الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

عجائب الكائنات الصغيرة

عجائبُ الكائناتِ الصّغيرة

من النّحلِ والعنكبوتِ إلى النَّملِ الأعمى

{سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فُصِّلت:53)

تَعوّدنا كبشر على أن ننبهرَ بالكائنات الكبيرة والقويّة التي تشاركنا العيش على وجه هذه البسيطة وغالباً ما تَركز اهتمام العلم عليها ربّما لما نتوقّع أن نجنيه منها من فوائد أو نجتنبه من مضار. للسبب نفسه فإنّنا غالباً ما ننظر إلى عالم الكائنات الصّغيرة والحشرات كما لو أنّها بلا أهمّية ولا تستحقّ بالتّالي الدّرس. لكنّ آيات الإعجاز في المخلوقات الصّغيرة تبدو -عند التّدقيق- أكثر إدهاشا وبلاغة لأنّنا سنرى تكويناً معقّداً ومتطوراً للغاية وسلوكاً مدهشاً في دقّته في مساحة صغيرة للغاية قد لا تزيد على ملّيمتر واحد أو هي ربّما أصغر، وفي هذا ما لا يدع أيَّ مجال للشّكّ بأنّ الخلق معجزةٌ واحدة في أسرارها وعظمتها لكنّها معجزة تظهر عبر ألوف بل مئات الألوف من التّصميمات والآيات، وهو ما يجعلنا نستيقن أنّ الخلق بحرٌ لا قعر له وأنّنا رغم كل ما نتباهى به كبشر من تقدّم علميٍّ لا زلنا لم نتجاوز شاطئه. في ما يلي بعض الأمثلة على آيات الخلق كما تظهر في بعض مخلوقات الله الصّغيرة.

التّنظيمُ العجيبُ لِخليّة النّحل

عندما ترتشف ملعقة من العسل الطّبيعي الجبليّ اللذيذ فإنّك لا تفكّر على الأرجح كيف وصل هذا الغذاء الشّافي إلى مُتَناولك. فالكثير منّا يشتري العسل من السّوق كسلعة مُعلّباً بأسماء مختلفة ويستهلكه، بينما كانت تربية النّحل في الماضي حرفة يمارسها الكثيرون، ولو بتربية خليّة نحل أو اثنتين في الحديقة وكان السّابقون بذلك يعرفون عن النّحل من خلال المراقبة والخبرة ويتأملون في هذه الآية العجيبة للخلق، فماذا نعرف حقا عن عمل خلية النّحل وكم من العمليّات ومراحل التّصنيع المعقّدة تقوم بها العاملات من أجل إنتاج هذا الإكسير الذّهبيّ الذي نسعى جميعا لدعم نظامنا الغذائيّ به؟
يمارس النّحل في حياته اليوميّة مجموعة هائلة من المهامّ وهو ينظّم مجتمعه بصورة دقيقة بين الملكة والذكور والعاملات التي تتوزّع بدورها مجموعة كبيرة من المهام فمنها ما يختصّ بجلب الماء ومنها ما يختصّ بجلب العكبر أو البروبوليس وهو بمثابة “إسمنت” الخليّة ومادّة البناء ورأب الشّقوق في الخليّة وتحنيط الكائنات الدّخيلة التي يتمّ القضاء عليها ومنها ما يختصّ بجلب حبوب اللّقاح ومنا ما يعمل على جلب الرّحيق وفي الخليّة عاملات مختصّة بمعالجة الرّحيق ليصبح عسلاً ومنها ما يختصّ بعملية تجفيفه ومنها ما يعمل على تهوئة الخليّة بينما تهتمّ جماعة براحة الملكة وتغذيتها وتنظيفها (الوصيفات) وتهتمّ جماعة أخرى بتغذية اليرقات أو تنظيف الخليّة من الشّوائب (عاملات النّظافة) أو بناء الخلايا السداسيّة الشّمعيّة أو ترميمها أو إغلاقها على العسل ومنها ما يعمل في الحراسة ومنها الكشّافات التي تعمل على استكشاف المراعي الجديدة لترشد إليها العاملات، وباختصار فإنّنا أمام مجتمع في غاية التّنظيم، لكنّ السّؤال هو كيف يتمّ تقسيم العمل بين عشرات الألوف من النّحل في الخليّة ومن يحدد لهذه النّحل مهمّة جلب الماء ومن يطلب من جماعة أخرى الاهتمام بالبيض واليرقات أو صنع الغذاء الملكيّ إلخ..
الرّاهن أننا أمام ظاهرة معقّدة لها أسرارها وهي مثل كلّ أسرار الخلق وعجائب المخلوقات فلا يوجد في الكون شيء إلّا وسنراه آية على إعجاز الخالق عند التأمّل به عن قرب أو التعمّق في فهم حقيقته. لكن لنتمعّن قليلاً في العالم السرّي لجماعة النّحل.

ملكة النحل -في الوسط- محاطة بوصيفاتها . الملكة القوية هي أساس قوة الخلية وإنتاجيتها
ملكة النحل -في الوسط- محاطة بوصيفاتها . الملكة القوية هي أساس قوة الخلية وإنتاجيتها

• تنظيم الرّطوبة والتهوية: من أهم الأمور للنّحل المحافظة على نسبة رطوبة معيَّنة في الخليّة وذلك بهدف الحفاظ على جَوْدة العسل والحؤول دون فساده. فإذا زاد معدل الرطوبة أو نقص يفسد العسل ويفقد قيمته الغذائيّة. من هنا أهمّية دور العاملات التي تعمل على تجفيف سائل العسل الذي يكون أولاً ذا رطوبة مرتفعة حتى تصل بتلك الرّطوبة إلى معدّل 17 % وهو المعدّل الذي يتيح للعسل أن يحتفظ بجَوْدَته وخواصّه الغذائيّة سنوات طويلة.
• تنظيم حرارة الخليّة: إنّ حرارة القفير يجب أن تكون 35 درجة مئوية خلال 10 أشهر من السّنة وهناك مجموعة من النّحل توكَلُ إليها مهمّة تعديل حرارة الخليّة من الدّاخل من خلال قيامها بتهوية الخليّة ويمكن في أيِّ يوم حارّ أن نشاهد النّحل مُزدحما على مدخل الخليّة مرفرفاً بأجنحته لتحقيق ذلك، وفي خليّة النّحل المثاليّة يدخل الهواء من طرفها ويُدفع للخروج من الطرف الآخر حيث تعمل مجموعة من نحلات التّهوية الأخرى داخل الخلية (القفير) على دفع الهواء للخروج من زواياه جميعها.
• النّظام الصّحيّ: إنّ جهود النّحل للحفاظ على نوعيّة العسل لا تقتصر فقط على تعديل الحرارة والرّطوبة داخل الخليّة. بل على وجود نظام صحّي متكامل داخل الخليّة مهمّته أن يزيل كلّ الموادّ التي قد تسبب إنتاج البكتيريا وتلويث الخلية. والقاعدة الأساسيّة التي يعتمد عليها هذا النّظام الصّحيّ هي منع الموادّ الغريبة من الدّخول إلى الخليّة ولتأمين ذلك يقف حارسان على مدخل الخليّة بشكل دائم وإذا دخلت مادّة غريبة أو حشرة على الرّغم من هذه الاحتياطات تعمل النّحلات جميعها لإزالتها وإخراجها من الخليّة.
كما يستعمل النّحل طريقة دفاعيّة أخرى في مواجهة الأجسام الغريبة الكبيرة وإخراجها من الخليّة حيث يقوم النّحل بتحنيط تلك الأجسام بواسطة مادّة تدعى العكبر (البروبوليس) وهذه المادة ينتجها النّحل بإضافة إفراز معيّن إلى المادّة الغرويّة اللّاصقة (الرّاتنج) التي يجمعها من أشجار مثل الصّنوبر والحَور والخرّوب وتستعمَل هذه المادّة أيضاً لإصلاح الشّقوق في الخليّة، وبعد أن يضاف الرّاتنج إلى الشّقوق ويجفّ يتفاعل مع الهواء مشكّلاً سطحاً قاسياً وبالتّالي يستطيع أن يقف بوجه جميع أنواع التّهديدات والمخاطر. وتستعمل النّحلة هذه المادّة في الكثير من أعمالها.
• مُعجزة هندسيّة : يبني النّحل خلايا تتّسع كلٌّ منها لـ 80 ألف نحلة يمكنها أن تعيش وتعمل معاً وذلك عبر صنع

براويز من شمع النّحل يحتوي كلّ منها على مئات من الخلايا السّداسية الصّغيرة جدّاً والمتساوية الحجم على كلّ جهة من البرواز. وهذه المعجزة الهندسيّة يتمّ إنجازها بفضل العمل المتخصّص لآلاف من النّحل التي تستعمل هذه الخلايا لتخزين الغذاء ورعاية اليرقات.
ويستخدم النّحل البنية السداسيّة الشكل في بناء أقراص العسل منذ ملايين السّنين (تمّ العثور على أحفور لنحلة يعود تاريخها إلى 100 مليون سنة) أمّا لماذا أوحي للنحل باستخدام الشكل السّداسي وليس المخمّس أو المثمّن مثلا فلأنه هو الأنسب هندسيّاً لاستخدام المساحة بشكل أفضل لأنّها تحتاج إلى أقلّ كمية من الشّمع اللّازم لبنائها بينما تستوعب أكبرَ كميّة من العسل.
• تفصيل مهمّ: من النّقاط التي يهتمّ النّحل بها عند بنائه الأقراص الشّمعيّة للعسل هي رفع زاوية الخلية 13 درجة على الجانبين مما يمنع الخلايا من أن تصبح موازية للأرض وبالتالي يمنع ذلك تسرّب العسل من فُوَّهَة الخلية. وخلال العمل تتعلّق النحلات العاملات بعضها ببعض على شكل دوائر وتحتشد في مجموعات بهدف تأمين الحرارة اللّازمة لإنتاج الشّمع.
• لغز هندسة قرص الشّمع: وهناك نقطة أخرى مثيرة للانتباه هي أنّ قرص العسل يتمّ بناؤه كثلاثة أجزاء منفصلة من كلّ الاتّجاهات لكنّ الأجزاء تلتقي مع بعضها بشكل مثاليّ وكأنّها قطعة واحدة على الرّغم من وجود مئات الزّوايا المختلفة في تصميمها. وللقيام بمثل هذا التّصميم يحتاج النّحل إلى حساب المسافة بين نقاط البدء والوصل قبل البدء بالعمل ومن ثم تصميم أبعاد الخلايا بحسب ذلك لكن كيف يمكن لآلاف النّحلات القيام بهذه الحسابات؟
• كيف يحدّد النّحل اتجاهه: لكي يجد النّحل غذاءه عليه أن يطير لمسافات بعيدة وأن يقوم بالمسح الشّامل لمناطق شاسعة ومن ثمّ يقوم بجمع لقاحات الأزهار والموادّ الأساسيّة لصنع العسل ويحدث ذلك على بعد نحو 800 م من القفير.
والنّحلة الكشّافة التي تجد الأزهار تعود أدراجها إلى القفير لتُعلم الآخرين عن مكان وجودها وهي تقوم بوصف موقع الأزهار ونوعها وبُعدها واتجاهها بالنّسبة للشمس بواسطة تنفيذ “رقصة” تتكرّر لمرّات عديدة تتضمّن المعلومات اللّازمة حول الانحدار والاتجاه والمسافة وتفاصيل أخرى عن مصدر الغذاء يُمكِّن النّحلات الأخريات من العثور على المرعى.
وتنفّذ النّحلة رقصتها على شكل الرقم ثمانية باللغة الانجليزية باهتزاز لذيلها على شكل خط متعرج. ثم تقوم النّحلة العائدة من مصدر الغذاء بمجموعة من الحركات بجسمها لإخبار النّحلات عن المسافة للوصول إلى رحيق الأزهار فتهزّ النّحلة الجزء الأسفل من جسمها فتولّد تياراً هوائيّاً. فمثلاً لكي تشير إلى مسافة مقدارها مئتان وخمسون متراً، تحرّك الجزء الأسفل من جسمها 5 مرات في نصف دقيقة. وبهذه الطّريقة يتّضح موقع مصدر الغذاء بالتّفصيل من خلال المسافة والإحداثيّة.
ولكن النّحلة تواجه مشكلة وهي أنّها تستطيع أن تحدّد موقع المرعى الزّهري بحسب اتّجاه الشّمس لكن خلال رحلة العودة إلى قفيرها فإنّ الشمس تكون قد تحركت بمقدار درجة واحدة كلّ أربع دقائق ولكنّ النّحلة تستطيع القيام بحسابات المسافة والاتجاه مع الأخذ في الاعتبار تغيّر الضّوء الصادر من الشّمس في الأوقات المختلفة من النّهار. وبالتّالي فهي تحدّد اتّجاه الهدف بدون أيّ خطأ وذلك بالقيام بالتّعديلات المناسبة على المعلومات التي تعطيها في القفير عندما تغيّر الشّمس موقعها.

حارسات الخلية تمكنت من قتل اليعسوب المهاجم لكنها تكبدت خسائر
حارسات الخلية تمكنت من قتل اليعسوب المهاجم لكنها تكبدت خسائر

• طريقة تحديد الزّهور المستهلكة:يستطيع النّحل أن يعرف إذا ما كانت إحدى العاملات قد زارت الزّهرة من قبل أم لا، وعندما يقرّر أنّ إحدى النّحلات استهلكت رحيق هذه الزهرة يتركها مباشرة وبهذه الطّريقة يوفر الوقت والجهد. ولكن كيف يفهم النّحل دون أن يتفحّص الزّهرة أنّ الرّحيق قد تمّ استهلاكه مسبقاً؟.
الجواب هو أنّ النّحلة التي تزور الزّهرة تترك عليها نقطة ذات رائحة مميّزة وعندما تنظر نحلة جديدة إلى الزّهرة ذاتها تشمّ هذه الرّائحة وتفهم أنّه لا فائدة فيها وتذهب مباشرة إلى زهرة أخرى وبالتّالي لا تضيّع النّحلات وقتها على الزّهرة ذاتها. وهذا الأمر يساعد أيضا عمليّة تلقيح أزهار الأشجار المثمرة لأنّ النّحل يركّز فقط على الزّهرة التي لم يتمّ تلقيحها بعد ممّا يضمن تلقيح الأزهار كلّها. العنكبوت، هذا الكائن الصّغير الذي لا يشدّ انتباه أكثر النّاس، هو في الأصل واحد من التّجلّيات التي تُظهر الإبداع الكامل لخلق الله عزّ وجل ، و لمعرفة هذا علينا أن نراقب العنكبوت عن كثب، عندما يقال عنكبوت، أوّل ما يخطر بالبال شبكة العنكبوت، و بالتّأكيد هذه الشّبكة واحدة من خوارق التّصميم. لشبكة العنكبوت مخطّط معماريّ مميّز، لها حسابات هندسيّة مناسبة لهذا المخطّط، لو كبّرنا العنكبوت بالنّسبة إلى حجم الإنسان، فشبكة العنكبوت التي نسجتها تعادل مئة وخمسين متراً تقريباً، وهذا يساوي علوّ ناطحة سحاب ذات خمسين طابقاً. كيف تنشئ العنكبوت شبكتها بهذه الخصائص؟ لإنجاز مثل هذا العمل يفترض بها أولاً رسم مخطّط كما يفعل المهندس المعماريّ، ذلك لأنّ بناءً بهذا التّصميم، وبهذا الحجم، و المتانة، لا يُبنى دون مخطّط هندسيّ، وحسابات رياضيّة تأخذ في الاعتبار عوامل الطّبيعة والغاية من بناء الشّبكة وكيفيّة توجيهها وغير ذلك من الحسابات. لكن نظرة بسيطة إلى عنكبوت ينسج بيته فإنّها ستؤكّد لنا أنّه يعمل بصورة آليّة كما لو أنّه مُبرمَج تماماً لإنجاز بيته وفق تصميم مسبق مستبطن فيه لكننا لا نراه.
وتنتج العناكب حريرها بخصائص مختلفة لأغراض مختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن للعنكبوت استخدام الغدد الحريريّة لإنتاج سبعة أنواع مختلفة من الحرير المشابهة لتقنيّات الإنتاج المستخدمة في آلات الغزل والنّسيج الحديثة. وحتى هذه اللّحظة لا يمكن مقارنة حجم تلك الآلات الهائلة مع بضعة ملليمترات من جهاز إنتاج الحرير لدى العنكبوت. وهناك ميزة يجب ذكرها هي تفوّق العنكبوب في إعادة تدوير وصناعة الحرير الذي ينتجه، فهو قادر على إنتاج شيء جديد تماماً عن طريق استهلاك الخيوط التّالفة لديه ليُعاد تصنيعها من جديد.

نسيج العنكبوت آية في الهندسة ..والقوة
نسيج العنكبوت آية في الهندسة ..والقوة

شبكة معجزة في خيطها وصنعها: عند مراقبة كيفيّة بناء الشّبكة تظهر لنا معجزة حقيقيّة، تترك العنكبوت أولاً الخيط الذي أنتجته في الهواء وبمساعدة جريان الهواء تربطه مع إحدى النّقاط الثّابتة، وهكذا يبدأ البناء كما ترَوْن، يستغرق بناء الشّبكة ساعة أو أكثر، والآن يتابَع هذا العمل مسرّعاً بستين ضِعفاً، تنشر العنكبوت خيوطها المشدودة من المركز باتجاه الخارج، و تجهّز هيكل الشّبكة، بعد ذلك تنسج خيطاً رقيقاً و لاصقاً راسمة حلقات من الخارج باتّجاه الدّاخل، وبذلك يصبح الفخّ جاهزاً.
ليس تصميم شبكة العنكبوت معجزة فحسب بل المعجزة تكمن في خيطها أيضاً، فخيط العنكبوت أمتن بخمسة أضعاف من الفولاذ في السّماكة نفسها، فالمتر المربّع من خيط العنكبوت يتحمّل مئة و خمسين ألف كيلو غرام، و لو صُنع حبل من خيط العنكبوت بشعاع قدره ثلاثون ملّيمترا (3 سنتم) لتمكّن هذا الخيط من حمل مئة وخمسين سيّارة مركّبة بعضها فوق بعض. أنتج رجال العلم تأسّياً بخيط العنكبوت مادّة خاصّة تسمّى كافلار، تُستخدم هذه المادّة في إنتاج الدّروع الفولاذيّة المصمّمة للوقاية من الرّصاص، باستطاعة الطّلقة ثقب أيّ شيء أمامها بسرعة مئة وخمسين متراً في الثّانية، إلا أننا لا نستطيع ثقب قطعة من قماش مصنوع من الكافلار .
أمّا خيط العنكبوت فإنّه أمتن من الفولاذ بخمسة أضعاف، ومن الكافلار بعشرة أضعاف، خيط العنكبوت الذي هو أدقّ من الشَّعر، و أخفّ من القطن، و أقوى من الفولاذ، يوصَف على أنّه -عند نسجه- يصبح أمتن مادة في العالم.

أبراجُ النّملِ الأبيضِ الأعمى

هذا البناء الشاهق هو من أقوى الأبنية وهو من صنع النمل الأبيض الأعمى
هذا البناء الشاهق هو من أقوى الأبنية وهو من صنع النمل الأبيض الأعمى

> كيف يمكن لنملة عمياء أن تشيد أبنيةً تُعتَبر (عند قياسها بحجم النّملة) مثل ناطحات السّحاب التي يبنيها الإنسان بأحدث الوسائل والتّقنيات؟
هذا العمل الفذّ والمتميّز موجود في مثال النّمل الأبيض الأعمى الذي يبني على الدّوام أبراجه العالية والتي يجعلها قويّة لدرجة أنّه حتى بني البشر لا يمكن لهم هدمها إلّا بصعوبة. إنّ النّمل الأبيض الأعمى يبني أنواعاً مختلفة من الأعشاش، وذلك وفقاً لاحتياجاته. فمن ذلك النّمل ما يبني أعشاشه لتحميه من حرارة الشّمس، ومنها ما يبني أبراجاً تحميه من المطر كما ويمكن بناء مثل تلك الأعشاش تحت التّراب أو فوقه أو – في أحيان أخرى- داخل الأشجار.
عشّ النّمل الأبيض له تكوين إسفنجيّ وهو يتكوّن من خلايا يصل عرضها إلى نحو 2.5 سم وترتبط ببعضها عبر ممرّات ضّيقة لا يمكن لغير النّمل الأبيض أن يمرّ من خلالها. إنّ الموادّ الخام التي يستخدمها النّمل الأبيض لبناء مبانيه الرّائعة وأعشاشه تلك إنّما تتكوّن فقط من التّراب واللّعاب والبُراز، وهو يستخدم تلك الموادّ البسيطة لجعل أعشاشه قويّة بحيث أنها لا تهدم إلا باستخدام الديناميت ويُعتبر نظام تلك الأعشاش قمّة في التّفصيل والمتاهات والممرّات والطّرق المستديرة لغايات تنظيم دخول الهواء والنّمل والطّعام…
أمّا الجانب الأكثر إعجازاً والأكثر إدهاشاً فهو أنّ ذلك النّمل الأبيض أعمى تماماً وهو يعيش كذلك طيلة حياته، لكنّه يبني أعشاشه العظيمة الطّول والقوة الهائلة والرّوعة دون رؤية الأنفاق والممرات التي يصنعها، ولا الموادّ ولا التّراب الذي يستخدمه ولا محيط المكان…
قد يصل طول “قرية” النّمل الأبيض الأعمى إلى 443 مترا وعلى الرّغم من صغر حجمها (من 1 إلى 2 سنتم) فإنّها تبني أعشاشاً عملاقة قد يصل ارتفاعها إلى 7 أمتار. وعلى سبيل القياس فإنّه لو كان النّمل الأبيض بطول الإنسان فإنّ أعشاشه ستكون أعلى بأربع مرات من مبنى الأمباير ستيت بل وأطول من برج خليفة.

هذا البناء الشاهق هو من أقوى الأبنية وهو من صنع النمل الأبيض الأعمى

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي