الخميس, نيسان 23, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 23, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

شرفات

كتاب، صدر حديثاً للدكتور أديب سليمان خطار، هو من الأهمية بمكان، مؤلفه مؤرخ، وأستاذ جامعي. يقع الكتاب في ثلاثمئة وعشر صفحات، من القطع الكبير، بغلاف، هو عبارة عن لوحة فنية جميلة، ترمز إلى قلب وقلم بين الضوء والعتمة.
أما مضمونه فهو سيرة ومسار مؤلفه، من سن اليتم المبكرة، ومضافاتها المؤلمة، في قرية «باتر» الشوف، التي وصفها وصفاً دقيقاً بديموغرافيتها، وتكون عائلاتها وعاداتهم الإنسانية فيها بينهم، جاعلاً منها نموذجاً لأوثق العلاقات، حيث الرابط مكارم الأخلاق، والإيمان الصادق على كر الأيام والسنين.

قرانا ـ يقول ـ مفاتيح وخالق التاريخ، إن لم تتشابه كثيراً في المبنى، سطوح القرميد، والسطوح الترابية، فإنها إلى حد كبير تتشابه في المعنى، وبالقيم، وبالأصول، وبعبق التاريخ.

وقبل أن نغوص بمضمون الكتاب المتعدد المحطات، بما هو مدهش حقاً، أرى لزاماً أن أذكر أنه قدم له سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، بمقدمة على جاري عهده، أديباً متفوقاً، وشاعراً مبدعاً، سماه فيها: «الأديب المسافر، والمؤمن الموحد، الذي أحب السير دائماً باتجاه النور والخير».

وذلك على كثرة أسفاره متنقلا بين عواصم الحضارات، مستقيا منها ذروة ثقافاتها، وأعمق العلوم والآداب، وتمكّنُه من اللغات، ولا سيما اللغة العربية، بصورها البلاغية والإبداعية، شعراً ونثراً.

أديب خطار صاحب «شرفات» حقاً، أو محطات أدبية، وإنسانية وأخلاقية وعلمية، ترقى ـ برأينا ـ إلى مستوى الشمول، إذ قيمة الإنسان ما يحسنه، وقيمة الأعمال مدى الاستفادة منها. وهكذا كتابه القيم هذا، طاف بمادته من قارة إلى قارة، ومن فائدة إلى أخرى.

أولاً: من «باتر» إلى بيت اليتيم، عبيه، من بيروت إلى القاهرة، ومن لبنان إلى الاتحاد السوفياتي، ففنزويلا، ومن ثم إلى التعليم في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، ومن بيروت إلى كل العالم. في كل هذا محطات سماها هو «شرفات» وقد عبّر بشكل واقعي صحيح، عما كتب، فقال: بين طيات الكتاب نصوص ليست نظرية، همّها مداعبة الأفكار، وضروب حنين الإنسان إلى الماضي… بل نصوص تشير إلى رموز تتعانق مع الوعي، والرغبة الصادقة في تجذير هذه المسيرة في واقع جغرافي محدد، هادفاً في الوقت ذاته إلى النفاذ من هذا الواقع الخاص إلى الشمول الإنساني.

كما أشرنا آنفاً، عملاً بقول مارون عبود: «إذا تعمّق الكاتب في درس أشخاص بلاده، فقد درس بالفعل أشخاصاً في كل بلد، لأن الطبيعة الإنسانية هي هي في كل مكان، ولكن يجوز للكاتب أن ينطلق من واقع بلاده الخاص نحو الإنساني العام».

ويستكمل كتابته عن القرية ـ المنبت ـ الأمل بإحساس مرهف وحب غامر، محاولاً الرسم بالكلمات عن حياة عاشها، ومن طفولة لم يعشها إلا بالانخطاف، إلا ـ النور، ما دلّ على مشهدية لا أجمل، ولا أحلى، كشعلة الأولمبياد، سيبقى ما تبقّى من تراث، وموروث قيمي لا تخبو جذوته أبداً.

وسيشهد باريها شهود قوله: «أنعم النظر في الأرض، لتكتشف أن ذلك الشجر الحاني من ثقل الثمر، وحصاد البيادر من بذور السلف. لو عرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً، وإذا تأملت شمس الغروب ليلة صيف، تقسم البيت إلى نصفين: نصف معتم، ونصف مضيء، سأجلس بين العتمة والنور، الماضي يتدفق خلفي كجدول، والمستقبل يزحف أمامي، وأنا بلا زمن».
وراعني في الكتاب عشرات المعاني والدروس بين دفتيه، في سياقات مطردة ومتآلفة، تنعكس مما في وعيه وفي ذاكرته من نباهة وحسّ مرهف بالإنسانية.

لن نستطيع مراجعته في كل ما فيه ـ على كثرته ـ في عجالة، وسنقتصر مراجعتنا على شرفتين من الشرفات فيه، ونترك ما تبقى إلى القارئ، الذي حتما سيجد فيه كل المتعة والإفادة.
في الشرفة الرابعة، شرفة الأخلاق، يقول المؤلف: إن الخلق هو مقياس حقيقي لكل إنسان، إن خلق الإنسان الظاهري هو مقياس داخلي لشخصيته، إذا ملفظ القالم سقط، سقط علمه، وإذا ملفظ الأم مع أبنائها سقط، سقطت أمومتها. وحاصل الكلام في حسن الخلق يدور على قلب واحد، وهو بذل المعروف، وكف الأذى، وإنما يدرك بثلاثة أمور: العلم، والجود، والصبر.

وموضوع كل خلق: أين نضعه، وأين يحسن استعماله. ويستشهد بقول للمعلم كمال جنبلاط: «يفترض أن يكون للفرد نظام للأخلاق، والمناقبية في داخله، وفي علاقاته مع الآخرين، فالنظامان: نظام المجتمع، ونظام الأخلاق متلازمان متصلان، لا يقوم أحدهما من دون الآخر، وإلا سقط الفرد، وفسد المجتمع، واضمحلت الحضارة، وتبعتها في اضمحلالها جميع مكاسبها المادية».

ونأتي إلى القسم الخامس أو الشرفة الخامسة، بها يعرف الموحدون الدروز، بأنهم تجمع بشري، اعتنق عقيدة دينية عقلانية، توخت الأفضل، ألا وهي عدم الركون للقائم الحاضر الذي هو تكرار لما هو قائم، فأرادوا الانعتاق من ربقة الحاضر، وفتح مشارف مستقبلية على تقدم ديني وفكري.
والمهم بالنسبة للدرزية، الاقتناع الداخلي، تحقيق الحقيقة الداخلية، ومعرفة الذات. وديانتهم ديانة زهاد روحانيين، يمارسون الحياة معرفة، والتوحيد لديهم: قول اللسان، والعمل بالأركان، وتصديق الجنان. وعبر المعرفة الواعية نتوصل إلى مدارج الله، ونكتشف الذي نملك. إنها منارة روحية عظيمة، هي هوية الروح، ومثال الفضيلة.

نكتفي بهذا توصيفاً لهذا الكتاب النفيس للدكتور أديب خطار على اختصار فيه، فهو جدير بدراسة مطوّلة، نظراً لفائدته الكبيرة.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي