الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

معجزة dna

معجزة الـ DNA

عمليّةُ نسخِ الخصائص الوراثيّة للإنسان تتكرر دون خطأ
مليــارات المرّات في فتــرة عمــر الكائــن الحــيِّ الواحـــد

أنزيمات متخصصة تبحثُ عن الأخطاء في نقل المعلومات
من شريط وراثيّ إلى آخر جديد ومن ثم تقوم بتصحيحها

في شريط الخصائص الوراثيّة ست مليارات معلومة مخزنة
في حيِّز لا يمكن رؤيته بأقوى الميكروسكوبات الضوئية

في العام 1953 تمكّن عالما الأحياء فرانسيس كريك وجيمس واطسون باستخدامهما الأشعّة السّينية من كشف تركيب الحمض النّووي ووجدا أنّ كامل مواصفات أجسام الكائنات الحيّة والتي تزيد على ست مليارات “شيفرة” وراثية مكتوبة بطريقة رقميّة على شريط طويل ودقيق من الحمض النّووي مخزن في نواة الخليّة وهو من الصّغَر بحيث لا يمكن رؤيته حتى بأقوى الميكروسكوبات الضّوئيّة.
وبهذا الاكتشاف التاريخي الذي استحق العالمان عليه جائزة نوبل تمكّن العلم من فكّ أعظم سرّ من أسرار الحياة وهو الكيفيّة التي يتمّ من خلالها توريث مواصفات أجسام الكائنات الحيّة وكذلك فهم الطّريقة التي يتمّ بها تَكوّن كائنات جديدة كاملة ابتداء من خليّة واحدة تنقسم وتتكاثر إلى مليارات الخلايا التي يتحدّد لكلّ منها وظيفة خاصّة وتذهب بالتالي لصنع عضو معيّن أو قطعة معيّنة في هذه الفسيفساء العظيمة للجسد.
وبعد أن بدأ علماء الأحياء بدراسة تركيب شريط الحمض النووي والطريقة التي يستخدمها في تخزين المعلومات الوراثيّة والآليات التي يستخدمها في تنفيذ البرامج المخزّنة عليه وجدوا أنّ فيه من الأسرار بل من المعجزات ما تعجز أكبر العقول البشريّة عن فكّها. ولقد جاء هذا الاعتراف على لسان أحد هذين العالمين وهو فرانسيس كريك الذي نال مع زميله واطسون في عام 1962 جائزة نوبل في الفسيولوجيا تقديرا لاكتشافهما تركيب هذا الشّريط المعجز حيث قال في كتابه طبيعة الحياة “إنّ أيِّ إنسان نزيه ومسلَّح بكلِّ المعرفة المتاحة لنا الآن لا يستطيع أن يقول أكثر من أنّ نشأة الحياة تبدو شيئاً أقرب ما يكون إلى المعجزة”.

ما هو الـ DNA؟
يوجد جزيء DNA داخل نواة كل من الـ 100 تريليون خليَّة الموجـودة في جسمنا، وهذا الجزيء الذي لا يمكن رؤيته حتى بأقوى الميكروسكوبات الضّوئية يحتوي على جميع الصّفات الوراثيّة للكائن الحيِّ التي ورثها عن آبائه وأجداده والتي سيورثها لأبنائه وأحفاده، فلو أخذنا نباتاً معيّناً فإنّنا سنجد أنَّ الشّيفرة الجينيّة المختزنة في الـ DNA الموجود في خلاياه قد كُتِب فيها بقدرة الله كيف سيكون حجم البذور وطريقة إنباتها، ومدّة الإنبات، وموسمه، وشكل البادرات، ونوع الأوراق وتركيبها الخارجيّ وتشريحها الداخليّ، وطريقة ترتيبها على الساق، وملايين العمليّات الحيويّة التي تحدث فيها، والتّفاعلات التي تُنتجها، وكمية الماء التي تحتاجها، والبراعم وأعدادها وتركيبها، والأزهار وألوانها ورائحتها وتركيبها، وثمار عقدها ولونها وطعمها وتركيبها الكيماويّ الحيويّ، والبذور وعددها وشكلها وتركيبها، وملايين الصّفات الوراثيّة الأخرى. وكل تفاصيل تلك العمليّات الحيويّة مكتوبة في هذا الجُزَيء الصّغير الذي لا يمكن أن يُرى حتى بأقوى الميكروسكوبات.
إنّ جُزيء الـ DNA الموجود في كروموزوم واحد من أصل الـ 46 كروموزوم الموجودة في كلّ خليّة من مئات مليارات الخلايا في جسم الإنسان يحتوي على معلومات حيوية عن الكائن الحيّ تعادل المعلومات الموجودة في موسوعة ضخمة مكوّنة من مليون صفحة مليئة. والعجيب أنّ هذا الجزيء أُعطِي الصّلاحية لصُنع نَسَخ مشابهة تماماً له من سيتوبلازم الخليّة، وهو أمر حيويّ لاستكمال تكاثر الخلايا مع نفس الخصائص الوراثيّة حتى تكوُّن المخلوق التّام والذي قد يكون بشراً أو حيواناً أونباتاً.
وتوجد معطيـات الحمض النّووي المتعلّقة بعضو أو بروتين معيّن ضمن مركّبات خـاصة تُدعى المورّثات أو الجينات. فمثلاً، المعلومـات المتعلّقة بالعين توجد ضمن متتالية من المورّثـات الخـاصّة، بينمـا توجد المعلومـات المتعلّقة بالقلب ضمن متتالية من المورّثـات مختلفة تماماً عن الأولى وهكذا دواليك.
لكنْ هنـاك تفصيل دقيق ومهمّ هنا وهو أنّ أيّ خطأ في ترتيب النّكليوتيدات المُكَوّنة لمورّثة جينيّة واحدة يمكن أن يؤدّي إلى إعطـابها وتعطيل وظيفتها، وإذا وضعنا في الاعتبار بأنّه يـوجد 200 ألف مورّثة في الجسم البَشريّ، يتّضح جليًاً استحـالـة أن تتموضع صدفة ملايـيــن النّكليوتيدات المكوّنة لهذه المورّثـات حسب التّرتيـب التّسلسليّ الصّحيـح. عالـم الأحيـاء التّطوريّ فرانك ساليسبوري يشير لهذه الاستحالة بأنّ احتمال أن يحصل مثل هذا الترتيب العجيب بالصّدفة وعبر مليارات السّنين هو بكلّ بساطة احتمال واحد من من 1 متبوعاً بستماية صفر وهو رقم يفوق الخَيال ويساوي بعلم اللوغاريتم صفراً مطلقاً. ويضيف سالزبريالقول:”إنّ احتمـال التكوّن العشوائيّ لبروتين واحد أو حمض نووي ضئيل جدًا، أمّا ظهور سلسلة كاملة مترابطة من البروتينات فهو أمر لا يمكن تصوّره حتى بالخيال”.
بالإضافة إلى كلّ هذه الاستحـالات، يصعب أن يدخل الحمض النّووي في تفـاعل معيّن بسبب شكله الهندسيّ الحلزونيّ ذي السلسلة المزدوجة. كما أنّه لايمكن أن يُسْتَنسَخ الحمض النّووي إلا بمسـاعدة إنزيمات يمكن إنتاجها فقط بواسطة المعلومات المُرَمّزة في الحمض النّووي نفسه ولأنّ كلا الجُزيئين يرتبط وجود أحدهما بالآخر، فإنّهما إمّـا أن يكونا قد وُجدا في الوقت ذاته من أجل التولّد، وإمـّا أنْ يكون أحدهما قد”أُوْجِد” قبل الآخر وعندها فإنّ التّفاعل الضّروريّ لا يمكن أن يتمّ بسبب حتميّة الوجود المتزامن للعنصرين. عالم الأحياء الأميركي جاكوبسون يقدّم ملاحظاته حول الموضوع :
”كلّ التّعليمات الخاصّة بإنتاج التّصاميم والطّاقة المحرّكة واستخلاص بعض الأجزاء من البيئة المحيطة وترتيب مراحل النّمو والآلية المنفِّذة التي تحوِّل التّعليمات المشفّرة إلى نموّ، كلّ ذلك يجب أن يتواجد آنيّاً في ذات لحظة (بدء الحياة).وهو ما يعني أنّ اندماج الأحداث صدفةً هو أمر مستحيل الاحتمال، بل يجب أن يُنسَب إلى القدرة الإلهية.”
كتب جاكوبسون ملاحظته هذه بعد سنتين من اكتشاف بُنية الحمض النّووي بواسطة جيمس واطسون وفرانسيس كريك. وبعد أكثر من 63 عاما على ذلك الاكتشاف التّاريخي لا زالت ملاحظة العالم الأميركي سارية المفعول، لأنّه وعلى الرّغم من كلّ التقدم العلميّ الذي تحقّق منذ ذلك الحين لا زالت معجزة الحمض النّووي والشيفرة الجينيّة وطريق عملها في توليد الكائنات والأنواع واستمرارها في الزّمن لُغزا مُحيِّرا ومعضلة كشفت الأرضيّة الهشّة التي تقوم عليها نظريّة “التّطوّر بالصّدفة” التي حاولت إيجاد تفسير ماديّ لنظرية الوجود لا تقوم على الإيمان بمبدأ الخلق والخالق. وحول هذه النّقطة يقول عالمان ألمانيان هما جانكر وشيرر بأنّ تخليق كلّ الجزيئات التي يحتاجها التّفاعل الكيميائي (لتكاثر الخلايا واستنساخ الشيفرة الجينيّة) يتطلّب شروطًا وظروفاً تختلف كثيراً في ما بينها، وأنّ احتمال اجتماع تلك العناصر في بُنية وظائفيّة بمحض الصّدفة هو صفر”

التركيب الحلزوني لجزيء الحمض النووي
التركيب الحلزوني لجزيء الحمض النووي

صدمة لنظريّة التّطوّر
إنّ أكثر ما أثار دهشة علماء الأحياء في شريط الحمض النّووي هو أنّ الطّريقة التي تمّت بها كتابة تعليمات تصنيع الكائنات هي الطريقة ذاتها التي يستخدمها الحاسوب الرّقميّ لتخزين مختلف أنواع المعلومات في ذاكرته وفي تنفيذ برامجه. ولقد ترتّب على هذا الاكتشاف العظيم تحوّل كبير في المفاهيم المتعلّقة بالطّريقة التي تمّت بها عمليّة خلق الكائنات الحيّة وخاصّة تلك المتعلّقة بنظريّة التّطوّر والتي أصيبت بصدمة كبيرة بعد هذا الاكتشاف.
ويعود سبب الصّدمة إلى اكتشاف العلماء أنّه لا يمكن تعديل أيّ جزء من أجزاء الكائن الحيّ مهما بلغت بساطة تركيبه إلّا من خلال تعديل مليارات الشّيفرات الوراثيّة المرتّبة بدقّة في جُزيء الـ DNA وهذا الأمر يتناقض تماماً مع النظريّة التطوريّة، أولاً لأنّ الصّدفة التي لا عقل لها لا يمكنها أن تقوم بإجراء التّغييرات المطلوبة في مليارات الشّيفرات الوراثيّة ضمن عمليّة التّطوّر، وثانياً لأنّ كلّ العناصر والمركّبات والأربطة والتّعليمات التي تدخل في صُنع جُزيء الـ DNA لا بدّ أن تكون موجودة معاً في الوقت ذاته لكي تنشأ الحياة ولا يمكن أن تتجمّع بفعل الصّدفة بصورة تراكميّة.
وهذه الكثافة في تخزين المعلومات غاية في الضّخامة إذا ما تمّت مقارنتها بكثافة المعلومات الرقمية المخزَّنة على الأقراص المغناطيسيّة أو الضّوئيّة الحديثة والتي يمكن لأفضل أنواعها أن تخزن نصف مليون حرف ثنائيّ في كل سنتيمتر وهذا مع العلم بأنّ عرض شريط القرص المغناطيسيّ يزيد بعشرين مرة عن عرض الشّريط الوراثيّ. ولكي يدرك القارئ ضخامة هذه الكثافة نذكر له أنّ الشّريط الوراثيّ للإنسان يتكوّن من ستة مليارات حرف وراثي مخزّنة في حيِّز لا يمكن رؤيته بالميكروسكوبات الضّوئيّة بينما لو تمّت كتابته على الورق باستخدام الأحرف الكتابيّة لاحتاج إلى مليون صفحة ورقيّة. وقد أوضح أحد علماء الأحياء هذه الكثافة بقوله إنّ الحيِّز الذي يمكن أن تحتلّه الأشرطة الوراثيّة لجميع أنواع الكائنات الحيّة التي تعيش على الأرض الآن وتلك التي انقرضت يمكن احتواؤه في ملعقة شاي صغيرة.
ولا بد لنا هنا من أن نؤكّد على أنّ استخدام نظام التّشفير لحفظ المعلومات عمليّة واعية بكلّ معنى الكلمة ولا يمكن أن تتم بأي حال من الأحوال من قبيل الصّدفة، فأقصى ما يمكن للصّدفة أن تعمله هو جمع بعض المكوّنات مع بعضها البعض لتنتج مكوّنا أكثر تعقيداً،ﹰ أمّا أن تقوم باختراع مثل هذا التّمثيل الرّياضي فهذا أمر لا يقبله العقل. كذلك فإنّ عمليّة النّسخ التّلقائية للمعلومات الوراثيّة لا يمكن أن تُختَرع إلّا من قبل عاقل يهمه أن يحتفظ بهذه المعلومات لأهداف لاحقة يريد تحقيقها، لأنّ الصّدفة مجرّد “حادث” أو مجموعة حوادث تخضع لقانون الاحتماليّة ولا يوجد للصّدفة “مخطّط” أو “ذاكرة” أو “تصميم” ثمّ إن سرّ الحياة الأعظم يكمن في قدرة الشّريط الوراثيّ على إنتاج نسخة عن نفسه بنفسه وبهذا السرّ تستطيع الخلايا الحيّة أن تنتج نسخاً عن نفسها بنفسها وتستطيع الكائنات الحيّة أن تنتج نسخاً عن نفسها بنفسها.
ولولا هذه الخاصيّة الفريدة لهذا الشّريط لَما أمكن للحياة أنّ تدوم على سطح هذه الأرض منذ آلاف الملايين من السّنين وإلى أن يشاء الله، فالمعلومات الوراثيّة التي تلزم لتصنيع أيّ كائن حيّ يتم توارثها من خلال إنتاج نسخة طبق الأصل عن الشّريط في كلّ خليّة قبل انقسامها إلى خليّتين وعندما يعطي الشّريط أوامره إلى الخليّة لكي تنقسم إلى خليّتين عليه أوّلاً أن يُصْدر الأوامر لتصنيع جميع الجُزيئات اللّازمة لبناء شريط جديد يودعه إحدى الخليّتين. فعلى سبيل المثال فإنّ عملية تصنيع شريط جديد في إحدى خلايا جسم الإنسان يتطلّب من الخليّة أن تقوم بتصنيع ستّة مليارات جزيء سكّر وستّة مليارات جُزيء فوسفات وذلك لبناء السّلسلتين الجانبيّتين ومن ثم تصنيع ستّة مليارات حرف وراثيّ بِنِسَبٍ محدّدة من أنواعه الأربعة إلى جانب تصنيع الأسطوانات البروتينيّة التي سيتمّ لفّ الشّريط الجديد عليها. إنّ هذا العدد الضّخم من الجُزيئات يجب أن يتمّ تصنيعه وحفظه في داخل نواة الخليّة التي لا يتجاوز قطرها الميكرومتر أوجزء من ألف من المليميتر..

العالم البريطاني فرانسيس كريك تمكن في العام 1953 ولأول مرة مع زميله جيمس واطسون من تحليل تركيبة الحمض النووي وتصويره
العالم البريطاني فرانسيس كريك تمكن في العام 1953 ولأول مرة مع زميله جيمس واطسون من تحليل تركيبة الحمض النووي وتصويره

كيف يَسْتَنْسِخ شريط الـ DNA نفسه؟
إنّ مجرّد تصنيع الجُزيئات التي يُبنى منها الشّريط الوراثي بالأنواع والأعداد المطلوبة يُعتَبَر معجزة من معجزات الحياة، ولكن هذه المعجزة لا تقاس أبداً بالمُعجزات الموجودة في الطّريقة التي يتمّ بها بناء الشّريط من هذه الجُزيئات. يبدأ الشّريط الوراثيّ عمليّة تصنيع نسخة جديدة عن نفسه وذلك بعد أن يتأكّد من توفّر الأعداد اللّازمة من الجزيئات المكونة للشّريط الجديد حيث يقوم إنزيم خاص بالعمل على فتح الشّريط الوراثيّ من أحد جانبية ليفصل السّلسلتين الجانبيتين بما تحملان من أحرف وراثيّة عن بعضهما البعض. ومن ثم تتولّى إنزيمات أخرى بناء سلسلتين جديدتين وتثبيت الأحرف الوراثيّة عليهما بحيث تكون الأحرف الجديدة على كل سلسلة مكمّلة للأحرف القديمة المرتبطة بإحدى السّلسلتين القديمتين.
ومن ثمّ تتحد كلّ سلسلة من السّلسلتين الجديدتين مع سلسلة أخرى من السّلسلتين القديمتين مكوّنتين شريطين وراثيّين يحتوي كلّ منهما على سلسلة قديمة وأخرى جديدة. إنّ عملية نسخ المعلومات عن الشّريط القديم وتخزينها على شريط جديد تتمّ بسرعة عالية نسبيّاً حيث تتراوح بين ألف حرف في الدّقيقة في الإنسان ومليون حرف في الدّقيقة في البكتيريا. وهذا على عكس المتوقّع فحجم المعلومات المخزّنة على شريط الإنسان يزيد بملايين المرّات عن حجم المعلومات على شريط البكتيريا فكان من المُفتَرض أن تكون سرعة النّسخ في الإنسان أعلى منها في البكتيريا.
ولكنّ تقليل سرعة النّسخ في الإنسان هدفه تقليل نسبة الخطأ في المعلومات المنقولة لأنّ السّرعة العالية للنّسخ في البكتيريا كفيلة بإتمام عمليّة نسخ شريطه في دقائق معدودة ولكنّ نسخ شريط الإنسان بمعدّل ألف حرف في الدّقيقة يحتاج لما يقرب من ستّ سنوات وهذا يعني أنّ تصنيع الإنسان ابتداء من خليّة واحدة يحتاج لما يقرب من ثلاثمائة عام.
ولكن بقدرة الخلّاق العظيم أصبحت المدّة التي يحتاجها الشّريط الوراثيّ لإنتاج نسخة جديدة عنه لا تتجاوز نصف ساعة وقد تم ذلك من خلال إجراء عمليّة النّسخ بشكل متوازٍ لجميع الكروموسومات المكوّنة للشّريط الوراثيّ وكذلك من خلال إجراء عمليّة نسخ الكروموسوم الواحد في عدد كبير من المواضع. وبهذه الطّريقة الذّكيّة تمّ تقليص مدّة تصنيع إنسان جديد ابتداء من خليّة واحدة من ثلاثمائة عام إلى تسعة أشهر!

في جزيء الـ دي. إن. إي الموجود في هذا الكروموزم معلومات تعادل موسوعة ضخمة مكونة من مليون صفحة
في جزيء الـ دي. إن. إي الموجود في هذا الكروموزم معلومات تعادل موسوعة ضخمة مكونة من مليون صفحة

أنزيمات مُتخصّصة بتصحيح الأخطاء
ولقد وجد العلماء أنّ معدّل الخطأ في نقل المعلومات عند نسخ الأشرطة الوراثيّة في خلايا الإنسان قد يصل إلى خطأ واحد في كل ألف حرف وإذا ما تمّ حساب عدد الأخطاء الكلّيّة المحتملة في كامل الشّريط فإنّ الرّقم يبلغ ثلاثة ملايين حرف. ولكنّ الأمر لا يتوقّف عند هذا الحدّ فعمليّة تصنيع الإنسان ابتداء من خليّة واحدة تتطلّب تكرار عمليّة النّسخ هذه عند كلّ انقسام لكلّ خليّة من خلاياه والتي يصل عددها في الإنسان الكامل إلى ما يقرب من مائة ألف مليار خلية (مائة ترليون)..
وعلى هذا فإنّ مجموع الأخطاء في الأشرطة الموجودة في خلايا جسم الإنسان سيبلغ عند اكتمال تصنيعه مائة وخمسين مليون خطأ أيّ ما نسبته خمسة بالمائة من مجموع عدد أحرف الشّريط الوراثيّ للإنسان وهذه النّسبة العالية من الأخطاء كفيلة بفشل عملية تصنيع جسم الإنسان بالكامل. ولكنْ إحدى معجزات الإتقان التّام في صنع الإنسان والحياة عموماً أنّ نظام تكاثر الجُزيئات مزوّد بنظام يعمل على تصحيح الأخطاء النّاتجة أثناء عمليّة النّسخ فبعد أن يتمّ إنتاج نسخة جديدة من الشّريط الوراثيّ تقوم مجموعة من الأنزيمات بالبحث عن الأخطاء الموجودة على الشّريط الجديد ومن ثمّ تقوم بتصحيحها.
إنّ وجود نظام لتصحيح الأخطاء في عمليّة نسخ الأشرطة الوراثيّة تدحض دحضاً كاملاً أن تكون الصّدفة تقف وراء عمليّة خلق الحياة على الأرض كما يدّعي أنصار نظريّة التّطوّر.
كما أنّ اكتشاف جُزِيء الدّنا DNA وخصائصه أثبت أنّه لا توجد خليّة بدائيّة وخليّة متطوّرة (وهذا الافتراض هو الرّكن الأساسيّ في نظريّة تطوّر الأنواع) وأنّ الفارق الرّئيسيّ بين الخلايا الحيّة هو فارق في عمليّة البَرمجة يتجسّد في جُزَيْئات الأحماض النّووية بالخليّة ومنها الحمض النّووي الدّناDNA.
إنّ الله تعالى هو }فاطر السّماوات والأرض{ الذي }إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كُنْ فيكون{ وهو الّذي }أحسن كلَّ شيء خلقَه{ هل الذي أبدع كلّ تلك الأنظمة التي لا تشوبها شائبة، ووضع كلّ التّفاصيل تماماً في مكانها الصّحيح، وتكفّل بأنْ تعمل كلّها معاً في توافق تامٍّ كما تعمل كافّة أجزاء الكَوْن الأخرى ابتداءً بالمجرّات والأفلاك والعوالم اللامحدودة وانتهاءً بأصغر الكائنات المجهريّة وملايين المخلوقات والأنواع.

الشريط الوراثي تم لفه بطريقة بالغة الذكاء بحيث يمكن قراءته بسهولة من الأنزيمات المكلفة باستنساخ كافة معلوماته
الشريط الوراثي تم لفه بطريقة بالغة الذكاء بحيث يمكن قراءته بسهولة من الأنزيمات المكلفة باستنساخ كافة معلوماته

مصادر أساسية
الشّيفرة الوراثيّة سرّ الحياة الأعظم- الدّكتور منصور أبوشَريعة العبادي جامعة العلوم والتّكنولوجيا الأردنية جامعة الأميرة سُمَيّة للتّكنولوجيا
هارون يحي – الخليّة أرض العجائب
هارون يحي – هذا الجُزيء المعجزة : الحمض النّووي (دي. إن إي)
لغز الحياة في الـ دي إن إي. الدكتور نظمي خليل أبو العطا موس

جزيء الـ DNA
أكبر بنك معلومات في العالم

يُعْتَبَرُ جُزَيء الحمض النّووي أكبر بنك معلومات في العالم، ويحتوي على بيانات ملفوفة حول ما يقارب الـ 25 مليون ربطة.
الآن، لنفكّر في جميع الخُطوات التي علينا اتّخاذها لإيجاد كتاب معيّن عندما ندخل مكتبة ضخمة تحتوي على عشرات الآلاف من المؤلّفات وعلى قاعدة بيانات تحتوي على كافّة المعلومات المتعلّقة بالكتب، ورفوف منظّمة، وملصقات، والأهمّ من ذلك عدد من العاملين الجاهزين لمساعدتك في البحث.
لننتقل الآن لمقارنة ذلك مع ما يجري في كل وقت في أي خليّة من ترليونات الخلايا التي تكوّن جسدنا، وحيث تقوم أنزيمات الخلايا بالعثور على معلومات محدّدة في بنك المعلومات الوراثيّة، وهذه الأنزيمات المسمّاة أنزيمات RNA تقوم بالبحث وتجد ضالّتها في الظُّلمة الشّديدة، وهي تذهب للمكان الصّحيح من بين 25 مليون ربطة تؤلّف بنية نظام المورّثات الجينيّة، وتعثر على المعلومات المطلوبة وتأخذ نسخة منها لنفسها، وتحدث هذه العملية 2000 مرّة في الثانية الواحدة في الـ 100 تريليون خليّة الموجودة في أجسامنا. إنّه لأمر مدهش جدًا كيف أن إنزيمًا غير عاقل يستطيع إيجاد سطور قليلة من المعلومات في جُزيء الحمض النّووي الذي يحتوي على ثلاثة مليارات رسالة، وكأنه وضعها في أماكنها بنفسه؟

عين عطا

  بلدة عيــــن عطا انتقلــت من موقعــها السّابق إلى تلال حصينة بعد صِدام مع الجند العثماني

عَيْن عَطا

البلـــدة التــي غيّــــرت مَكانَهــــا
ولــــم تُغَيِّــــــــر عُنفُوانَــــــــــــــها

ثروةُ ينابيع واقتصاد زراعيّ أضعفه النّزوح
وثروةُ آثار أضاعها الإهمال وجَشَع اللّصوص
حمايةُ الأحراش وحَملات التّشجير زوّدت عيْن عطا
بأكبر غطاء أخضر وصنّفتها بين القُرى الأنقى بيئيّاً

لقرية عين عطا الوادعة في منطقة راشيّا تاريخ حافل بأحداث وتحدّيات وإسهامات في مواقع وأكثر من جهاد في الدّفاع عن الكرامة والأرض والعِرض، وبسبب الكرامة والذّود عن الشّرف اصطدم أهلها بالجند العثمانيّ، حيث قاتلوهم واضطرّوا بعدها لتبديل موقع القرية إلى تلال حصينة في مرتفعاتها هرباً من انتقام الجند ومظالمهم. وأبرز سمات عين عطا، عدا التّعايش المسيحيّ الدّرزيّ الطّويل، هو احتضانها لمقام أحد أبرز أولياء الموحّدين، المرحوم الشّيخ الفاضل والذي يُعْتَبر من أهمّ المزارات الرّوحية للموحّدين الدّروز في لبنان وفي المنطقة. فماذا نعرف عن هذه القرية وعن تاريخها وعن واقعها الرّاهن؟

الموقع
تقع عين عطا عند سفوح جبل الشّيخ وعلى ارتفاع يتراوح ما بين 1350 و 1500 متر عن سطح البحر في الطرف الجنوبي لقضاء راشيا وهي تتبع ادارياً لقضاء راشيّا، محافظة البقاع.
وبسبب موقعها الجغرافيّ الوسيط تشكل عين عطا صلة الوصل الطّبيعية بين البقاع والجنوب وتحيط بها وتجاورها عدّة قرى منها قرى الكفير والخلوات من الجهة الجنوبيّة الغربيّة وبلدة شبعا من الجنوب ومن الغرب قرية مرج الزّهور ومن الجهة الشّماليّة قرية عين حرشا وقرية تنّورة ومن الشّمال الشّرقي بلدة راشيّا ويُعتبر جبل الشّيخ الحاجز الطّبيعي الذي يفصل بلدة عين عطا عن القرى والبلدات السّورية من الجهة الشّرقيّة وعلى وجه التّحديد قرى عرنة والرّيمة السّوريّتين. وتبعد البلدة عن زحلة مركز محافظة البقاع نحو 50 كلم وعن العاصمة بيروت 103 كلم

عين عطا في التّاريخ
يذكر الأستاذ نعمان السّاحلي مدير ثانوية الكفير ومنسّق مادّة التّاريخ فيها أنّ تاريخ عين عطا يعود الى عهد سولوقس أحد خلفاء الإسكندر حيث الآثار والنّقوش الحجريّة والكتابة الرّومانيّة تدلّ على تلك الحِقبة، فالموقع الجغرافيّ لبلدة عين عطا وامتداد جبالها ووديانها يقيمان ارتباطاً عميقاً بين لبنان وسوريا وفلسطين، وكان للبلدة أهمّيّة خاصّة بسبب وقوعها على خطّ القوافل التّجاريّة التي كانت تنتقل في رحلاتها الصّيفيّة من دمشق عبر بلدة دير العشاير وصولاً إلى منطقة جبل الخان أو ما يعرف ببير الخان، الذي كان يعتبر مكاناً لاستراحة القوافل قبل أن تتابع سيرها نحو فلسطين وصولاً إلى عريش مصر. ومن أبرز المعالم في عين عطا نصب إله الشمس “هيليوس” والذي يعود إلى الحقبة الرّومانية إضافة إلى العديد من الآثار المجاورة له .
ويشير الأستاذ السّاحلي إلى أنّ البلدة كانت قديما ً تقع على طريق يعرف بطريق السّلطانة الذي يربط وادي التّيم من طرفيه راشيّا وحاصبيّا وهي النّقطة الوسطيّة في وادي التّيم أو ما كان يُطلق عليه شجرة الغربي التي اجتمع تحتها أعيان ووجهاء الوادي تأييداً ودعماً لدروز سوريا في حربهم ضد إبراهيم باشا، وتم الاتفاق على جمع الذّخيرة والمؤنة وإرسالها إلى أبناء جبل الدروز حيث قام بنقلها الشيخ إسماعيل شقير من بلدة عيحا .
أمّا سبب انتقال البلدة إلى الموقع الحاليّ فيعود إلى واقعة تاريخيّة إبّان العهد العثمانيّ إذ قام بعض الجنود العثمانيّين أكثر من مرة بالتّحرّش ببعض نسوة البلدة، وفي يوم دخل جنديّان إلى أحد المنازل عنوة فما كان من أصحاب المنزل إلّا مبادرة احد الجنود بضربة من سكة الحراثة قضت عليه. على أثر ذلك تعرّضت البلدة إلى المضايقات والتّنكيل وتهديم المنازل، الأمر الذي أجبر أصحابها على تركها والانتقال إلى التلّة المرتفعة والتَّحَصُّن بها حيث كان يصعب الوصول إليها لكثافة الأشجار وصعوبة المسالك الجبليّة.
ولا بد هنا من الإشارة إلى وقوف أبناء البلدة إلى جانب شبلي آغا العريان الأوّل في حربه ضد إبراهيم باشا في معركة جنعم الواقعة بين عين عطا وشبعا، ومن بعدها أعلن القائد المصري شبعا منطقة مفتوحة وقام أعيان شبعا بالمحافظة على العائلات الدّرزية التي انتقلت فيما بعد إلى قرى حاصبيّا وتعمّقت العلاقات بين البلدتين وأهليهما.

في ظلّ الانتداب الفرنسي
كان لحكمة وجهاء البلدة وأعيانها من دروز ومسيحيّين الدّور الرّياديّ في تجنيب البلدة الحريق والدّمار والتّهجير الذي تعرضت له العديد من قرى وبلدات راشيّا من قبل جيش الانتداب الفرنسيّ، إلّا أنّ اتفاقاً أُبرم بين الكولونيل climent وأعيان البلدة قضى بإخراج الثّوار من البلدة مقابل تجنيبها القصف وهذا ما حصل إلّا أنّ الثوّار إنتقلوا إلى بلدة راشيّا وكان لهم الكلمة الفصل إذ اقتحموا قلعتها الحصينة وسيطروا على مخزن الأسلحة ثمّ قاموا بتوزيعها على الثّوار المهاجمين حيث سقط للثوّار المهاجمين عدد من الشّهداء نقشت أسماؤهم على اللوحة التذكارية داخل قلعة راشيّا .

السكّان والعائلات
يبلغ عدد سكّان البلدة المسجّلين 3225 نسمة لكنّ المقيمين منهم لا يزيد عددهم على 1650 نسمة بسبب انتقال قسم من سكّان البلدة إلى خارجها سواء بفعل العمل في المهاجر أو في العاصمة وغيرها من المدن وهذه في الواقع حال الكثير من القرى الجنوبية ومعظم قرى لبنان.
سكان البلدة المقيمون والمغتربون هم من الدروز والمسيحيين ويتوزّعون على العائلات التّالية:

دروز: القاضي، الحاج، الساحلي، جابر، حمدان، خضر، خير، ريدان، شديد، فرج، ميرهم، عبد الحق، غازي، غزالي، وهبة، يونس.
مسيحيّون: الحدّاد، الزّين، ثابت، خوري، موّال.

وفرة مياه
تتميّز هذه القرية بوفرة مواردها المائيّة العذبة التي تتمثّل بعدد من الينابيع الدّائمة ولعلّ أبرز هذه الينابيع نبع عين اللّوز الذي تُعتبر مياهُه من المياه الأعذب والأنقى في لبنان حيث ينبع من جبل الشّيخ على ارتفاع يزيد عن 2400 متر عن سطح البحر وتمّ جرّ مياهه في منتصف ستينيّات القرن الماضي حيث كان للمعلّم كمال جنبلاط دور أساسيّ في جرّ مياه النّبع إلى البلدة وتوزيعها على منازلها كافّة وهناك ينابيع أخرى منها عين الضّيعة وعين الغرقة وعين جبّ ملكة وعين الكروم وكل هذه الينابيع العذبة تنبع في محيط القرية.

الاغتراب
لعب الاغتراب دوراً مهمّاً في تحريك العجلة الاقتصاديّة في البلدة لاسيّما من خلال الأموال التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم أو من خلال بعض الاستثمارات الصّغيرة في بعض المشاريع التي تساهم في تفعيل اقتصاد البلدة أو في خلق بعض فرص العمل وعلينا ألّا ننسى تقديمات المغتربين إلى أبناء البلدة خلال فترة الحرب الأهليّة وإبّان الاحتلال الإسرائيلي وفي طليعتهم محمّد حسن خضر الذي ساهم في تشييد مدرسة لطلّاب البلدة وملعب لكرة القدم وبناء مستوصف إضافة إلى العديد من التّقديمات الاجتماعيّة ودعم الطلّاب المتفوّقين كذلك المغترب سليمان علي ريدان الذي كان له اليد البيضاء في تشييد قاعة عامّة للبلدة ومدّ شبكة الكهرباء وغيرها من المشاريع وهناك أيضاً مساهمة أبناء الخوري حبيب الحداد في إقامة مكتبة عامّة للبلدة .

النّزوح
تُعتبر ظاهرة النّزوح الموسميّ من عين عطا إلى ضواحي العاصمة بيروت وعلى وجه التّحديد منطقة الشّويفات ودير قوبل ملفتة حيث أنّه في تلك المنطقة أصبح ما يزيد على مئة أسرة تمتلك شققاً بالإضافة إلى شقق ومنازل في عاليه وبيروت وضهر الأحمر. والسّبب الأساسيّ للنّزوح هو البحث عن فرص العمل أمّا الثاني والمهمّ فهو موضوع تعليم أبناء الأسر في جامعات لأن اقرب الجامعات الى القرية تقع في زحلة ولا يستطيع الطلّاب الانتقال إليها بشكل يوميّ نظراً لغياب وسائل النّقل وإن وجدت فهي تكبّد الطلّاب مشقّة الطريق وهدر الوقت نظراً لبعد المسافة .

حراك اجتماعي
ينشط في عين عطا عدد من الجمعيّات الشبابيّة والمنظّمات الكشفيّة ونادٍ رياضيّ لعب دوراً مهمّاً خلال العقود الماضية في جمع المجتمع المحلّي تحت راية الرّياضة إضافة إلى عدد من الجمعيّات التي تُعنى بالشّأن المحلّي مثل جمعيّة الرّعاية الصحيّة والاجتماعيّة وتعاونيّة عين اللّوز لتصنيع المنتجات الزراعيّة المحليّة التي تقوم بمساعدة المزارعين على تصنيع منتجاتهم وحمايتها من الكساد والتّلف وهذه المنتجات يتمّ تسويقها في القرى والبلدات المجاورة ومن خلال المشاركة في المعارض على مساحة الوطن وتمتاز عن سواها من التعاونيّات الزّراعية بكون منتجاتها خالية من الموادّ الحافظة والمنتجات بعليّة لا تدخلها الأسمدة كذلك ساهمت في خلق العديد من فرص العمل لفتيات ونساء القرية.

إقتصاد القرية
لازالت عين عطا تعتمد بشكل جزئي على النّشاطات الزراعيّة وفي طليعتها زراعة الزّيتون والكرمة وزراعة الصّنوبر إضافة إلى زراعة القمح وتربية النّحل. وقد ازدهرت مؤخّرا مهنة إعداد الخبز المرقوق (خبز الصّاج) والتي تحقّق دخلاً إضافيّاً للعديد من ربّات المنازل، وهناك الآن سبعة أفران تؤمّن احتياجات أبناء البلدة وما يزيد يتمّ تسويقه في القرى والبلدات المجاورة
ويشكل انتاج الصّنَوبر بصورة خاصّة مردوداً جيّداً ولاسيّما في الآونة الأخيرة بعد ارتفاع اسعاره وأصبحت بلدة عين عطا الآن محاطة بمساحات من الصّنوبر المعمر إضافة إلى قيام ابناء القرية بتشجير مساحات واسعة من السّفوح المحيطة بالبلدة بشجيرات الصّنوبر. واستقدمت التعاونيّة الزراعيّة كسارة خاصة بفصل حب الصنوبر بسبب وفرة الإنتاج.

مقام الشيخ الفاضل
مقام الشيخ الفاضل

التّعليم
تم افتتاح مدرسة في البلدة في مطلع السّتينيّات من القرن الماضي وتمّ تطويرها وتدعيمها لاسيّما خلال الحرب الأهليّة حتى وصل عدد الطلّاب إلى أكثر من ثلاثمائة طالب قبل أن تنهار في العقد الأخير وتقفل أبوابها ليتمّ توزيع الأساتذة على المدارس المجاورة، أمّا السّبب في ذلك فيعود من جهة إلى تأثير النّزوح على انخفاض عدد الطلّاب دون الحدّ الأدنى اللّازم، وكذلك تفضيل عدد متزايد من الأهالي تعليم أولادهم في المدارس الخاصّة، علماً أنّ هناك ما يزيد على عشرين حافلة مدرسيّة تخرج من البلدة في صباح كلّ يوم.
ويتمّ تعليم المرحلة الثّانوية في ثانويّة الكفير الرّسمية وفي ثانويّة راشيّا الرّسمية القريبتين من البلدة. أمّا مرحلة التّعليم الجامعيّ فلا تخلو من الصّعوبة لغياب الاختصاصات عن الجامعة اللّبنانيّة في راشيّا والّتي تنحصر في اختصاص إدارة الأعمال، ممّا يدفع الطلّاب للانتقال إلى مدينة زحلة أو إلى العاصمة بيروت .

مقام الشّيخ الفاضل
يقع في عين عطا المقام المهيب للشّيخ محمّد أبي هلال المعروف بالشّيخ الفاضل وهو أحد أهم الأولياء الدّروز ومن أبرز العلماء الزّاهدين. وحسب بحث للأستاذ منير سعيد مهنّا من راشيا الوادي فإن الشّيخ عاصر الأمير فخر الدين المعني الثّاني في القرن السّابع عشر، ويُعتقد أنّه ولد في سنة 989 للهجرة (1577م).امّا مكان ولادته فإحدى حارات قرية كوكبا في منطقة راشيا الوادي تدعى الشعيري. وقد نشأ يتيم الأب، وارثاً عن أهله بعض الماشية التي كانت مصدر معيشة له ولوالدته.
ويذكر مهنا أنّه “ولمّا لم يكن في قريته أستاذ يعلّمه أصول الكتابة فقد اصطنع لنفسه لوحاً كان يحمله في تجواله مع قطيعه سائلا من يلتقيهم من أهل العلم والمعرفة أن يدوّنوا له الحروف ويعلّموه شيئاً من الكتابة، فأتقن الخط وتعلم القراءة ببداهة لافتة تدلّ إلى فطنة وشغف بالعلم مذ كان طفلاً”.
بعد مدة أمضاها الشّيخ الفاضل في قريته كوكبا، كان قراره الذّهاب إلى دمشق لتحصيل العلوم الدّينية، كما فعل من قبله الأمير السيّد عبدالله التّنوخي، والذي كان يعتبره الشّيخ مرجعاً في شرح أمور عقيدة التّوحيد ومسلكها
تنقّل الشّيخ الفاضل بين قرى عدّة منها شويّا في منطقة حاصبيّا (وما زال فيها كهف معروف باسمه) حتى وافته المنيّة في بلدة شبعا، ونقل جثمانه بعد ذلك إلى عين عطا، حيث دفن في مقام يزوره الموحّدون الدّروز حتى اليوم. ومن وصاياه عندما دنا أجله قوله: “مطلوبي أن لا تدفنوني إلاّ في حقل يُحرث حتى لا يُعرف لي قبر أبداً، ولا تنعوني إلى أحد، وبلّغوا عن لساني ألا يرثيني أحد ببيت شعر”
يُعتبر مقام الشّيخ الفاضل من أبرز المقامات الرّوحية لطائفة الموحّدين الدّروز وهو يزار يوميّاً ويحظى بإجلال خاص لدى المؤمنين.

ثروة آثار
يقول الأستاذ نعمان السّاحلي إنّ الكثير من آثار عين عطا تعود إلى الحقبة الرّومانية وهي موزّعة في أمكنة مختلفة من البلدة، إلّا أنّ إهمال الاهتمام بها من قبل الدولة أدى الى إندثارها، وما بقي منها فلأنه صعب على العابثين سرقته. كما أنّ حصول الكثير من أعمال الحفر والتنقيب في المنطقة غير معالمها فتعرضت للتشويه منطقة جبل الخان حيث إله الشمس “هيليوس” وفي أعلى البلدة “خلة الجرن” شرق البلدة توجد صخرة منقوش عليها صورة لملكة والحراس من حولها وهذا يعود إلى الحضارة الهلنستية ويشكل دليلاً على أهميّة هذه المنطقة خلال تلك الحقبة ، أمّا الآثار الموجودة في مقام الشيخ الفاضل فتضمّ منحوتة لنِسرٍ مجنّح إضافة إلى بعض الآثار المجاورة وبعض المسلّات والأحجار التي يوجد عليها أيضاً بعض الكتابات اليونانيّة .

