الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

ســـر الله في صنعـتـــه
من كتـــاب "قطوف على درب الحيـــاة" للشيخ نبيل رعد

أوّل كلمة نزلت في الوحي «اقرأ»، والقراءة سبيل المعرفة، والمعرفة جوهر الفكر، ومن الفكر انطلاق العلوم. والقراءة لا تقتصر على اتّباع الأركان فحسب؛ فالتأمّل في ظواهر الكون والتفكّر فيها كان الدافع الأول للعلماء للوصول إلى أسرار صنع الله. فالكون هو الكتاب الأول الذي قرأه الإنسان، وفيه عظمة الخَلْق دلالةٌ على عظمة الخالق. ومطالع القول من نظرٍ فيه اعترافٌ وتقديسٌ وسَعْيٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في كتابه المجيد:

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)[الحج: 63]،

وقال سبحانه:

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [الحج: ٦٥].

وجاء في الحديث الشريف: «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة»، لأن الفكر السليم هو انطلاق العقل في استكشاف الحقائق واختيار الأفضل وتصويب المسار. والله تعالى في هذه الآيات – وآيات كثيرة تبدأ بـ «ألم ترَ» – يريد لنا أن نفعل عملية التفكّر، ونقتحم أسرار الكون لنعرف عظمة الخَلْق التي تؤدي بنا إلى معرفة عظمة الخالق؛ لأن المعرفة هي سرّ العبادة وسرّ الحبّ والتعلّق، وهي نتيجة الفكر ووعي العقل.

وفي حديث آل البيت (عليهم السلام): «أوّل العلم معرفة الجبّار، وآخر العلم تفويض الأمر إليه».

 

من الألفة إلى التأمّل
من العادة أن ننظر إلى الشمس في شروقها وغروبها، وإلى القمر في سيره ومراحله، وإلى حركة الفصول في الأرض وتغيّر المناخ في أقاليمها، وإلى السماء وأجرامها وكواكبها، وإلى خلق الإنسان: نطفةً، علقةً، مضغةً، عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم طفلًا، شابًا، شيخًا، عجوزًا، وإلى الحيوانات في سلوكها ونظامها. ولكننا لا نعيش عظمة هذه الظواهر لأننا ألفناها، فأصبحت بالنسبة لنا عاديّة. لكن تصوّر أن الشمس لم تظهر لكان هذا شيئًا مدهشًا يستحقّ التفكير والوقوف عنده.

ومن هذه الآيات يريد الله لنا أن نخرج من ألفة هذه الأمور العاديّة إلى أسرارها، لتستقرّ عظمة الخالق في فكرنا، فتبقى معنا في كلّ مواقع الحياة التي نعيشها. فكلّ ما في الكون يحمل عبرةً وفكرةً تختار الألباب في تدبّر حكمة القدير.

 

آيات في النبات والمطر
فمن ألف العادة أن يهطل المطر، وتتفاعل البذور مع المطر والتراب، وتنطلق النباتات والخضرة اللينة من الحبوب اليابسة. كيف وُلدت هذه الخضرة؟ ومن أعطاها النموّ وبعث فيها الحياة؟ ومن سخّر لها الضوء والحرارة سببًا للنموّ، فتراها تتسابق صعودًا لالتقاط النور؟ ومن أودع في الخضرة سرّ امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتفكيكه لإرجاع الأكسجين إلى الجوّ – عنصر الحياة الحيواني الأساسي – وتحتفظ بالكربون عنصر النموّ فيها؟

كيف تنوّعت الأزهار بأشكالها وألوانها وروائحها؟ كيف تفرّقت الألوان وتنوّعت، والخضرة والماء واحد، والتراب واحد، والهواء واحد، والحرارة واحدة؟ من أين تنوّعت خصائص النباتات؟ بل في الثمرة الواحدة تجد في الغمد الذي يحمل ثمرةً طعمًا، وفي اللبّ طعمًا، وفي القشرة أحيانًا طعمًا، وفي البذرة أو النواة طعمًا، والكلّ تغذّى من ماء واحد جرى في عروق الغمد.

من مآثر تلك الظواهر العجيبة؟ نزل المطر فاهتزّت الأرض، كناية عن اهتزاز الحياة في البذور اليابسة، تشبّعت بالماء، وتخرّجت النباتات وربت وارتفعت وأخرجت من كلّ زوج بهيج. فهو تعالى يريد لنا أن نفكّر في هذه المألوفات وفي أسرارها، حتى نستطيع من خلالها أن ندخل إلى سرّ عظمة الله من خلال خلقه، وأن نعرف من سرّ هذا الخلق لطف الله تعالى بعباده، وأنه خبير بحاجاتهم، يسّرها لهم. وبهذه اليسّر سخّر خلقًا لخلق، وسخّر العناصر لبعث الحياة؛ حيث النباتات هي منتج الغذاء، والحيوان هو المستهلك، والحشرات – وهي كائنات متناهية في الصغر – تفكّك جثث وبقايا الكائنات إلى عناصرها الأساسية وتعـيدها إلى الطبيعة لتدخل في تكوين كائنات جديدة، فيما يشكّل دورة الحياة الدائمة.

ألم ترَ النباتات تنام مع المطر في فصل الشتاء، وأخرى تدخل في سكون شتويّ، حتى إذا أقبل الربيع انبعثت فيها الحياة من جديد؟ ألم يسخّر لها الكريم ﷺ الحرارة والبرودة، وسرّهما في الحياة والموت؟ ولكلّ تدبيرٌ لطيفٌ خبيرٌ، له ما في السماوات وما في الأرض، ولكلّ مالكه من حيث الإيجاد والتكوين.

 

عظمة الخالق وسعة ملكه
فإذا عرفنا الله تعالى في مواقع عظمته، وفي مواقع خلقه، وفي مواقع إمداد الخلق وامتداد ملكه اللامتناهي – ولا يمكن لمخلوق أن يصل إلى إدراك نهاية ملكه – فكيف لهذا الإنسان المحدود القوّة والإمكانية أن يدرك إلا اليسير من بدائع خلق الرحمن؟ فمجرة درب التبانة يُقدّر طولها بألف سنة ضوئية، وفي كلّ مدّة يُعلن عن اكتشاف فلكي جديد.

وإذا رجعنا إلى الأرض التي نعيش عليها وفكّرنا بها: كم يعيش عليها من كائنات؟ وكم تختزن في طبقاتها من أسرار، وتخزّن من معادن وطاقات سخّرت جميعها للإنسان ليعيش الحياة باكتفاء. فلنفكر بمن السماوات والأرض ملكه، وجميع ما نتقلّب فيه من نعم هي من بعض هباته. كيف نفضّل عليه من يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا؟ وما يملك هذا الإنسان شيئًا لولا تمليك الله تعالى له. كيف نفضّل ونقدّم نزواتنا وشهواتنا على طاعته وحقوقه؟ كيف نفضّل أنفسنا ونهمّ بالفاني من مال وأهل وولد، ونغفل عن الله سرّ الوجود وسرّ الحياة لكلّ حي موجود؟ ألم يكن تسليم ما يملكه المؤمن لله هو سرّ العهد الذي ارتضيناه على أنفسنا؟

 

مقارنة تظهر العظمة
فلتتجلّ عظمة الله في أنفسنا، وندخل في مقارنة بين خلقه الذين نقدرهم، والذين نحبهم، والذين نسعى في مصالحهم لما لهم من جاه أو مركز أو قدرة ماديّة أو معنويّة، مقارنة بينهم وبين الخالق الذي يملكهم، فما بهم فيه إلى وقت محدود. فهو تعالى يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، يعطي الملك من يريد وينزع الملك ممن يريد.

فكل مظاهر عظمة الخَلْق مستمدّة من عظمة الخالق، وفي المقارنة الخفيّة تظهر الفائدة الكبرى في التعلّق والالتجاء إليه وحده، صانع وجهها واحدًا يكفيك كلّ الوجوه. ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [يونس: 62].

عظُم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم. وهو الغنيّ عن عباده، لا يزيد في ملكه طاعة من أطاعه، ولا ينقص من ملكه معصية من عصاه. فهو الغنيّ بذاته، والناس أغنياء به مفتقرون إليه، إن شاء خلق وإن شاء أغنى، أعطى كلّ موجود وجوده ونظامه وقوامه وحياته، وهو الحميد الذي يستحقّ الحمد في كلّ ما فعل، لأنه يتصرّف في ملكه، وكلّ مالك له حقّ التصرّف في ملكه.

 

دعوة «ألم ترَ» للرؤية المتكاملة
وفي قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ» دعوة منه جلّ شأنه أن ننظر بعيوننا وبعقولنا، لأن العين هي نافذة العقل، وأن تكون عندنا الرؤية البصريّة والرؤية العقليّة والرؤية القلبيّة الواعية المدركة ببصيرة شفّافة. ما حجم قدراتك أيّها الإنسان؟ كيف سخّر لك الأرض بسهولها وجبالها وبحارها وخزائنها وأمطارها وأنهارها لتأكل من خيراتها وآثارها؟

فكّر في السماء فوقك، من أمسكها بكلّ نجومها وكواكبها وأقمارها وشموسها أن تقع على الأرض؟ من علّقها في الفضاء وأوجد فيها عناصر التوازن، وسيّرها في أفلاك متداخلة فلا تتصادم؟ فكّر من ألهم الإنسان صنع الفلك والسفن، واكتشف سرّ التوازن في البحر ودفع الريح وقوانين الحركة والعوم، فكانت السفن تقرّب برًا من برّ وتسهّل التواصل بين الشعوب، وكلّ هذا من رأفته ورحمته بعباده. سخّر الكون لهم وأعطاهم عناصر الحياة وألهمهم بالعقل الذي وهبهم إيّاه أن يعيشوا ويصنعوا ويتحرّكوا بحرّية مشروطة بهدايته لهم إلى طريقين: طريق الخير وطريق الشرّ. أعطى الإنسان الحرية وأقام الحجة عليه، وملّك تعالى نتائج الأعمال.

 

بين شاطئي الأمان والعذاب

ومع كلّ هذا نرى في الناس الكفور، فالذي أعطاه ما أعطاه وسخّر له ما سخّره له، يعصيه ويعبد غيره. فأين نهاية التكبّر وغمط الله حقّه؟ إنّ عذاب الله شديد. إلى أين ستصل عندما تنطلق في الحياة وتتمرد فيها؟ ستصل إلى أحد شاطئين: إمّا إلى شاطئ الأمان إن ركبت سفينة العمل الصالح، أو إلى شاطئ العذاب إن ركبت سفينة المعاصي كفرًا أو شركًا أو خيانة. اذكر ربّك في مواقع عظمته، واجعل المألوف والعادة عبادة، واشكر ربك بالإيمان به، واشكر ربك باللسان بدوام الذكر الواعي، واشكر ربك بالعمل الصالح.

فلن يبقى لك من الناس شيء. فكلّ الأيدي التي تصفّق لك ستسكن حركتها، وكلّ الألسن التي تهتف لك ستخرس يومًا، وكلّ الأحضان التي تضمّك ستجمد حتمًا. فلو سجد الإنسان – وكلّ من على وجه الأرض – إلى سبعين سنة، لا يبقى الساجد ولا السجود له.

 

خاتمة: كن صديق ربك
كن صديق ربّك، كن حبيب ربّك، كن عاملًا لربّك، كن مراقبًا لربّك، لأن مراقبته مطلعة عليك في قولك وعملك وموافقاتك، لا يتحرّك متحرّك ولا يسكن ساكن إلا وجبّار السماوات والأرض مطلع عليه.

فالإنسان الذي يعيش معرفة ربّه يعيش الهدوء في حياته والنجاة في آخرته، ومن يعيشون شهوات الدنيا في غفلة عن الحقّ، وما قدروا الله حقّ قدره. ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر: 19].

واعتصموا بالله، هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير. ■

مشاركة المقال

التعليقات

اترك تعليقاً

المقالات ذات صلة

السابق
التالي