الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

كلمة سواء

كلمة سواء

الحَـــــــذَرُ أَوْجَـــــب عــــن العمــــل العــــامّ

لا يوجدُ في اللّغة العربيّة كَلمةٌ تفوق في مطاطيَّتِها وضبابيَّتِها ما تجده في كلمة “حِوار”.

إنها كلمة رائعة فعلاً، لأنّها تعني كلّ شيء ويمكن أن لا تعني شيئاً. بل هي كلمة فيها من السّحر ما يجعلُها في عقيدة بعض سَليمي الطّوِيّة أقرب إلى تعويذة أو طِلسمَ يَقي من كلّ الشّرور. إنْ قَطَع عليك الطّريق خصم عنيد أو وجدت نفسَك وجهاً لِوَجه أمام شخصٍ شَرس الطِّباع ويتطاير الشّرر من عينيه، فإنّ كلّ ما عليك قوله هو: “مَهلاً دَعنا نتحاور” لأنّك ربّما وبمجرد لفظ كلمة “حِوار” ستوقفه في مكانه، وتبدّل سِحنتَه المُكفهِرّة إلى سَلام ووداعة. يمكنك أن تُجرّب! لكنّ النّتيجة على الأرجح ليست مضمونة. عليك إذن أن تفكّر بوسيلة أفضل، على الأقلّ على سبيل الاحتياط وإلّا فإنّك، عند الامتحان وانكشاف المستور، ستكون في مأزق.

في لبنانَ حواراتٌ من كلّ الأصناف، وحلقات وندوات تضمّ الكثير من أهل النّوايا الحسنة، وقد أصبح للحوار حِرفتُه ومفرداته ودبلوماسيّته وهناك من ينفق الجهد في التّحاور ويجاهد بصدق للتّقريب وخفض التّوتّر وإحياء الثّقة المفقودة. لكن في موازاة هذه النّوايا الطّيبة فإن اللّعبة على الأرض مختلفة، وهي لعبة القوّة والازدواجية والعنف العاري، لعبة لا ترحم لأنّها لعبة أمم وصراع جبابرة، والشّرق كلّه مشتعل الآن بحروب دينيّة ومذهبيّة لا تبقي ولا تذر، وهذه الحروب لها تردُّداتِها وتفرّعاتها في بلدنا المنكوب ولا نعرف متى تهبّ رياحها الملتهبة في اتّجاهنا. وقانا الله!

في هذا المَعمعان المخيف ننسى أحياناً أن للحوار شرط أساسيّ هو أن يقوم، ليس بين مواطنين أو أهل نخبة مهما كانت مكانتهم، بل بين أهل الحلّ والعقد، أي أصحاب القرار الآخذين بناصية الأمور، لأن المشكلة عندهم، فإن لم يكن لدى أيٍّ من هؤلاء رغبة في الحوار، أو إذا كانوا عاجزين عن حوار حقيقيّ، لأنّ بعضهم أسير مواقفه أو أسير ارتباطاته، فأين سيقع الحوار وعلى ماذا؟ وهل تذكرون جلسات الحوار الوطني قبل سنوات وفشلها؟
الشّرط الثاني والأهمّ للحوار هو أن يُبنى على الإخلاص في قصد التوصّل إلى نتيجة أو تسوية الخلاف، وهذا يَفترض كما قلنا أنّ أمر الزّعماء في يدهم، فإن لم يكن، فلن يحصل تقدّم أو اتّفاق ما لم يتّفق الكبار الذين يديرون اللّعبة عن بعد، وقد شهدت السّاحة اللّبنانية على مدى خمسةَ عشَر عاما حروباً وجولات كثيرة مدمِّرة فشلت فيها جميع مساعي الحوار والوساطات، إلى أن صدرت كلمة السّرّ والتقت الدّول الكبرى على تسوية للوضع، وتمّ ترتيب انعقاد مؤتمر الطّائف لهذا الغرض. وقد حضر ممثلو الفرقاء اللّبنانيين للتّوقيع على ما كان قد تمّ التوصّل إليه ولم يكن لهم تأثيرٌ كبيرٌ في ما كان قد كُتب وقُدِّر!.

وفي غياب صِدقِ النّوايا والقصد الحقيقيّ للتّفاهم أو التّشارك العادل في الوطن ينصرف الفرقاء المتنازعون عادة إلى تزويق الخلافات أحياناً عبر حوار شكليٍّ كان المعلّم الشهيد كمال جنبلاط يسمّيه “التّكاذُب المُشْترك”. وكان يقصد به أن يكون للسّياسيين نوايا تختلف عمّا يعلنونه، وأن يكون الحوار مجرّد شراء للوقت في انتظار توافر ظروف الغَلَبة. وبهذا الأسلوب يصبح للتّكاذب وجهان: وجه أصليّ حقيقيّ نحو داخل الجماعة الخاصة، حيث الأدبيّات واضحة في قصد قهر الآخر وحيث أحاديث المجالس مختلفة والهمز واللّمز مختلفان والابتسامات العراض عند ذكر مصائب الخصوم. أمّا الوجه الذي لا مانع أن يَطلّ به بعض صادقي النّيّة في صالونات الحوار ومنابره، والتي يعلم أصحاب القرار أنّها (أيّ الصّالونات) لا تضرّهم ولا تنفعهم، فهو وجه هاشٌّ باشٌّ يفيض بالبِشْر والتّسامح و”تقبّل الآخر”.

لا يُفهم من ذلك أنّنا نعارض الحوارالمخلص والمجدي، فنحن نعتبره أفضل من الجفاء أو انقطاع التّواصل وهو ربما ساهم في تخفيف التّوتّر وإطفاء بعض الحرائق هنا وهناك قبل امتدادها، لكنّنا في عصر الزّلازل السّياسيّة وحروب التّطهير وإعادة رسم معالم البلدان نعتقد أنّ الحذر أوجب.