منظر عام للبلدة
منظر عام للبلدة

مجموعة الشيخ أسعد خير
تاريخ عين عطا العريق، يوجد الآن نماذج كثيرة منه في مجموعة المقتنيات القديمة للشّيخ أسعد خير الرّجل السبعيني الذي سعى لحفظ معطيات الزّمن السّابق (زمن البركة) بمصنوعاته الخشبيّة التي ترجم من خلالها شغفه بفن الحفر على الحجر والخشب على حدّ ٍ سواء. وممّا أنجزه إعادة تصنيع وحفر جميع مقتنيات الأسرة الرّيفية في القرن الماضي مثل:
• المَوْرَج: وهو عبارة قطعتين من خشب الصّنوبر بعرض المتر تقريبا ً تُجمع مع بعضها البعض لتصبح مسطّحاً خشبيّاً تُحْفَر في أسفله ثقوب تُزرع بالحصى الخشن ومعظمها صوّانيّة سوداء اللّون، وهذه الحجارة تمرّ على سنابل القمح المجمّعة في البيدر فتدرسها أي تفصل حبّات القمح التي تحملها عن السّاق الجافّ والذي بدوره يتكسّر تحت المَوْرج ليصبح “تبناً” يتمّ خزنه لاستخدامه كعلف للماشية. وكان المورج يُجَر عادة بثور أو أكثر وفي حالات أخرى استُخدمت البغال لجرّه على البيدر.
• النَّير: عبارة عن قطعة خشبيّة لها فتحتان وتوضع على رقبتي حيوانَيْ جرّ بهدف جمعهما إلى بعضهما بحيث يعملان سويّاً عند حراثة الأرض أو جرّ المَوْرج أو غير ذلك من مهمّات الجَر.
• العُود: يتألّف من عدّة قطع خشبيّة ويثبّت في طَرَفه “سكّة” من الحديد ويتمّ ربط طَرفه الآخر بالنّير أيضاً وهو مزوّد بـ “كابوسة” وهي القبضة التي يمسك بها الفلّاح لتوجيه السكّة أثناء الفلاحة.
• الزّحف (الرّحْت): قطعة خشبيّة تُستخدم لإزالة الثّلوج من أسطح المنازل التّرابيّة ويتمّ التّنظيف بعد الزّحف بواسطة المقحاط .
• الماعوس: وهو عبارة عن قضيب من حديد قطر 14مم على شكل حرف u مفتوح عند رأسيه يدخل في ثقبي المحدلة الجانبيين ليساعد على جرّ ها.
• المحدلة: وهي عبارة عن قطعة أسطوانيّة من الحجر تستخدم بعد المطر أو جرف الثلج عن سطح المنزل لرصّ ترابه بهدف منع المياه من التسرّب إلى سقف المنزل ومنه إلى أرضه.
إضافة إلى الأواني التي كانت تستخدم في المنازل القديمة وهي جرن القهوة والمهباج ويتبع بالمبرّدة الخشبية التي يتمّ وضع القهوة بها بعد تحميصها لتبرد، الجاروشة وهي عبارة عن قطعتين من الحجر يعمد بواسطتها إلى جَرش البُرغل .
ومن مستلزمات المنازل القديمة مجموعة من وسائل الإنارة تُعرف بالقِنديل و الشّمعدان والفَنار والنّواصة والسّراج .
والهدف من إحياء هذه المقتنيات هو تخليدها في ذاكرة الأجيال الصّاعدة التي لا تعرف عنها شيئاً ولحمايتها من الاندثار
ويتابع الشيخ أسعد خير حديثه: “إنّ الزّمن الجميل الماضي كان زمن مباهج حقيقية وليست مزيفة وقد كان النّاس يومها يفرحون أو يحزنون لفرح أو لحزن بعضهم البعض هو زمن كانت الناس تاكل من معاجن بعضها البعض، فالتّعاون كان السّمة الاساسيّة لعين عطا ولأيّ قرية وكان تقليد “العَوْنَة “ يمثّل المساعدة الجماعيّة التي يُسديها الجيران لبعضهم في الأعمال التي تحتاج إلى أيد ٍ كثيرة والفكرة انطلقت من مفهوم حسن الجوار ومن العصبيّة التي جمعت أبناء العائلة أو الحي أو القرية وفرضتها طبيعة المجتمع بحكم عُزلته الجبليّة القاسية. وهذه العَوْنة كانت تتجسّد في مختلف مظاهر الحياة كسَلق البُرغل ونقله إلى السّطح، وهو المكان الذي يتم تنشيفه عليه، أو في قطاف الكروم أو في قطع العجين وترويجه قبل الخَبْز، أو في حدل الأسطح الترابيّة أو في سقف المنازل المبنيّة حديثاً.. أمّا اليوم قد ذوّبت التّقنيات الحديثة والقيم الفرديّة الدّخيلة التي غزت مجتمعاتنا هذه الألفة، وجعلتها من الذّاكرة حتى أفراد الأسرة الواحدة هم بعيدون عن بعضهم وإن وجدوا في غرفة واحدة!

الأستــاذ نعمــان الساحلي
الأستــاذ نعمــان الساحلي

العمل البلدي
لبلدية عين عطا تجربة نوعيّة في الخروج عن التّقليد في العمل البلدي والاهتمام بالجانب العمراني إلى جانب آخر يعني الإنسان بشكل مباشر حيث اعتبر رئيس البلدية طليع خضر في حديث إلى “الضّحى”إنّ واجب المجلس البلدي متابعة هموم المواطن وحماية البيئة إضافة إلى تأمين الخدمات الأساسية للمواطن.
وأضاف السيّد خضر: إنّ البلدية قامت بدورها على صعيد حماية الثّروة الحرجية الموجودة في محيط البلدة وزيادة المساحات الخضراء حتى باتت عين عطا من البلدات القليلة في راشيّا التي تتمتّع بغطاء أخضر متنوّع النّباتات، وهو ما ساهم في تصنيفها بين البلدات الأنقى بيئيّاً على مستوى الشّرق الأوسط من قبل إحدى البعثات الأجنبيّة التي زارت البلدة.
وشرح رئيس البلديّة أبرز إنجازات وخطط البلديّة على النّحو التّالي:
• أحيت البلديّة العمل بمستوصف البلدة بما في ذلك عيادة طب الأسنان التي تساهم في معالجة أبناء القرية بأسعار مدروسة. وهناك عمل على تجهيز سيارة إسعاف.
• أطلقت البلدية تجربة رائدة هي مدرسة محو الأمية التي تهدف الى مساعدة من يرغب من كبار السن في تحصيل القراءة والكتابة وهذه التجربة الناجحة أدخلت المجتمع داخل البلدة في شباب متجدد .
• تمت الاستفادة من وسائل التّواصل الاجتماعي لإقامة مجموعة لأبناء البلدة في المغترب أو داخل لبنان حيث أصبح بإمكانهم التّواصل الدّائم ومعرفة كل ما يجري داخل البلدة من أتراح وأفراح أو أي حدث في وقت حصوله.
• تسعى البلدية إلى إقامة قاعة عامة للمناسبات في البلدة وضعت الخرائط لها على أن يجري العمل بها في وقت قريب لتكون قاعة مميزة تليق بالبلدة وبضيوفها .
• كما يتمّ التّحضير لإقامة حديقة عامّة في وسط البلدة تكون متنفّساً ومَعْلماً بيئيّاً. وكذلك توسيع مدخل البلدة الجنوبي الشّرقي.
• قامت البلدية بمتابعة وضع اللّاجئين السّوريين داخل البلدة من خلال عمليّة الإحصاء والمتابعة المستمرّة لضبط وجودهم داخل البلدة .
• ومن مشاريع البلديّة توسيع طرقات البلدة الدّاخليّة وتعبيدها لتصل إلى كافة المنازل والعمل على تطوير شبكة الكهرباء وشبكة مياه الشّفة وإنشاء برك لتجميع مياه الأمطار في

منزل قديم 1 (1)
منزل قديم 1

أعلى البلدة يستفيد منها المزارعون وأصحاب المواشي .

حكاية نخوة غير معهودة

من العادات والتّقاليد التي مازالت تتوارثها الأجيال حتى يومنا هذا النّخوة التي تتمثل في مؤازرة الناس بعضهم لبعض في الأفراح والأحزان وتقاليد الكرم وتكريم الضيف.
ويروي أبناء البلدة كمثال على ذلك قصّة الشّيخ أبو توفيق حسين القاضي الذي كان يعتني بكرمه الواقع على طرف القرية، عندما صادف مرور مجموعة من مشايخ الجليل بقربه فبادر إلى التّرحيب بهم ودعاهم إلى تناول العنب من كرمه وسارع إلى قطف مجموعة من عناقيد العنب وناداهم أن “تفضلوا جابرونا”.
إلا أنّ المشايخ بادروه برمي الحرام عليه ألّا يقطف أيّاً من العناقيد ظنّاً منهم أنّه ناطور وأنّه يقدم الضيافة من كروم الآخرين وتابع المشايخ سيرهم. لكنّ الشّيخ القاضي انزعج ممّا حصل وأراد أن يثبت للمشايخ حسن النّيَّة وأن الرّزق حلال فلم يجد طريقة أفضل من اقتلاع الدّالية من أرضه واللّحاق بالمشايخ على الدّرب الذي سلكوه وفور وصوله إليهم طلب منهم أن يقطفوا بيدهم من الدّالية لإبعاد الحرام الذي رموه عليه، وكان لهذا التّصرّف وقعه على المشايخ الذين بادروا إلى المشاركة وقطف العنب من الدّالية وهم مندهشون من نخوته وحرصه على توضيح موقفه حتى لا يبقى هناك التباس في ذهن أحد عن استقامته.

علّم بالقلم

علّم بالقلم

مركز الدّراسات في مشيخة العقل

تطوَّرت معاني المفاهيم التّوحيديَّة في معراجها الأخير عبر مرحلةٍ زمنيَّةٍ ممتدَّةٍ من صدر الإسلام إلى بدايات القرن الخامس للهجرة. كلمةُ الوحي الأولى كانت: اِقرأ. والإشارةُ الأولى كانت إلى العِلمِ والتعلُّم: ﴿إقرأ وربُّكَ الأكرم* الّذي علَّمَ بالقلم* علَّم الإنسانَ ما لم يعلَم﴾. فالقلمُ سببُ عِلمِ الإنسانِ بما لم يعلم. الإرادةُ تسطُرُ بالقلَم المعاني التي يُدركُها الذِّهنُ الَّذي هوَ الفَهمُ والعقلُ. فإذا شاهدنا الشجرةَ وعَلِمنا بوجودِها فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامة البصر لتصحّ لنا رؤيتها، لكنَّنا إذا ما أردنا إدراكَ الفضيلةَ في الفاضل فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامةِ البصيرة. فمن حيث كانتِ الفضيلةُ معنًى في الذِّهن والقلب، احتاج المرءُ في ذاته لإدراكها إلى ما يُشبهُها. إنَّ ما يُساعدُهُ في تحقيق ذلك هو المعاني المسطورة وأجلّها ما احتواه الكتابُ المسطور، كما سمّاهُ تعالى وأقسمَ به ﴿والطور* وكتابٍ مسطور﴾ الّذي كان بمثابةِ الرسالة التي سُمِّيت أيضًا فُرقانًا ﴿تباركَ الَّذي نزَّلَ الفُرقانَ علَى عبدِه ليكونَ للعالمينَ نذيرا﴾، والفُرقان هو البُرهانُ والحُجَّة، وهو كلُّ ما فُرِقَ به بين الحقّ والباطل. بمعنى آخر، فإنّ استبصار دلالة الحجّة يثمر التمييز بين ما هو حق وما هو ضياع، ولا حاجة إلى مزيد من الشّرح للقول بأنَّ ما هو أولى للإنسان، ولمعنى وجوده وغايته، ومن ثمَّ لخِياره في مسالك الحياة، هو الحقّ. ولا يرضى بمتاهة الضّياع إلا الحائر، والحيرةُ عينُ الظّلام.
لقد كان من أثر تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة أن ارتقت البيئةُ العربيَّة آنذاك من محنة الجاهليَّة وعصبيّاتها الغرائزيَّة، إلى طريق الهدى والفلاح، بحيث حلَّ مفهومُ “الأمَّة المؤمنة” محلّ واقع تشتّت القبائل ونزاعاتها وحروبها. ثمَّ كان من شأن استبصار النصّ هذا “ولَّد الحياةَ الإسلاميَّة كلَّها” كما قال أحدُ العلماء شارحًا: “فمن النظر في قوانين القرآن العمليَّة نشأ الفقه. ومن النظر فيه ككتاب يضعُ الميتافيزيقا نشأ الكلام. ومن النظر فيه ككتابٍ أخرويّ نشأ الزّهدُ والتصوّف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتابٍ للحُكم نشأ علمُ السياسة. ومن النظر فيه كلغةٍ إلهيَّة نشأت علومُ اللغة… وتطوّرُ العلومِ الإسلاميّةِ جميعها إنّما ينبغي أن يُبحثَ في هذا النطاق: في النطاق القرآنيّ نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطوّرت، وواجهت علومَ الأمم تؤيِّدُها أو تنكرُها في ضوئه” (النشّار، ج1، ص 227). ما يهمّ هنا تحديدًا، هو محاولة تلمُّس بواكير المنحى الزّهديّ من حيث هو البدايات المسلكيَّة التي توخَّت النفاذ إلى قلب المعنى في النَّصّ، وامتثاله، واتِّحاد النَّفس بآثاره العقليَّة وصولا إلى الغاية من التَّوحيد.

النَّظـــرة إلى التصـوُّف
تضاربت آراءُ علماءِ المُسلمين قديمًا وحديثًا في النّظرة إلى التصوُّف. منهُم من لم يستسغ عندهُم ما رأوه غلوًّا وشطحًا ونزوعًا وجدانيًّا جارفًا نحو تجاوز الأداء الشكلي لفروض العبادات. ومنهُم من اعتبرهُ السبيلَ الأرقى والأصدق لتحقيق الغاية منَ العبادةِ، ومعرفةِ الله على الحقيقةِ، والاتّحاد بإرادته سبحانه وتعالى. ولكن، لا يمكنُ في هذا السِّياق الاستهانة بشهادةِ أبي حامد الغزالي الملقَّب بحُجَّة الإسلام، والتي صاغها إثر اختبارٍ معرفيٍّ و رُوحيّ ٍمُزلزِل روى تفاصيله في كتابه “المنقذ من الضلال”. قال:”كان التعطّشُ إلى دركِ حقائق الأمور دأبي وديدني من أوّل أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وُضعتا في جِبِلّتي… حتى انحلَّت عني رابطةُ التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصّبا” يتابعُ الغزالي سردَ رحلته المعرفيَّة في البحث لفهم عقائد الفِرَق، واستكشاف أسرار المذاهب، وسبر أغوار الفلسفة إلى أن أقبلَ بهمَّته على طريق الصوفية، وعلم “أن طريقتهم إنما تتم بعلمٍ وعمل؛ وكان حاصلُ علومهم قطعَ عقبات النفس، والتنـزُّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بـها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.” تيقَّن الغزاليُّ أن العُبَّادَ المتصوِّفة هُم أربابُ أحوال، لا أصحاب أقوال، فتخلَّى عن رعاية الوزير الشهير نظام المُلك، واعتزل التدريس بعد أن ذاع صيته إمامًا، وانصرفَ إلى الشام متزهِّدًا مُتَّبعًا ما ذاقهُ القلبُ بالعِلم وصولاً إلى تذوّقه بالحال. استغرقهُ الأمرُ سنواتٍ ليتحقّق يقينًا كما شهد من “أنَّ الصوفية هم السالكون لطريقِ الله تعالى خاصة، وأن سيرتَهم أحْسن السير، وطريقَهم أصْوب الطرق، وأخلاقَهُم أزكى الأخلاق. بل لو جُمع عقلُ العُقلاء، وحكمةُ الحُكماء، وعِلمُ الواقفين على أسرارِ الشَّرع من العُلماء، ليغيِّروا شيئاً من سِيَرهِم وأخلاقهم، وَيبدِّلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميعَ حركاتـِهم وسكَناتِـهم، في ظاهرِهِم وباطنِهم، مُقتبَسَةٌ من نور مِشكاة النبوَّة؛ وليس وراء نور النبوَّة على وجه الأرض نور يستضاء به”.

بواكير المنحَى الرُّوحي
“أهْلُ الصُّفَّـة”
والباحثُ في التاريخ الإسلاميِّ عن تباشير هذا المنحى النُّسكيّ لفَهم الدَّعوة لا بُدَّ من وقوفه مليًّا عند الصَّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ (رَ) الّذي قيل فيه ما يكفي للدلالة على فرادةِ شخصيَّته بين الصّحابةِ الأوائل. فالرّسول (ص) قال فيه كما هو ذائع: سلمان منّا أهلَ البيت. والإمامُ عليّ (ع) قال عنه كما روى ابنُ عساكر: “أدركَ علمَ الأوّلينَ والآخِرين”. وقال أحدُ الَّذين كانوا معه من أهلِ الصُّفَّةِ وهو أبو هُريرة: “كانَ صاحبَ الكتابين” بمعنى التبحُّر في دراستهما. ورأتِ الإماميَّةُ فيه أنَّهُ إحدى وسائل روح الأمر المذكورة في القرآن بأنَّها هي نوع من الفيضِ الإلهيّ يحقِّقُ تدريجيًّا مقاصدَ الله الخفيَّة. (النشار، ج2، ص238) واعتبرهُ ماسينيون، أحدُ كبار المستشرقين المتعمّقين في دراسةِ التّصوّف الإسلاميّ وأكثرهم شغفًا، “أوَّل مُبشِّر بالنَّزعةِ الرّوحيَّةِ في الإسلام، كأنَّهُ الباب”.
من مدينة “جَيّ”ناحية أصبهان، كما يروي ابنُ هشام في “السِّيرة النبويَّة”، انطلق سلمانُ قَصَصًا في إثر الحقّ كأنّه في تلكَ الرِّحلةِ عاينَ الأبدال. وفي السّنةِ الأولى للهِجرة كان في رِقِّ قُرَيظِيّ في المدينة، فعرِفَ الرَّسولَ (ص) الّذي قال له: “كاتِب يا سلمان”، فَافْتَكَّ نفسَهُ وشهِدَ الخندقَ حُرًّا.
إنَّ من شأنِ الوقوف على أحوال سلمان في المدينةِ قبل فتح مكَّة أن يوفِّرَ الدلائل الأولى على ما سوف يتمّ اعتبارُه لاحقًا المنحى العِرفانيّ في “سلوك القرآن”. يعودُ بنا ذلك إلى يوم أمرَ النبيُّ فيه أن يُبنى مسجدٌ في المكان الَّذي َبرَكَت فيه ناقتُه، فعملَ فيه المهاجرون والأنصار وهُم يرتجزون: لا عيشَ إلاَّ عيش الآخِرة. ومع تدفُّق المهاجرين، أُعِدَّ في مؤخَّر المسجدِ النّبويّ مكانٌ مُظلَّل لنزول الغرباء فيه ممَّن لا مأوى له ولا أهل. سُمِّي ذلك المكان الصُّفَّة، وهي تعني في اللغة الظُّلّة والسقيفة، وسُمِّي النازلون بها “أهلُ الصّفّة” الَّذين عانوا كما تذكر المصادرُ “من الجوع وفقدِ المَلبس والمأوى، وكانوا أعِفَّة لا يسألون الناس”. ويتفِّقُ الكثيرُ من المفسِّرين أنَّ المقصودَ في الآية الكريمة ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 273) هُم أهل الصُّفَّة. يقولُ البيضاوي إنّهم “كانوا يستغرقونَ أوقاتهم بالتّعلُّم والعِبادة، وكانوا يخرجونَ في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول الله (ص)” ويرى القشيريُّ صاحب الرِّسالة المعروفة باسمه بوضوح سِيماهُم الصوفي فيقول: “أخذَ عليهم سلطانُ الحقيقةِ كلَّ طريق، فلا لهم في الشرقِ مَذهَب، ولا لهُم في الغربِ مِضرَب، كيفما نظروا رأوا سُرادِقات التوحيد مُحدِقة” وقال الطّوسيّ صاحبُ “اللُّمَع” عنهُم إنَّـهُم “لا يرجعون إلى نَدْع و لا إلى ضَرْع و لا إلى تجارة، وكان أكلُهُم في المسجد ونومُهم في المسجد، وكان رسولُ الله (ص) يؤانسُهم ويجلسُ معهم ويأكلُ وإيّاهم ويحثّ الناسَ على إكرامهم ومعرفة فضلهم”
أهلُ الصُّفَّةِ أولاء كان منهُم أبو ذرّ الغفاري، وعمّار بنُ ياسر، وسلمان الفارسيّ.

بعد وفاة النّبي، وُلِّيَ سلمان المدائن من قبل عمر بين الخطّاب، ونفى عثمانُ أبا ذرّ إلى الرَّبذَة، واستُشْهدَ عمّار في صفِّين، وفي هذا دلالة أنّ كبارًا من أهل الصُّفَّة كانوا في صُلب الحياة الإسلاميَّة معبِّرين في مواقفهم عن صفاءِ الرؤية التي استمدّوها من مرآة النَّصّ الحكيم والتحقّق في معانيه بتفانٍ وتجرُّدٍ وإخلاص. لذا، عُدّوا فيما بعد باكورة ما سوف يُسمَّى بأهلِ التصوّف الَّذينَ وُصِفوا بأنَّهُم”أهلُ القلوب الَّذين يعرفون أحكامَها ومواردَها وخَطَراتِها ووساوسها ولحظاتِها وإشاراتِها وخفيَّاتِ سرائرها، ويعرفون اختلافَ الوُرود بمشاهدةِ الوُجود. ويعرفونَ أحكامَ الدّنيا باللّحظات، وأحكامَ الآخِرة بالخَطرات، وأحكامَ الحقّ بالإشارات. انفردوا بوَجْدِهم وأقاموا على حقيقة عِلمهم، فهُم أهلُ تجريد التوحيد الَّذين آثروا الله على ما سواه” (أدبُ الملوك، 9). وكان لهُم آداب ومسالك وأحوال ومقامات حُفِظَت آثارُها في الكتُب الينابيع التي دوَّنت أخبارَهُم لما يعود إلى القرون الأربعة الأولى للهِجرة، فأمَّا بعد ذلك، فقد غلبَ القالُ على الحال، والتَّسويدُ على التَّجريد، كأنَّ دائرةَ عرفان الأوائل عادَت إلى نقطةِ التحقُّق في معراج الواجدِ نحو الحقيقة.

أهل البصائر
تَذَّخَرُ مجالسُ الذِّكر لدى الموحِّدين الدّروز بأخبار السّالكين دربَ التّحقّق وجُلُّهُم من عُبّادِ “ما قبل نشوء المذهب”. ومعلومٌ أنَّ كبارَ الموحِّدين في “جزيرة الشام” بعد القرن الخامس للهِجرة، وعلى رأسهم الأميرُ السيِّد والشيخُ الفاضل أرْسَوْا هذا التّقليد عبر درسهِم المعمَّق للتراث الإسلاميّ كما هو ثابتٌ في سِيَرهِم. وفضلاً عن حِفظهما لكتابِ الله العزيز، القرآن الكريم، كان الأميرُ جمالُ الدين عبد الله “يعتني كثيرًا بأخبار الأولياء والصَّالحين والعُلماء والزّهاد، مثل الفضل ومالك بن دينار وحاتم الأصم وأشباههم في الأحكام والمواعظ والزهد والورع” (ابن سباط). واقتفى الفاضلُ أثرَه حيث يتبيَّن أنَّه اقتبسَ عشرات الشواهد من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة وأقوال المتصوِّفةِ الثِّقات.
يُميِّزُ الأميرُ السيِّدُ بين ناظرَين: واحدٌ بفكره وخاطره، وآخَر بسمعه وناظره. النَّظرُ الأوَّلُ هو مقاربةٌ لإدراك اللطائف العقليَّة، واستشعار الدّلالات الحِكميَّة، واستنباط معنى الغايات الحقيقيَّة سبيلاً إلى التحقّق بما هو صلاح النفس وخيرُها ومعناها الَّذي مُنِحت الوجودُ من أجله. والنَّظرُ الثاني هو مقاربةٌ في المستوى الطبيعيّ يتلقَّى عبرها الإنسانُ بحواسِّه الجسمانيَّة الصُّور المحيطة به فيما سُمِّي قديمًا عالمُ الكون والفساد، من حيث أنَّ الجسدَ الطبيعيَّ مخلوقٌ
﴿مِن صَلصَالٍ مِن حَمَأٍ مَسنُون﴾ (الحِجر 26). وينبّه إلى أنَّ الوقوفَ عند حدِّ النَّظر الطبيعيّ، والذّهولَ إزاء ما يثيرُهُ في الحواس المتحرِّكةِ بالرّغبات، والالتهاء بأغراض الغريزة دون عقلها بحدِّ العدل وهو خضوعها لقواعد الحِكمة من وجودها، لهوُ أمرٌ بالغ الخطورة، وقد أوضحه بهذه الإضاءةِ الثاقبة قائلاً: “حِيدُوا عن طريقِ الموت، فلاَ مِحنةَ أشقُّ في هذا الزَّمان، من موتِ العقلِ والجَنَان.”

إنَّ مَلَكةَ التمييز في هذا الشأنِ بكلِّ متفرِّعاته هي بمثابةِ ضرورة لحياةِ النَّفس تَبَعًا لكمالِها الإنسانيّ. وقد أدرك شيوخُنا الأفاضل الأهميَّةَ القصوى لحقيقةِ الاستبصار هذه، فقالوا بوجوب الالتزام بقاعدةِ التّمييز.

شواشُ الصُّورة الحسِّيَّة
إنَّ الدَّرسَ الكبير الَّذي نتعلّمهُ من تلك البدايات، منذ صدر الإسلام وصولا إلى ما ذكره الأميرُ السيِّدُ ق، هو ضرورة التنبُّه أوَّلا إلى تنقية الدّاخل صونًا لهُ من الشّواش الكبير المتدفِّق عليه من صخَب الخارج. إنَّ الحَيّزَ الذي تحتلُّه الصُّورةُ في حياتنا المعاصِرةُ يكادُ أن يكونَ شاملاً. فالوسائلُ البصريَّةُ حاضرةٌ متسلِّطةٌ بدءًا من قارعة الطريق وصولاً إلى عُقر الدّار. إملاؤها كاسحٌ لا يعبأُ بالفُروقِ بين بيئةٍ محافظة وبين بيئةٍ مُستحدِثة. هدفُها الإغواء والجذب وصناعةُ “المُوضة” وتقرير ما هو الأمثلُ لمقاييس الشّكل ولقواعد الحضور الظاهر ولنماذج الجمال “المُفبرَك”.
الصُّورةُ البصريَّةُ سهلةٌ برّاقةٌ فاتنة، تدغدِغُ مكامنَ الرَّغبة، وتُذهِلُ العقلَ إذ تفتحُ الآفاق باتجاه أهواء النفس وتملُّصها من كلِّ قيدٍ مانعٍ لها من الانغماس فيما تتوهّمُه اللَّذَّة. لقد استطاعت الصُّورةُ في العقود الأخيرةِ من زمننا الراهن، أن تهيمنَ إلى حدٍّ كبير على أخْيلةِ الأجيال الصاعدة، وتاليًا على الأمزجةِ والعقول وما يستتبعُ ذلك من قلب معادلات طبائع العلاقات العامَّة، وتغيير قواعد السلوك، وتوسيع أبعاد الفجوة بين ذِهنيَّة التقليد من جهة، والذِّهنيَّة المعاصِرة من جهةٍ أُخرى. يتبدّى ذلك جليًّا إذا ما استعرضَ المرءُ نزعةَ التحرُّر السائدة لدى الجيل الشاب كما يُعبَّرُ عنها في ظواهر أساليب المَلبَس والاحتفال واللَّهو واعتناق الهوايات.

يُعبِّرُ رمزُ إحدى أكبر الشّركات المتعدِّدة الجِنسيّات العاملة على تصميم وتصنيع الالكترونيات الاستهلاكية ومنتجات برامج الكمبيوتر عن روح ما تقدِّمُهُ لنا من خدمات: تفّاحةٌ مقضُومة. بالطّبع، يحيلنا الرمزُ إلى القصَّةِ التوراتيَّةِ التي استحقَّ آدم عليها مخاطبة الله له قائلاً: “ملعُونةٌ الأرضُ بِسَببِك”. لقد غُويَ آدم فأكلَ من ثمرة شجرة المعرفة الَّتي نبَّهتهُ إلى مكامن الشرّ فيه وكان غافلاً عنها. واليوم، تتدفَّقُ المعلومات والصُّورُ على الأُمم كسيلٍ غامِر لا يتورَّعُ أمام حُرمة، ولا يتردَّدُ في اكتساحِ أيّ حِمىً مهما اتَّخذ له من مَسميَّات مثل: تراث أو تقليد أو هويَّة أو قِيم أثيلة أو أعراف متأصِّلة وما شابه. لكن شتّان ما بين تدفُّق المعلومات، وما بين اكتساب الشّخصيَّة الثقافيَّة التي تأخذ بيدِ الإنسانِ فلا يجرفُه السَّيلُ هَبَاء، و لا تستقُبلهُ الصورةُ على شاكلتِها وإنَّما يطفو فوق خشبةِ خلاص باحثًا عن شاطئ الأمان.
وِفقَ هذا المنظور، تضعُنا الصُّورةُ اليوم في مثلِ الكهفِ الأفلاطوني إذ يتسمَّرُ الخَلقُ إزاءها لتقرِّرَ لهُم اتجاهات أمزجتهم، وطرائق مظاهرهم، ووجوه سلوكيَّاتهم حتَّى إذا نفروا منها أو حادوا عنها اتُّهِموا بالتخلُّفِ والجمود! بالطَّبع، يتخلَّلُ هذا العرضَ المتواصل الكثيرُ من العِلم والنقد وأصواتِ المثَّقفين التي تتعالى “كصوتٍ صارخٍ في البَرِّيـَّة”. فأين هو الحكيمُ الَّذي يقودُنا خارج الكهف حيث شمسُ العقل ونور الحرِّيـَّة؟

النَّصيحةُ التَّوحيديَّة
هنا تمامًا يتوجَّبُ استحضارُ النَّصيحة التوحيديَّة القديمة التي أوصَت في مثلِ تنبّؤٍ نورانيّ قائلة بوجُوب النَّظَر بمرآة البصيرة لا بشحمانيَّة العين. فإذا كانت الحياةُ المعاصرةُ اليوم هي نِتاجُ الصورةِ بامتياز، يعني من البصرِ وإلى البصرِ تعود، فأين هي مرآةُ البصيرةِ في روح الإنسان، وهل هي نقيَّة و جليَّة وقابلة لانعكاسِ وجهِ الله، يعني الحِكمة والفضيلة والخير الأسمى؟
إنَّ التراثَ المسلكيّ التَّوحيديّ يكتنزُ إلى يومِنا هذا سرَّ استبصار هذه الحقيقة. وليست مظاهرُ التقشُّف في الخلَوات، واقتصارُ سُبُل عيش الشّيوخ الثِّقات الكبار على الضَّروريِّ إلاَّ وسيلةً لتحقيقِ المعنى على هَدْي الصِّراطِ الَّذي اختطَّهُ سادةٌ عِظام. فالسِّرُّ في الموحِّد يَحُكُّ البصيرةَ قبل أن يَستَـتبعَ البصر، لأنَّ التَّوحيدَ رسالةٌ إلى مرآة الداخل الإنسانيِّ حيثُ لا تنفعُ أقنعةٌ و لا يُغني تجميل.

وحقٌّ أن يُطرحَ السُّؤال: كيفَ السَّبيلُ إلى امتثال هذا المعنى الجليل، والقصد الأشرف، في مجتمعنا المعاصِر؟ تقولُ الآيةُ الكريمةُ ﴿وَذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنين﴾ (الذاريات، 55). إنَّ استذكارَ هذا النَّهج (حِفْظُهُ في الذِّهن) هو ذخيرةٌ حيَّةٌ (حِجابٌ عاصِم) تَهَبُ قلبَ الإنسان ـ أيـًّا كان موقعُه في الحياة- روحَ المناعةِ من خطرِ اضمحلال كِيانِه من حيثُ هو “أشرف المخلوقات” فلا يتشوَّه سرُّه، و لا تَتَشتَّتُ روحُه، و لا تنحلُّ إرادتُه، و لا يصيرُ غريبًا عن كُنهِ روحه
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ ولكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج، 46).

ديوان شمس تبريز

الرُّوميُّ أميرُ العِشْقِ الإلهِيّ

مختاراتٌ من ديوان شمسِ تبريزَ

حين طَلَعتْ شمْسُك تَبدّدت الأقوالُ

نحنُ كالسّيْلِ، كالنّهْرِ، كُلُّنا إليكَ نَمضي قُدُماً

إنْ لم يَحترق عقلي بعِشقِكَ فأنا غافلٌ

يُعتَبر “الدّيوان الكبير” أو ديوان شمسِ تبريزَ كما يُسمّى أحيانًا ليس فقط من أعظم الأعمال الشّعرية لجلال الدّين الرّوميّ بل هو قطعًا أعظم عملٍ شعريٍّ صوفيٍّ في تمجيد الحبّ والعشق الإلهيّ. لقد تدفّقت آيات هذا السِّفر العظيم من قلب جلال الدّين بفعل الحبّ العارم الذي اجتاح كيانه تجاه مرشده شمس الدّين التّبريزيّ وقد كانت الرّابطة الوجوديّة التي نشأت بين جلال الدّين وبين شمس تبريز إحدى القصص الفريدة بل العجيبة للعلاقة الميتافزيقيّة التي تنشأ بين المرشد وبين المُريد النّاضج فتجعل من الاثنين روحًا واحدة وتضرم في قلب كلّ منهما انجذابًا لا يقاوَم نحو الآخر وحيث يمثّل الآخر هنا الوجه الظاهر أو البشريّ لينبوع المعارف الإلهيّة و تعبيراً عن محبّة عارمة للمولى تعالى الذي تظهر تجلّيات صفاته وبحار حكمته في وجود المرشد الكامل.
وصف جلال الدّين الرّوميّ مرشده شمس الدّين التّبريزيّ في ديوان “المثنويّ” بالقول إنّه “شيخ الدّين وبحر معاني ربّ العالمين” مُضيفًا “الأرض والسّماء تبدو أمامه وكأنّها قشّة؛ لو أظهر جماله دون حجاب لما بقي شيء في مكانه، ولا ينبغي أن نُفْلِتَ ذيل ثوبه من أيدينا إن أردنا إدراك الحقيقة “ وهو رأيٌ في هذا الدَّرويش المحاط بالأسرار قُطْبًا تدور حوله رَحى القلوب التي تهيم بمحبّة الله تعالى وجاذبًا لا يقاوَم لأرواح السّالكين يشعل فيها لهيب الشّوق إلى طلب الحقّ تعالى. وقد أورد جلال الدّين في أغلب قصائد الدّيوان الكبير اسم “شمس الدّين” أو “شمس” مشيدًا به معتبرًا إيّاه “الإنسان الكامل” و”سلطان مملكة العشق وأمير قافلة الحبّ الإلهيّ” في زمانه.
وكان شمس الدّين التّبريزي معارضًا للفلسفة وعلم الكلام معتبرًا أنّ الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى تفانٍ تامّ ومحبّة غير محدودة لله وللمرشد وهو ما وصفه الصّوفية في ما بعد بالقول: “من لم تكن له بداية مُحْرقة لم تكن له نهاية مُشْرقة”. وكان مذهب شمس الدّين في الحبّ الإلهيّ وفناء الذّات المُفرَدةِ في الله القوّة الدّافعة لتعاليم جلال الدّين الرّوميّ في ما بعد وهو بالتأكيد القوّة المحرّكة وراء إبداع الرّوميّ لديوان شمس تبريز الضّخم ولأعماله الشّعريّة الخالدة وفي مقدََّمتها “المَثنوي” وقد جعل الرّوميّ في هذا الديوان القلب مقدَّمًا على العبادة الظّاهرة ومركز الدّائرة في علاقة السّالك بالحق تعالى، والدّيوان بهذا المعنى دعوةٌ إلى العِشق الإلهيّ الذي هو في نظر الرّوميّ ليس فقط القوّة المحرّكة للتقدُّم الرّوحيّ بل القوّة المحرّكة للكَوْنِ بأسْرِه.
في ما يلي مجموعة مختارة من “ديوان شمسِ تبريزَ” قُمنا باختيارها من النّسخة التي نقلها إلى العربيّة عن الفارسيّة الباحث الدكتور محمّد السّعيد جمال الدّين.

قَطْرٌ أنتَ، بحْرٌ أنتَ، لُطْفٌ أنتَ، قَهْرٌ أنتْ
سُكْرٌ أنتَ، سُمٌّ أنتَ، فَحَسْبُك لا توذِني

قُرصُ الشَّمسِ أنتَ، بُرج عُطارِدَ أنتَ،
واحةُ الرّجاء أنت، فعلى الطّريق دُلَّني

أمسكِ الخبزَ عنّي، أمْسِكِ الماءَ عنّي،
أمسكِ الرّاحة والنّومَ عنّي،
يا مَنْ ظمَأُ عِشقكَ يُفتَدى بمائةٍ مثلَنا

أَطَلَّ من القلبِ بَغتةً خيالُ حبيبي،
كالبدرِ من الأفقِ
أو كالزّهرِ من العُشبِ والكَلأْ

أنتَ نَوْحٌ، أنت الرّوح، أنت الفاتحُ والمفتوح
أنتَ الصّدرُ المُنْشَرحُ، أنتّ سِرّي المملوءُ بالدُّرَرِ

بَرئتُ من هذه النّفسِ ومن الهوى…
الحيِّ في بَلاءٍ والمَيْتُ في بلاء
في الحياة وفي الموت ليس لي وطن،
إنَّما وطني فضلُ الله، ليس إلّا

غريقٌ أنا في بحر كرَمِه، عبدٌ أنا لأنفاس صُبحٍ
فيه تلك الوردةُ العَطِرةُ صَوْبَ الرّوضِ تَجذِبُني

أيُّها القلبُ لا تُخاتِلْ، لا تُثِرِ الفتنةَ والغضب
لا تُشهِّر بي، ولا تَفشِ على ناصيةِ السّوقِ أمري

أنّى لنا في العالَميْن بأميرٍ لَطيفٍ مَليحٍ كأميرِنا
لم يتقطّب لهُ جبينٌ مع اَنّه رأى مائةَ ذنبٍ وخطأٍ

أنا من سلامِهِ الحارِّ وتَرْحابِه، ذُبْت منهُ خجَلاً
فمِنْ كلامِهِ النّاعمِ تذوبُ الحجارةُ ذَوْبــاً
اِحملْ إليهِ سُّمًّا، يجعلْه أحلى من السّكَّر
اِحملْ إليه قَهراُ، يُحيلُه كلَّهُ رِضًا

اُنظرْ “ماءَ الحياةِ” عندَهُ، ولا تخشَ الأجَلَ أبدا
لُذْ عندهُ بالرّضا، ولا ترتعدْ من القَضا

لو لم يكنْ حديثُه ولفظهُ، لما كانت روحُكَ تتأوّهْ
تأوّهْ، فآهاتُكَ تَسْلكُ طريقَها إلى الله تعالى

الليلُ يَمضي، فهلمَّ بنا إلى الحَضرةْ،
كي نسمعَ حديثَ المَلك،
قفِ اللّيلَ – طولَ اللّيلِ ــ قائمًا على قدميك حتى السَّحَرْ
كالقمرِِ في السّماء
جاء الرّبيعُ جاء الرّبيعُ، فسلِّمْ على السُّكارى
قد أتى الرّبيعُ من نَبيِّ الحِسانِ، برسالةٍ إلى السُّكارى

ادْخُل روضةَ الباقي، اصْعَد إلى السّطحِ
فالسّاقي أتى من دار الغَيب الخَفيّةِ برسالةٍ إلى السُّكارى

قد أتى للأرواحِ بالرّبيع، ولفتَنا صوبَ الحبيب
فانظرْ أيَّ سعادةٍ أتى بها، مِن بينِ ما أتى للسُّكارى

من قِبَلِ شمسِ الدّينِ التِّبريزيِّ، جاءَ ساقي السَّعدِ فجأةً
فقدَّمَ في القدَحِ السُّلطانيِّ الخاصِّ، خّمرًا خالِصاً للسُّكارى

إنْ لم تكنْ طالبًا، فصِرْ طالبًا معنا
إن لم تكنْ مُطرِبًا، فصِرْ مُطربا مَعنا

ولو كنتَ قارونَ، فصِرْ في العِشقِ مُفلِسا
وإن كنتَ سيِّدًا مُهابًا، فصِرْ عبدًا معنا

شمعةٌ واحدةٌ من هذا المجلس تُضيءُ من الشّموعِ ألفاً
أيّاً ما كنت مُطفأً أو حيًّا، فأنتَ تغدو منيرًا معنا

تُسرعُ أقدامُكَ في المَسيرِ، يشِعُّ منك النّورُ
وقد تغدو بأجمعِك وَردًا، دائم الضّحِكِ معنا

أقبِل بخِرقةٍ باليةٍ حينًا، كي ترى القلوبَ الحيَّة فينا
اِطْرح الحريرَ الأطلسَ جانبًا، وصِرْ في خِرقةٍ باليةٍ معنا

حين أصبحتِ الحبّةُ مُلقاةً، نَمَتْ، ثمّ شجرةً صارت
إنِ اَنتَ أدركتَ هذا الرّمزَ، صِرتَ مُلقًى معنا

يقول شمسُ الحقِّ التِّبريزيِّ لبُرعُمَةِ القلبِ
إنْ تفتّحتْ عينُكِ، صِرتِ بَصيرةً معنا

أيُّها السَّيِّدُ طاهرَ الذَّيلِ، أمجنونٌ أنتَ أمْ أنا؟
تجرّعْ معي قدَحًا، ودعِ العُتْبى والمَلامَة

قد كان قبلَك كثيرٌ ممّنْ يُنشدُ الكراماتِ
فلمّا رأى وجهَ السّاقي، أحرقَ كلَّ كرامة

أيُّها السّاقي الحبيبُ، امْلأْ ذلك القدَحَ المُقدَّم
قاطعْ طريقَ القلب، كاشفْ طريقَ الدِّين

ما يصدرُ عن القلبِ ويمتزجُ بالرُّوح
فوَرَانُهُ يُسكِرُ العينَ التي ترى اللهَ ربَّ العالمينْ

تلك خَمرٌ من كرْمٍ لأُمَّة عيسى
وهذه خمرٌ من منصورٍ1 لأمَّة “ياسينَ”.

هذا الحالُ إنْ حدثَ، يَحدُثُ غالبًا عندَ السّحَر
لِمنْ هجرَ لينَ الفِراشِ وأسهدَ الجفون

الحبيبُ الذي كان يوجِعُ قلبي، وكانَ مُعَلَّقًا فوقَ وجهِنا لا يبرَح
قد اَصبحَ الآنَ شفيقًا بالخُلّان، وليكنْ ما يكون

بتلك الطّلعةِ المُلوكيّةِ بتلك الشُّعلةِ التي أضاءت جِنَبات الدّار
تحوّلَ كلُّ رُكنٍ إلى مَيْدانٍ، وليكنْ ما يكونْ

بغضَبهِ المُراوغ بأسلوبهِ العذبِ الرائعِ
تحوّلَ العالمُ إلى أقاليمَ للسُّكر وجِنانٍ، وليكنْ ما يكونْ

ذهبَ اللّيلُ وجاء الصَّبوح ذهبَ الأسى وأقبلتِ الفُتوح
أضاءت الشّمسُ سائرَ الأركانِ، وليكنْ ما يكونْ

جاء العيدُ وجاء العيدُ، جاء الحبيبُ الذي جرى منّا لِبَعيد2
غدا العيد أعياداً، وليكنْ ما يكونْ

اْنظُرْ الرِّيحّ في الجوِّ من هوى الشَّفةِ العذبة
راحَ معَ النّاي يغنِّي الألحانَ.. وليكنْ ما يكونْ

حينّ أضاءَ ذاك القمرُ، غدا الكَوْنانِ روضةً
صارت أرواحاً تلك الأبدانُ، وليكنْ ما يكونْ

صارَ قهرُهُ رحمةً، صارَ سُمُّه بأجمعهِ عذبٍا فُراتًا
نشرَ سحابةَ السُّكْرِ والرّيْحانِ، وليكنْ ما يكونْ

صَهٍ، فأنا ثَمِلٌ، قد أوثقَ اْمْرُؤٌ يديَّ
صارَ الفكرُ مُشَتّتاً حَيْرانَ، وليكنْ ما يكونْ

جئت سعيدا يا ذا الوجهَ القمريَّ، يا سعادة الرّوحِ أقْبِلْ سعيداً
أمَا وقد كانَ ما كانَ، فليكنْ ما يكونْ

حديثُ العِشق

حبَّذا العِشقُ، حبَّذا العِشقُ لنا يا ربَّنا
ما أبدعَهُ، ما أروعَهُ، وما أحسَنَه يا ربَّنا

بماءِ الحياةِ3 نديرُ نحنُ السّماوات العُلا
لا بالكفِّ ولا بالنّايِ ولا بالدفِّ، يا ربَّنا

إن أنَّ الجسدُ أنينًا، من همِّ الخَسارة والكَسْبِ
فذاك منكَ أنتَ، فقد نفختَ، لا مِنَ النّاي يا ربَّنا

بكفِّكَ صَنعتَ نايَ الجسدِ، مليئًا بالثُّقوب
فهوَ عن هذا الأنينِ والصَّخَبِ، لا يَكُفُّ أبدًا يا ربَّنا

وما أدرى النّايَ المِسْكينَ باللّحن ِ والإيقاع
إنَّما النّافخُ هو البصيرُ وهو الخبيرُ، يا ربَّنا

من انعكاسِ وجهِ الحبيبِ، في هذا الرّوض النّضيد
بكلِّ ناحيةٍ قمَرٌ، وشمسٌ، ونجمٌ يتألّقُ، يا ربَّنا

نحن كالسّيلِ، كالنّهرِ، كُلُّنا إليكَ نَمضي قُدُمًا
فالبحرُ مَصَبٌّ لكلِّ سَيلٍ جارفٍ يا ربَّنا

بفضْلِ شمسِ الحقِّ التِّبريزيِّ، تولّهَ القلبُ
وهامَت الرّوحُ، وحارت العينانِ في الحبِّ، يا ربَّنا

يا لها من حرارةٍ فينا، يا لها من حرارةٍ فينا
من عِشقٍ هوَ كالشّمسِ، خَفَي منه ما خفَي وظَهرَ منه ما ظَهرَ، يا ربَّنا

حَبَّذا القَمرُ، حبّــذا القَمرُ، حبّذا خَمْرٌ تصاحِبُهُ
أضْفَتْ على الرُّوح والعالمِ زينةً وَبَهَا، يا ربَّنا

حَبّذا الهِمّةُ، حَبَّذا الهِمَّةُ التي أثارت العالمْ
حبَّذا العملُ، حبّذا المُثولُ بالحَضْرَةِ هناك، يا ربَّنا

قد وقَعنا، قد وقَعنا، فلا تقومُ قائمةٌ لنا
لا ندري، لا ندري، أيَّ حدَثٍ جَلَلٍ جرى، يا ربَّنا

عليكَ بالصّمتِ، عليك بالصّمتِ كي لا تُفْتَضَح
فالأغيارُ4 قد ملأوا ما حولَنا، يا ربّنا

تَجَلَّ يا شمسَ تبريزَ، يا ذا الكمالِ والتَّمِّ
كي لا يكونَ ثمّةُ نقصٍ، للكافِ والنّونِ، أبدًا

بين طَيّات حجابِ الدّمِ، بَدَت للعِشقِ رياضٌ ومُروج
ومعْ جمال العِشقِ غيرِالمحدودِ، بدت للعُشّاق أحوالٌ وشُؤونْ
للعُشّاقِ شارِبِيْ الثّمالةِ في الحَشاشَةِ أذواقٌ

ضريح ومقام جلال الدين الرومي في قونيا في تركيا
ضريح ومقام جلال الدين الرومي في قونيا في تركيا

وفي قَرارةِ العُقَلاءِ سُودِ القُلوبِ صُنوفٌ من الإنكار

رأى الفكرُ سوقًا فشرعَ في التِّجارة
ورأى العِشقُ وراءَ سوقِ الفكرِ أسواقًا

يقولُ الفكرُ: لا تخطُ خُطوةً، فليسَ في الفِناءِ سوى الشّوك
يقول العِشقُ للفكرِ: إنَّما فيكَ أنتَ الأشواكُ

يا شمسَ تبريزَ، أنتَ شمسٌ في سَحابِ الكِلَمْ
حين طلعتْ شمسُك تبدّدتِ الأقوالُ
أطَلْتُ السُّجودَ، وقلتُ: اْحْملْ هذهِ السّجدةَ منّي لِشَمْسٍ
يحيلُ ضياؤها الحجارةَ الصّمّاءَ ذَهبًا صِرْفا

شققتُ عن صَدري، كشفتُ له الجِراحَ
قلتُ لهُ: “خبِّرْ عنّي الحبيبَ سفّاكَ الدِّماء

خَلِّصْ طِفلَ القلبِ، خَلِّصْ رَضيعَنا من التَّجوال
يا منْ تُجيرُ كلَّ حينٍ مائةً مِثلي أنا المِسْكينُ أنا

سائرُ رِفاقِكَ من حَجَرٍ، وأنتَ ياقوتٌ ومُرجانٌ، فلِمَ؟
السّماءُ عندَ البرِّيَّةِ فضاءٌ أصَمُّ، وهي عندكَ روحٌ من الرّحمنِ، فلِمَ؟

إنْ أَقبلْتَ عليَّ شَرَعتْ كلُّ ذَرَّةٍ منِّي في التّصفيقِ
وإنْ مَضَيتَ أجهشتْ كلُّها بالبكاءِ والأنينِ، فلِمَ؟

إن تَراءى خيالُك بَدتْ في كلِّ ذرَّةٍ مِنّي بَسْمةُ الهنا
وهيَ تغدو مع عَدْوِكَ بأجمعِها قواطعَ حادَّةً وأسنانًا، فلِمَ؟

أينما وُجِدتْ خَرابةٌ وُجِد الأملُ في ظهورِ كَنْزٍ
فلِمَ لا تبحثُ عن كنزِ الحقِّ في قلبٍ مُهدَّمِ البُنيانِ، لِمَ؟

لِكُلِّ أغنيةٍ، أيُّها القلبُ، أوّلٌ وآخِرْ
فكفاكَ ما أنشدتَ الآنَ، أمَا لِهذا اللّحنِ من خِتامٍ، لِمَ؟

لا تَسَلْني عن طُرُقٍ ومنازلَ، كفاكَ حديثًا، كفاكَ حديثًا.
يا مَنْ أنتَ طريقي ومنزِلي، هيّا تعالَ، أَظهِرْ سَنا وجهٍ أو جبينْ

طالما أنا واقفٌ على الحُسْنِ والقُبحِ، أنا واقفٌ
فأنا إذَنْ عن جمالك غافلٌ5، فهيّا تعالَ، اَظْهِرْ سنا وَجْهٍ أو جَبينْ.

إنْ لم يَحترقْ عقلي بعِشقِكَ، بعِشقِكَ
فأنا غافلٌ، لستُ بعاقِلٍ، هيّا تعالَ، اَظْهِرْ سَنا وجهٍ أو جَبينْ

أنتَ لي رُوحٌ وعالَمٌ، فما نَفعي بالرُّوح والعالَم؟
أنتَ لي كَنْزٌ، فما نفعي بالكَسْبِ والخُسران؟

1 إشارة إلى الحسين بن منصور الحلّاج الذي أخذ به السُّكر في العِشق كلَّ مأخذ وأدّى به التّصريح إلى حبل المشنقة والحرق.

2 إشارة إلى اختفاء المعلّم شمس الدّين التّبريزيّ لفترةٍ ثمّ عودتُه إلى جلال الدّين والمريدين.

3 – بقوة الخُلود التي تجتمعُ للمتحقّق بالله في بحرِ القُدرة

4 الذين ليسوا أهلًا للاطّلاع على أمرنا

5 – جمالُكَ حين يستقرُّ في الفؤاد، لا يُرى في الوجود بعد ذلك أيَّ قُبحٍ

الهرمسية

الحكمة الهِرمسيّة نور العالم

أَمَــــدَّت حكمــــة الإغريـــق وألهمــــت العـــــرب
وأرْسَت أوّل نظـــرة توحيديّة لفهـــم الوجـــود

ليس ثمّةَ مَنْ هو خيّر سوى الله، فهو الخير وحده

«خلَقَ الإلهُ عقلَ الكون، وعقلُ الكون خلَقَ الكونَ، والكونُ خلَقَ الزمنَ، والزمنُ خلَقَ التغيُّرَ. وجوهرُ عقل الكون هو الثّبات. وجوهرُ الكون هو النظـــام الجميل، وجوهرُ الزمن هو الحركة».
(النصوص الهرمسيّة)

“مقدَّسٌ هو الإلهُ الواحد الذي يريد أن يُعرَف.”، إنّه نصٌّ هِرمسي له ما يُشبهه في الكتب السماوية المقدّسة، وهو جزء من نصوص تعتبر أقدم أنواع الوحي، وأول نظام أفكار قدم شرحا متكاملا – من منظور التوحيد – لحقيقة الوجود والعالم وهو شرحٌ بليغ تحول مع الوقت إلى مصدر إلهام للحكماءُ والفلاسفة والعلماء لدى جميع الشعوب، كما أنّه كان أحد أهمّ أسباب الدّور الكبير الذي لعبته مصر القديمة (الهِرمِسيّة) في تطوّر الفلسفات القديمة، ولاسيّما فلسفة الإغريق وكذلك فسلفة التصوّف الإغريقي ثم المسيحي ثم الإسلامي.
وقد بقيت “النصوص الهِرمسيّة” المعروفة بالتسمية اللاتينية (Corpus Hermeticum) لزمن وديعة الحكمة المصرية القديمة؛ حَرِص المصريون القدماء على حفظها في حِرْز حريز وعدم البَوْح بمضامينها إلاّ لِمن تأكدت أهليته، وكانت معابد المصريين لذلك عوالم مغلقة لأجيال، قبل أن تبدأ تلك الحصون الفلسفية بفتح بعض أبوابها لرواد وطلبة الحكمة من الإغريق الذين بدأوا يتوافدون على مصر لتحصيل الحكمة المكتومة، والمصانة إلاّ على أهلها، ثمّ وعن طريق الإغريق، وحركة النقل الإسلامية انتقلت إلينا هذه الحكمة باللّغة اليونانية في صياغة تعود إلى القرون الأولى للميلاد في مصر، وتحديداً الإسكندرية.
ولا بدّ من القول إنّ النصوص الهرمسية مُوغِلَة في القِدم، وهو ما أثبتته الكتابات الهيروغليفيّة القديمة بعد فكّ شيفرتها واستطلاع أسرارها، حيث وُجِدَت مُدوّنات تعود إلى آلاف السنين استقت منها النصوص الإغريقية الشهيرة التي عُرِفَت أيضاً بـ “المُتون الهِرمسيّة”. فأنَّى تطَّلّع علماءُ الآثار والمِصريّات ظهرت لهم على جدران المعابد والأهرامات نصوصٌ تُنسَب إلى “تحوت”، هِرمس المُثلّث العَظَمَة، أو تشير إليه وتُمجِّده، وهو ما صاغه الإغريق في توليفةٍ “إغريقية – مصرية” (Graeco – Egyptian) لتأمُّلاتٍ عُرفانية هِرمسيّة حول الإله الواحد الأوحد، والعقل المقدَّس والكون والإنسان.
فما هي حقيقة النصوص الهِرمِسيّة وما هو مضمونها الروحي الفلسفي، وأيُّ رسالة تحملها لنا نحن أهل هذا الجيل المعاصر.

في القرنين الأول والثاني الميلاديّيْن، عَمِلَ الإغريقُ على استنباط تعاليم “هِرمس المُثلّث العَظَمَة” من مصادرها المصرية القديمة، وإعادة صياغتها بلسانهم ونهجهم الفكري، وذلك فيما يُسمى “النصوص الهِرمسيّة” (Corpus Hermeticum)، وهي الترجمة اللاتينية التي قام بها مارسيليو فيسينو لمخطوطة أحضرها كوزيمو دي ميديتشي (Cosimo de’ Medici) حاكم فلورنسا الإيطالية العام 1460م، وهي في أربعة عشر فصلاً، وطُبِعَت منها ثماني نسخ قبل العام 1500م، ومن ثم اثنتان وعشرون قبل العام 1641م. وقد حُفِظَت هذه النصوص في مدرسة فيلسوف الأفلاطونية المُحدَثة أمونيوس ساكاس (Ammonius Saccas) ووُجِدَت نسخة منها من خلال الفيلسوف البيزنطي مايكل بسيلوس (Michael psellus) محفوظة ضمن مخطوطات من القرن الرابع عشر الميلادي. أمّا الفصول الثلاثة الأخيرة في النسخات الحديثة فقد قام بترجمتها لودوفيكو لازاريلي Lodovico Lazzarelli (بين عامَي 1447 و 1500) المعاصر لفيسينو على نحو مستقل؛ نقلاً عن مخطوطة أخرى. وقد نُقّحَت هذه النصوص مقارنةً بمخطوطات أخرى نُقِلَت عن اللّغة العربيّة.

مكتبة نجع حمادي
في مقابل ذلك، فإنّ قِدَم الفكر الهِرمسي وسبقه طويلا للإرث الفلسفي الإغريقي تأكد بعد العثورُ على نصوص عُرفانية في ما يُسمَّى “مكتبة نجع حمادي” في مصر وتعود إلى القرن الرابع ميلادي، وبدا واضحا مدى تشابهها الكبير مع الحكمة المصرية القديمة من حيث الأناشيد والصيغة التعليميّة الإرشاديّة بين مُعلِّمٍ وتلميذه (هِرمس وأشقليبيوس)، وكُتبت هذه النصوص التي أشارت إلى مدارس الأسرار الهِرمسيّة باللغة القبطيّة.

الهِرمسيّة أساس الحكمة المصرية
اعتُبرت الحكمةُ الهِرمسيّة الحكمةَ الأوّلية الأساسية وراء “حكمة المصريين” التي تحدّث عنها “سفر الخروج” التوراتي، وكذلك نبّهت إليها محاورات أفلاطون لا سيّما محاورتَي “تيماوس” (Timaeus) و”فايدروس” (Phaedrus) (حيث تحدّث سقراط عن أسطورة “تحيوت”، أو “تيوث” Theuth باليونانية، الذي نُسبَ إليه اختراع الكتابة والحرف وانتشار الحكمة).
ويرى الباحث ستريكر (1949) أنّ نصوص Corpus Hermeticum الإغريقية هي إعادة صياغة للحكمة الهِرمسيّة المصرية. وكان بطليموس الأول سوتر (304-282 ق.م) وابنه بطليموس الثاني فيلادلفوس (282-246 ق.م) وَعَدا بنشر الأدب السرّي للمصريين القدامى في مصر البطلميّة. ويؤكد ستريكر أنّ “الكوربوس” ما هو إلا نسخة إغريقية عن الفكر الحكمي المصري، فالشكل إغريقي لكنّ المضمون مصري.
وكان الباحثان المختصّان غارث فاودين وجان زاندي ذكرا أنّ جزءاً من نصوص “الكوربوس” يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، في حين أوردَ الباحثُ فلندرز بيتريي (1908) أنّ بعض المقاطع تعود إلى كتابات مِصريّة خلال فترة الحُكْم الفارسي، وأنّ معظمها مُستَقى من الفكر الهِرمسيّ السرّي في ما يُسمّى “ماورائيات هرموبوليس (Hermopolis) وممفيس (Memphis) المصريّتَين”، حيث وفَّرت المنبع الأساس للهِرمسيّة البطلميّة (أي في عصر البطالمة في مصر)، وذلك ردّاً على بعض الباحثين الأوروبيين المُغرِضين الذين أرجعوا هذه النصوص إلى مصادر يونانية بل وفارسية ويهودية؛ إنكاراً لاستمداد هذه النصوص من التراث العرفاني المصري الهِرمسيّ القديم.

“الهِرمِسيّة دخلت الفكر الأوروبي في القرون الوسطى عن طريق الترجمات من الّلغة العربيّة”

دين العقل
الحكمةُ المِصريّة التي تتّبع “نهج هِرمس”، على حدّ قول الفيلسوف الإغريقي أيمبليخوس في كتابه “حول أسرار المصريين”، هي لاهوتية وفلسفية في آن وهذا الدِّين الإغريقي-المِصري الذي سادَ في فترة حُكم البطالمة لمِصر قبيل ظهور المسيحية، يضرب جذوره عميقاً في تقليد الأسرار المِصريّة القديمة، وتبدّى ذلك في النسخة الإغريقية للهِرمسيّة العريقة التي اتّسمت بكونها وِفقَ الوصف الإغريقي “دين العقل”.
أمّا الهِرمسيّة الهيلّينيّة العقلانية فصمدت على مر القرون لتُطلِق شرارة عصر النهضة في أوروبا، وتطوُّر العلوم، والفكر الإنساني كَكُلّ. وكان العالِم إسحق نيوتن يؤمن بوجود عقيدة لاهوتية قديمة نقيّة لا تزال تحتفظ بقيمتها، قام بدراستها بعناية لتساعده على فهم العالم المادي. وهو يُورِد في العديد من مخطوطاته مدى عكوفه على دراسة نصوص Corpus Hermeticum الهِرمسيّة المتناقلة منذ الأزمان الغابرة.

محبّة عقلانية وعُرفان
مّهَّدت الهِرمسيّة الفلسفيّة الطريق بروحيّةٍ تأمُّلية وصوفية إلى “محبّة عقلانية للواحد” تماماً كما يصف هذه المحبّة لاحقاً في القرون الوسطى الفيلسوفُ سبينوزا (Spinoza).
و”العرفان” (Gnosis) في الهِرمسيّة الإغريقية، وهو سرٌّ يتناقله الخاصة بالمفاتحة الرُّوحيّة، هو إشراقٌ يأتي نتيجة النشاط المّعْرفِيّ، والتأمُّل الفكري، والتطهُّر المَسلَكِي. لذا فإنّ هذه النسخة الإغريقية من الهِرمسيّة، لا سيّما الإسكندرانيّة منها، “لم يكن لها طقوسٌ ولا كهنة ولا مراسم، بل هي جماعة” تتآلف بهذا الفكر الفلسفي والوَجْد الرُّوحي وتبجيل “كلمة” الإله الواحد الخلّاقة المقدّسة1
وهذا الإثبات الوجودي الفلسفي للنسخة الإغريقية من الهِرمسيّة؛ يؤمِن بثلاثة أوجه للحقيقة: الإله الواحد، وعالم الكائنات العُلوية، والإنسان وما حوله من وجودٍ مادي ومخلوقاتٍ حيّة، وكلُّ ما في الكون “مرآةٌ” تسمح لنا بِلَمْح تبدّياتٍ للجمال الإلهي. والإلهُ الواحد هو خالقُ كلّ الوجود ومُتَعالٍ عنه وليس هو كلّ الوجود، كما جاء في وحدة الوجود الهندوسية على سبيل المثال، وهو مُتَرفِّعٌ، مُنَزَّهٌ عن “الحُلوليّة”وبالتالي تسعى الهِرمسيّة إلى الارتقاء من المعرفة إلى العِرفان (Gnosis)، ومن المعرفة حول الإله الواحد إلى معرفته هو، وهو جوهر فلسفة فيثاغورس، وهنا نجد تلاقيا وتكاملا بين الفكرَين الهِرمسي والفيثاغورسي.
ولا بُدّ من التوضيح في هذا المقام أنّ بعض الباحثين عَمَدَ، نتيجةً لعدم تضلُّعه بأبعاد المصطلحات اليونانية وجذورها، إلى الخلط بين الكائنات الإلهية العُلوية (Deities) باليونانية وبين الآلهة، فتبدو الفكرة كما لو أنها تتحدث عن تعدُّد للآلهة، وهم لم يُفسِّروها بمعناها الحقيقي أي الجواهر العُلوية أو “الجواهر الأُوَل” أو العِلَل”، وفق المفهوم الأرسطوطاليسي.
وفي الهِرمسيّة، الإنسانُ هو أشرف المخلوقات، تُحفِّزه “شرارةٌ مقدّسة” في داخله، لذا فإنّه في أعماق كينونته كائنٌ مقدّس بالفعل، وهدف التقليد الهِرمسيّ هو إيقاظ الإنسان على حقيقة “كينونته الداخلية”. والخيار الحاسم أمام الإنسان إذاً هو بين العالَم المادي والعالَم الرُّوحاني، بين الجسدي والنفسي. ويُطلَق على إحراز معرفة الذات ومعرفة الحقائق العُلوية هذه وصف “الولادة من جديد” (النصوص الهِرمسيّة، الفصل الثالث عشر)، وهي على نقيض الولادة الجسديّة: تُحرِّر النفسَ ولا تسجنها في أحابيل الجسد، إنّها ارتقاءٌ للنفس خلال الحياة بفضل “نور العقل” الحاضر. وتُفضِي هذه الولادة الرُّوحيّة، بفضل “المُعلِّم الرُّوحاني” العظيم، إلى ترقِّي النفس في معرفة الإله الواحد، فيما يُسمَّى بالنصوص الإغريقية “معمودية بالعقل” وهي تَطهُّرٌ بمعرفة الذات، والتضحية بما هو مادي حِسّي للاطّلاع على الأسرار العقلية أو الرُّوحيّة.
والروحانية الهِرمسيّة الإغريقية تلحظ في مفهوم “خلاص الرُّوح” تصوُّرَ موت رمزي للمُتَهيِّئ روحيّاً، بالنأي عن كلّ ما سبق من معتقدات فاسدة وملذّات حِسّية، والولادة من جديد تنعُّماً بأنوار العقل المقدَّس.
و”العقلُ المقدَّس” هو سيّد العوالم، والمُعيِن الذي يساعد النفس البشرية على التحرُّر من أشراك الجسد المادي، ويجعلها تستنير بنور العرفان. و”المعلِّم الرُّوحي” العظيم الذي يُنير النفس بأنوار العقل المقدّسة، هو تجسُّد لهذا العقل العُلوي، الذي يحتوي على “البذور العقليّة” لكلِّ ما هو موجود ومخلوق (تماماً كما في فكر أفلاطون، وما ردّده لاحقاً سبينوزا). فكلّ ما في الكون هو تبدٍّ لهذا العقل.
وجاء في النصوص الهِرمسيّة: “خلَقَ الإلهُ عقلَ الكون، وعقلُ الكون خلَقَ الكونَ، والكونُ خلَقَ الزمنَ، والزمنُ خلَقَ التغيُّرَ. وجوهرُ عقل الكون هو الثبات. وجوهرُ الكون هو النظام الجميل، وجوهرُ الزمن هو الحركة”.

اسحق نيوتن تأثر بقوة بالكتابات الهرمسية
اسحق نيوتن تأثر بقوة بالكتابات الهرمسية

«إذا ما كانت لك القدرة على أنْ ترى بعينَيّ العقل، عندها يا بُنيِّ، سيتراءى الإلهُ الواحد لك. فالمولى يتجلَّى في الكون، ويمكنك أن ترى صورتَه بعينيك».
(النصوص الهِرمسيّة -الفصل الخامس)

الهِرمسيّة الصُّوفيّة العرفانيّة
إذاً، الهِرمسيّة هي عُرفانية لأنّها ترى إمكانية معرفة الإله الواحد بالاتحاد مع “العقل العُلوي”، وتلقِّي لطافة نور منه تُحقِّق استنارة داخليّة أو “عُرفاناً”. لكن ما لم يتّضح في الهِرمسيّة الإغريقية وهو مسألة التّضادّ أو وجود “وسيط الشر” (Evil Demiurge)، سيتّضِح فيما بعد في “العرفانيّة الأفلوطينية”، فكلّ الخلق خيرٌ وجمال، وإنّما يعود الأمر إلى خيار الفرد وطبيعته وخضوعه لأهوائه وجهله بالميل إلى هذا التضادّ.
وكان كليمُنت الإسكندري على قناعة بأنّ المِصريّين القدماء كانت لديهم اثنتان وأربعون صحيفة مقدّسة تعود إلى هِرمس. وممّا يُلفت الانتباه أنّ المِصريّين كانوا يُقسِّمون بلاد الكنانة إلى اثنين وأربعين إقليماً!
وفي هذا يقول الباحث البريطاني فريدريك غرين (1992) إنّ ثمةَ رابطاً بين الحكمة المِصريّة “الهِرمسيّة “والتعاليم المسيحية والفكر الإسلامي في القرون الوسطى من ناحية العلاقة بين المعرفة العقلانيّة والإلهام والوحي”.
وهذا يكشف دخول المفاهيم الهِرمسيّة إلى أوروبا بعدما نشرتها الترجمات العربيّة، وقد نُقِلَت نصوص هِرمسيّة من العربيّة إلى العديد من اللغات الأوروبية، بدءاً من اللاتينية وصولاً إلى الإنكليزية وتحديداً على يد العالِم الكبير إسحق نيوتن، الذي اعترف بفضل الهرمسية على انطلاقته العلميّة.

الهرمسيّة اعتبرت الإنسان كائنا مقدسا لأن فيه روح الله
الهرمسيّة اعتبرت الإنسان كائنا مقدسا لأن فيه روح الله

الهِرمسيّات والتّهرمُس في الإسلام
كتبَ المستشرقُ لوي ماسينيون أنّ أهل الكوفة “ اطّلعوا على نصوصٍ هِرمِسيّة” وكذلك أهل البصرة، في إشارة إلى علوم وفلسفة “إخوان الصفاء”، في حين أنّ الفيلسوف هنري كوربن (Henry Corbin) تحدّث عن “التّهرمُس” في الإسلام، وأنّ الإسلام “عرفَ الهِرمسيّة قبل أن يعرف قياس أرسطو وماورائياته”.
ولفتَ الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى تأثير الهِرمسيات على التصوُّف الإسلامي وذلك من طريق ذي النون المصري (المتوفى عام 859 ميلادي) والذي شُهِرَ عنه انشغاله بالكيمياء أو الخيمياء الهِرمسية.
ويتحدّث معظم المؤرّخين العرب القدامى عن هِرمِس بأنّه نبي الله إدريس، وأنّه المذكور في التوراة باسم أخنوخ، وأنّه هو الذي بنى الأهرامات. ونجد تأثير الهِرمسيّة على التصوُّف الإسلامي في ما يُسمَّى “رسالة هِرمس في زجر النفس”، المعروفة ضمن إرث الأفلاطونية المُحْدَثة، وهي عبارة عن مناجاة للنفس وتأنيبها ودعوتها للتطهُّر والتقديس، أشبه بمناجاة الصّوفيّة وأشعارها، ونلمس مدى هذا التأثير أيضاً في كتاب “في مسالك العرفان على خطى هِرمس الهرامسة” للمعلّم كمال جنبلاط.
ويشير الباحث البروفيسور تشارلز بورنيت في هذا الصّدد إلى أنّ النصوص اللاتينيّة الأولى حول الخيمياء تمّت ترجمتها من العربيّة إلى اللاتينيّة في القرن الثاني عشر، في كتابَين كما وُجِدَت نصوص خيميائية باللغتين العربيّة واللاتينية تحمل كتابات ورموزاً سرّية. وبذلك تكون النصوص الهِرمسيّة بانتقالها عبر الفكر الفلسفي الصُّوفي العربي وانتشار أصداء هذه التعاليم في أوروبا وراء انطلاق “عصر النهضة”، أكثر من التأثير الذي أحدثه سقوط القسطنطينيّة وانتقال علمائها إلى أوروبا.
وعظمة هِرمِس أقرَّ بها أساطينُ النهضة الأوروبية أمثال: إسحق نيوتن، وكوبرنيكوس، وروجر بايكون، وليوناردو دافنشي، وكذلك توماس مور، ووليم بلايك، وحتى شكسبير، وجميع قادة الإصلاح الديني، وعالِم النفس الشهير كارل يونغ. وأينما حَلّت الهِرمسيّة ومهما كانت حِلَّتُها، تطوّرت العلوم وازدهرت الثقافة والحضارة، من مكتبة الإسكندرية إلى حرّان، وثابت بن قُرّة وقومه الصابئة الذين اعتبروا هذه النصوص كتاباً مقدّساً مُنزَلاً؛ هي صحف هِرمس، وصولاً إلى بيت الحكمة في بغداد، ودار الحكمة في القاهرة، ومن ثم إلى قلب أوروبا إلى أحضان العُرفانييّن في فلورنسا حيث انطلقت شرارة النّهضة الأوروبيّة بفضل العقلانيّة الهِرمِسيّة.

مثل هرمس اهتم فيثاغورس كثيرا بقوانين الفيزياء والطبيعة
مثل هرمس اهتم فيثاغورس كثيرا بقوانين الفيزياء والطبيعة

تسبيح من هِرمِس المثلّث العظَمة
“وأنَّى لي (يا مولاي) أن أُسبِّح بِحَمْدِك؟ فهل أنا حَاكِمٌ على ذاتي؟ وهل لي ما هو مِلكي؟ .لقد أبدعتَ منّي كائناً جديداً لم يعُد يَرى بعينِ الجسد ولكنّه يَشهدُ بنورِ العقل.”

الوجه الإنساني للتجلّي الإلهي
وجاء الفكرُ الإغريقي في الإسكندرية ومصر ليُعيد “الوجه الإنساني الهِرمسيّ الأصيل” للتجلّي الإلهي، وهنا يشير الباحث “ميد” الذي قام بترجمة النصوص الهِرمسيّة من اللاتينية إلى الإنكليزية، إلى أنّ الفكر الهِرمِسيّ المُتَنَاقل عبر الأجيال إنّما يُبجِّل جمالَ وكمالَ الهيئة البشرية أو الصورة البشريّة.
وتحثّ النصوص الهرمسية على لسان هِرمس متحدِّثاً إلى تلميذه تات Tat)، على التفكُّر في الخلق الإلهي؛ في الشمس والقمر والنجوم، والنظام الذي يعمّ الكون، والسّماوات والبحار والأفلاك الدوّارة، وفي خلق الإنسان في الرحم، كلّ هذا يدلّ على وجود صانعٍ خالقٍ مُدبِّرٍ، “هو الإلهُ الواحد فوق كلّ الأسماء، غير المتجلِّي، ومع ذلك يتجلّى ويتراءى للعقل” المتيقّن (المقاطع 3، 5، 6، 10 من الفصل الخامس).
وتؤكّد النصوص بنَفَسٍ توحيديٍّ، ولو غشّاه وشاحٌ من الغموض التأمُّلي، أنّ الإلهَ الواحد “ثابتٌ صَمَدٌ، ومع ذلك هو أصل الحركة ذاتها. لا يشوبُه نقص. هو الباقي دوماً، هو الخالد أبداً. هو الحقّ كما أنّه المُطلق الأكمل الأسمى. لا تُدرِكه الحواس. ولا تُدرِكُه المعرفةُ مهما عَظُمَت”.
ويبتهلُ هِرمس إلى الإله الواحد قائلاً في تسبيحٍ صوفي عُرفاني: “وأنَّى لي (يا مولاي) أن أُسبِّح بِحَمْدِك؟ فهل أنا حَاكِمٌ على ذاتي؟ وهل لي ما هو مِلكي؟ … لقد أبدعتَ منّي كائناً جديداً لم يعُد يَرى بعينِ الجسد ولكنّه يَشهدُ بنورِ العقل..!”
بيدَ أنّ هذا العرفان الذي نعِمَت به مِصْر في أدوارٍ من التاريخ، كان له في كلّ دورٍ نهاية مؤسِفَة. ففي النصوص الهِرمسيّة “نبوءةٌ” مُحزِنَة، فمصر “الحبيبة التي كانت مقرّاً للرُّوحانيات، سيأتي زمنٌ لا يسعى أحدٌ فيها إلى الحكمة، وسيسود الجهل، وستصبح مُوحِشَة، وسيغيب عنها الإله.

حــــوار حــــول حقيقــــة الكــــــون
بين هِرْمِس وتلميذه أشقلبيوس

الله ليس العقل بل مُعِلّ العقل وهو الخير٫ والخير يعطي الأشياء كلَّها ولا يأخذ منها

في ما يلي نبذة من النصوص الهِرمسيّة تمثّل حواراً بين هِرمس مُثلّث العَظَمَة وتلميذه أشقلبيوس:
هِرمس: كلّ ما هو متحرّك يا أشقلبيوس، أَلا يتحرّك بواسطة شيء آخر؟
أشقلبيوس: بالتأكيد.
هِرمس: وألا يجب أن يكون ذاك الذي يُحرِّك، أعظم من المُتحرِّك؟
أشقلبيوس: لا بدّ أن يكون كذلك.
هِرمس: والمُحرِّك هذا، أليسَ له قوة أعظم من المُتحرِّك؟
أشقلبيوس: بالطّبع.
هِرمس: أضِفْ إلى ذلك، إنّ طبيعة الوسط الذي يتحرّك فيه المُتحرِّك، أليست مختلفة تماماً عن طبيعته؟
أشقلبيوس: حتماً، مختلفة بالكامل.
هِرمس: أليسَ هذا الكون شاسعاً حيث لا يُضاهيه في الاتساع جسمٌ أعظم؟
أشقلبيوس: بالتأكيد.
هِرمس: وهائل أيضاً إذ إنّه يكتظ ويزخر بأنظمة عظمى أخرى في داخله.
أشقلبيوس: إنّه كذلك.
هِرمس: ومع ذلك، فإنّ الكون جسم.
أشقلبيوس: نعم، إنّه جسم.
هِرمس: وهو جسمٌ متحرّك.
أشقلبيوس: بكلّ تأكيد.
هرمس: فبأي حجم ينبغي أن يكون الفضاء الذي يتحرّك فيه وبأي طبيعة، ألا ينبغي أن يكون أكثر اتّساعاً (من الكون) كيما يفسح مجالاً للحركة المستدامة،
ولا يقيّد المُتحرِّك فيفقده حركته؟
أشقلبيوس: أجل أيُّها المُعظَّم، وأضخم اتّساعاً.
هرمس: وأي طبيعة له، ألا ينبغي يا أشقلبيوس أن تكون نقيضة تماماً، أليسَ نقيض الجسد ما هو غير مجسَّد؟
أشقلبيوس: موافق على هذا.
هرمس: الفضاء إذاً غير مجسَّد… وأكثر من ذلك، كلّ ما هو مُتحرِّك فإنّما يتحرّك بالثابت، وذاك الذي يُحرِّك هو بالطبع ثابت مستقر من المحال أن يتحرّك.
أشقلبيوس: فكيف إذاً، يا مُثلّث العَظَمَة، تتحرّك الأشياء هنا في الأسفل من قِبَل متحرّكات أخرى؟ إذْ إنّك قد قلت إنّ الأفلاك المتحرّكة تُحرِّكها الأفلاك الثابتة.
هرمس: هذا ليس تحريكاً من قِبَلها يا أشقلبيوس، بل تحرّك تجاه بعضها البعض، إنّه هذا التضاد، هو الذي يُحوِّل مقاومة حركتها إلى استقرار، حيث إنّ تلك المقاومة هي استقرار للحركة. وهنا أيضاً فإنّ الأفلاك المتحرّكة لكونها تتحرّك معاكسة للأفلاك الثابتة، فإنّها تتحرّك معاكسة لبعضها البعض، بشكلٍ متبادَل غير التضادّ عينه. ومجموعات الدّبَبَة في السماء (الدب الأكبر والدب الأصغر) والتي لا تطلع ولا تغيب، ما تظنُّ بها، هل تستقرّ أم تتحرّك؟
أشقلبيوس: إنّها تتحرّك يا مُثلّث العَظَمَة.
هرمس: وما هي حركتها يا أشقلبيوس؟
أشقلبيوس: تلك الحركة التي تلتف دائرة إلى الأبد.
هرمس: لكنّ الدوران، الحركة الدائرية حول محور واحد، هو ثابت بالاستقرار،
إذ إنّ الدوران حول محور واحد يُوقِف الحركة التي تتجاوز هذا المحور، فتصبح ثابتة، والعكس يبقى راسخاً أيضاً بفعل التضاد أيضاً. وسأضرب لكَ مثلاً هنا على الأرض ممّا تشاهده العين، رجلٌ يسبح، الماء يتدفّق ومع ذلك فإنّ مقاومة يديه وقدميه تُعطيه ثباتاً، فلا هو ينجرف معها ولا هو يغرق أيضاً.
أشقلبيوس: لقد قدّمت مِثالاً جَلِيّاًّ، لكن أيُّها المُعظَّم؛ ماذا نُسمِّي إذاً الحيّز الذي يتحرّك فيه الكلّ؟
هِرمس: “غير المجسَّد” يا أشقلبيوس.
أشقلبيوس: وما هو الإله إذاً؟
هِرمس: ليس هو كذلك، إنّما هو مُعِلٌّ لكلّ تلك الأشياء، ومُسبِّب وجودها، وليس ثمّةَ وجود من دونه.
أشقلبيوس: فماذا تقول عن الإله؟
هِرمس: الله إذاً ليس العقل؛ بل مُعِلّ العقل، وليس هو الرُّوح بل مُعِلّها، وليس هو النُّور إنّما هو مُعِلّ النور، لذا يجب أن نُمجِّد الله بهذَين الاسمين: الخير والأب، اسمين يختصّان به وحده وحسب. فليس ثمّةَ مَنْ هو خيّر سوى الله، فهو الخير وحده. وتبرز عَظَمة الخير الكبرى كمُوجِد للموجودات، المُجسَّدة وغير المُجسَّدة منها، المحسوسة والمُدرَكة، فلا تدعُ خيراً بعد الآن سوى الله؛ وإلا ستكون جحوداً، ليس ثمّةَ شيء يُدعَى خيراً في أي وقت كان سوى الله وحده، ادْعُهُ خيراً، ولن تكون جاحداً به أبداً بعد اليوم.
ورغمَ أنّ الجميع ينطِقون بالخير فإنّهم لا يفهمونه، وبذلك فَهُم لا يفهمون الله لجهلهم الخير وعجزهم عنه، إنّهم يختلفون تماماً عن الله، فيما الخير لا يتميّز عنه أبداً. لذلك فإنّ طبيعة الإله والخير واحدة. الخير هو الذي يُعطي الأشياء كلّها ولا يأخذ منها. والله إذاً هو الذي يعطيها ولا يأخذ أيضاً، فالله هو الخير والخير هو الله.

يوثيديموس

يُوثيدِيموس

سقراطُ يَدحضُ السّفسطائيّين

سقراط
لو اكتشفنا كيف نحوّل الحَصى إلى ذهب فإنّ هذه المعرفةَ
لن تكونَ لها أيُّ قيمة إنْ لم نكن نعلمُ كيف نستخدمُ الذّهب

تعتبر محاورة يوثيديموس التي كتبها أفلاطون في العام 384 قبل الميلاد واحدة من عدّة أعمال أعدّها في تلك الفترة بقصد التّصدي للمدّ السّفسطائي الذي كان قد انتشر وبدأ يعيث فساداً في الحياة العامّة وفي الثّقافة الأثينيّة التقليديّة. ومن المحاورات التي خصّصها أفلاطون للتّصدّي للسّفسطائيّين تلك المسمّاة بروتاغوراس ومحاورة جورجياس ومحاورة هيبياس وغيرها لكنّ محاورة ثيوديموس كتبت في المرحلة الوسطى من أعمال أفلاطون وهي تختلف عن المحاورات السّابقة التي تناولت السّفسطائية في تعامل سقراط السّاخر مع اثنين منهم يصبحان موضوع المحاورة الأساسيّ ويجعل منهما سقراط أضحوكة للحاضرين. وفي هذه المحاورة يبيّن أفلاطون هشاشة الحيل اللّفظية والمماحكات الفارغة التي يستخدمها أتباع هذا النّهج بهدف بلبلة المحاور وإخضاعه وكيف يستخدمان نوعاً من “اللّاأدرية” كدخان مناسب للهرب من تقديم إجابات شافية وتضييع الموضوع. ولهذا الغرض ربّما فإنّ الحوار في يوثيديموس يدور مع اثنين من السّفسطائيين لم ينالا شهرة كبيرة كما نال مؤسّس المدرسة بروتاغوراس ومن بعده جورحياس واللّذين يحظيان في محاورتين لأفلاطون سُمّيتا باسمهما بمعاملة أكثر اعتدالاً رغم الاختلاف معهما في كلّ الأمور تقريباً. وبهذا فإنّ يوثيديموس جاءت ربما في مرحلة استفحل فيها أمر السّفسطائيّين لكن مع تدهور شامل في مضمون دعوتهم لصالح المهارات الكلاميّة والأحابيل الجداليّة، وهو أمر غالبا ما يحصل في كلّ تيار إذ يكون في عزّه في ظلّ المؤسّسين الأقوياء والأفذاذ لكنّه ينتقل من بعدهم إلى فريق واسع لا يتمتّع بأيٍّ من المواهب التي توافرت لمن سبقهم وهو ما يعجل في التّداعي التّدريجي لذلك التيار الفكري الذي يفقد لا محالة ثقة النّاس واحترامهم.

إن مقارنة الحوار بين سقراط والسّفسطائيين الأوائل مثل بروتاغوراس وجورجياس بالحوار الذي أورده أفلاطون في يوثيديموس كاف لوحده لإظهار التّبدل الكبير الذي حصل للسّفسطائية في مدة قصيرة نسبيّاً من الزّمن. وبسبب هذا التّبدّل أو التّراجع في مصداقية تلك المدرسة نرى سقراط على غير عادته ينحو منحى الهزء والسّخرية المبطّنة في الحوار مع بطلَيّ المحاورة السّفسطائيّين يوثيديموس وشقيقه ديونيسودوروس. وقد ظهر الاثنان للقارئ كمثال سيّىء عن المنهج السّفسطائي وبدا واضحاً قدر التّخريب الذي باتت تلك المدرسة تحدثه في النّسيج الأخلاقي والفكري للمجتمع الإغريقي. وبالطّبع وبسبب غرابة منطق الرّجلين وأسلوب المماحكة بل اللّامنطق الذي يلجآن إليه في محاولة لكسب الحجّة، فإنّ سقراط لم يجد أيّ صعوبة في كشف هشاشة منطقهما للمشاركين الآخرين في المحاورة.
ومن أجل فهم خلفيات هذه المحاورة المهمّة (والطويلة نسبيّاً) لأفلاطون سنحاول أوّلاً إعطاء وصف موجز لمدرسة السّفسطائيّين مع مقارنتها لاحقاً بالمنطق الجَدليّ لسقراط الحكيم في تعليمه للشّبيبة ولكلّ من كان يأتي إليه طلباً للمعرفة.

من هم السّفسطائيّون
عُرِف السّفسطائيّون بالدّرجة الأولى باعتبارهم معلّمين محترفين، ذاع أمرهم في النّصف الثّاني من القرن الخامس قبل الميلاد، وكانوا ينتقلون بين المدن الأثينيّة ويعرضون خدماتهم في تعليم الشّباب الإغريق من أبناء الطّبقة الثريّة مقابل أجر، وكان الغرض من تعليمهم مساعدة الشّباب على الترقّي في المناصب أو كسب الحجّة في المحاكم أو دخول مجال الخطابة والسّياسة. وبالنّظر لأنّ السّفسطائيّين لم يهتمّوا بالعلم ولا بالفلسفة بل بالجدل وفنّ المناظرة والبلاغة الكلاميّة واستخدام هذه الفنون في قهر الخصم وكسب الحجّة أو المسألة فإنّ المرداف الأقرب لتعليمهم هو ما نسمّية “الدّيماغوجيّة”. لقد تخصّصوا في فن “الإقناع” وتخريج أشخاص لديهم من حيل البلاغة وقوّة اللّغة ما يمكنهم من تشويش الحقائق وبلبلة الخصم وضعضعته. ادّعى السّفسطائيّون أنّ هدفهم بدل تعليم الفلسلفة والشؤون النّظرية هو مساعدة شباب الأسر الثريّة على النّجاح في حياتهم العمليّة والارتقاء في الحقل العامّ أو المهن وهو ما يمكن تشبيهه اليوم بدورة للتّدريب على القيادة.. وبسبب توجّه الحياة في أثينا نحو الرّخاء والثّراء المادّى أو السّلطة فقد لقيَ السّفسطائيّون إقبالاً واسعاً واشتهر الكثير منهم وحقّقوا مكانة وثروات كبيرة.
لكنّ تعليم السّفسطائيّين كان في الوقت نفسه بمثـابة نكسة أخلاقيّة وفكريّة كبيرة لأثينا والمدن اليونانيّة التي كان التّعليم فيها قبل السّفسطائيّين متركّزا على اكتساب الفضائل وقيم الأرستقراطية وخصال المحاربين الأبطال مثل الشّجاعة والقوة البدنيّة والشّهامة. وكان لنشوء الدّيمقراطيّة الأثينيّة وحالة السّلم والرّخاء دور كبير في هذا التّحول إذْ باتت الحاجة أقوى لدى الناس للترقّي الاجتماعيّ عبر قوّة الحجّة والحضور الشّخصي والبراعة في الإقناع والتّأثير على النّاس بالخطابة. ومن أبرز ممثلي المدرسة السّفسطائية بروتاغوراس وجورجياس وأنتيغون وهيبياس وبروديكوس وثراسيماخوس. وقد أقلق صعود السّفسطائيّين بشدّة الحكيم سقراط وتلميذه أفلاطون وقد خصّص الأخير عدداً من محاوراته لدحض الفكر السّفسطائيّ وإظهار فساده وخطره على المجتمع الإغريقي. وحمل العديد من تلك المحاولات أسماء السّفسطائيين المذكورين.
لذلك فإن الهدف الأوّل لأفلاطون من هذه المحاورة هو إظهار التّعارض الأساسيّ بين مفهومين لـ “المعرفة”: مدرسة السّفسطائيّين التي تقوم على الجدل وفن البلاغة وكسب الحجّة بأيّ أسلوب ومدرسة سقراط التي تقوم على المعرفة من خلال البناء المنطقيّ أو الديالكتيكي للحوار بهدف التوصل إلى المعرفة أو الحقيقة.
يعرض أفلاطون محاورة يوثيديموس ليس كحوار بين أشخاص المحاورة -كما يفعل في المؤلّفات الأخرى- بل على شكل رواية يقصّ سقراط وقائعها على صديقه كريتو وهي تتناول جلسة مع السّفسطائيَّين يوثيديموس وديونيسودوروس حضرها بنفسه مع جمع من الشبّان. وأفلاطون هنا لا يريد أن يعطي لهذين الشّخصين صفة المحاورين، لأنّهما حسب تقديره لا يستحقّانها وهو ما سيتّضح لاحقاً من خلال عرض مُجْريات “المحاورة”. .
يبدأ كريتو صديق سقراط بالسّؤال عن اؤلئك الأشخاص “الغرباء” الذين كان سقراط يتحادث معهم في اللّيسيوم وهو مكان للاجتماعات العامّة في أثينا القديمة. ويجيب سقراط بالقول أنهما “أُخرِجا” من المدينة التي كانا فيها ثم وجدا طريقهما إلى الديار الأثينيّة، وهذا الكلام يشير إلى العداء الذي كان عامّة الناس بدأوا يظهرونه للسّفسطائيين والذي كان يصل إلى حدّ سجنهم أو حتى قتلهم أو طردهم. لكنّ السّفسطائيين بدأوا مع ذلك يستفيدون من مناخ الديمقراطيّة اليونانية ويجولون في المدن عارضين خدماتهم لتعليم نهجهم في الجدل وكسب الحجّة. ويتّضح أنّ الرّجلين (يوثيديموس وديونيسودوروس) غريبان عن أثينا من قول كريتو لسقراط إنّه لا يعرف أيّاً من الرّجلين. ويردّ سقراط بتعريف ذي دلالة للرّجلين فهو يخبر كريتو أنّ الرّجلين لا يتمتّعان فقط بخبرة القتال بالدّروع والسّلاح ولكنّهما ماهران في “حروب القانون” فهما يعلِّمان من يدفع المال لهما كيفيّة سوق الحجّة القويّة أمام القضاء. وهما يمتلكان مهارة خاصّة في “حروب الكلام” لدرجة أنّ في إمكانهما أن يدحضا أيَّ حجّة سواء كانت صحيحة أو خاطئة. وإشارة سقراط الأخيرة تشير إلى علّة أساسيّة في تقنيّة السّفسطائيّين وهي إنهم على استعداد لهدم حجّة صحيحة ومحقّة من أجل كسب حرب الكلام، ولهذا السّبب بالذّات فقد شكّك أفلاطون بالمضمون الأخلاقيّ لتعليمهم واعتبر أنّ همّهم الأساسيَّ هو المبارزة بالحجّة والجدل وليس الوصول إلى الحقيقة أو الفضيلة.
يشرح سقراط لكريتو كيف تمكّن من حضور مجلس هذين السّفسطائيّين وما حصل بعد ذلك من حوار بينهما وبين الحاضرين، وبصورة خاصّة الشابّ كلينياس، الذي حضر بهدف معرفة ماذا يمكن لهذين الرّجلين أنْ يعلّماه. وكلينياس كما يصفه سقراط شابّ حقّق الكثير من التقدّم في المعارف وله معجبون كُثر رافقوه إلى مجلس السّفسطائيَّين. وهذا الوصف يجعلنا نفهم لماذا فشل الرّجلان في إقناع كلينياس بتعليمهما وبنهجهما. علماً أن أفلاطون يعطي حيّزاً مهمّا لحوار جانبيّ بين كلينياس وسقراط ليظهر الفارق الكبير في الطّريقة التي تعامل بها السّفسطائيون مع هذا المريد أو طالب العلم وبين الأسلوب الجَدَليّ المنطقيّ الذي يتّبعه سقراط.
النّقطة المهمّة التي سيبدأ بها سقراط استدراج السّفسطائيّيْن هي سؤالهما عمّا يُعلِّمانه، وهو كان يتوقّع أن يُجيبا بما يعلمه عن خبرتهما في فنّ الجدال والقانون مثلا أو الخطابة لكنّه فوجِئ بقولهما إنّهما “يعلّمان الفضيلة” وهو تصريح خطير في نظر أفلاطون الذي اعتبر أنّ من الجرأة بل الصّفاقة أن يُدليَ سفسطائي مهتمٌّ بكسب المال عبر تعليم المماحكة وقلب الحقائق بهذه الدّعوى، وهذا ما يجعله يعمد إلى عرض الحوار لإظهار كذب الادّعاء وتوضيح حجم الضّرر الذي يوقِعه السّفسطائيون في عقول العامّة وفي انتظام المجتمع والفضيلة.
يوثيديموس السّفسطائي لا يكتفي بادّعاء تعليم الفضيلة بل إنّه يزيد بالتّأكيد لسقراط أنّه وشقيقه يعلّمانها أفضل من أيِّ إنسان آخر.
صاح سقراط لدى سماعه لهذا الجواب: يا إلهي! أين تعلّمتم هذا الفنّ؟ كنت أظنّ أنّكما تتقنان فنّ القتال بالدّروع والسّلاح فقط ، لذلك أرجو أن تَعْفُوَا عن قلّة أدبي مع أشخاص عظام مثلكما، لكن هل أنتما واثقان فعلاً ممّا تقولان؟
يردّ الرّجلان بتأكيد دعواهما ويضيفان بأنّهما مستعدّان لتعليم الفضيلة لأيٍّ كان يطلب ذلك (وكأنهما يعنيان بذلك سقراط أيضاً). يردّ سقراط بأنّه متحمّس فعلاً للتّعلّم منهما وأنّ هناك أيضاً شباب مثل كلينياس وستسيبّوس ينتظرون للسّماع من الرّجلين.
يتابع سقراط مخاطباً يوثيديموس: ما يهمّني هو أن أعرف إنْ كان في إمكانكما أنْ تقنعا الشّباب الحاضرين هنا أنّ في إمكانهم تعلّم الفضيلة وأنّ عليهم أن يتعلّموها. ويشير سقراط هنا إلى وجود الشّاب كلينياس الذي يخاف عليه أنّ يسير في الطّريق الخطأ نتيجة تأثير بعض النّاس ويهمّه لذلك (على سبيل الجدل) أن يقوم يوثيديموس وشقيقه بأخذه إلى الطريق الصّحيح. بالطّبع سقراط هنا يستدرج الرّجلين وهو عالم بهشاشة منطقهما، لكنّه يريد للمجتمعين أن يلمَسوا ذلك من خلال الحوار نفسه، وهو سيلعب دوراً مهمّاً لاحقاً في هذا السّياق.

بروتاغوراس أبرز ممثلي المدرسة السفسطائية
بروتاغوراس أبرز ممثلي المدرسة السفسطائية

أحابيل السّفسطائيين
يبدأ هنا فصل مثير تظهر خلاله الأساليبُ الملتوية للسّفسطائيّة في ميدان المجادلة وما سمّاه سقراط “حروب الكلام”.
وافق يوثيديموس على طلب سقراط تعليم كلينياس لكنّه اشترط على الشّابّ أن يجيب على عدد من الأسئلة.
هنا يتابع سقراط رواية ما جرى لصديقه كريتو وهو يذكر أنّ يوثيديموس بدأ بطرح السّؤال التّالي على كلينياس:
يوثيديموس: أجبني يا كلينياس من الذي يطلب العلم هل هو الرّجل العاقل أم الجاهل؟
أصيب كلينياس بالحَيْرة والصّدمة لهذه البداية، لكنّ سقراط شجّعه على أن يجيب بما يفكّر به ولا يخاف!
هنا انحنى ديونيسودوروس حتى اقترب من أذن سقراط وهمس له ووجهه طافح بنشوة الفوز قائلا: مهما كان جواب الفتى فإنّني أتنبّأ لك يا سقراط بأنّه سيتمّ دحض جوابه”
يورد أفلاطون هذه اللّفتة من ديونيسودوروس ليظهرَ من أوّل الطّريق كذب السّفسطائيين في ادّعاء تعليم الفضيلة، وأنّ همّهم الأوّل هو ربح معركة الكلام وهدم المُحاوِر وليس إسداء خدمة التّعليم والإرشاد؟
أعطى كلينياس جوابه فقال إنّ الذي يطلب العلم هو العاقل.
أجاب يوثيديموس من فوره: هناك من يمكن تسميتهم المُتعلِّمون أليس كذلك؟
كلينياس: نعم
يوثيديموس: وهناك الأساتذة الذين يعلمون الشّباب اللّغة والقواعد أو عزف اللّير أو غير ذلك، وهؤلاء هم الأساتذة وأنتم الطلّاب؟
كلينياس: صحيح
يوثيديموس: عندما كنتم طَلَبة في طور التَعلّم فإنّكم لم تكونوا عندها تعلمون شيئاً عمّا تتعلمونه؟
كلينياس : كلّا
يوثيديموس: وهل كنتم عقلاء عندها؟
كلينياس: لا، بالتأكيد
يوثيديموس: لكن إن لم تكن عاقلاً يومها فهذا يعني أنّك لم تكن متعلّماً
كلينياس: بالتّأكيد
يوثيديموس: إذن وبما أنّك كنت تتعلّم ما لا تعرفه فلا بدّ أنّك كنت جاهلاً عندما كنت تتعلّم؟
كلينياس: صحيح
يوثيديموس: إذن يا كلينياس الجاهل هو الذي يتعلّم وليس العاقل كما تظنّ!
يكمل سقراط حديثه إلى صديقه كريتو فيذكر له أنّ أتباع السّفسطائيّين هبّوا في تلك اللّحظة في جوقة من الضّحك والتّهليل الحماسيّ ليوثيديموس الذي “سحق” الولد بعد سلسلة من الأسئلة التي تحمل الكثير من المنطق الشّكليّ والحيل الكلاميّة لكن التي تفتقد لأيّ محتوىً نزيه. كأنّ جمهور السّفسطائيّين كان يشهد مباراة في تسجيل الأهداف ربحها رجلهم يوثيديموس.
قبل أن يستفيق كلينياس من الصّدمة أخذ السّفسطائيّ الآخر، ديونيسودوروس بيده برفق وبدأ ما بدا أنّه فصل جديد في محاولة إذلال الشابّ. أمّا الحيلة فهي أن يظهر له ديونيسودوروس أنّ الجواب الذي أعطاه ليوثيديموس وبدا أنّه الجواب الصّحيح هو الخطأ وأنّ جوابه الأوّل الذي سفّهه يوثيديموس هو الصّحيح! وهذا هوتطبيق ما أسرّ به ديونيسيدوروس لسقراط قبل قليل عندما أكّد له بأنّ كلينياس الشابّ سيخسر الجولة مهما كان جوابه (!).
الحوار-الفخّ الذي نصبه ديونيسودوروس لكلينياس جرى كالتّالي:
ديونيسودوروس: أخبرني يا كلينياس ، عندما كان أستاذ اللّغة والقواعد يُملي عليك شيئاً ممّا يعلمه هل كان الأولاد العاقلون أم الجاهلون هم الذين يتعلّمون ما يمليه؟
كلينياس: العاقلون
ديونيسودوروس: إذن العاقلون هم الذين يتعلّمون وليس الجاهلون، وهذا يعني أنّ جوابك الأخير ليوثيديموس كان جواباً خاطئاً.مرّة أخرى. وكما روى سقراط لكريتو هبّ أنصار الرّجلين جَذلِين بالأسلوب الذي خَيّب فيه ديونيسودوروس الشابّ المسكين كلينياس مجدّداً.
أخذ يوثيديموس ناصية الحديث مع كلينياس وسأله: هل أولئك الذين يتعلمون يأخذون أشياء يعلمونها أم أشياء لا يعلمونها؟
وهنا -يقول سقراط – انحنى ديونيسودوروس باتّجاهه ليُسِرَّ في أذنه مجدّداً أنّ الأمر سيتكرّر أي أنّ كلينياس سيخسر الجولة مهما كان جوابه!
كلينياس: الذين يتعلّمون يتعلّمون الأشياء التي لا يعلمون عنها
يوثيديموس: أليست لك معرفة بالأحرف؟
كلينياس: نعم
يوثيديموس: كلّ الأحرف؟
كلينياس: كلّها.
يوثيديموس: إذن أنت لا تتعلّم كلّ ما يُملي الأستاذ بل الذي لا يعرف الأحرف هو الذي يتعلّم
بعد يوثيديموس تدخّل ديونيسودوروس ليبدأ جولة جديدة من هذه التّرّهات مع الشابّ الذي بدا عليه الضّيق أكثر فأكثر، وحسب سقراط بدا الشابّ مثل كرة يتقاذفها هذان السّفسطائيّان في لعبة مشينة ليس فيها شيء من تعليم الفضيلة بل كلّ ما فيها احتيال بالكلام واللّامنطق وهدف واحد هو تحطيم الطّرف المحاور. وقد ثارت الشّفقة على الشابّ في نفس سقراط وأدرك أنّه بات الآن في حاجة إلى المساعدة.
عند هذه النّقطة في المحاورة، وبعد أن يظهر سخافة الأسلوب السّفسطائي ينتقل أفلاطون ليقدّم حواراً مختلفاً تماماً يجري الآن بين سقراط وبين كلينياس، أي الشابّ نفسه الذي سعى السّفسطائيّان يوثيديموس وديونيسودوروس لإحباطه بمنطقهما الشّكلي الملفّق وأحابيلهما الكلاميّة. وقصد أفلاطون أن يقيم فوراً المقارنة بين أسلوب السّفسطائيين وبين الأسلوب السّقراطي في تربية الشّباب وتوجيهه نحو الفضيلة والسّعادة. من الناحية التقنيّة يبدو وكأنّ الحوار يجري جانباً بين سقراط والشابّ لأنّه يستمرّ لبعض الوقت، ممّا يعني أنّ الآخرين انشغلوا في نقاش آخر ممّا أعطى سقراط الفرصة لكي يحدّث كلينياس.
بادئ الأمر أوضح سقراط لكلينياس أن يوثيديموس وديونيسودروروس كانا يلعبان به ربما على سبيل تدريبه وشد عوده (سقراط يحاول دوماً إلقاء وجه إيجابي على أيّ أمر قبل أن يصل بمحاوره إلى النقطة التي يريد أن يخرج بها). واعتبر سقراط مناورات الرّجلين من قبيل “الرّقص الاحتفالي” حول كلينياس. وأضاف قوله إنّ الرّجلين غير جادّين وأنّهما يستخدمان علمها لنصب الشّراك للنّاس وتضليلهم عبر اللّعب على الكلام. وشبّه سقراط ما فعله السّفسطائيان بمن يسحب كرسيّاً من تحت شخص يهمّ بالجلوس عليها فيسقط الأخير أرضاً، فيغرق هذا في ضحك ساخر من صديقه الذي وقع على قفاه. وهذا التّشبيه الأفلاطوني لفعل السّفسطائيين فيه إدانة شديدة واتّهام لهم بسوء الأدب والرّعونة في التّصرّف.
ثم يبدأ سقراط هذا الحوار مع كلينياس يبدأ بسؤاله أولا: أليس ما يسعى إليه جميع الناس هو السعادة
كلينياس : لا يوجد إنسان على الأرض لا يسعى إلى السّعادة.
سقراط: بما أنّنا نسعى جميعاً إلى السّعادة فكيف نكون سعداء؟ ألا نكون سعداء إذا كان لنا العديد من الأشياء الجيّدة؟
كلينياس: بالتّأكيد
يسأل سقراط بعدها إذا كانت الصّحّة مثلا سبباً للسّعادة، وكذلك اليُسر أو الثّروة أوالوسامة أو الجمال وعلى كل هذه الأسئلة يجيب كلينياس بالإيجاب. يضيف سقراط عوامل مثل الأصل الشّريف والسّلطة وعُلُوّ المقام في وطن الإنسان كأسباب إضافية للسّعادة فيوافق كلينياس أيضاً.
سقراط: لكن ماذا تقول في اعتدال المزاج والشّجاعة والعدل، ألا يجب يا كلينياس أن نضيف هذه القيم إلى خانة الأمور الحسنة أي التي تعطينا السّعادة؟
كلينياس: بالتّأكيد
سقراط: فكّر يا كلينياس إذا كنا قد نسينا سبباً يحقق السّعادة أيضاً.
كلينياس: (بعد تفكير) لا أظنّ أنّنا نسينا سبباً وجيهاً من أسباب السّعادة
سقراط: لقد نسينا أهمّ سبب وهو حُسْنُ الطالع أو التوفيق. إنّ أبسط النّاس يعلمون أنّ التوفيق هو أهم سبب من أسباب السّعادة.
يوافق كلينياس على اقتراح سقراط، لكنّ الأخير يفاجئه بأنّ موافقته هنا في غير محلّها لأنّ كل ما ذكر من أسباب السّعادة قبل ذلك هي التّوفيق بعينه وحُسن الطالع، وبالتالي لم يكن ضروريّاً أن يذكر حُسن الطالع لأنّ في ذلك تكرار للأمر نفسه.
بعد ذلك سيُبيِّن سقراط لكلينياس أنّ الحكمة هي التي تجلب التّوفيق للمرء لأنه بفضل الحكمة فإنّه لن يضلّ المرء أبداً، وسيقوم بعمله جيّداً ويحقّق النّجاح. على هذا الأساس يبيِّن سقراط لكلينياس أنّ من يمتلك الحكمة لا حاجة له بحُسن الطالع أو الحظ.
يُذكِّر سقراط كلينياس بما كان قد بدأ به حديثه حول السّعادة وكيف تنجم عن امتلاك الأشياء الحسنة ، ثم يسأل الشّاب: هل تأتي السّعادة من امتلاك أشياء حسنة لا نستفيد منها أم من امتلاك أشياء حسنة نحقق فائدة منها؟
كلينياس: من أشياء نحقق فائدة منها.
سقراط: وهل نحقّق أيَّ فائدة منها إن لم نستخدمها؟
كلينياس: بالتّأكيد لا
سقراط: إذن أيّ إنسان سعيد لا يكفيه أن يكون لديه أشياء حسنة بل عليه أن يقوم باستخدامها.
هنا يبين سقراط أنّ المقصود هو استخدام الأشياء بالحقّ لأنّ استخدام الأشياء التي نمتلكها بالباطل هو أسوأ من عدم استخدامها، لأنّ الأوّل يفعل الشّرّ بينما الثاني لا يفعل خيراً ولا شرّاً.
سقراط يسأل بعد ذلك: أليست المعرفة هي التي توجِّهنا لاستخدام الأشياء الحسنة التي بين يدينا والعناية بها؟ وهو يبين لكلينياس أنّ المعرفة هي التي تعطي المرء ليس فقط التّوفيق بل أيضاً النّجاح. كما أنّه يظهر للشابّ أنّ الحكمة هي الخير الوحيد الذي يتحصّل للإنسان وليس الممتلكات، وأنّ الجهل هو الشرّ الوحيد الذي يصيبه. بناء على ذلك فإنّ كلّ إنسان عليه واجب تحصيل ما أمكنه من الحكمة قبل التّفكير بتحصيل المال وأنّ عليه أن يطلب الحصول عليها من أب أو من معلّم أو صديق سواء كان مواطناً أم أجنبيّاً.
هنا يثير سقراط نقطة تشكل مفترق خلاف أساسيّ مع السّفسطائيّين وهي أنّ الحكمة يمكن تعليمها ولا تأتي بصورة عفويّة للإنسان. على هذه النّقطة يسارع كلينياس للموافقة مؤكّدا لسقراط أنّه يؤمن بانّ الحكمة يمكن تعليمها، وهذا ما بعث السّرور في نفس الأخير.

