رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز
الشيخ نعيم حسن
المسؤوليَّة العامَّة وشروطها
يتَّخذُ مبدأُ المسؤوليَّةِ صفة شموليَّة في الإسلام كما جاءَ في الحديث الشَّريف: “كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه”. وهذا المبدأ، على خطورةِ فهمه بمقاربةٍ نسبيَّة، يقيِّــدُه بشكلٍ مُحكَم العديدُ من قواعد الأصُول في الشَّرع من جهةٍ أولى، وأيضًا في منظومة الحقوق بالمفهوم المدنيّ الحديث من جهاتٍ مختلفة. ف”الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّـته” كما يُكمِلُ الحديثُ الآنف الذِّكر، وهذه مسؤوليَّة الحاكم المرتبطة وجوبًا بتحقيق العدْل، “والرَّجُلُ راعٍ في أهله” وهذا مقيَّدٌ بكلِّ واجبات الرِّعايةِ الخُلُقيَّة والتربويَّة والمادِّيَّة الخ. “والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجها” بحفظ المودَّة والرَّحمة والألفة وحسن التَّدبير وما إلى ذلك ممَّا يوفِّرُ الاستقرار النفسيّ والعاطفيّ والعائليّ للنواة الأولى في بنيان أيّ مجتمع بشريّ.
إنَّ الرِّعايةَ -التي هي واجب الحفاظ على أمانةٍ معيَّنة-بكافَّة وجوهها، مرتبطٌة بالمسؤوليَّة التي يتحمَّلها مسؤولٌ ما. فهو مسؤول لأنَّه يُسأَلُ عن أعماله وعن تصرُّفاته وعن حسن أدائه وعن إخلاصِه في تحقيق ما هو واجبُ أن يؤدّيه وفقا لمقتضيات المقام. جاء في الآية الشريفة﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولون﴾(الصافات 24)، أي احبسوهم في الموقف لتتمّ مساءلتهُم عن عقائدهم وأعمالهم. ومأثورٌ في أدبِ الدِّين أن مقامَ السؤال أمام الحقّ هو من أصعب المقامات.
والمسؤوليَّة من بابِ الشَّرع قائمة على مثُـل عالية يمكن اختصارها بقاعدة الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكَر وإحقاق الحقّ. أمَّا من باب السياسة المدنيَّة فهي مرتبطة بمبادئ العدْل والمساواة واحترام حقوق المواطنة وواجباتها، والعمل على تحسين شروط مستوى المعيشة في كافَّة حقول الخدمات والرِّعاية إلى ما هنالك. وليس من اللائقِ للمرءِ في أيِّ موقع من مواقع المسؤوليَّة أن يتورَّط في مزالق الفساد وسوء أداء الأمانة والاستهتار بمصالح النَّاس وتلويث مفهوم الحياة نفسها.
* * *
لا بدَّ من الوقوف أمام المعاني المقدَّم ذكرها لكلِّ من يهمّ بالمبادرة إلى تحمُّل المسؤوليَّة والمشاركة في الأنشطة العامَّة في موسم الانتخابات البلديَّة والمخاتير. ولا بدّ ان نؤكِّدَ على شرط الضَّرورة في هذا السِّياق، وهو حفظ أمانة الصِّدق، ونيَّة الخيْر، والتَّجرُّد الخالص فوق كلِّ العصبيَّاتِ الفئويَّة، وعدم الانزلاق بشكلٍ لا يقاربه التباس في أيِّ خلافٍ أو مشاحنة أو تحديات. والقصْدُ ليس السَّعي إلى المواقع، بل العمل، إن اقتضى الأمر ذلك، على تعزيز الإقدام على كلمة سواء، وعلى جمع الشَّمل، وعلى تغليب مفهوم المصلحة العامَّة على المصالح الخاصَّة في هذا المجال.
يهمّنا هنا بالأخصِّ بعض الَّذين ينغمسون في خوض هذا الخِضمّ من الملتزمين بالمسلك الدّينيّ، لنذكِّرَ بتلك المعاني ودقائق محمولها المعنويّ الّذي يزدادُ في فاعليَّته وشروطه تجاههم بشكل خاصّ. ونحنُ لا يمكننا أن ندعو إلى اعتزال شؤون الخدمة العامَّة، لكنّه ليس من واجب رجل الدِّين الموحِّد الانخراط في معتركٍ تتشابكُ فيه الغرضيَّات الدنيويَّة، بل عليه، إن أمكن، أن يكونَ مثالًا في مجتمعه للكلمة الطيِّبة التي توحِّد ولا تنثر بذور الشقاق. وأن يكون كالميزان العدْل، يُقصَد لتعزيز الألفة، ولا يُستخدَم طرفًا في الخصومات وما شابه، بل يمكنه المساعدة على اختيار الاكفأ. إنَّ المحافظة على أدبِ الدِّين هي الغاية الشَّريفة التي تشغل قلبَ الموحِّد. وما علينا إلَّا أن نذكِّر بهذا الأصل الأصيل في المسلك﴿ فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنِين ﴾(الذاريات 55).