العملُ العامّ واندفاع الفرد للعمل في صالح الجماعة وغَيْرَتِه على مستقبلها ووجودها من أهمّ الدلائل على مجتمع حيويّ يوفّق بين الفرديّة وبين الجماعة، بين العمل للنّجاح الفرديّ وبين السّهر على أن يتمّ ذلك في سياق حماية الجماعة وهي الإطار الحامي للنّجاح الفرديّ، فلو ضَعُفت الجماعة لا سمح الله أو وَهَنتْ فإن النّجاح الفرديّ يصبح يتيماً ولا قيمة له، وما نسمّيه “العصبيّة” أو اجتماع الجماعة بسرعة عند الخطر يشرح جيّداً هذه النّقطة، إذ نرى الجميع وقد تساوَوْا في الهمّ وتحرّكوا كأنّهم بنيان مرصوص لِصَدّ النّائبات التي تحيق بهم. حتى من تظنّهم في صفّ اللّامبالاة تراهم عند النّفير يهبّون ويلتحقون بالصّفوف لأنّهم يدركون حقيقة الارتباط الوجوديّ بين مسيرتهم الحياتيّة وبين مسيرة المجتمع الذي ينتمون إليه ويستقون من تاريخه وقيمه وإرثه الغنيّ سبب وجودهم واعتزازهم.
مع ذلك، هناك ملاحظة يتّفق عليها كثيرون ممّن عايشوا العمل العامّ وهي أنّ حالة التّضامن المشهودة في المُلِمّات غالباً ما يصيبها الاسترخاء في مراحل السَّلم والانغماس مجدّداً في الأعمال وفي المصالح الشّخصيّة الآنيّة، وهذا الافتراق كثيراً ما يرتدّ على المؤسّسات والمرافق التي أُنشئت من قِبَل الجماعة ولأجلها بآفة النّسيان فيقلّ الاهتمام بها وتتراجع وتنتكس أعمالها وقد تضيع في دوّامة الإهمال.
كأفرادٍ هناك أشخاصٌ كثيرون يساهمون ولهم فضل على الجماعة ومؤسّساتها، ورجال الأعمال عندنا عصاميّون حقّقوا ما حقّقوه بالتّعب والجهد وهم يحرصون على سمعتهم، ولهم أصلاً صِيْتٌ حسنٌ في كلّ مكان يعملون فيه. لكنّ الفرديّة التي تساعد رجل الأعمال على النّجاح تصبح متأصّلة أحياناً وتنسحب على العمل الاجتماعيّ، إذ إن كلّاً منّا معتاد على اتّخاذ القرارات الفرديّة وتذوّق النّجاح الشّخصيّ، لكن قليلون ربّما لديهم خبرة العمل وثقافة الفريق مع ما يقتضيه ذلك من مرونة وإعطاء الفرصة للآخرين لأنّ كلّ إنسان يحبّ أن يكون له دور، وهذا طبيعيّ، لكنّ البعض يحبّ أن يكون له الدّور الأوّل انطلاقاً من تقاليد الإنجاز وما يجلبه من مكانة. وهذا جانب آخر من تحدّيات العمل الاجتماعي وهو تحدّي التّعاون وتجاوز الميل الإنساني للتّميّز أو التفرّد في العمل. وكلّ عمل تتواجه فيه أجندات خاصّة لا بد وأن يعاني وربّما أُصيب في الصّميم، لأنّ الجدل الذي لا يساعد في تقدّم العمل يؤثّر على المعنويّات وقد يضعف حوافز البعض للإسهام مع الآخرين.
نسوق هذه الملاحظات ونحن نقف على عتبة السّنة الخامسة من إعادة إصدار “الضّحى” التي ثبّتت أقدامها وبات لها دور أساسيّ في البيئة الثّقافيّة المعروفيّة في لبنان أو في سوريا أو ما يتعداهما. وها نحن نستعدّ لإطلاق الموقع الشّبكيّ ونأمل من خلاله أن تتّسع الفائدة ممّا يُنْشَر في المجلّة إلى عدد أكبرَ بكثير من قرّاء النّسخة الورقيّة، وهم كُثُرٌ، وقد يصل عددهم، بالاستناد إلى واقع تداول العدد نفسه بين أربعَ أو خمسة أشخاص على الأقلّ، إلى أكثر من عشَرة آلاف أو ربما خمسَةَ عشَر ألفَ قارئ. ومثل هذا الجمع في حدّ ذاته يمثّل قوّة تأثير كبيرة لاسيّما وأنّه يتألّف من أفراد النّخبة في الطّائفة ومن مثقّفيها وقياداتها المؤثّرة، وهو ما يعني أنّ تأثير المجلّة الفعليّ يتجاوز عدد قارئيها بكثير.
لكننا بلغنا بعد خمس سنوات من العمل منعطفاً مهما على مستوى تكوين مجلس الأمناء ومجموعة الدّعم التي تألّفت انطلاقاً من رجال مرموقين في طائفتنا الكريمة، إذ إنّ بعض الإخوان قرّر عدم تجديد مساهمته، كما أنّ عدداً آخر لم يكمل الطّريق من الأساس، وهذا من طبيعة أيِّ عمل ونحن نحترم موقف كلّ من توقّف عن السّير واعتبر أنّ هناك ربّما أشياء أهم يتعيّن عليه الاهتمام بها، لكن من أجل تأمين الاستمراريّة والبناء على النّجاحات التي تحقّقت نجد أنّه يتعيّن إفساح المجال أمام أفراد النّخبة وشخصيّات الطّائفة الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة في السّابق لكي ينضمّوا إلى هذا المشروع المهمّ ويوفّروا له ليس الدّعم الماليّ فحسب بل الدّعم المعنويّ والمَشورة، علماً أنّ نظام عمل مجلس أمناء المجلّة يعطيه دوراً مهمّاً في التّخطيط والتّوجية ورسم السّياسات والتّصديق على الأمور الماليّة.
إنّها دعوة لمن يتطلّع إلى دعم قضيّة تتعلّق بها مصلحة الموحّدين الدّروز ومستقبلهم لأن ينضمّ إلى الجُهد الكبير المستمرّ في تطوير وإعلاء مكانة هذا المرفق الذي بات له دور مركزيّ في الحياة الثّقافية للطّائفة. وهذا المَعلَم المهمّ لم يوجد في ماض قريب ولا يوجد اليوم ما يماثله في محتواه وفي دوره وفي تأثيره الثّقافي والمعنويّ، وهو يأتي في وقتٍ الطّائفة في أمسّ الحاجة إلى وسيلة إعلام وتنوير وتواصل. أملُنا أن نقدّم الإيجابيّات ونرى الإنجاز ونتمسّك به وباستمراره ونغضّ الطّرف عن النّقاشات والتباينات التي تظهر في أيّ عمل. و“الضّحى” في نهاية المطاف مؤسّسة للطّائفة بأسْرِها وليست ملكاً لأشخاص، ومن المؤكّد أنّه سيمرّ عليها كثيرون ويذهبون لكنّها كإنجازٍ يجب أن تستمرّ عبر الزّمن في أداء دورها التّنويريّ والتّوحيديّ.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي