الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

كلمة سواء

مياهٌ مُعَبّأةٌ في بلدِ الينابيع

من نِعَمِ اللهِ على لبنان أنْ منَّ عليه بعدد كبير من الأنهار الرّئيسة وبألوف الينابيع التي تنساب من سفوح جباله منذ ألوف السّنين لتوفّر المياه العذبة والسّائغة المذاق للشّاربين. ولبنان بهذا المعنى من أكثر بلدان منطقة الشّرق الأوسط تمتّعاً بالثّروات المائيّة وهو بين بلدان قليلة لا تُصنّف عالميّاً بين البلدان التي تشكو من نقص في المياه. فما هو إذن سبب هذا الإقبال الهائل على المياه المُعَبّأة بقوارير البلاستيك؟ ولماذا في بلد المياه تزدهر تجارة بيع المياه وتوزيعها على البيوت دون حسيب أو رقيب؟. وقد أحصى وزير الصِّحَّة وائل أبو فاعور أكثر من 800 شركة لتعبئة وتوزيع المياه تعمل من دون ترخيص، وبالتالي من دون رقابة حكومية؟. وقد أضاف الوزير أنَّ الفحوصات أظهرت أنَّ 90% من تلك المياه تحتوي على أثر مجارير !!
وإذا علمنا، وقد أكّد وزير الصِّحَّة ذلك أيضاً أنَّ “جزءاً كبيراً من مياه الدّولة مُلوّثة” فإنَّنا نصبح “بين شاقوفين” كما يقول المثل العامِّيِّ. فلا مياه الدّولة مأمونة ولا الينابيع ولا المياه المعبَّأة التي يلجأ الكثيرون إليها على اعتبار أنَّها هي الحلّ.
الطّلب الكبير على المياه المُعبّأة أحدث فورةً في معامل التَّعبئة والتّوزيع التي تبيع مياهها المُكرّرة تحت تسميات تجعلك تظنّ أنّها مياه ينابيع بينما هي مياه آبار أو مياه أنهُر غير نظيفة يتمّ تكريرها بتقنيّات مُتَخلّفة لا يمكنها أنْ تزيل كلَّ الشّوائب أو الجراثيم. والنّاس لا يمكنها أن تفرّق بالطّبع وهي تشتري على افتراض أنَّ هناك رقابة من الجهات المعنيّة، لكنَّ هذا الأمر غير واقعيّ لأنّ المعامل كثيرة ولأنَّ النّفوذ السِّياسيّ هو الذي يُبقي على الكثير منها في السّوق. وبسبب الإقبال على قوارير المياه البلاستيكيّة أصبح لبنان يُصَنَّف بين الدّول الأكثر استهلاكاً للمياه المُعبّأة مع معدَّل يقارب الـ 77 ليتراً للفرد سنويّاً. وهذا رقم يقترب من رقم السعوديّة التي لا تمتلك ينابيع بل مياه بحر مُحَلّاة، وهو 79 ليترا للفرد، ويبلغ المُعدّل في أوروبا نحو 85 ليتراً للفرد.
هناك بالطّبع عوامل كثيرة تفسّر هذا الإقبال ولاسيّما الحياة في المدن حيث لا يوجد ينابيع وحيث النّاس يعيشون في أبنية وشُقق لا تصلها مياه الدّولة إلّا مثل “طلّات القمر” وهي إنْ وصلت لا تُعتبر صالحة للشرب. وكثير من الأبنية حُفِرت لها آبار لكنَّ كثرة الآبار أضعفت الحاجز الأرضيَّ للمياه الجوفيّة وجعلت مياه البحر تندفع إلى الطّبقات الجوفيّة للمدن ممّا جعل أكثر مياه الآبار ذات ملوحة عالية.
لكنْ هناك مشكلات صحيَّة أساسيَّة تنجم عن التّحوّل إلى المياه المعبّأة أهمّها استحالة ممارسة رقابة حقيقيَّة على مئات معامل التّعبئة وهذه الرّقابة تبدأ بفحص أنواع البلاستيك المستخدمة في صُنع القوارير ومطابقتها للمواصفات العالميَّة ثم هناك تقنيّات التَّكرير وكفاءتها ونوعية المياه المستخدمة ومصدرها وأخيراً جَودة المياه المعبّأة وخصائصها الكيميائيّة وتوازنها المعدنيّ. والموضوع الأهمُّ هو تجارة القوارير الكبيرة (19 ليتر) التي يتمُّ توصيلها إلى البيوت لاستخدامها في أجهزة كهربائيَّة يمكن من خلالها الحصول على المياه الباردة أو الحارة. وهذه القوارير يتمُّ جمع الفارغ منها ويُفتَرض أن يتمَّ غسلها وتعقيمها جيّداً قبل تعبئتها مجدداً وتوزيعها إلى الزبائن. وعمليّة الغسل والتّعقيم هذه مهمّة لكنْ لا توجد وسيلة للتأكّد من أنَّها تتمُّ بالمواصفات المطلوبة.
ثم هناك الأثر البيئي لفوضى المياه المعبأة. فلبنان ينتج على ما يبدو أكثر من 300 مليون قارورة مياه بلاستيكيّة سنويّاً، وهذه العبوات لا يُعاد استخدامُها بل تأخذ طريقها إلى مكبّات النّفايات لتصبح جزءاً أساسيّاً من مشكلة بيئيّة خطيرة لأنّ قوارير البلاستيك كما هو معروف لا تتحلّل بصورة طبيعيَّة، وليس هناك حتى الآن آلِيّة حقيقيَّة لفرض تدوير هذا المكوّن الأساسي من نفايات البلد خصوصاً في المصدر.
السّؤال البديهيُّ هنا هل الحلول معدومة لمشكلة المياه؟ وإذا كانت الدّولة في وضع مهترئ لا يجعلها قادرة على تجديد البُنية التحتيّة لتوزيع مياه الشّرب وتأمين تعقيم المياه، وإذا كان العمران العشوائيّ يلوّث كلّ يوم المزيد من المياه الجوفيّة، فهل يعني ذلك أن نستسلم ونعتبر الوضع الاستثنائيّ الحاليّ هو القاعدة التي يجب أن نتكيّف معها أو نعتبرها قدراً لا مفرّ منه؟
نعتقد أنّ مشكلة المياه مستمرّة في الكثير من جوانبها بسبب حالة من الاستسلام ونقص المبادرة سواء على مستوى المواطن أم على مستوى المجتمع المدنيّ والجمعيّات الأهليّة وهيئات الإدارة المحليّة. ولقد قامت جمعيّات مدنيّة لكلّ غرض يمكن تصوّره بما في ذلك جمعيّات بيئيّة، لكن لم تقم حتّى الآن إلا مبادرات محدودة لمواجهة أزمة مياه الشّرب وأزمة المياه بصورة عامّة. وهناك بعض البلديّات النّشِطة التي قامت مثلاً بحفر آبار جوفية وأقامت في الوقت نفسه محطّات تكرير تستخدم طريقة التّكرير الطّردي Reverse Osmosis الحديثة لتنقيّة المياه وجعلها صالحة للشّرب، كما قامت تلك البلديّات بتجديد شبكة المياه وبات ممكناً بالتّالي للمنازل الحصول على مياه نقيّة من الصّنبور.
والأمثلة التي أعطيناها تدلّ على أنّ هيئات الحكم المحلّي ولاسيّما البلديّات يمكنها أن تلعب دوراً فاعلاً و”تغييريّاً” في مواجهة أزمة المياه ولاسيّما أزمة نقص مياه الشّرب النَّظيفة. وهناك أموال تُنْفَق على تجميل الشّوارع أو تعميم إضاءة الشّوارع أو إقامة مَعْلَم أو دار للبلدة، وكلّها أعمال محمودة، لكنَّ الأولويَّة لكلّ بلديّة يجب أنْ تُعطى لتوفير المياه النّقيّة للمواطنين ورفع ارتهان الأسر وأطفالها لمياه البلاستيك. وهناك موارد كما أنَّ هناك برامج مساعدات دوليّة يمكن الاستفادة منها لاستقدام وحدات التّكرير أو لتجديد شبكات المياه أو لتوسيع طاقة استيعاب الخزّانات العموميّة.
ولقد أطلقت الجامعة الأميركية في بيروت برنامجاً يستهدف الاستغناء عن قوارير البلاستيك من خلال تأسيس “نقاط مياه شرب” في أنحاء الجامعة وتوزيع “مَطَرات مياه” يمكن للطّالب أن يملأها من نقاط مياه الشّرب المنتشرة في أنحاء الجامعة. بذلك تُقَدِّر إدراة الجامعة أنَّ من الممكن سحب ألوف قوارير المياه البلاستيكيَّة يوميّاً من التّداول وتجنيب البلد أثرها البيئيّ السّلبيّ.
بالمعنى نفسه يمكن للبلديّات العمل على تأسيس نقاط لمياه الشّرب النّقيّة في كلِّ قرية تكون عبارة عن وحدة تكرير تعمل بتقنيات حديثة ويتمّ من خلالها توفير مياه الشّرب النّقيّة لمواطني القرية بإشراف بلديّ. ويمكن للوحدة أن تستفيد من وجود ينابيع أساسيّة وأن يكون الغرض منها تنقية مياه تلك الينابيع التي نَهَلَ الناس منها لألوف السّنين وإعادة ثقة النَّاس بها وبإمكان استخدامها للشّرب. وتفترض هذه المبادرات بالطّبع وضع ضوابط بحيث يكون السَّحب لغرض الشّرب أو الاستخدامات المشابهة مثل الطّبخ فقط، وهذا قد يفترض درجة من التّنظيم حتى لا نقول التَّقنين.
يمكن للبلديّات أيضا إجراء كشف على كافَّة الينابيع الموجودة (وبعض القرى لديها العشرات منها) وتعيين ينابيع محددّة تُعتبر صالحة للشّرب وتشجيع المواطنين على استخدامها لأغراض مياه الشّرب. وهذه الينابيع وإن كانت بعيدة عن العمران يمكن الوصول إليها اليوم بسهولة بالسَّيّارة. وفي الحالات التي لا زالت توجد فيها مثل هذه الينابيع فإنَّ على البلديّات تطبيق معايير صارمة في إعطاء رُخَص البناء التي تستهدف حماية حَرَم الينابيع أو على الأقلّ التّحقّق من استخدام وسائل حديثة لجمع المياه المُبتَذَلة وتصريفها بصورة تمنع تسرُّبها إلى المياه الجوفيّة. ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ تشغيل شبكات الصَّرف الصِّحِّي ومحطّات التّكرير التي أُقيمت في أكثر قرى الجبل يمكن أن يرفع عبئاً هائلاً عن المياه الجوفية بل يمكن أن يُحيي ذلك المصدر المهمِّ بحيث يعود النّاس للاعتماد عليه كما كانوا يفعلون في السّابق.
يجب أيضاً تشجيع المنازل في القرى (وحتّى في المدن) على إيجاد خزّانات مُخصّصة لجمع مياه الأمطار النّقيّة بهدف تخصيصها لاستخدامات الشرب، وقد كان أجدادنا أبعد نظراً عندما كانوا ينشئون لكل منزل بئراً لجمع مياه الشِّتاء النَّقيَّة. علماً أنّ المصدر الأوّل لمياه الشّرب كان عيون الماء والينابيع، (قبل تلوّث الكثير منها) لكنّ البئر كان مصدراً احتياطيًّا في حالات الشِّحِّ وكثيراً ما جرى استخدامه في فترات الصّيف.
نختم بالقول أنَّ الوصول إلى مياه شرب واستعمال نظيفة يُعْتَبر حقّاً طبيعيّاً وأساسيّاً من حقوق المواطنة والكرامة الإنسانيّة، وقد عدّلت الأمم المتّحدة شِرعة حقوق الإنسان في العام 2010 لتضيف إلى تلك الحقوق الأساسيّة حقَّ الحصول على مياه نظيفة.
إنَّنا عبر هذه الافتتاحية نطلق شعار “الماء حقّ وليس سِلْعة” على أمل أن نتابع الحديث في الأعداد اللّاحقة بهدف زيادة الوعي بالموضوع ونحن ندعو جميع المعنيّين وأصحاب المبادرات لاقتراح أفكار وحلول خلّاقة تستهدف تأكيد استعادة حقّ المواطنين بالحصول على مياه نظيفة ونقيَّه تغنيهم عن الاسترهان لتجارة المياه المُعبّأة التي تفتقد للشّفافية وللحدِّ الأدنى من المواصفات الصِّحيَّة.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي