علّم بالقلم
مركز الدّراسات في مشيخة العقل
تطوَّرت معاني المفاهيم التّوحيديَّة في معراجها الأخير عبر مرحلةٍ زمنيَّةٍ ممتدَّةٍ من صدر الإسلام إلى بدايات القرن الخامس للهجرة. كلمةُ الوحي الأولى كانت: اِقرأ. والإشارةُ الأولى كانت إلى العِلمِ والتعلُّم: ﴿إقرأ وربُّكَ الأكرم* الّذي علَّمَ بالقلم* علَّم الإنسانَ ما لم يعلَم﴾. فالقلمُ سببُ عِلمِ الإنسانِ بما لم يعلم. الإرادةُ تسطُرُ بالقلَم المعاني التي يُدركُها الذِّهنُ الَّذي هوَ الفَهمُ والعقلُ. فإذا شاهدنا الشجرةَ وعَلِمنا بوجودِها فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامة البصر لتصحّ لنا رؤيتها، لكنَّنا إذا ما أردنا إدراكَ الفضيلةَ في الفاضل فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامةِ البصيرة. فمن حيث كانتِ الفضيلةُ معنًى في الذِّهن والقلب، احتاج المرءُ في ذاته لإدراكها إلى ما يُشبهُها. إنَّ ما يُساعدُهُ في تحقيق ذلك هو المعاني المسطورة وأجلّها ما احتواه الكتابُ المسطور، كما سمّاهُ تعالى وأقسمَ به ﴿والطور* وكتابٍ مسطور﴾ الّذي كان بمثابةِ الرسالة التي سُمِّيت أيضًا فُرقانًا ﴿تباركَ الَّذي نزَّلَ الفُرقانَ علَى عبدِه ليكونَ للعالمينَ نذيرا﴾، والفُرقان هو البُرهانُ والحُجَّة، وهو كلُّ ما فُرِقَ به بين الحقّ والباطل. بمعنى آخر، فإنّ استبصار دلالة الحجّة يثمر التمييز بين ما هو حق وما هو ضياع، ولا حاجة إلى مزيد من الشّرح للقول بأنَّ ما هو أولى للإنسان، ولمعنى وجوده وغايته، ومن ثمَّ لخِياره في مسالك الحياة، هو الحقّ. ولا يرضى بمتاهة الضّياع إلا الحائر، والحيرةُ عينُ الظّلام.
لقد كان من أثر تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة أن ارتقت البيئةُ العربيَّة آنذاك من محنة الجاهليَّة وعصبيّاتها الغرائزيَّة، إلى طريق الهدى والفلاح، بحيث حلَّ مفهومُ “الأمَّة المؤمنة” محلّ واقع تشتّت القبائل ونزاعاتها وحروبها. ثمَّ كان من شأن استبصار النصّ هذا “ولَّد الحياةَ الإسلاميَّة كلَّها” كما قال أحدُ العلماء شارحًا: “فمن النظر في قوانين القرآن العمليَّة نشأ الفقه. ومن النظر فيه ككتاب يضعُ الميتافيزيقا نشأ الكلام. ومن النظر فيه ككتابٍ أخرويّ نشأ الزّهدُ والتصوّف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتابٍ للحُكم نشأ علمُ السياسة. ومن النظر فيه كلغةٍ إلهيَّة نشأت علومُ اللغة… وتطوّرُ العلومِ الإسلاميّةِ جميعها إنّما ينبغي أن يُبحثَ في هذا النطاق: في النطاق القرآنيّ نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطوّرت، وواجهت علومَ الأمم تؤيِّدُها أو تنكرُها في ضوئه” (النشّار، ج1، ص 227). ما يهمّ هنا تحديدًا، هو محاولة تلمُّس بواكير المنحى الزّهديّ من حيث هو البدايات المسلكيَّة التي توخَّت النفاذ إلى قلب المعنى في النَّصّ، وامتثاله، واتِّحاد النَّفس بآثاره العقليَّة وصولا إلى الغاية من التَّوحيد.
النَّظـــرة إلى التصـوُّف
تضاربت آراءُ علماءِ المُسلمين قديمًا وحديثًا في النّظرة إلى التصوُّف. منهُم من لم يستسغ عندهُم ما رأوه غلوًّا وشطحًا ونزوعًا وجدانيًّا جارفًا نحو تجاوز الأداء الشكلي لفروض العبادات. ومنهُم من اعتبرهُ السبيلَ الأرقى والأصدق لتحقيق الغاية منَ العبادةِ، ومعرفةِ الله على الحقيقةِ، والاتّحاد بإرادته سبحانه وتعالى. ولكن، لا يمكنُ في هذا السِّياق الاستهانة بشهادةِ أبي حامد الغزالي الملقَّب بحُجَّة الإسلام، والتي صاغها إثر اختبارٍ معرفيٍّ و رُوحيّ ٍمُزلزِل روى تفاصيله في كتابه “المنقذ من الضلال”. قال:”كان التعطّشُ إلى دركِ حقائق الأمور دأبي وديدني من أوّل أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وُضعتا في جِبِلّتي… حتى انحلَّت عني رابطةُ التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصّبا” يتابعُ الغزالي سردَ رحلته المعرفيَّة في البحث لفهم عقائد الفِرَق، واستكشاف أسرار المذاهب، وسبر أغوار الفلسفة إلى أن أقبلَ بهمَّته على طريق الصوفية، وعلم “أن طريقتهم إنما تتم بعلمٍ وعمل؛ وكان حاصلُ علومهم قطعَ عقبات النفس، والتنـزُّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بـها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.” تيقَّن الغزاليُّ أن العُبَّادَ المتصوِّفة هُم أربابُ أحوال، لا أصحاب أقوال، فتخلَّى عن رعاية الوزير الشهير نظام المُلك، واعتزل التدريس بعد أن ذاع صيته إمامًا، وانصرفَ إلى الشام متزهِّدًا مُتَّبعًا ما ذاقهُ القلبُ بالعِلم وصولاً إلى تذوّقه بالحال. استغرقهُ الأمرُ سنواتٍ ليتحقّق يقينًا كما شهد من “أنَّ الصوفية هم السالكون لطريقِ الله تعالى خاصة، وأن سيرتَهم أحْسن السير، وطريقَهم أصْوب الطرق، وأخلاقَهُم أزكى الأخلاق. بل لو جُمع عقلُ العُقلاء، وحكمةُ الحُكماء، وعِلمُ الواقفين على أسرارِ الشَّرع من العُلماء، ليغيِّروا شيئاً من سِيَرهِم وأخلاقهم، وَيبدِّلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميعَ حركاتـِهم وسكَناتِـهم، في ظاهرِهِم وباطنِهم، مُقتبَسَةٌ من نور مِشكاة النبوَّة؛ وليس وراء نور النبوَّة على وجه الأرض نور يستضاء به”.
بواكير المنحَى الرُّوحي
“أهْلُ الصُّفَّـة”
والباحثُ في التاريخ الإسلاميِّ عن تباشير هذا المنحى النُّسكيّ لفَهم الدَّعوة لا بُدَّ من وقوفه مليًّا عند الصَّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ (رَ) الّذي قيل فيه ما يكفي للدلالة على فرادةِ شخصيَّته بين الصّحابةِ الأوائل. فالرّسول (ص) قال فيه كما هو ذائع: سلمان منّا أهلَ البيت. والإمامُ عليّ (ع) قال عنه كما روى ابنُ عساكر: “أدركَ علمَ الأوّلينَ والآخِرين”. وقال أحدُ الَّذين كانوا معه من أهلِ الصُّفَّةِ وهو أبو هُريرة: “كانَ صاحبَ الكتابين” بمعنى التبحُّر في دراستهما. ورأتِ الإماميَّةُ فيه أنَّهُ إحدى وسائل روح الأمر المذكورة في القرآن بأنَّها هي نوع من الفيضِ الإلهيّ يحقِّقُ تدريجيًّا مقاصدَ الله الخفيَّة. (النشار، ج2، ص238) واعتبرهُ ماسينيون، أحدُ كبار المستشرقين المتعمّقين في دراسةِ التّصوّف الإسلاميّ وأكثرهم شغفًا، “أوَّل مُبشِّر بالنَّزعةِ الرّوحيَّةِ في الإسلام، كأنَّهُ الباب”.
من مدينة “جَيّ”ناحية أصبهان، كما يروي ابنُ هشام في “السِّيرة النبويَّة”، انطلق سلمانُ قَصَصًا في إثر الحقّ كأنّه في تلكَ الرِّحلةِ عاينَ الأبدال. وفي السّنةِ الأولى للهِجرة كان في رِقِّ قُرَيظِيّ في المدينة، فعرِفَ الرَّسولَ (ص) الّذي قال له: “كاتِب يا سلمان”، فَافْتَكَّ نفسَهُ وشهِدَ الخندقَ حُرًّا.
إنَّ من شأنِ الوقوف على أحوال سلمان في المدينةِ قبل فتح مكَّة أن يوفِّرَ الدلائل الأولى على ما سوف يتمّ اعتبارُه لاحقًا المنحى العِرفانيّ في “سلوك القرآن”. يعودُ بنا ذلك إلى يوم أمرَ النبيُّ فيه أن يُبنى مسجدٌ في المكان الَّذي َبرَكَت فيه ناقتُه، فعملَ فيه المهاجرون والأنصار وهُم يرتجزون: لا عيشَ إلاَّ عيش الآخِرة. ومع تدفُّق المهاجرين، أُعِدَّ في مؤخَّر المسجدِ النّبويّ مكانٌ مُظلَّل لنزول الغرباء فيه ممَّن لا مأوى له ولا أهل. سُمِّي ذلك المكان الصُّفَّة، وهي تعني في اللغة الظُّلّة والسقيفة، وسُمِّي النازلون بها “أهلُ الصّفّة” الَّذين عانوا كما تذكر المصادرُ “من الجوع وفقدِ المَلبس والمأوى، وكانوا أعِفَّة لا يسألون الناس”. ويتفِّقُ الكثيرُ من المفسِّرين أنَّ المقصودَ في الآية الكريمة ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 273) هُم أهل الصُّفَّة. يقولُ البيضاوي إنّهم “كانوا يستغرقونَ أوقاتهم بالتّعلُّم والعِبادة، وكانوا يخرجونَ في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول الله (ص)” ويرى القشيريُّ صاحب الرِّسالة المعروفة باسمه بوضوح سِيماهُم الصوفي فيقول: “أخذَ عليهم سلطانُ الحقيقةِ كلَّ طريق، فلا لهم في الشرقِ مَذهَب، ولا لهُم في الغربِ مِضرَب، كيفما نظروا رأوا سُرادِقات التوحيد مُحدِقة” وقال الطّوسيّ صاحبُ “اللُّمَع” عنهُم إنَّـهُم “لا يرجعون إلى نَدْع و لا إلى ضَرْع و لا إلى تجارة، وكان أكلُهُم في المسجد ونومُهم في المسجد، وكان رسولُ الله (ص) يؤانسُهم ويجلسُ معهم ويأكلُ وإيّاهم ويحثّ الناسَ على إكرامهم ومعرفة فضلهم”
أهلُ الصُّفَّةِ أولاء كان منهُم أبو ذرّ الغفاري، وعمّار بنُ ياسر، وسلمان الفارسيّ.
بعد وفاة النّبي، وُلِّيَ سلمان المدائن من قبل عمر بين الخطّاب، ونفى عثمانُ أبا ذرّ إلى الرَّبذَة، واستُشْهدَ عمّار في صفِّين، وفي هذا دلالة أنّ كبارًا من أهل الصُّفَّة كانوا في صُلب الحياة الإسلاميَّة معبِّرين في مواقفهم عن صفاءِ الرؤية التي استمدّوها من مرآة النَّصّ الحكيم والتحقّق في معانيه بتفانٍ وتجرُّدٍ وإخلاص. لذا، عُدّوا فيما بعد باكورة ما سوف يُسمَّى بأهلِ التصوّف الَّذينَ وُصِفوا بأنَّهُم”أهلُ القلوب الَّذين يعرفون أحكامَها ومواردَها وخَطَراتِها ووساوسها ولحظاتِها وإشاراتِها وخفيَّاتِ سرائرها، ويعرفون اختلافَ الوُرود بمشاهدةِ الوُجود. ويعرفونَ أحكامَ الدّنيا باللّحظات، وأحكامَ الآخِرة بالخَطرات، وأحكامَ الحقّ بالإشارات. انفردوا بوَجْدِهم وأقاموا على حقيقة عِلمهم، فهُم أهلُ تجريد التوحيد الَّذين آثروا الله على ما سواه” (أدبُ الملوك، 9). وكان لهُم آداب ومسالك وأحوال ومقامات حُفِظَت آثارُها في الكتُب الينابيع التي دوَّنت أخبارَهُم لما يعود إلى القرون الأربعة الأولى للهِجرة، فأمَّا بعد ذلك، فقد غلبَ القالُ على الحال، والتَّسويدُ على التَّجريد، كأنَّ دائرةَ عرفان الأوائل عادَت إلى نقطةِ التحقُّق في معراج الواجدِ نحو الحقيقة.
أهل البصائر
تَذَّخَرُ مجالسُ الذِّكر لدى الموحِّدين الدّروز بأخبار السّالكين دربَ التّحقّق وجُلُّهُم من عُبّادِ “ما قبل نشوء المذهب”. ومعلومٌ أنَّ كبارَ الموحِّدين في “جزيرة الشام” بعد القرن الخامس للهِجرة، وعلى رأسهم الأميرُ السيِّد والشيخُ الفاضل أرْسَوْا هذا التّقليد عبر درسهِم المعمَّق للتراث الإسلاميّ كما هو ثابتٌ في سِيَرهِم. وفضلاً عن حِفظهما لكتابِ الله العزيز، القرآن الكريم، كان الأميرُ جمالُ الدين عبد الله “يعتني كثيرًا بأخبار الأولياء والصَّالحين والعُلماء والزّهاد، مثل الفضل ومالك بن دينار وحاتم الأصم وأشباههم في الأحكام والمواعظ والزهد والورع” (ابن سباط). واقتفى الفاضلُ أثرَه حيث يتبيَّن أنَّه اقتبسَ عشرات الشواهد من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة وأقوال المتصوِّفةِ الثِّقات.
يُميِّزُ الأميرُ السيِّدُ بين ناظرَين: واحدٌ بفكره وخاطره، وآخَر بسمعه وناظره. النَّظرُ الأوَّلُ هو مقاربةٌ لإدراك اللطائف العقليَّة، واستشعار الدّلالات الحِكميَّة، واستنباط معنى الغايات الحقيقيَّة سبيلاً إلى التحقّق بما هو صلاح النفس وخيرُها ومعناها الَّذي مُنِحت الوجودُ من أجله. والنَّظرُ الثاني هو مقاربةٌ في المستوى الطبيعيّ يتلقَّى عبرها الإنسانُ بحواسِّه الجسمانيَّة الصُّور المحيطة به فيما سُمِّي قديمًا عالمُ الكون والفساد، من حيث أنَّ الجسدَ الطبيعيَّ مخلوقٌ
﴿مِن صَلصَالٍ مِن حَمَأٍ مَسنُون﴾ (الحِجر 26). وينبّه إلى أنَّ الوقوفَ عند حدِّ النَّظر الطبيعيّ، والذّهولَ إزاء ما يثيرُهُ في الحواس المتحرِّكةِ بالرّغبات، والالتهاء بأغراض الغريزة دون عقلها بحدِّ العدل وهو خضوعها لقواعد الحِكمة من وجودها، لهوُ أمرٌ بالغ الخطورة، وقد أوضحه بهذه الإضاءةِ الثاقبة قائلاً: “حِيدُوا عن طريقِ الموت، فلاَ مِحنةَ أشقُّ في هذا الزَّمان، من موتِ العقلِ والجَنَان.”
إنَّ مَلَكةَ التمييز في هذا الشأنِ بكلِّ متفرِّعاته هي بمثابةِ ضرورة لحياةِ النَّفس تَبَعًا لكمالِها الإنسانيّ. وقد أدرك شيوخُنا الأفاضل الأهميَّةَ القصوى لحقيقةِ الاستبصار هذه، فقالوا بوجوب الالتزام بقاعدةِ التّمييز.
شواشُ الصُّورة الحسِّيَّة
إنَّ الدَّرسَ الكبير الَّذي نتعلّمهُ من تلك البدايات، منذ صدر الإسلام وصولا إلى ما ذكره الأميرُ السيِّدُ ق، هو ضرورة التنبُّه أوَّلا إلى تنقية الدّاخل صونًا لهُ من الشّواش الكبير المتدفِّق عليه من صخَب الخارج. إنَّ الحَيّزَ الذي تحتلُّه الصُّورةُ في حياتنا المعاصِرةُ يكادُ أن يكونَ شاملاً. فالوسائلُ البصريَّةُ حاضرةٌ متسلِّطةٌ بدءًا من قارعة الطريق وصولاً إلى عُقر الدّار. إملاؤها كاسحٌ لا يعبأُ بالفُروقِ بين بيئةٍ محافظة وبين بيئةٍ مُستحدِثة. هدفُها الإغواء والجذب وصناعةُ “المُوضة” وتقرير ما هو الأمثلُ لمقاييس الشّكل ولقواعد الحضور الظاهر ولنماذج الجمال “المُفبرَك”.
الصُّورةُ البصريَّةُ سهلةٌ برّاقةٌ فاتنة، تدغدِغُ مكامنَ الرَّغبة، وتُذهِلُ العقلَ إذ تفتحُ الآفاق باتجاه أهواء النفس وتملُّصها من كلِّ قيدٍ مانعٍ لها من الانغماس فيما تتوهّمُه اللَّذَّة. لقد استطاعت الصُّورةُ في العقود الأخيرةِ من زمننا الراهن، أن تهيمنَ إلى حدٍّ كبير على أخْيلةِ الأجيال الصاعدة، وتاليًا على الأمزجةِ والعقول وما يستتبعُ ذلك من قلب معادلات طبائع العلاقات العامَّة، وتغيير قواعد السلوك، وتوسيع أبعاد الفجوة بين ذِهنيَّة التقليد من جهة، والذِّهنيَّة المعاصِرة من جهةٍ أُخرى. يتبدّى ذلك جليًّا إذا ما استعرضَ المرءُ نزعةَ التحرُّر السائدة لدى الجيل الشاب كما يُعبَّرُ عنها في ظواهر أساليب المَلبَس والاحتفال واللَّهو واعتناق الهوايات.
يُعبِّرُ رمزُ إحدى أكبر الشّركات المتعدِّدة الجِنسيّات العاملة على تصميم وتصنيع الالكترونيات الاستهلاكية ومنتجات برامج الكمبيوتر عن روح ما تقدِّمُهُ لنا من خدمات: تفّاحةٌ مقضُومة. بالطّبع، يحيلنا الرمزُ إلى القصَّةِ التوراتيَّةِ التي استحقَّ آدم عليها مخاطبة الله له قائلاً: “ملعُونةٌ الأرضُ بِسَببِك”. لقد غُويَ آدم فأكلَ من ثمرة شجرة المعرفة الَّتي نبَّهتهُ إلى مكامن الشرّ فيه وكان غافلاً عنها. واليوم، تتدفَّقُ المعلومات والصُّورُ على الأُمم كسيلٍ غامِر لا يتورَّعُ أمام حُرمة، ولا يتردَّدُ في اكتساحِ أيّ حِمىً مهما اتَّخذ له من مَسميَّات مثل: تراث أو تقليد أو هويَّة أو قِيم أثيلة أو أعراف متأصِّلة وما شابه. لكن شتّان ما بين تدفُّق المعلومات، وما بين اكتساب الشّخصيَّة الثقافيَّة التي تأخذ بيدِ الإنسانِ فلا يجرفُه السَّيلُ هَبَاء، و لا تستقُبلهُ الصورةُ على شاكلتِها وإنَّما يطفو فوق خشبةِ خلاص باحثًا عن شاطئ الأمان.
وِفقَ هذا المنظور، تضعُنا الصُّورةُ اليوم في مثلِ الكهفِ الأفلاطوني إذ يتسمَّرُ الخَلقُ إزاءها لتقرِّرَ لهُم اتجاهات أمزجتهم، وطرائق مظاهرهم، ووجوه سلوكيَّاتهم حتَّى إذا نفروا منها أو حادوا عنها اتُّهِموا بالتخلُّفِ والجمود! بالطَّبع، يتخلَّلُ هذا العرضَ المتواصل الكثيرُ من العِلم والنقد وأصواتِ المثَّقفين التي تتعالى “كصوتٍ صارخٍ في البَرِّيـَّة”. فأين هو الحكيمُ الَّذي يقودُنا خارج الكهف حيث شمسُ العقل ونور الحرِّيـَّة؟
النَّصيحةُ التَّوحيديَّة
هنا تمامًا يتوجَّبُ استحضارُ النَّصيحة التوحيديَّة القديمة التي أوصَت في مثلِ تنبّؤٍ نورانيّ قائلة بوجُوب النَّظَر بمرآة البصيرة لا بشحمانيَّة العين. فإذا كانت الحياةُ المعاصرةُ اليوم هي نِتاجُ الصورةِ بامتياز، يعني من البصرِ وإلى البصرِ تعود، فأين هي مرآةُ البصيرةِ في روح الإنسان، وهل هي نقيَّة و جليَّة وقابلة لانعكاسِ وجهِ الله، يعني الحِكمة والفضيلة والخير الأسمى؟
إنَّ التراثَ المسلكيّ التَّوحيديّ يكتنزُ إلى يومِنا هذا سرَّ استبصار هذه الحقيقة. وليست مظاهرُ التقشُّف في الخلَوات، واقتصارُ سُبُل عيش الشّيوخ الثِّقات الكبار على الضَّروريِّ إلاَّ وسيلةً لتحقيقِ المعنى على هَدْي الصِّراطِ الَّذي اختطَّهُ سادةٌ عِظام. فالسِّرُّ في الموحِّد يَحُكُّ البصيرةَ قبل أن يَستَـتبعَ البصر، لأنَّ التَّوحيدَ رسالةٌ إلى مرآة الداخل الإنسانيِّ حيثُ لا تنفعُ أقنعةٌ و لا يُغني تجميل.
وحقٌّ أن يُطرحَ السُّؤال: كيفَ السَّبيلُ إلى امتثال هذا المعنى الجليل، والقصد الأشرف، في مجتمعنا المعاصِر؟ تقولُ الآيةُ الكريمةُ ﴿وَذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنين﴾ (الذاريات، 55). إنَّ استذكارَ هذا النَّهج (حِفْظُهُ في الذِّهن) هو ذخيرةٌ حيَّةٌ (حِجابٌ عاصِم) تَهَبُ قلبَ الإنسان ـ أيـًّا كان موقعُه في الحياة- روحَ المناعةِ من خطرِ اضمحلال كِيانِه من حيثُ هو “أشرف المخلوقات” فلا يتشوَّه سرُّه، و لا تَتَشتَّتُ روحُه، و لا تنحلُّ إرادتُه، و لا يصيرُ غريبًا عن كُنهِ روحه
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ ولكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج، 46).