي الشرايري رئيس حكومة إربد (المحلّيّة) لا يثق بعلاقات عبدالله ببريطانيا، وهو من جماعة حزب الاستقلال وعنده ريب من بريطانيا ومن عبدالله، ولكنّ رشيدًا (بِحِسّه العمليّ) أقنعه بدخول الوزارة إذ كان يرى أنَّها فرصة يواظب عبرها الاستقلاليُّون على تأكيد وجودهم وتحقيق هدفهم الوطنيّ.
كان عبدالله قد طلب من رشيد أن يقوم بتأسيس حكومة في المنطقة بينما يتقدمون إلى سورية (لتحريرها من الفرنسييِّن وكان هذا هدف الاستقلالييِّن أصلاً) فوافق (رشيد) على طلبه واشترط (على عبدالله) شرطين: الأوَّل أن تكون الحكومة دستوريَّة ذات مجلس نيابيّ، والثاني أن يبقى حُرًّا بالعمل في جبل حوران محافظةً منه على الحالة الولائيَّة التي كان قابضًا على ناصيتها (منذ أيام لجوئه إلى الجبل عام 1920) فوافق الأمير” (11).
كانت فرنسا تعلم نوايا حكومة رشيد طليع ضدّها فشّجعت تمرّد منطقة الكورة (في شمال الأردن الذي كان أساسه التّمنُّع عن دفع ضرائب متوجِّبة) وهو التمرّد الذي تزعّمه الشيخ كليب الشَّريدي ضدّ الحكومة ووقف الأمير عبدالله والبريطانيون موقف الفرجة (المتفرّج!) أثناء تحضير المسير بالحملة لتأديب الكورة وعدم مدّها بالسلاح والعتاد (12).


سَعْيُ رشيد طليع للاستغناء
عن المساعدة البريطانيّة وإقالته!
يقول خير الدين الزّركلي: “إنّ رشيد طليع شَمَّر عن ساعد الجدِّ ونظّم الحكومة في شرق الأردن على أساس الاقتصاد في النّفقات بحيث لم يَزِد أعلى مُرتّب (أي راتبه الشَّخصي) على أربعين جنيهًا في الشّهر (كان هذا يعادل 4 مرات مرتَّب المعلّم الأول يومها في مدارس عمّان الابتدائيّة)، مُراعيًا في ذلك قلّة موارد البلاد، وعدم إرهاق الأهالي بالضّرائب، والاستغناء عن طلب المساعدة الماليَّة من الحكومة البريطانيّة” (13).
من جانب آخر كان إنفاق الأمير عبدالله (شهريًّا) في حدود عشرة آلاف جنيه استرليني تقريبًا في حين أنّ المساعدة الشهريّة البريطانيّة له 5000 جنيه، وكان الأمير يُنفق بكرم على أتباعه وزوّاره وهذا الوضع كان يرهق حكومة رشيد طليع (بينما الأمير يضنُّ على الحكومة بقليل من المال تسدُّ فيه أرماق الجنود)، فتراكمت عليه الدّيون وكان البريطانيُّون يلوّحون بين حين وآخر لوقف مساعداتهم أو أن ينسجمَ الأمير مع شروطهم ليبقى أميرًا ضمن خطط سياستهم التي تقضي في بعض توجُّهاتها أن تكون للأمير عبدالله القدرة على التخلُّص من السورييِّن (وهم رجال الثورة العربيّة الذين خرجوا من دمشق بعد الاحتلال الفرنسيّ لسورية، والذين ناصروا الشّريف حسين في ثورته عام 1916على العثمانييِّن وكانت بريطانيا تسعى للتخلّص منهم ومن تأثيرهم في إمارة عبدالله الذي وجد نفسه في موقع القبول الاضطراريِّ بالشّروط البريطانيّة) وهذا ما جعله (أي عبدالله) يتحرَّك بالسُّرعة اللّازمة للافتراق عن رشيد طليع وإقالته (14). أضف إلى ذلك الشُّبهة اللّاحقة برشيد طليع وجماعته من الاستقلاليييِّن بأنَّهم من اتّخذ القرار بتنفيذ عمليَّة محاولة اغتيال غورو الذي “اتُّخِذَ في مجلس الوزراء” وأنّه بعد مناقشات طويلة ومطوّلة تحَمّل أحمد مريود مَسْؤوليَّة التَّخطيط والتَّنفيذ، وهناك من ينقل أنّ فكرة اغتيال غورو كانت سِرِّيَّة بين رشيد طليع رئيس الوزراء وأحمد مريود وزير العشائر (في إمارة الأردن)…
ولمّا لم تنجح المطالبات الفرنسيَّة والبريطانيَّة في تسلُّم المطلوبين من حكومة الأردن التي يرأسها رشيد طليع طلب هربرت صموئيل المندوب السامي (الصهيوني) البريطاني في فلسطين من (أبرامسون) المعتمد البريطاني في الأردن في 2 آب 1921، أن يُبلغ الأمير عبد الله “أنّ المستر تشرشل (وزير المستعمرات) أُحيط عِلمًا بأنّ الحكومة الأردنيّة أخفقت في اعتقال أيِّ شخص من المطلوبين، وأنّه يُصِرّ على استقالة رشيد طليع رئيس المشاورين (أي: الوزراء) وأنّ هناك بيّنات قويّة تدلّ على أنّ رشيد طليع يحوك المؤامرات مع الدُّروز ضدّ الفرنسييِّن” (15). كان البريطانيّون قلقين من طموحات رشيد طليع كونه “قادراً جداً وطموحاً جداً” (16).
وفي جوهر الأمر فإنّ رشيد طليع رئيس لجماعة حزب الاستقلال، وهؤلاء هم العروبيون الذين ثاروا على الدّولة العثمانيّة من أجل دولة عربيّة وهو كرئيس وزراء لحكومة عربيَّة في الأردن تتاخم فلسطين من الشّرق وسورية من الجنوب؛ لم يكن شخصًا مُريحاً للبريطانييِّن الذين يهيِّئون لتسليم فلسطين للصَّهاينة، ولم يكن مُريحاً للفرنسييِّن الذين احتلّوا سورية وأسقطوا الحكم العربي فيها. وفوق هذا فإنَّ لِرَشيد طليع صلات وطيدة بسلطان باشا الأطرش وفريقه من العروبييِّن في جبل الدّروز أولئك الذين لم يكن خافيًا أنّهم يحضّرون للثّورة على الفرنسييِّن.
لقاء بين رشيد طليع
وسلطان باشا في الأردن
لجأ سلطان باشا الأطرش إلى الأردن على أثر ثورته الأولى على الفرنسييِّن مع عدد محدود من رفاقه في 23 تموز عام 1922 لإعدامهم ضيفه “أدهم خنجر”، ولقتله الضابط الفرنسي “بوكسان” وثلاثة من مرافقيه، وهناك رصد الفرنسيُّون اجتماعًا له برشيد طليع والأمير عادل أرسلان. لكنّ سياسة الأردنّ كانت تسير على غير ما يهوى الاستقلاليّون الذين لم يزالوا على خُطى الثّورة الاستقلاليّة العربيّة، إذ كانت فرنسا وبريطانيا تُثَبِّتان حضورهما في المشرق العربيّ، ولمّا اضطُرَّ الأمير عبدالله (بناء على لوم من بريطانيا له بسبب وجود سلطان في الأردن) أن يطلب من فريدريك بيك قائد القوة البريطانيّة المرابطة في عمَّان (الموجودة بدعوى حماية الأمير) إخراج سلطان من الأردنّ بالقوّة؛ فإنّ طلبه ذاك أحبطه كلٌّ من رشيد طليع والأمير عادل أرسلان وأحمد مريود، وحديثة الخريشة ومثقال الفايز وطراد بن زبن (والثلاثة الأخيرون هم من شيوخ قبيلة بني صخر الوازنة في الأردنّ) وصبحي العمري وصبحي الخضرا وحسيب ذبيان وسعيد عمّون (17). يقول سلطان: “وصلنا إلى ديار بني حسن وخيّمنا في خربة “رِحاب” حيث مكثنا عَشَرةَ أشهرٍ كنّا خلالها موضع احترام العشائر المجاورة وحفاوتهم.. ولم يَفُتْنا أنْ نُعلِم الحكومة الأردنيّة بنزولنا في أرضها وقد كتبنا لها رسالة بهذا الخصوص ونقلها أخي علي إلى عمّان وعاد يحمل إلينا جواباً يتضمّن الموافقة والتَّرحيب غير أنّ السّلطة الإنكليزيّة لم تكن راضية عن ذلك، فحاولت إخراجنا وتسليمنا إلى الفرنسييِّن لو لم يعمل الأمير عادل أرسلان على إحباط مساعيها بالتَّعاون مع رشيد طليع وحديثة الخريشا ومثقال الفايز وطراد بن زبن وغيرهم من رؤساء العشائر العربيَّة في الأردن والتي كانت تربطنا بهم الصداقة منذ أيام الثورة العربيّة الكُبرى وفي تلك الأثناء ازدادت أواصر الصّداقة بيني وبين الأمير عادل أرسلان ورشيد طليع فكنت أجد فيهما كلّ مزايا الصِّدق في القول والإخلاص في العمل والاندفاع في خدمة القضايا العربيَّة (18)، وشهادة سلطان هذه تؤكِّد أنَّ التَّنسيق بين رشيد وسلطان قائم على الهدف الاستقلاليّ العروبي”.
التَّضييق البَريطانيّ على رشيد طليع
بعد استقالته من رئاسة حكومة الإمارة، كانت إقامة رشيد طليع تترجّح بين عمان ومُدن فلسطين، ولم يتلقّ عرضاً لعمل ما، نتيجة حظر شامل فرضه البريطانيُّون على وجوده في الحكم (19)، بل كان حاكم القدس (البريطاني) يعيّن له المكان الذي يسمح له الإقامة صيفًا فيه (20)، بحيث كان تحديد المكان يبدو إبعاداً وَنفيًا إلى أماكن كانت تضايق رشيد طليع ولا تتَّسع له في خُلُق أو صِحّة أو سياسة.
هكذا كان رشيد طليع بشخصيّته الوطنيّة العروبّية يثير رَيْبَ الإنكليز والفرنسيين معًا، وعلى هذا فَهُم قد حَمّلوه تَبِعَة أحداث وقلاقل جَرَت في الشّوف عام 1921 (21).
البَريطانيّون يطلبون مغادرته فلسطين
لم تطُلْ إقامة رشيد في فلسطين، إذ أوردت صحيفة المُقَطّم “أنّ حكومة فلسطين أنذرته بمغادرة البلاد والسفر خلال أسبوع إلى مصر .. والسَّبب؛ رغبة الحكومة الفلسطينيَّة المُسَيَّرة بالسياسة البريطانيّة في استرضاء السّلطة الفرنسيَّة التي لا تنظر بارتياح إلى إقامة السورييِّن في فلسطين” (22).
لكنّ رشيدًا بقي في فلسطين بعد أن رفع “على الحكومة قضيّة أمام محكمة العدل العليا لمخالفتها في أمر إبعاده مبادئ الحقوق الأوّليَّة، “فاتفقت معه على أن يقطن غزَّةَ حيث احتفى الغزيّون بعطوفته مُرَحِّبين بالسياسيّ العربيّ النَّابغة” (23). خلال تلك الفترة لم يكن رشيد منقطعًا عمَّا يدور في سورية وهو المحكوم بالإعدام من قبل الفرنسييِّن بدعوى التَّفاهم مع العدو الذي يقصدون به (الملك فيصل والحكومة العربيّة في سورية قبل احتلال غورو دمشق!).


رشيد طليع: مُساهم ومُؤَسِّس
في التَّحضير للثّورة السّوريّة الكُبرى
مرَّ معنا أنّ رشيد طليع أقام شهورًا في الجبل في بيت المجاهد علي عبيد في السويداء على أثر احتلال الفرنسيين دمشق بهدف التّأسيس مع قادة الرأي الحرّ فيه للتحضير المستقبلي لمقاومة الفرنسيين وبقي مدة أربعة أشهر يتنقَّل من قرية إلى أخرى ويجتمع بالناس وينشر أفكاره الوطنيّة .. ويدعوهم إلى عدم تصديق الفرنسيين ووعودهم ويحضهم على الإعداد وعلى التمهيد للقيام بالثّورة وطرد المستعمر وتحرير البلاد فوافقه كثير من الوطنيين، وأقسموا على يده يمين الإخلاص للوطن ومنهم سلطان الأطرش.. (24). ولكنّه بسبب نشاطه هذا الذي ضاق الفرنسيون به اضطُرَّ للّجوء إلى شرق الأردن والتَّعاون مع عبدالله على أساس دعوته لتحرير سورية تاركًا خميرة تنضج مع تطور الأحداث وتؤسِّس للثّورة السوريّة الكبرى التي بادر فيها مجتمع جبل الدروز.
وفيما بعد جاءت مظالم كاربييه لتحلّ على مجتمع الجبل الذي كانت كبرياؤه حينها لم تتعوّد الانحناء أمام إدارة الدّولة الأمنية القمعيّة التي أدارها بشكل فظ، إذ إنَّ العشرين شهراً من حكمه التَّعسّفي “عرفت فرض العمل القسريّ على نطاق لم يُعرَف من قبل، وباتت الضّرائب وللمرة الأولى في تاريخ الجبل تُجبى بكاملها، كذلك فُرِضت رقابة صارمة على تنقّلات الأفراد بين القرى وشاع استخدام معلّمي المدارس كمُخبرين، وكانت العقوبات حتى بالنّسبة للإساءات التافهة تعسّفية وخاضعة للنّزوات. وقد تعرّضت الكبرياء الدرزيّة الحسَّاسة للإهانات مراراً (25).
في تلك الفترة ظلَّ الجناح المعارض لفرنسا بقيادة سلطان في الجبل مخلصًا للقضيّة العربيّة وعلى مواقفه السابقة منها، وقد استمرَّ على علاقته بالوطنييِّن السورييِّن في دمشق وحلب وعمّان (26)، ولم يكن رشيد بحسب موقعه الوطني بصفته رجلًا من رجال حزب الاستقلال الذي كان في صُلب المواجهة مع الفرنسييِّن بعيدًا عن تلك الأجواء حتى وهو في القاهرة التي كانت حينها “مدير دفّة الحركات الوطنيَّة منذ ما قبل الحرب العالميَّة الأولى” (27).
كان رشيد طليع (واستنادًا لنشاطه السابق وتَتَبُّعُه لمسار تطوّر الأحداث) يتوقّع الثَّورة في الجبل، ويتخوّف من نشوبها قبل أوانها؛ إذ ينقل أسعد داغر عن موقفه من أجواء الجبل في العشيّة البعيدة للثَّورة السوريّة الكبرى (أي في أواخر عام 1924)، قوله: “وعلى كلّ حال لا أعتقد أنّ الثورات تكون دائمًا نتيجة استعداد وتنظيم، بل هي على الأكثر انفجارات تنشأ عن شدّة الضَّغط وأنا أخشى أن يقع هذا الانفجار قبل الأوان” (28).
وبالعودة إلى دور رشيد طليع في الإعداد للثّورة السوريّة الكبرى، فإنَّ الموقف الأكثر وضوحاً يأتي كذلك من مرويّات أسعد داغر إذ يكتب مُتَذكّرًا بعد سماعه عن تفجّر الثّورة في جبل العرب:
“وقد خُيِّل إليَّ لأوّل وهلة أنّي فوجئت بإعلان هذه الثَّورة مفاجأة ولكني لما راجعت ذاكرتي أدركت حقائق كثيرة شهدتها ولم أفطن لها حال وقوعها وفي مُقدَّمة هذه الحوادث أنِّي ذهبت مرّةً إلى الإسكندريّة لمقابلة رشيد طليع في موضوع خاص وذلك قبل نشوب الثَّورة السوريّة في جبل الدّروز بستّة أشهر أو أكثر، فرأيته شديد الانهماك برسائل تلقَّاها من الجبل ولمّا سألته عن السبب قال لي إنَّ الحالة أصبحت لا تُطاق في سورية وإنَّ بعض زعماء الدّروز عازمون على القيام بوجه السُّلطة وأنّهم يسألونه رأيه في الموضوع فقلت: وما هو رأيكم في ذلك؟”.
قال: “إنّ البلاد على استعداد الآن للقيام بعمل واسع النّطاق وإنّه يسعى لتنظيم هذا العمل من مدّة ولكن مساعيه لم تُكلَّل بالنَّجاح المطلوب حتّى الآن..” (29).
عند نشوب الثّورة في تموز 1925 انتقل رشيد إلى القدس، إذ كان على اتصال وثيق ببعض زعماء الجبل فالمكاتبات “بين طليع وسلطان كانت مُطَّردة لا تنقطع وهي جدّ خاصة مكتومة لا يطّلع عليها أحد وكلّ موضوعاتها تتعلّق باستيقاد نار الثّورة عندما تسنح الفرصة لها” (30).
رشيد طليع وإسناد الثورة عبر فلسطين
لم يكن رشيد ببعيد عن تطوّرات الثّورة السوريّة منذ أيام التأسيس عام 1920 إذ إن اعتصامه في الجبل إلى جانب قيادات الحركة العربيّة كان إصرارًا للهيئة (أي: حزب الاستقلال العربي)على مقاومة الاحتلال وتطبيقًا لما كان عليه الاتّفاق من “الإقامة في حوران أو شرق الأردنّ وإقامة حكومة وطنيّة وبذل الجهد لجمع الشباب واستئناف المقاومة” (31). ومن هنا فقد شكّلت إقامة رشيد طليع في القدس عند إعلان الثّورة السوريّة ذراعًا داعمًا لتلك الثّورة، وإسنادًا لها من خارج الجبل من نواح ماليّة وسياسيّة وعسكريّة؛ لكون الرّجل يمتلك علاقات سياسيّة وشخصيّة واسعة ندر أن امتلكها غيره تعود لسعة أفقه الشّخصيّ وأصالته العروبيّة وانتمائه إلى “العربيّة الفتاة” عشيّة العهد العثمانيّ، وإلى “حزب الاستقلال العربيّ” أيّام الحكومة العربيّة في دمشق ولاحقًا بعدها، وموقعه في طليعة القيادة منها، وكذلك من تَبَوُّئِه مواقع إداريّة مُتصرّفًا ووالياً في مناطق واسعة من سورية أيام العثمانييِّن، ومن تسلُّمه وزارة الداخليّة في حكومة دمشق العربيّة، وفيما بعد من فترة تولّيه رئاسة الوزارة الأردنيّة الأولى في تاريخ شرق الأردن، واغتنت من تنقُّله بعد استقالته من رئاسة الحكومة الأردنيّة في مدن فلسطين، وقد وصلت تلك العلاقات إلى المدى العربيّ الأوسع في إقامته الطّويلة نسبيًّا في مصر حتى عشيّة انطلاقة الثّورة السوريّة (32).
وعن دور رشيد طليع المؤسِّس في الثّورة السّوريّة الكبرى يقول حسن أمين البعيني: “إنّ اتّصالات سلطان مع خارج الجبل انحصرت برشيد طليع رئيس وزراء الأردن سابقاً وكان يطّلع أيضاً على المحادثات السِّرِّيّة التي تدور حول الأوضاع في سورية، وضرورة إشعال نار الثورة بين زعماء دمشقيين وزعماء من الجبل يقيمون في دمشق أو يؤمُّونها هم حمد ونسيب وعبد الغفار ومتعب الأطرش ويوسف العَيْسمي، إلاّ أنّ قرار الثّورة وتاريخ البدء بها لم يكونا مجال بحث بين سلطان وبين أحد بل كانا رهن تطوّر الأوضاع ورهن إرادته وحده” (33).
يقول أسعد داغر “إنّ رشيد طليع قام في القدس بأعمال جبابرة فإليه يرجع الفضل الأوّل في تأليف لجنة الإعانة التي استطاعت أن تكفل لجرحى الثوّار ونسائهم الأغذية والملابس والعقاقير، وفي تنظيم الثورة بواسطة الضبّاط الذين ساعدهم على الالتحاق بها كالمرحوم فؤاد سليم وغيره، وفي إرشاد زعمائها إلى خير الخطط التي يجب أن يسلكوها، والتوفيق بينهم وبين جيرانهم (يقصد الدّماشقة والحوارنة والبدو) الذين كانوا خصومًا لهم (نتيجة الدَّسِّ العثمانيّ القديم بين فئات المجتمع في بلاد الشام)، وتوسيع نطاق الحركات الثوريَّة شمالًا وغربًا حتى سيطر الثوّار على أكثر من نصف البلاد السوريّة (34).
وكلّ هذا دفع بالجنرال أندريا إلى أن يشير إلى خطورة قيادة الفريق المثلّث الرّؤوس: “الشهبندر والأمير عادل أرسلان ورشيد طليع” وكان هؤلاء يجتمعون يوميًّا ولم تكن ثورة الجبل إلاّ جزءًا من مخطّطهم، وكانوا يطمحون لإشعال الثورة لتشمل كلّ سورية. ويشير عجاج نويهض إلى العلاقة الوُثقى بين رشيد طليع والحاج أمين الحسيني مُفتي فلسطين وقد استثمرها رشيد في دعم الثّورة الماليّ والعسكريّ. ففي الجانب العسكريّ كان مقرّ رشيد في القدس مركز إسناد للثّورة وامداد بالأسلحة والخرطوش الملائم للبنادق من صنع ألماني التي كانت بأيدي الثّوار (كان الثوّار بحكم خبرتهم الميدانيّة يفضّلون البندقيّة الألمانيّة الصُّنع) بالتّنسيق مع الأمير شكيب أرسلان ومركز إعلام ومعلومات عن الثّورة ومعاركها وامتداداتها، ومركز تجميع ومعسكر انطلاق للمقاتلين الملتحقين بالثّورة من خارج سورية، والمثال الأبرز في ذلك يأتينا من كتابة رشيد طليع للقائد المقاتل أحمد مريود الموجود في العراق “لينتقل إلى جبل العرب”(35).
وعلى هذا كان الفرنسيّون دائمي التّشكّي من أنّ المواصلات بين مصر وجبل الدّروز مستمرّة عن طريق فلسطين وشرق الأردن وأنّ الذخائر تهرّب إلى الجبل عن الطّريق نفسها ولم تتوقّف إمدادات الأسلحة تلك إلّا بعد اتفاق فرنسي بريطاني جاء فيه: “.. ونعتقد أنَّ الأراضي الأردنيّة لن تكون بعد اليوم طريقًا للأسلحة والذّخيرة التي يشتريها الدّروز على حسابهم” (36).
أمّا من حيث الدّعم الماليّ وبالإضافة إلى ما كان يأتي من بلاد العرب والعالم الإسلاميّ، فقد كان رشيد طليع مُحَرِّك حركة الجباية في المهاجر الأميركيّة (37). وإلى أهمِّيَّة الدّعم المالي للثّورة يشير سلامة عبيد إلى أنَّ المقاومة المسلّحة ظلّت مستمرّة تغذِّيها أموال الإعانات التي كانت تصل بواسطة رشيد طليع من المهاجر “كان دور الدّعم الماليّ للثَّورة الذي يشكّل رشيد طليع مُنَظّمَه ومحرِّكه الرَّئيس يمنحه هيبة يغار منها الجنرال أندريا قائد الحملة الفرنسيّة ضدّ الجبل (الذي كان رأس حربة الثّورة السورية الكبرى). يقول أندريا: “كانت المنطقة تستقبل سلطان الأطرش أحسن استقبال لاسيَّما بعد أن جعل لكلِّ رجل ينضمّ إلى الثَّورة معاشاً شهريًّا يعادل المعاش الذي نُعطيه لجنودنا .. تلك دعاية ماهرة اختبأت خلفها شخصية رشيد طليع ..الذي حمل إلى الجبل مبالغ ضخمة من المال مجموعة من اللِّجان الإسلاميّة ( يقصد لجان دعم الثورة السوريّة) في القاهرة والهند وأميركا تساوي خمسين ألف ليرة ذهباً وُزِّعَت على الجبل منذ عودتنا إليه (آذار 1926)” (38). وبناء على ما سلف يستنتج منذر “وإذا ما تجاوزنا قضايا القيادة والتَّجنيد التي كانت من مهمّات القيادات في الدّاخل فإنّ اليد الطّولى في قضايا التّسليح وتأمين الذّخيرة كانت لرشيد طليع أثناء وجوده في فلسطين والقدس وكذلك كان دوره في توزيع المؤن والرَّواتب للمقاتلين بعد التحاقه بالدّاخل السوري” (39).
كان رشيد يبحث عن أيِّ إسناد للثّورة حتى إنَّه تفاوض مع مُفَوّض شيوعيّ مُكَلّف من قبل السّوفييت في القدس، وكان الاتفاق قد تمّ بين الاثنين على المساعدة بتقديم السّلاح على الطّريقة التي عاملوا بها مصطفى كمال في حرب الأناضول (كان الشيوعيون قد دعموا أتاتورك في حربه التي شنَّها ضدّ مشروع الغرب لتقسيم تركيّا على أثر الحرب العامّة الأولى وهذا ساعد في الحفاظ على كيان تركيا الحاليّ)، لكنَّ المفوَّض الشّيوعي وضع شرطًا ينصُّ على تطبيق مبادئ الشّيوعية في الثَّورة، فقال له رشيد: “ولكنَّكم لم تشترطوا هذا الشرط على مصطفى كمال، ونحن ليس في مصلحتنا تطبيق هذا الشرط في جبل العرب أو في أي مكان من سورية، ووقف الاتّفاق بين رشيد طليع والبلاشفة عند هذا الحدّ رغم محاولات لاحقة بلا جدوى” (40).
وفي معرض الخلافات التي كانت تجري بين قادة حزب الشَّعب والاستقلال العربي حول:
1ــ الثّبات في ميادين القتال:2ــ الذَّمِّة الماليّة 3ــ الارتباط المشبوه أمام قوى الخارج؛ فإن رشيد طليع كان يوم تأزُّم الثّورة يقف في صفوف الصِّدام والمواجهة على الرّغم من انحراف صِحَّتِه واعتلال جسمِه وهو خارج الاتّهام بأيِّ واحدة من تلك الكبائر الثّلاث. (41).
رشيد طليع في معمعان القتال
ومع وصول رشيد إلى الجبل اتّخذ لنفسه اسمًا حركيًّا (المقداد) وهو أحد صحابة النبيّ الأشداء و”عاون سلطان ووقف إلى جانبه واصطلحت الأمور بين سلطان والأمير عادل، وكان رَأْبَ الصّدعِ بينهما من هموم رشيد طليع، وحتى قبل وصوله إلى الجبل كان رشيد يُبَرِّد علاقات الطّرفين، وكذلك كان الرَّجل نقطة توازن بين قيادات الثَّورة المُتَنازِعِيْنَ في الغوطة، (ومنهم) محمد سعيد العاص وفوزي القاوقجي ونسيب البكري ومصطفي وصفي السمان وكان الخلاف (يدور بينهم) على الزّعامة والمناصب وكلٌّ منهم يتصلّب برأيه” (42).
ولم يكن النّجاح في الوصول إلى “الاتّفاق التّام” لدى قيادات الغوطة بعد إدارة شؤون المخابرات (الاتّصالات لتضييق الخلاف) فيما بينهم شأنه في ذلك شأن إدارته التّعارضات في الجبل والنّجاح في موازنتها وضبطها ولم يكن بعيدًا البتَّةَ عن صفاء مواقف رشيد طليع كمدخل أوّل، وعن قدرته في اكتساب احترام الآخرين فيصبح جلاء مواقفه في نظر المُتعارضين معه وسيلة إلى لقاء أكبر والتقاءات دائمة (43).
وأمّا عند وصوله إلى الجبل فقد أخذ رشيد موقعه القياديّ والقتاليّ في صفوف المواجهة ضد قوّات الفرنسييِّن داخل الجبل الدُّرزيّ وخارجه “إلى غوطة دمشق وعلى امتداد المواجهة ما بين الجبلين الدرزييّن في سورية ولبنان(44) إذ تردّد أنَّه وصل إلى منطقة الشُّوف في جبل لبنان .
قائد ميداني في صفوف الثوّار
التحق رشيد بالثورة قائداً ميدانيًّا بعد احتلال الفرنسييِّن للسويداء في أواخر نيسان عام 1926، أي في المرحلة الأكثر إحراجاً لمجاهدي الجبل. فبالرغم من سوء حالته الصحيّة، ذهب إلى الجبل وعمل على تنظيم الثّورة “تنظيماً عسكريّأً مُحْكَماً وجعل للجنود مرتبات يتقاضَوْنَها وحاول أن يكسب للثّورة صفة دوليّة” (45).
ولم يقتصرنشاطه المَيْدانيّ “داخل الجبل الدّرزي وحسب، وإنَّما كان موقعه في الصفوف الأولى على امتداد المواجهة ما بين الجبل وغوطة دمشق… والجبلين الدّرزيين في سورية ولبنان”. فقد روت أنباء دمشق وغوطتها “أنّ عطوفة رشيد بك طليع قد زار ميدان الغوطة وتفقد معسكرات الثّوار فاحتفلوا به أشدّ حفاوة وقد عاد عطوفته إلى جبل الدُّروز”. كذلك روت أخبار الثورة أنّ “عطوفة رشيد بك طليع … قد وصل إلى منطقة الشوف في لبنان لتقوية معنويات الثوار في تلك النواحي ثم عاد بسلامة الله إلى مقرّه في جبل الدروز”، كذلك “أشاعوا أنَّ رشيد بك وشكيب وهاب قد وصلا إلى الشُّوف، أمّا الأول فترجّح عدم قدومه لأنّه موجود في جبل الدّروز” (46).
رشيد طليع محور أساسيّ
في المداولات مع دي جوفنيل
في عام 1926 وفي الوقت الذي كان فيه رشيد طليع قائداً ميدانيَّاً في معارك الجبل، وفي مرحلة حرجة من المعارك بعد سقوط صلخد بيد الفرنسييِّن، تعذّر عليه وعلى سلطان باشا المجيء إلى الأزرق لمقابلة الملك فيصل الذَّاهب إلى أوروبا لتحميله المطالب السُّوريَّة إلى عصبة الأمم استنادًا لميثاق وطني وضعه عدد من القادة السورييِّن، ولكنَّ كلّ ذلك لم يمنعه مداولة الأمر مع الأمير شكيب أرسلان بضرورة السعي لتحسين شروط المفاوضات مع فرنسا وعدم القبول معها بمعاهدة بمستوى المعاهدة البريطانية العراقية لعام 1922 تلك التي “لا تمنح العراق استقلالًا ولا شبه استقلال..”. وهذا يدلُّنا على حصافة الرَّجل الذي يجمع بين أصالة الرَّأي وشجاعة القائد المَيْدانيّ في ساح القتال. وهكذا كان رشيد طليع مع عادل أرسلان في الجبل محوراً أساسيّاً في المداولات مع المندوب السامي دي جوفنيل ومع القادة الوطنيين في اللَّجنة الوطنية للمؤتمر السوري الفلسطيني أوعبر غيرهم من القادة الوطنيين الموجودين في دمشق (47).
ويبدو أنَّ سلطان الذي كان يَمْحَضُ رشيد طليع ثقته “إذ كانت له الكلمة المسموعة في جبل الدّروز خصوصًا عند سلطان باشا الأطرش الذي كان قد أوكل إليه أمر المفاوضات بالإضافة إلى الأمير عادل أرسلان ومن يليهم من الزُّعماء السورييِّن الآخرين. كان رشيد يحمل وثائق تخوِّله عقد الاتفاق النِّهائي بخصوص الثَّورة التي كانت قائمة ” كما يلاحظ نجيب الأرمنازي مندوب المؤتمر السوري ــ الفلسطيني لمباحثة الثّورة السوريّة في مهمة المفوّض السامي الفرنسي” (48).
رشيد طليع قائد مقاتل على نهج الثّورة العربيّة
هذا الثائر المتحدِّر من صفوف الثوّار الاستقلالييِّن العرب في الثّورة العربيّة، وهو الذي قد خَيَّبَت مؤمرات الإنكليز والفرنسييِّن آماله في تحقّق حلم الدّولة العربيّة؛ وجد في النَّصر الذي حقَّقه ثوّار الجبل بارقة أمل لاستعادة الحلم المفقود، حلم الاستقلالِ العربيّ، فبعد إقامته التَّحضيريّة في فلسطين لإمداد الثوّار بالمال والسِّلاح، وبالتّعاون مع الحاج أمين الحسينيّ رئيس اللجنة المركزيّة لإعانة منكوبيّ سورية (من مؤسسيّ تلك اللّجنة الأمير عادل أرسلان ورشيد طليع وشكري القوَّتْلي ونبيه العظمة وآخرون) انتقل مسرعاً من القدس عبر الأردنّ، فقد أثارت حَمِيّته هزيمة الفرنسييِّن في الجبل بعد نصر الثوَّار المؤزّر في معركتي الكفر والمزرعة؛ فحضر إلى السّويداء. كانت النفوس منتعشة حينها، و “زاد في انتعاشها قدوم رشيد طليع ببعض الإعانات التي بدأت تَرِدُ من المهجر بطريق فلسطين (49).
التحق رشيد بالثّورة جناحًا ميدانيًا عسكريًّا بعد سقوط السويداء بيد الفرنسييِّن في 25 نيسان 1926، وبعد أن كان الفرنسيّون في حالة انحسار قبلها في سائر جنوب البلاد السوريّة، ، كانت معركة السويداء من أكبر المعارك التي عرفها الجبل إنْ من حيث عديد القوى المُتَحاربة فيها، أو من حيث الخسائر البشريّة من الجانبين. كان الفرنسيّون يسعَوْن إلى العَودة إلى الجبل والتّمَركز فيه وقد نجحوا باحتلال السّويداء، وعلى هذا فقد كانت الثَّورة في حالة حَرِجة، خاصة أنّ بدو اللَّجاة كانوا يتعاونون مع الجيش الفرنسيِّ، ومن جهه ثانية كان الفرنسيّون قد عملوا على تجنيد فرقة درزيّة مُساعِدة لهم من الدّروز الذين يئسوا من النَّصر؛ أو أولئك الذين انقطعت موارد عيشهم وأصابتهم غائلة الفقر. وقد أخذ الفرنسيّون يدفعون لكل فارس درزيٍّ ينضمُّ لهم بسلاحه سبع ليرات ذهبية لمعيشته وإطعام جواده، وكان لهذا أثره السّلبيّ على قوى المجاهدين، وفي مواجهة هذا الوضع الحَرِج جاء في رسالة من رشيد طليع إلى الأمير شكيب بتاريخ 8 حزيران 1926 يقول فيها: “نحن نسعى الآن لتقوية المعنويّات وإعادتها كما كانت، وبدأنا في تشكيل جُنْد من الدُّروز بالمعاش، وقد قرَّرنا استخدام ألف رجل، ومايتين خيَّال ليكونوا مرابطين دائماً حول الجيش الفرنسيِّ أينما كان، وقد باشرنا بهذا القيد حين وصولي إلى الجبل، ولم يتم التَّشكيل بعد، وقد خصَّصنا للرّاجل ثلاث ليرات فرنسيَّة وللفارس أربعاً على أنْ يُعطى للمجنّدين نصف معاشهم سَلفًا”، وكان هذا تنظيماً قتاليًّا جديداً لم تعرف مثله الثّورات العربيّة من قبل!.


فِرْيَة الاستعمار: ” أجنبي اسمه رشيد طليع!”
بل هو قائد وطنيّ
كانت الثّورة السورية الكبرى قد دخلت في حالة تراجع بعد سقوط السويداء في 25 نيسان 1926، وصلخد في 4 حزيران 1926 بيد قوات الجنرال أندريا، ولكن تحرُّكات رشيد طليع في الجبل كانت تشكِّل حالة من النّهوض في تلك الفترة، وخاصة في المقرن القبلي من الجبل، حيث وصل رشيد طليع وأخذ يستنهض همم الدروز للمجاهدة فاجتمع عنده عدد كبير (50).
في واقع الحال لم يكن رشيد طليع أجنبيًّا عن سورية، فقد كانت له علاقات مواطنة سوريّة فعلية قديمة منذ العهد العثماني من خلال عمله الوظيفيّ فيها كما مَرَّ معنا، وتوطّدت أكثر فيما بعد في العهد الفَيصلي، فهو وزير الدّاخلية في حكومة دمشق العربيّة عام 1920، ووالي حلب بعدها، وعلى هذا فهو سوريٌّ أصيل من الوجهة القانونيَّة، والاجتماعيّة، ويرتبط مع دروز الجبل كونه درزيًّا بعلاقات قُربى وعلاقات شخصيَّة حميمة كما هو الحال في سائر العلاقات الدرزيَّة بين الجبلين. يقول أندريا متبرِّمًا من نشاط رشيد طليع: “توالت الأخبار من الجنوب والشرق. إنّ هذا الأجنبيّ يملك بيده اليوم مشايخ الدُّروز القَيِّمين على الثَّورة. لكن راح رشيد طليع ينتقل في الجبل .. وقد أشاع أن الأرض لم تُزرع وأنَّ البؤس سيصيب الذين يستسلمون لأنّ الحكومة الفرنسيّة لايمكنها تأمين المؤونة للدّروز فهي قبل كل شيء تسعى لتأمين الغذاء لجيشها..” (51)
كان رشيد حاضرًا كقائد مقاتل وكسياسي يوجه الرّجال لإرادة القتال في معارك الثّورة عام 1926 في وادي اللِّوى واللّجاة ومعارك المقرن الشّرقي من الجبل فهو ينتقل حيث تطلَّبت الظروف من موقع لآخر لِشَدِّ عزائم الرّجال، “في ذلك الوقت اجتمع رشيد طليع في صلخد بزعماء الثّورة ورتّبوا صندوق الإعانة وأمينًا له.. ثم ركب إلى…(عدة قرى)، فعاهرة (عريقة اليوم)، فأشعل الثَّورة هناك..” (52). وإلى المقرن الشّمالي والغربيّ لاستنهاض هِمَم الرّجال للقتال.. كان رشيد قائدًا حَدُوبًا على الثّورة التي يرى فيها أمل الاستقلالييِّن العرب الأخير بعد أن ضاعت منهم إمارة الشّرق العربيّ، واضطرّ عبدالله أميرها إلى التخلّي عنهم. أمّا في فلسطين، فإنَّ بريطانيا كانت ترتب ما ترتبه لتسليم البلاد لليهود، وما من بارقة أمل تلوح للاستقلالييِّن العرب سوى في سورية. وفي ظروف المواجهات، وعندما كان الفرنسيُّون يسيطرون في منطقة ما، فإنّه عندما تنسحب جيوشهم منها يعود الأهالي للثّورة، مُعتمدين على قواهم الذاتيَّة ومعونات تأتي من مُغْتَربي أميركا وغيرها عبره.. واستناداً إلى مذكرات علي سيف الدين القنطار فإنَّه بعد احتلال صلخد، “أرسل رشيد طليع تحارير يستحثُّ أهالي المَقْرَنَيْن الشّمالي والغربي للمعاونة، كانت الحملة الفرنسيّة قد وصلت إلى مَلَح (أقصى جنوب شرق الجبل)… بقيت الحملة في مَلَح ثلاثة أيام، وُجِّهت في أثنائها فرقة إلى خازمة (قرية صغيرة قرب ملح) فهاجمها الثوَّار مهاجمة المُسْتَقْتِلين دفاعاً عن عائلاتهم، وفي اليوم التالي رجعت إلى صلخد فاحتلَّت عرمان في طريقها…
وفي ذلك الوقت قَدِمَ وفد سوري من أميركا يحملُ مالًا للإعانة، فطلب رشيد بك طليع لمقابلته فتوجّه إليه..”.
ويكتب علي سيف الدّين القنطارأيضًا “كانت جبهة المقرن الشمالي قد تحرَّكت، ففي ريمة اللُّحف هاجم الثوّار الحملة مهاجمة لم نسمع بمثلها وبَقَوْا معها في الحرب حتى خيّمت قبل الغروب في رِيمة، واجتمع الثُّوّار في (قرية) جْدَيَّا فسلَّمهم رشيد طليع دراهم لأجل مُشْتراة الذّخيرة واستحثّهم على مُداومة القتال.. ولما ابتعدت الحملة عن جبهة اللَّجاة عاد معظم سكان هذه النّاحية للعصيان وحضر رشيد طليع وبدأ ببث روح الثّورة هناك، ويحرّض الأهلين على القيام بالمعاش المضمون واليقين الطّوعي، فعاد معه كثير من أهالي تلك النَّاحية الفقيرة للحرب، وجعلوا مقرَّهم شماليَّ (قرية) صمَيْد وغربيَّها. وهكذا كان رشيد طليع في الجبل قائدًا ومحرّضًا و “داعيةً مموِّلاً، أي إنَّه كان في الدّائرة العسكريّة الضيّقة (العُليا) للثَّورة وفي قطاع التّخطيط منها أوفي قطاع القيادة العسكريّة المباشرة” (53).
ففي دائرة التَّخطيط كان له دور فاعل وحاسم غالبًا في القرارات التي تتَّجه إليها قيادة الثّورة ومنها مثلًا:
1- اجتماع سالة بتارخ 17 أيار 1926، وحضره الشَّيخ أحمد
الهجري (شيخ العقل) وعبد الغفار باشا الأطرش وأبو نايف علي عبيد وأبو علي هاني (الحنَّاوي، شيخ عقل) والأمير عادل أرسلان وسليمان بك نصّار وغيرهم وقد تقرَّر تجهيز فرق مقاتلة برواتب شهريَّة من التّبرُّعات الواردة على صندوق الثّورة.
2- اجتماع الهويّا بتاريخ 12/6/1926، يذكر أندريا أنّ “سقوط
صلخد استدعى اجتماع قيادات الثّورة السوريّة من الدّمشقييِّن والدّروز وفي ذلك الاجتماع اقترح بعض الزّعماء استسلامًا عامًّا لكنّ رشيد طليع نجح في إعادة أكثرية المجتمعين إلى الأخذ بفكرة متابعة القتال” (54). ومن المؤكد أنَّ سلطان باشا كان يجد في مواقف رشيد طليع الجذريّة في مسألة استمرار الثورة سندًا لموقفه المماثل هو أيضًا.
3- اجتماع بوسان، كان الفرنسيّون يتجسّسون على الثّوّار وعلى
نشاط رشيد طليع، يقول أندريا (ص258): “وصل رسول (أي: جاسوس) من المقرن الشّماليّ يفيد بما يلي: حضرت اجتماعًا جرى في بوسان في 27/ حزيران 1926 برئاسة سلطان ورشيد طليع وأحمد الهجري وقد قيل فيه إنَّ عددًا كبيرًا من الجنود الفرنسييِّن ذهب إلى دمشق ممّا يسهّل عملية الهجوم على الحامية التي باتت ضعيفة. عارض سلطان الفكرة لأنَّ العاصمة مليئة بالأطفال والنّساء لكنّه اقترح استعادة مدينة صلخد عندما يبتعد الجيش الفرنسيّ عنها كما جرى في المرَّة السّابقة (عندما توجّهت الحملة نحو الحدود الأردنيّة) فاستُحْسِن رأيُه استحسانًا كبيرًا”.
وحسب رواية الجاسوس، فإنّ رشيد طليع قال في ذلك الاجتماع: “لن تتوقَّف الثَّورة حتى لو لم يبقَ درزيٌّ واحدٌ واقفًا على قدميه، ولن نسلّم السِّلاح حتى توافق فرنسا على مطاليب الثوّار وأهمّها العفو العام شرط أن تضمنه الولايات المتحدة الأميركيَّة..”، (كانت الولايات المتحدة في ذلك الزَّمن تبدو مسالمة بخلاف ما هي عليه الآن).
4- مؤتمر شَقّا ــ مَفْعَلَة: تمثّل هذا المؤتمر باجتماعين مُنفصلين
في 15 تموز 1926 وفي 29 منه ويعتبر هذا المؤتمرُ هو الأخير في مؤتمرات الثّورة السوريّة الكبرى، وقد مَثّلت مُقَرَّراته حالة القلق على مصير الثَّورة التي تأثِّرت من حالات “استسلام العديد من الزُّعماء والمقاتلين، ومرحلة تجنيدٍ لِمُتَطَوّعين من الدّروز في القوّات الفرنسيَّة ومرحلة الانقسام بين مُتَّحَدات الثَّورة ما بين جبليّة وجبليَّة وما بين جبليّة ودمشقيّة وما بين حزب الاستقلال وحزب الشّعب “غير أنَّ بصمات رشيد طليع تبدو واضحة في مقرَّرات هذا المؤتمر في وجوب المثابرة على الجهاد وفي ضرورة تجميع الجُند وفي قرارات حول التّموين ومنع التّعدّيات وحول إنشاء مجلس وطنيّ وحكومة وطنيَّة” (55).
كانت مقرَّرات مؤتمر شَقَّا تُعَبّر عن حالة تعبئة عامة إذ “اتّخذ المؤتمر الوطنيّ المُنعقد في شقّا قرارًا بوجوب وضع قوائم برجال كلّ قرية بدون استثناء ما خلا العاجز والولد، والعمل على سَوْق ربع العدد إلى جبهة القتال بصورة دائمة وبقاء الآخرين لتسيير الأمور وتولِّي مشايخ العقل إبلاغ القرار إلى القرى” (56).
المجاهد السياسي والقائد في أيامه الأخيرة
كان رشيد قد التقى في اللجاة (المقرن الشمالي) بالأمير عادل أرسلان العائد من الإقليم وبصحبته كنج أبوصالح وشكيب وهّاب ونايف مرعي ونحو ثمانين مقاتلاً لبنانييِّن وإقليمييِّن (إقليم جبل الشيخ)، في أواخر آب 1926، فقابله رشيد طليع وعموم الثوّار مقابلة عظيمة، كانت الطيارات تحوم فوق المنازل وألقت قنابلها على ذلك الحشد لكنَّ القنابل سقطت بعيدة عن الثوَّار ولم يُصَبْ أحد ..
يقول علي عبيد في مخطوطة مذكّراته ص27 والخلاصة أنّ العسكر رجع عن وادي اللّوى (على حافة شرق اللّجاة) بصفة الخاسر تاركاً أكثر من ألف قتيل بهذه المواقع الدامية..”.
كانت الثَّورة في اللَّجاة تواجه حصارًا من بدو اللَّجاة والفرنسييِّن كما أسلفنا، فانتقل الثوّار بحالة تراجع إلى رامة (رامي، قرية في المقرن الشرقي وتبعد عن اللّجاة نحو ستِّين كيلو مترًا) وباتوا هناك، وفي تلك الدّيار جرت سلسلة من المواجهات مع القوَّات الفرنسيَّة، دامت إحداها “ستَّ ساعات متوالية لايُسْمَع فيها إلاّ هدير الطوائر ورعيد المدافع ولعلعة الرّصاص وما قابلت الشمس وجه الزَّوال حتى ولّت الحملة واعتصمت بوادي الرّشيدة ثم توجهت وجهة شقف (بل الصّواب: قرية شعف)، كانت تحرّكات الثّوّار تراجعيَّة مترافقة بقتال مع تحقيق بعض الانتصارات المحلّية كما في موقعة قيصما في الرُّكن الجنوبي الشّرقي من الجبل. وبشأن تلك الاشتباكات مع الثوّار في القسم الشّرقي من المقرن القبلي يقول أندريا: “المعلومات الواردة من المقرن القبلي كانت لا تبشِّر بالخير فقد حطّت طائرة لسبب مجهول (يُنْكر أندريا أنّها طائرة حربيّة) على نجد “طَرْبا” فقبض الأهالي على ركّابها (يعترف بأنَّهما طيّاران حربيَّان في ص 304)، وأعدموهم” (57).
كما يتحدث أندريا عن معركة أخرى في المقرن القبلي “صادفت فيها فرقة فرنسيَّة عصابة مؤلَّفة من ثلاثمائة ثائر فاشتبكت معها في معركة خسرتها بسرعة لقلَّة عددها وعادت إلينا ساحبة عددًا كبيرًا من الجرحى” ويُعَقّب: “توالت الأخبار من الجنوب والشَّرق على أنَّ دعاية قويَّة ينشرها أجنبي اسمه رشيد طليع أتى من الأردنّ حاملاً معه كميّات ضخمة من المال.. (58)، وفي ص 278 يتساءل أندريا “لماذا لم يتوقف القتال؟”، وذلك بعد أن نجح الفرنسيُّون في السَّيطرة العسكريَّة على الجبل واستسلم كثير من الثوّار بعد منحهم الأمان إفراديًّا دون الإقرار بالحقوق الوطنيّة التي تدعو إليها الثورة واضطُرَّ الثوَّار الذين يقودهم سلطان إلى اللّجوء للأراضي الأردنيّة فإنَّ أندريا يحمّل في كتابه (ثورة الدّروز وإضراب دمشق، ص280)، مسؤولية تجدّد مظاهر الثّورة وعدم توقف القتال كليًّا للدعم بالمال والتسليح من جانب اللجنة السوريّة الفلسطينية الآتي من فلسطين إلى سلطان وأقاربه، وإلى رشيد طليع الذي لا يكفُّ عن فضح الدَّور الفرنسي بقوله للدّروز “إن الفرنسيين يخدعونكم إذ ليس لهم إلّا هدف واحد وهو تجريد البلاد من السّلاح والقضاء على حرّيتها…”.
وثائق سلطان باشا: رشيد طليع قائد
في ثورة سوريَّة استقلاليَّة
في موقعة الصُّوْخَر التي فُوجِئ فيها مجموعة من الثّوار كان يقودهم سلطان باشا بقوَّة فرنسيّة تحاصرهم تزيد عن المئتي مقاتل قُتل حصانه، وبقي سلطان يقود الثوار في ساحة المعركة مُصِرًّا على القتال، فما كان من ابن عَمِّه المجاهد صيَّاح الأطرش إلاّ أن تصدَّى له قائلاً: “أنت قائد الثورة، يجب أن تنسحب الآن، ونحن نحميك، إن أُسِرْت أو قُتلت فما مصير الثورة!” ولم ينتظر منه جواباً، بل ناوله مِقْوَدَ حصانه وألزمه امتطاءه لينسحب بعيداً عن رصاص المها جمين، وهكذا أُنجِيَ سلطان، وبقي صياح يقود المجاهدين بانسحاب تراجعي. يقول أندريا:” فرّ الثوار يعطون لخيولهم العنان تاركين في السّاحة أربعة قتلى وثلاثة جرحى بينهم ضابط جزائري هارب من خِدمتنا وسبعة جياد مَيْتَةً، بينها جواد سلطان الذي كان خرجه مَحْشُوًّا بمستندات مهمّة للغاية وهي:
1- رسائل من أميركة ( تفيد بتبرعات من المغتربين وليست من
حكومة الولايات لمتحدة (تشجّع الدّروز على المقاومة وتعلن وصول المال) وتدعو السّورييِّن للمقاومة حتى الموت.
2- رسالة من (محمد) عزّ الدّين الحلبي أحد قواد العصابات
يعلن فيها انخفاض معنويات أهالي المقرن الشمالي.
3- رسالة من لوزان بعث بها الأمير شكيب أرسلان يطلب من
سلطان فيها أن لا يثق بوعود الجنرال الحاكم ولا بأقوال المفوّض السامي، وجاء في قوله: “إذا انقلب الأسود يوماً أبيض استطاعت فرنسا أن تتنازل عن كبريائها”.
4- رسالة من نسيب البكري قائد عصابة دمشق يُذكِّرُ فيها سلطانَ
أنّه أقسم على أن يطرد العدوَّ المُسْتعمر.
5- رسالة من سلطان إلى رشيد طليع مستشار ملك الأردن
يطلب فيها المال ليدفع معاشات الثّوار (كان رشيد طليع قد ترك مستشاريّة عبدالله أمير الأردن منذ العام 1922، أي قبل تاريخ الموقعة بنحو خمس سنوات وإنَّما المساعدات التي كان رشيد طليع قَيّماً عليها هي تبرعات العالم العربي والإسلامي وتبرّعات المغتربين). يقول أندريا “هذه المستندات تؤكّد من جديد علاقة الثائرين بالأجانب المعادين للانتداب الفرنسيّ”.
إن تلك الرسائل تؤكّد من خلال استشهاد الضابط الجزائري المُنشق عن الجيش الفرنسيّ، ومراسلة الزّعيم السوري الدّمشقي نسيب البكري وتبرعات المغتربين العرب، ودور رشيد طليع التَّمويلي للثَّورة وكان حينها يقاتل في المقرن الشرقي من الجبل، وقبل وفاته بنحو شهر فقط تؤكّد أنّ الثورة سوريّة الهُوِّيَّة، وليست درزيَّة فقط، كما تُبرهن على الدَّور الهامّ الذي كان يقوم فيه رشيد طليع في تلك الثّورة كواحد من أبرز أركانها، إنْ كان في التَّخطيط منذ العام 1920، أو في التَّمويل من خلال علاقاته العربيّة والإسلاميّة ومع المغتربين العرب، أو في دوره الإداريِّ والقتاليِّ، وهو الذي توفِّي في ساحات القتال في قرية الشّْبِكِيْ من قُرى المقرن الشرقي من الجبل. ففي معركة شهبا وفي وقت سابق على الاشتباكات في المقرن الشرقي، كان رشيد طليع قد سارع إلى المقرن الشّمالي يطوف قراه ودساكره داعيًا الناس إلى المقاومة مبيِّنًا أضرار التَّخاذل والتَّواني، فأقبلوا عليه وانضمُّوا إليه وعاهدوه على الدِّفاع حتّى النَّفَس الأخير، ثم قدِم سلطان ومعه عدد من الشيوخ والزعماء لتنظيم حركة المقاومة في تلك المنطقة فأضرم مجيئه نار الحماسة في الصّدور..
يقول أندريا إنَّه في السابع من أيلول مرَّت قوَّاته في(قرى) “مْشَنَّف”، فـ “شْبِكِي” فـ “رامي”، وفي الثامن من أيلول وصلت الحملة إلى تلّ الشَّرِيْحِي حيث “العصابات (يقصد الثُّوار) تتجوَّل في المنطقة منذ أيَّام وفعلاً، ما كدنا نترك المحلَّة حتى فرقع الرَّصاص خلفنا.. وصلت الحملة “الشّبكي” (59) حيث نَصَبت مُخَيَّمها، وهناك أفادنا مُخْبِرٌ عن وجود ثلاث عصابات في المنطقة .. إحداها يقودها سلطان .. والثانية (محمّد) عزّ الدّين الحلبي.. والثالثة رشيد طليع..”. وهذه الشّهادة من عدوٍّ كأندريا تدلُّنا على أهميّة الموقع الذي كان يشغله المجاهد القائد رشيد طليع في قيادة الثّورة، وقبل وفاته ببضعة عشر يومًا فقط !. وفي مسيرة تلك الحملة الفرنسيّة التي كانت تلاحقها جماعات الثّوّار بلا هوادة يقول أندريا
“جَهَّزْتُ المؤخِّرَةَ بالمدفعيّة الثّقيلة لأنَّ التَّجارب في حرب الدّروز علَّمتنا أَنّهم لا يهاجمون المُقدَّمَة وإنَّما ينقضُّون بِعُنْف على المؤخِّرة والجناحين، ويتَحدَّث أندريا عن معركة جرت في قرية الرّشيدي استمرَّت بضعَ ساعات قادها سلطان بنفسه، واشترك فيها الأمير عادل ورشيد (طليع ) وزيد الأطرش وصيَّاح الحمود (الأطرش) وشكيب وهَّاب وتابعت الحملة المؤلَّفة من 4500 عسكري و 1200 جمل لحمل الماء والذَّخيرة و 50 سيارة و8 طائرات و7 مصفَّحات وانتهت بارتداد الحملة إلى السُّويداء..” (60). تابعت الحملة سيرها باتجاه الجنوب وهي من وجهة النّظر الفرنسية حملة تطهير ولكنّها لم تكن لتتوطّن طويلاً في منطقة تتحرّك فيها مجموعات من الثّوار بأسلحتهم الخفيفة التي لا تعيق من سرعة تحرّكهم كما هو الحال لدى الجيش المزوَّد بالآليّات والمدفعيّة الثّقيلة. يقول أندريا ص310 من كتابه: “موقف العصابات في معركة رشيدي أظهر تمامًا نواياها وخطّتها فهي بعد إدراكها الطّريق التي تسلكها الشاحنات والعربات. قرّرت (مجموعات الثوّار) فيما بينها مهاجمة الحملة في هذه النقطة على النّحو التالي: تهاجم المؤخّرة عصابة عزّ الدين الحلبي القادمة من الشّمال وتهاجم الميسرة عصابة سلطان الخارجة من غَوْر الصّفا، وتهاجم الميمنة عصابة رشيد طليع القادمة من الغرب. أمّا المقدمة فلم يكن لها شأن في الخطة..”.
رشيد طليع: الخبير في التكتيك الحربيّ
من خلال دراسة سيرة رشيد طليع؛ تتجلَّى لنا خبرته في التَّكتيك الحربيّ واضحة في توجيهه التَّالي الذي نَسْتَدِلُّ من سياقه أنَّه صدر عنه قبيل وصول حملة أندريا إلى الجبل، حيث يخاطب الثوّار قائلًا: “لي ملاحظة عسكريّة صغيرة ومُهِمَّة، أريد أن أبديها لكم وهي: إنَّكم تعلمون أنَّ انتصاركم على حملة ميشو وتشتيتكم إيّاها كان بفضل الهجوم الذي عَمِلْتُموه عليها وهي سائرة من الجناح، فالجيش السّائر إذا هوجم من الجناح أو من الخلف فينكسر لا محالة مهما كان قَوِيًّا، وفي وسْعكم مُهاجمة حملة أندريا التي يَنْوَوْن سَوْقها إلى الجبل من أحد أجنحتها من ورائها. إذا فعلتم ذلك فإنَّكم تُشَتِّتُونها كما شتَّتُّم حملة ميشو، وهي، أي حملة أندريا؛ لا تزيد عن عشَرة آلاف عسكري كلُّهم أنهكهم الحرب وأصبحوا جبناء وضعفاء وفلول لا يُؤْبَه بهم، فاجمعوا عليهم قواكم وانقضّوا عليهم كالأبطال كما هي عادتكم، فَتَرَوْن أنَّهم لا يقفون أمامكم أكثر من بضع ساعات وخصوصًا من ضربهم من الجناح، أو من الوراء، فتأخذونهم كلَّهم مع ذخائرهم ومعدَّاتهم، وتجعلونهم عبرة لمن اعتبر”(61). كما تبدو لنا خبرة الرَّجل جليَّة في مسألة اسستثمار طبيعة الأرض في تقييمه للحرب في اللَّجاة إذ يقول: “إنَّ مجموعة من ماية أو مايتين بواردي (أي: المقاتل حامل البارودة) مع زعيم كـ: شبيب القنطار (أحد أبطال الثورة آنذاك) تكفي المنطقة حَصانَةً ومنعةً في مواجهة أيَّة قوَّة عسكريّة من خارج، فلا داعي إذن لأنْ تبقى “قُوَّة عسكريَّة كبيرة (من الثُّوّار بعيدة عن ميدان المواجهة) في اللّجاة أثناء حملة أندريا”.
تجاهل أندريا في كتابه وفاة رشيد طليع!، ولكنَّ الرّجل دخل تاريخ الامَّة العربيَّة رغم تجاهل الفرنسييِّن له.
الوثائق التي حصل عليها الفرنسيُّون في خرج الحصان الذي قتل تحت سلطان في موقعة خربة الصَّوْخَر تخالف وجهة نظر الجنرال أندريا نفسه بتسميته الثورة “ثورة الدُّروز”، وتُثْبِتُ أنَّ الثَّورة السوريَّة الكُبرى التي كان رشيد طليع الاستقلاليّ العروبيّ واحداً من المخطّطين لها منذ عام 1920أيام نزل في بيت علي عبيد حينها، ومن المقاتلين في صفوفها فيما بعد؛ هي ليست ثورة درزيَّة محصورة في حدود الجبل، بل إنّ تلك الوثائق تبين زيف الفِرْيَةِ الفرنسيَّة التي تصوِّر الثّورة على أنَّها ثورة طائفة..
نعم كان رشيد طليع قائدًا مخلصًا لتلك الثَّورة التي خطَّط لها، وكان قد التحق بها على أثر نشوبها وتحقيقها النَّصر الساحق على الفرنسيين في معركتي الكفر والمزرعة، وبالتحاقه بها اكتسبت الثَّورة دعما ماليًّا وبُعْداً استراتيجيًّا، بانضمامه إليها وهو الرّجل الإداري والسياسي والخبير العسكري الذي يقاتل في صفوف الثّوار من أجل الاستقلال العربي وشعار “الدِّينُ لله والوطن للجميع” شعاراً للثورة السوريّة الكُبرى اعتمده سلطان باشا الأطرش قائد جيوش الثورة الوطنيَّة السوريّة العام” وهو الشعار الذي كان قاعدة حضاريّة للدَّولة العربيّة التي اغتالها الفرنسيُّون عام 1920، وهذه حقيقة يغفل عنها كثير من المؤرّخين! كلُّ ذلك جعل من تلك الثَّورة قَضيَّة من كانوا وطنيين ثوريين بذاتهم شأن رشيد طليع وعادل أرسلان وفؤاد سليم وعادل النَّكدي وغيرهم من رجال الثَّورة العربيّة، لذلك كان تواصلهم مع الثَّورة السوريّة الكبرى في ظروف نشأتها الأولى، وكان اندماجهم فيها بعد انطلاقها. وعلى هذا كان رشيد طليع وهو في مصر على صلة متواصلة بسلطان باشا قبل الثورة وبعد نشوبها.
جرح لم يندمل وإصابة في مَيْدان
القتال وشهادة نبيلة وأصداءٌ عربيّة
في أيامه الأخيرة كان رشيد طليع يقاتل مجاهدًا وقائدًا في سياق سلسلة معارك مُتتابعة على الحافّة الشرقيّة من المقرن الشرقي في الجبل، وتضاربت الأنباء في طبيعة السّبب الذي أودى بحياته؛ بين وفاته بمرض معوي أصابه فَجأة، أو بسبب انسداد في الأمعاء لم يتوفّر له مُسهل، أو بين وفاة على أثر رصاصة أصابته تركت جرحًا لم يندمل في كتفه على أثر معركة قيصما (قبل وفاته بنحو شهر) كما جاء على لسان المطران نيقولاوس قاضي مطران حوران وجبل الدروز (62)، يضاف إلى ذلك احتمال أن تكون وفاته نتيجة لتداعيات مرضيّه مُزْمنة ناجمة عن حالة صِحِيّة سيّئة كان يعاني منها، لكن ذلك لم يمنعه من الجهاد في سبيل حُرِّيّة أُمَّته واستقلال وطنه، يشير إلى ذلك الأمير شكيب أرسلان في تأبينه إيّاه (63).
سلطان باشا يؤبن الشَّهيد
في صباح يوم من أيام آخر العشر الأوائل من أيلول عام 1926 كانت حملة فرنسية يقودها الجنرال أندريا تقوم بجولة ترافقت بمعارك عنيفة في المقرن الشّرقي من الجبل كما سلف بيانه. مشت تلك الحملة إلى صلخد وعاد الثُّوّار إلى “بوسان”؛ فقضَوْا ليلتهم هناك ثم انتقلوا إلى “سالة”، وتوعّك رشيد باشا فنقلوه إلى قرية “اسْعَنَه” ومن ثمَّ اشتدّ مرضه فتركوه فيها ومعه عشرة رجال حملوه إلى قرية “الشّْبِكة” وتقدَّم الأمير عادل أرسلان إلى قرية “الشّريحي” ثم “الطّيبة” فبات الثوَّار فيها ثم ارتحلوا إلى قنوات، فباتوا فيها ليلة جمعوا فيها بعض الدَّراهم والذَّخيرة للإعانة وعادوا في اليوم التالي إلى مفعلة فباتوا فيها ليلة، وفاجأهم خبر وفاة رشيد طليع في تلك اللَّيلة فركب الأمير عادل بالخيالة إلى “الشّْبِكِي” (64).
وفي وفاة رشيد طليع أبَّنه سلطان باشا مُسْتَشْعِرًا فداحة الخسارة؛ يقول: “.. في أواخر أيلول عام 1926 فُجِعْنا بوفاة المجاهد الكبير والبطل المقدام، والإداريّ الحكيم رشيد طليع ببلدة الشّبكة إثر مرض معوي أصابه بصورة مفاجئة، ففقدنا بوفاته رُكناً من أركان الثَّورة ورجلًا من خِيْرَة رجالات العرب الأفذاذ” (65).
وأمّا في جبل الشُّوف قد كان لوفاته صدًى كبيرٌ، إذ أقيمت له مناحة كبرى اشتركت فيها وفود القرى والزُّعماء واقيمت له في جديدة الشّوف مَناحة مهيبة لا تقلُّ عن أختها في الجبل الدّرزي (ميدان قتاله)، وقد اشترك فيها لبنان”(66)، وحضر مأتمه الألوف المؤلَّفة من الدُّروز وسائر الطّوائف، وفي إمارة شرق الأردن حيث كان عبدالله قد أخذ طريقًا معاكسًا لجماعة حزب الاستقلال العربيِّ فقد أذاع مكتب الاستعلامات السّوريّ أنّه أقيمت للفقيد الكبير “في الأزرق (بلدة كانت درزيّة في شمال الأردن) حفلة تأبين كُبرى للفقيد العظيم المرحوم رشيد بك طليع لمناسبة مرور أسبوع على وفاته حضرها عدد من رجال الأمّة السوريّة، وأبّنه الزّعيم الكبير الدّكتور شهبندر تأبيناً مؤثِّراً وقد حضر الاحتفال الأمير حسن الأطرش أمير جبل الدُّروز وعبد الغفار باشا الأطرش واسماعيل بك الحريري زعيم حَوْران والدّكتور خالد بك الخطيب وجمهور كبير من خاصة أهل البلاد”(67).
أما في القاهرة فقد نعاه مكتب الاستعلامات السّوريّ ووصفه بأنّه “أوفى عُظَماءِ الأُمّة” وممَّا جاء في النَّعيّ: “فُجِعَت سورية بزعيم من أعظم زعماء الأمة وكبير من أوفى عظمائها إخلاصًا لوطنه وسعيًا في سبيل إنهاضه والذَّود عن حياضِه وتّحريره من أنياب الاستعمار؛ ذلكم الزَّعيم البار رشيد بك طليع العضو في مجلس النُّواب العثماني ووالي حلب ووزير الداخلية في حكومة سورية العربيّة ورئيس وزراء شرقي الأردنّ عام 1921، والفقيد من أعظم من أنجبتهم سوريّة عِلْمًا وَحَزمًا وإخلاصًا وسداد رأي، وقد امتاز بالكفاءة والحزم وسداد المحجّة فكان شخصًا ممتازًا في المناصب الكبيرة التي تقلَّدها في الدّولة العثمانيَّة، وفي الحكومة العربيّة بعدها؛ وافاه الأجل المحتوم في قرية الشّبيكة (الشّبِكِي) من قرى المقرن الشَّرقي بجبل الدُّروز يوم الاثنين في 20 سبتمبر أيلول 1926 إذ اشتد عليه مرضه عقب قفوله من انتصار حربي أحرزه برجاله المجاهدين على جيش العدوّ في معركة الرّشيدة؛ فختمَ حياته الجليلة بأعظم ما يدّخره العظماء للحياة الخالدة والذِّكر الحَسن”(68).
وفي فلسطين كانت حفلات التأبين استثنائيَّة في دلالاتها فمن صلاة الغائبين “على الشّهيد الكبير رشيد طليع وجميع الأبرار الذين ماتوا في سبيل الحريّة” (69). إلى حفلات تأبين مشتركة ما بين العرب واليهود وتحدِّيًا من قبل العمال العرب واليهود؛ وبتحديد أدقّ من قبل العمَّال الشيوعييِّن من الطَّرفين، وننقل هنا ما أوردته صحيفة لسان الحال عن جريدة الاتّحاد العربي التي تصدر بطولكرم في فلسطين تقول: “علمنا أنَّ عمّال اليهود الشّيوعييِّن في تل أبيب أقاموا مؤخَّراً حفلة تأبين للمرحوم رشيد بك طليع في نادي طبقة العمَّال حضرها أكثر من مايتي عامل يهودي وثمانين من العمال العرب وقد ألقيت الخطب بالعربيّة والألمانيّة، وعدّد الخطباء ما كان للمرحوم رشيد بك من المزايا العالية والجهود الثَّمينة في خدمة بلاده ومما قاله أحد الخطباء إنَّ رشيد بك لو كان حيّأً ورأى بعينيه عدم إضراب عرب فلسطين واهتمامهم بيوم وعد بلفور المشؤوم لكان تأثره شديداً من سوء الحالة التي وصلت إليها فلسطين بسبب تخاذل الزُّعماء وانحلال عزائمهم وتفرُّق كلمتهم (70). ويفصح لنا هذا التّكريم عن دور أغفلته مصادر المرحلة عن أفعال “فلسطينيَّة” لرشيد طليع ، ليس فيها من ” تخاذل زعماء الثلاينيَّات ولا من من انحلال عزيمتهم”. كما يُفصح عن مواقف سياسيّة واستنكار علاقات مع أطراف من غير عربها، ومع الشيوعييِّن من يهودها تخصيصًا، كان فيها استنكار وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، كما يبدو من نَصِّ الاتّحاد العربي يدور سيَّاراً في سيرة رشيد طليع أقوالًا ومواقف (71).
وهكذا فإنَّ رشيد طليع كان من أولئك الوطنييِّن الرُّواد الذين لم يموتوا بالموت البيولوجي لأجسادهم، بل بقي مُلْهِمًا للنّضال اسمه ظل مُدَوّياً بعد موته وحاضرًا في المناسبات الوطنيَّة في فلسطين وغيرها من بلاد العرب، ففي حفلة أقيمت في 21/ 2 سنة 1930 من قبل فريق من شباب القدس في كُلِّيَّة روضة المعارف لمعتقلي يافا؛ يقول أكرم زعيتر: “.. كلّما امتلأ سِفْرُ التّضحية بحوادث التّضحيات الغاليات اقتربت هذه الأمة من موعد خلاصها، فأحمد مريود وعادل نكد ورشيد طليع وفؤاد سليم والخرّاط عناصر روحانية تُذكي نيران الإخلاص في نفوس الشّباب المجاهدين…” (72).
وفي نابلس في 8 ــ 3ــ 1931 أقيم احتفال بذكرى استقلال سوريّة عام 1920 وقد أَمَّته وفود قادمين من القدس ويافا وغزة واللِّد والرَّملة وطولكرم وجنين وعكّا والنّاصرة وصفد.
وفي 9ــ 7ـ عام 1933 في معرض للصِّناعات الفلسطينية والسُّوريّة واللبنانيّة والمصريّة والعراقيّة .. في هذا المعرض الذي”ازدانت جوانبه بأعلام الدُّول العربيَّة وبصور كبار شهدائها ولا سيَّما شهداء الثَّورة السوريَّة الكُبرى كرشيد طليع وأحمد مريود وفؤاد سليم…”
وبمناسبة يوم احتفال الشهداء في القدس في 13 /5/ 1935 وفي 11/ 9/1936 كان ذكر رشيد طليع حاضراً .
وفي حفل تكريم للمجاهدين السوريين وقد حضره رجال من الأردن وسورية وفلسطين كان الإشارة صريحة بالأسماء إلى رشيد طليع مع آخرين من شهداء تلك الفترة.
ولنبيه العظمة وهو أحد قادة الثوار الدمشقيين شهادة بليغة في موقع رشيد طليع بين رجال عصره الكبار، يقول نبيه العظمة مخاطبًا أكرم زعيتر:
ثلاثة أشخاص موتهم كارثة وطنيّة، فُجِعت بموتِهم فجيعة لا وصف لها، إنَّهم: عمي يوسف العظمة، ورشيد طليع وياسين الهاشمي” (73).
تركة الشهيد رشيد باشا طليع وتكريمه!
مات رشيد باشا طليع ، بل استشهد فقيرًا من المال ولكنَّه لم يزل غنيًّا ومُلْهِمًا في حضوره التاريخيّ والسياسيّ في مجتمعات ومضافات جبل العرب ومنتديات مثقّفيه، بل وفي ذاكرة مؤرِّخيّ الثّورة السوريّة الكبرى وأخصّ بالذّكر منهم الدكتور حسن أمين البعيني الذي لم يخلُ كتاب من كتبه العديدة التي تناول فيها تاريخ الثورة السورية الكبرى من ذكر منصف لرشيد باشا طليع.ويذكر المجاهد متعب الجباعي وهو من مرافقي رشيد طليع يقول: “قُمْنا نحن أهالي القرية نحفر قبرًا للشهيد، وأثناء ذلك سمعنا امرأة تصيح بأعلى صوتها والدَّمع ينهمر من عينيها قائلة بكلمات تتدحرج على شفتيها الرَّاجفتين: “يا قوم.. يا ناس..أرجوكم، أتوسّل إليكم، لا تُوَسِّدوا هذا الميت الثرى كبقيّة الأموات.. بل احفروا له كثيرًا ليدفن واقفًا.. لأنَّ سعود الثّورة مرتبطة بالقائد رشيد طليع، وأخشى إن نام رشيد أن تنام معه الثّورة”. وتبادل المشيّعون النَّظرات وأطاعوا تلك المرأة الغيور “ضياء سعيد”، ودفنوا الميت واقفًا وكانّه مازال حيًّا، وبعد أقل من شهر وصلت حملة فرنسيّة إلى قريتنا “الشّبِكِي” وكان لنا معها قتال وخسارة شهداء… وأوقعنا بالعساكر أفدح الخسائر وأخيراً استطاعت القوَّات دخول البلدة .. بدأ القائد الفرنسيّ حملة تفتيش عن البطل المجاهد “رشيد طليع” وقيل له: طليع مات.. طليع توفّاه الله.. طليع أصبح في الدَّار الآخرة.. ولم يصدّق القائد “الليوتنان زهران”. وأخيرًا جمع كلَّ الحاضرين من أهل البلدة.. حول القبر الذي أرشدوه إليه وبدأ السؤال لكلِّ أحد.. عن القبر، وما يضمُّ القبر. وأجاب الجميع: هذا قبر رشيد طليع..!
قال زهران: لا أُصدّق حتى تُقسموا لي بإلهكم ودينكم بأنّ هذا قبر طليع!. وانتخب أربعة رجال أقسموا بالله العظيم وبكلِّ المقدّسات بأنّ هذا القبر يضم جسد الشهيد رشيد طليع.. عندها أمر الليوتنان زهران عساكره أن يصطفّوا أمام القبر وأن يطلقوا النّار في الهواء إكرامًا للرَّاقد فيه، ثمّ أوعز بتقديم السلاح وأداء التّحيّة لواحد من قادة الثّورة السوريّة ذي الرأس المفكر والعقل المدبّر رشيد باشا طليع. وقال كلمة حق: “الآن انقصم ظهر الثورة”.
أمّا المال الذي كان بحوزته فهو ألفا ليرة ذهبية مصدرها تبرعات لدعم الثَّورة، وزّعت على المجاهدين بالتساوي، “نال كلٌّ منهم ذهبيّة ونصف” بالإضافة إلى تركته الشّخصية وهي خمسون ليرة ذهبية من ماله الخاص أوصى بتوزيعها بعد وفاته على الرّجال المقاتلين من آل الجباعي في قرية الشّبِكِي وفاءً منه لعنايتهم به أثناء مرضه.
أما معاناة أهالي الجبل وهم الحاضنة الاجتماعيّة لرشيد طليع؛ فقد استمرّت مدّة ثلاثة أرباع القرن ونيّف (ستّة وسبعين عاماً) من المطالبة حتّى تمت الموافقة على إقامة نصب تذكاري على مشارف قرية الشّْبِكي في جبل العرب تكريمًا له في السادس من أيّار؛ عيد الشهداء، عام 2001.
وخلاصة القول؛ فإنَّ رشيد طليع سيبقى حيًّا في ذاكرة المناضلين العروبييِّن ما دام للمجتمع العربي قضية حُرّيّة يناضل من أجلها.