أفلاطون الحكيم
أفلاطون الحكيم

سقراط يتحوّل لفضح السّفسطائيّين
بعد إعداد كلينياس وتوضيح الأمور له أخذ سقراط يمهّد لجولة مواجهة مع السّفسطائيَّيْن اللّذَيْن بدآ بمحاولة هدم معنويات الشابّ وإظهار تفوّقهما بحيل كلاميّة. سقراط أوصل كلينياس إلى أنّ كلّ امرئ يهدف إلى السّعادة، وأنّ السّعادة تأتي من الحكمة ومن المعرفة بكيفيّة التّعامل مع الأشياء، مثل الثّروة أو المهارات المختلفة. والأهمّ أنّ الحكمة أو المعرفة يمكن أن تتأتّى بالتّعليم. وفي هذا التّأكيد الذي أوصل سقراطُ كلينياسَ إليه تمهيد مهمٌّ للمواجهة لأنّ السّفسطائيّين لا يعتقدون بأن الحكمة أو المعرفة يمكن تعليمها.
توجّه سقراط هنا إلى الأخَوَيْن يوثيديموس وديونيسودوروس وقال:
أوَدّ أن أعلم رأيكما في ما إذا كان على هذا الشاب (كلينياس) امتلاك المعرفة كلها أو أن هناك نوعا من المعرفة يمكن أن يجعله صالحا وسعيدا وما هي تلك المعرفة في هذه الحال؟ وكما أوضحت سابقا فإننا نعلق أهمية كبيرة على أن نعطي هذا الشاب المزيد من الحكمة والفضائل.
على هذا السؤال البديهي كان جواب ديونيسودوروس صادما فعلا . فهو سأل سقراط: هل أنت جادّ في هذا السؤال أم إنك تمزح؟
أجاب سقراط: نحن جادّون تماما
ديونيسودوروس: أي أنكم ترغبون فعلا في أن يتعلّم كلينياس الحكمة؟
سقراط: بالتّأكيد

ديونيسودوروس: أليس كلينياس حكيماً بعد؟
سقراط: نحن نتمنّى أن يصبح كذلك وأن لا يكون جاهلاً.
ديونيسودوروس: أيّ أنّكم تريدون منه أن يكون ما ليس هو
دهش سقراط لهذا التّفلسف. لكن ديونيسودوروس أكمل منطقه الأعوج بالقول: أنت تريد من كلينياس أن يكون إنساناً آخر غير كلينياس أي أنّك تريد منه أن يموت؟
هذا الجواب من ديونيسودوروس فجّر الوضع إذْ هب ستسيبّوس وهو صديق حميم لكلينياس غاضباً مخاطباً السّفسطائيّ بالقول: لولا واجب الأدب أيّها الغريب لكنتُ قلتُ لك: ليذهبْ بك الطاعون! ما الذي يجعلك تردّد مثل هذه الأكاذيب عني وعن الآخرين.
أخذ يوثيديموس الحديث ليسأل ستسيبّوس: وهل تعتقد أنّ بإمكان إنسان أن يقول كذباً؟ ويبدأ نقاشاً طويلاً آخرَ لا يقلّ عقماً عن الحوارات السّابقة، لكن يظهر من خلاله مدى اعتماد السّفسطائيّين على المماحكة والجدل اللّامنطقي من أجل كَسب جولة النّقاش ستسيبّوس الذي يتمتّع بثقافة وبشخصيّة نقديّة وصراحة ردّ على يوثيديموس بالقول: ماذا تعني بقولك هذا يا يوثيديموس؟ لقد كنت أُدْهَشُ دائماً وأنا مندهشٌ الآن لسماع هذه المقولة التي تردّدها والتي استخدمها تلامذة بروتاغوراس وآخرون قبلهم، إنّها تبدو لي فكرة رائعة وانتحاريّة كما هي مدمّرة وهي قولكم: “لا يوجد شيء اسمه الكذب” لأنّ المرء إمّا أن يكون صادقاً في قوله أم ان يكون كاذباً. وأنا أسألك يا يوثيديموس: هل أنت جادٌّ في قولك أنّه لا يوجد هناك جهل أم أنّك تستخدم القول على سبيل المثال أو المجاز.
يوثيديموس: فلتدحض هذه المقولة إذن.
ستسيبّوس: كيف تطلب منّي أن أدحض قولك وأنت القائل بأنّه لا يمكن لأحد أن يقول كذباً؟!

“سقراط يخاطب السّفسطائيّ يوثيديموس: إنْ لم يكن هناك شيء اسمه خطأ في الكلام أو التّفكير أو العمل إذن أخبـــــرني بحقّ السماء ما الذي أتيــت إلى هنا لتعلِّمه؟!”

الليسيوم وهو المكان الذي تجري فيه أحداث محاورة يوثيديموس لم يبق منه إلا موقع أثري في أثينا الحديثة
الليسيوم وهو المكان الذي تجري فيه أحداث محاورة يوثيديموس لم يبق منه إلا موقع أثري في أثينا الحديثةال

هجوم مباغت من سقراط
كان جواب ستسيبّوس مفاجئاً ومفحماً للسّفسطائيّ المغرور. وفي هذه اللّحظة قرّر سقراط التّدخّل، موجّهاً الكلام ليوثيديموس.
سقراط: إنّ لديّ فهماً شحيحاً لهذه الأمور المعقّدة وآيات الحكمة التي تأتي بها يا يوثيديموس، وأنا أبذل جهداً لكي أفهم تلك الأمور. لذلك أرجو منك أن تعذرني إن طرحت عليك سؤالاً أحمقَ وهو: إذا كان الكذب غير موجود وإذا كان الرّأي الخاطئ أو الجهل كذلك لا وجود لهما فإنّه لن يكون هناك عمل خاطئ لأنّه لا يمكن للمرء أن يرتكب خطأً في العمل، أليس هذا ما تعنيه؟
يوثيديموس: هذا ما أقصده
سقراط: سأطرح عليك الآن السّؤال: إن لم يكن هناك شيء اسمه خطأ في الكلام أو التّفكير أو العمل إذن أخبرني بحق السّماء ما الذي أتيت إلى هنا لتعلِّمه؟ ألم تَقُلْ قبل قليل أنّ في إمكانك أن تُعلِّم الفضيلة أحسن من أي إنسان آخر لأيِّ شخصٍ يرغب في تعلُّمها؟
هذا السّؤال من سقراط يُعتَبرُ ذروةَ الحبكة الأفلاطونية وهو ولا شكّ النّقطة التي تهاوى عندها مثلَ بيت من الرّمال منطقُ السّفسطائيّين.
ماذا كان ردّ فعل ديونيسودوروس على هذه الصّفعة من سقراط؟
لنسمع كيف أجاب هذا الدّعيّ قال: هل أنت جاهل إلى هذه الدّرجة يا سقراط بحيث تثير الآن كلاماً قلتَه في أوّل الجلسة أوربّما كلاماً قلتَه في العام الماضي؟
أي أنّ هذا السّفسطائيّ لم يجد دفاعاً سوى لَوْم سقراطَ كيف يثير في وجهه كلاماً قاله قبل قليل، “أو قاله السّنة الماضية”! وهذا بالطبع تدليسٌ صريحٌ واستهزاءٌ بعقول الحاضرين كـأن ديونيسودوروس يأخذ بالقول المأثور “كلام الليل يمحوه النّهار” أي لا قيمةَ لأيّ كلام أوموقف فالمسألةُ كلُّها إذن لَعبٌ.
حافظَ سقراط على هدوئه متابعاً المناقشةَ، مضيِّقاً حلقة المنطق عليهم ومظهراً تناقض كلامهم في أيّ أمر يتحدّثون به. وبالطّبع فإنّ هدفَ سقراط لم يكن النّقاش للنّقاش بل لكي يُظهر للشّباب الحاضرين بمن فيهم كلينياس وستسيبّوس هُزالَ منطق هذين الغريبين عن المدينة كما أصبح يسمّيهما، مُسْدِياً بذلك خدمة الحكمة بصورة غير مباشرة للشّبان الحاضرين.
أحد الأمثلة على تهافت منطق الرّجلين كانت مثلاً رفض ديونيسودوروس أن يجيب عن أسئلة سقراط وإصراره أن يجيب سقراط بنفسه عن أسئلته. في مكان آخر يُحرج سقراط ديونيسودوروس في مسألة فيغضب يوثيديموس على أخيه مظهراً له أنّه أعطى بأدائه الضّعيف فرصة لكي يحشرهما سقراط ويظهر فشلهما.
هنا يعيب سقراط على يوثيديموس ضَعف منطق شقيقه، فماذا كان جواب يوثيديموس:
قال بكل صفاقة: وهل تزعم يا سقراط أن ديونيسودوروس هو شقيقي؟!!!
هذه عيّنة أخرى من اللّامعقول الذي ينحدر السّفسطائي إليه عندما يجد نفسه وقد وقع في الشّرَك الذي ينصبه للآخرين وهو سلوك يقترب من السّخف المطلق.
على هذا النوع من الهذر لم يتمالك ستسيبّوس نفسه فخاطب الرّجلين بالقول: أيُّها الغريبان! يبدو لي، وبغض النّظر عمّا تعتبران نفسيكما أنّه لا مانع لديكما أبداً لإطلاق كلام فارغ ولا معنى له!
هنا يدخل سقراط على الخطّ ليقدّم للشّباب المستمعين وصفاً آخرَ ممتعاً لهذين السّفسطائيّين. فيقول: هذان الرّجلان ليسا جِدّيّيْن على الإطلاق، لكنّهما مثل ساحر مِصرَ بروتيوس يستخدمان السّحرَ ليظهرا بصور مختلفة فيصيبا النّاس بالدّهشة والذّهول.
يغتنم سقراط هذه السّقطة المنطقيّة الأخيرة من يوثيديموس ليُظهرَ في المقابل نظرة الحكمة الحقيقيّة لأمرِ الفلسفة ولأسلوب تحصيل الفضيلة والمعرفة وهو يسهم بذلك في إظهار التّناقض بين العبث السّفسطائيّ وبين الفائدة الكبيرة التي تنجم للإنسان من تحصيل المعرفة.
وهو يخاطب كلينياس وستسيبّوس وأصحابهما مُذكّرا بأنّ الجميعّ اتفقوا على أهمّية دراسة الفلسفة باعتبارها طريق تحصيل المعرفة، لكنّه يوضح أنّ المَعرفة المطلوبة ليست أي معرفة بل هي التي تحقّق الخير لصاحبها. وهو يذكر الشّباب هنا بأنّه “لو عرفنا جميع الأماكن التي يوجد فيها ذهب في العالم أو لو وجدنا طريقة لتحويل حَصى الأرض إلى ذهب فإنّ ذلك العلم لن يكون له أيُّ فائدة إن لم نكن نعلم كيف نستخدم الذّهب”، أو “لو كان هناك علم يجعل النّاس يعيشون إلى الأبد لكنْ دون أن يزوّدهم في الوقت نفسه بعلم يرشدهم إلى الكيفية التي يستخدمون بها ذلك الخلود فما هو نفع ذلك العلم؟”. وكذلك فإنّ تعلّم أيِّ علمٍ لصُنع الأشياء مثل علم جمع المال أو الطب أو أي فن من الفنون الأخرى سيكون بلا فائدة إن لم نتعلم كيف نستخدم هذه الفنون ونفيد منها في طريق الخير. وبهذا المعنى فإن الفن الذي يصنع الأشياء هو غيرُ الفنّ الذي يعلّمنا كيف نستخدمها بالصورة المُثلى، وهذا مثل الفارق بين من يعرف كيف يصنع آلة موسيقيّة مثلَ العود وبين من يعرف كيف يَعزف عليها.
وسقراط يعيد عن طريق هذه الملاحظة التشديد على أهمّية العلاقة بين المعرفة وبين استخدامها، فلا فائدة من أيّ معرفة إذا لم يكن ممكناً استخدامها في أمر مفيد. وفي هذا تمهيد لتسديد ضربةً قاضيةً للسّفسطائيّة التي تتلهّى بالمعارك الكلاميّة وتسجيل النّقاط والظّهور بمظهر التّفوّق، لكن دون أن يكون لما تقوله أيُّ فائدة أو استخدام عَمَليّ. لقد كانت السّفسطائيّة مرض حقيقيّ ابتُليت به أثينا والمدن اليونانيّة في زمن سقراط وما بعده، لكنّه نَهْج لم يَطُل الأمر به حتى ظهر فساده للجميع فلم يبقَ من آثاره إلا ما ندر.

مؤسسة التراث الدرزي

مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي.

مؤسّسةُ التّراث الدّرزيّ في إصدار جديد

“حَوْران في الوثائق العثمانيّة”

تُعتَبر مؤسّسة التّراث الدّرزي أحد أهمّ مراكز النّشر المهتمّة بتاريخ الشّرق الأوسط مع إيلاء اهتمام خاص بتاريخ الموحّدين الدّروز، وهذه المؤسّسة الّتي تأسّست عام 1999 بمبادرة من رجل الأعمال الشّيخ سليم خير الدّين الذي يرئس مجلس أمنائها، أظهرت استمراريّة في العمل ومهنيّة في اختيار المواضيع والتآليف. وتهدف المؤسّسة حسب ميثاق عملها إلى “إحياء التّراث الدّرزيّ بنواحيه التّاريخيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة وذلك بدراسته وتوثيقه ونشره في العالم العربيّ وبلدان الاغتراب وفي جامعات ومراكز ثقافيّة في مختلف أنحاء العالم. وهي أصدرت منذ إنشائها سبعة عشر كتاباً باللّغة العربيّة وستّة كتب باللّغة الإنكليزيّة.
واصلت المؤسّسة نشاطها في الفترة الأخيرة بإصدار كتاب بعنوان “بين المركز والأطراف: حوران في الوثائق العثمانيّة”، وقد أشرف على إعداده ووضع مُقدَّمتَه الدّكتور عبد الرّحيم أبو حسين، أستاذ التّاريخ في الجامعة الأميركيّة في بيروت. والكتاب هو المجلّد الأوّل في سلسلة ستصدر تباعاً عن المؤسّسة وتضمّ عدداً وفيراً من الوثائق التي تولّت المؤسّسة، بإشراف الدّكتور أبو حسين ومساعديه الاستحصال عليها من أرشيف السّلطة العثمانيّة في اسطنبول وترجمتها إلى اللّغة العربيّة. ويجري حاليّاً إعداد المجلّد الثّاني الذي سيتناول عهد القائمقاميّتين في جبل لبنان، وتبتغي المؤسّسة من هذا العمل الرّائد تسليط الضّوء على سياسة الدّولة العثمانيّة، ولا سيّما تجاه الموحّدين الدّروز، وتزويد الباحثين بمستندات تاريخيّة أوّليّة حول فترة الحكم العثمانيّ تُسْهم في إغناء البحوث التّاريخيّة عن تلك الحِقبة وتصويب بعض الاستنتاجات الرّائجة بشأن تاريخ جبل لبنان وبلاد الشّام.
كما أصدرت المؤسّسة أيضاً ترجمة إنكليزيّة لكتاب المرحوم الدّكتور سامي مكارم “العرفان في مسلك التّوحيد” الذي كانت المؤسّسة قد أصدرته عام 2006. وتهدف التّرجمة إلى تعريف القرّاء باللّغة الإنكليزيّة، لا سيّما الباحثين الجامعيّين والمغتربين، بهذا الكتاب الهامّ الذي يتناول المبادىء العرفانيّة ومسلك التّوحيد.
ورغبة من المؤسّسة بتعميم فائدة كتاب “تاريخ بيروت” لصالح بن يحيى، وهو أوّل كتاب وضعه مؤلف درزيّ في القرن الخامس عشر، بادرت، بموافقة دار المشرق، صاحبة الحقّ بطباعة الكتاب وتوزيعه، إلى إصدار طبعة جديدة من الكتاب الذي يتناول كما هو معروف أخبار أسرة آل بحتر من أوائل القرن الثّاني عشر حتى القرن الخامس عشر، وهو أحد مؤلَّفين تاريخيين تم وضعهما من قِبَل مؤرّخين درزيَّين يتناولان فيهما تاريخ طائفة الموحّدين الدّروز والمناطق الجنوبيّة من جبل لبنان والسّاحل. (الكتاب الآخر هو الذي وضعه حمزة بن سباط تحت عنوان “صدق الأخبار” وقد تولّت تحقيقه الدّكتورة نائلة تقيّ الدّين قائدبيه).
وتناولت إصدارات مؤسّسة التّراث الدّرزي مواضيع متنوّعة مثل “التُّقية في الإسلام”، “الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة”، و “العرفان في مسلك التّوحيد”، و “الأحوال الشّخصيّة للطّائفة الدّرزيّة”، و “تطوّر قضاء الموحّدين الدّروز عبر التّاريخ”، و”المجاهدون الدّروز في عهد الانتداب”، و “فنّ العمارة والزّخرفة في الإمارة التّنوخيّة”، وبالإنكليزيّة ، “المرأة الدّرزية”، و “الموسيقى في الحياة الدرزيّة”، و “ظاهرة التّقمّص”، إلى جانب كتاب شامل عن مختلف العادات والتّقاليد الدّرزيّة بعنوان “أن تكون درزيّاً”. كذلك أصدرت المؤسّسة كتب سيرة لعدد من كبار الشّخصيّات التّاريخيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة ضمّت سلطان باشا الأطرش والأمير مجيد أرسلان والشّيخ بشير جنبلاط ورشيد طليع وعارف النّكدي وسليمان أبو عزّ الدّين وسعيد تقيّ الدّين. كما أصدرت مرجعاً توثيقيّا لكلّ ما كتب عن الدّروز وما كتبه دروز. وتجدر الإشارة إلى إصدار خاصّ للمؤسّسة هو ترجمة عربيّة لكتاب الرّئيس الفرنسيّ السّابق نيكولا ساركوزي حول الحريّة الدّينيّة واحترام الأديان وتقريب الحضارات. (راجع لائحة منشورات المؤسّسة).
وإلى جانب إصدار الكتب تولّت مؤسّسة التّراث الدّرزي تنظيم مؤتمرين علميّين في جامعة أوكسفورد بالتّعاون مع كليّة سانت أنطوني لدراسات الشّرق الأوسط. عقد المؤتمر الأوّل عام 2002 بمشاركة مجموعة مميّزة من الباحثين من لبنان وبريطانيا والولايات المتّحدة وجرى فيه عرض مواضيع متنوّعة متعلّقة بتاريخ الموحّدين الدّروز وأوضاعهم الاجتماعيّة والثّقافيّة. وقد صدرت وقائع المؤتمر في كتاب صدر بالإنكليزيّة عام 2006. وعقد المؤتمر الثّاني في عام 2004 حيث واصل المشاركون الأبحاث التي بدأوها في المؤتمر الأوّل. وتعتزم المؤسّسة تنظيم مؤتمر خاصّ في العام 2017.

منشورات مؤسسة التراث الدرزي بالعربية

Picture of brochuere
Picture of brochuere

العرفان في مسلك التوحيد                                   سامي مكارم
التقية في الاسلام                                             سامي مكارم
الشيخ تقي الدين ابن تيمية                                   احمد حطيط
الاحوال الشخصية للطائفة الدرزية                         الشيخ مرسل نصر
تطور قضاء الموحدين الدروز                              الشيخ مرسل نصر
حوران في الوثائق العثمانية                                عبد الرحيم ابو حسين
تاريخ بيروت                                                 صالح بن يحيى
فن العمارة والزخرفة في الامارة التنوخية                 زينات بيطار
سلطان باشا الاطرش والثورة السورية الكبرى           حسن البعيني
المجاهدون الدروز في عهد الانتداب                      عزت زهر الدين
الامير مجيد ارسلان                                        عاطف ابو عماد
بشير قاسم جنبلاط                                           رياض غنام
نيكولا ساركوزي: الجمهورية، الاديان، الرجاء          حوارات مع تيبو كولان وفيليب فردان
سجّل: أنا رشيد طليع                                        منذر جابر
مشيناها خطى:                                               سيرة عارف النكدي فارس آشتي
سيرة الاديب سعيد تقي الدين                               سليمان تقي الدين
المؤرخ سليمان ابو عز الدين                               اميمة زهر الدين

منشورات مؤسسة التراث الدرزي بالإنكليزية

مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي 2
مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي 2مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي 2

The Druze Heritage: An Annotated Bibliography                                        Editor:Rana Y. Khoury
2nd edition                                                                                                  Introduction by Kamal Salibi
Mysticism in the Druze Faith                                                                      Sami Makarem
Being a Druze                                                                                            Fuad I. Khuri
The Druze: Realities and Perceptions                                                       Edited byKamal Salibi
Music in Druze Life                                                                                    Kathleen Hood
Gender & Religion: Druze Women                                                             Intisar J. Azzam

مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي 1
مؤلفان جديدان من مؤسسة التراث الدرزي 1

هذه الكتب بالعربية وبالإنكليزية متوافرة في المكتبات ويمكن الحصول عليها مباشرة من مؤسسة التراث الدرزي على العناوين التالية:
هاتف: 01/739750- 01/347923
Email: info@druzeheritage.org
druzeheritage@hotmail.com
www.druzeheritage.org

اللغة والحياة

اللغة والحياة

لا يمكن لأي لغة مهما تحصنت ضد التغيير أن تنجو منه

لا يكابر احد في أن اللغة العربية، ابنة اللغة السامية، وقد نشأت في شبه الجزيرة العربية، خلافاً لما يراه الصديق الدكتور مروان المحاسني رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، وجاء ذلك، في جميع المصادر الثابتة الدقة، والمراجع الصحيحة الاسانيد، حيث ذكرت “ان العربية من اللغات السامية، ترعرعت في قوم قحطان و عدنان، بين العرب العرباء والعرب المستعربة، وهم جميعاً في شبه الجزيرة العربية.
اما انها ابنة السامية،واخت السريانية و العبرية،فليس في ذلك ريب، الا عند الغلاة، او عند الذين ينشدون الامور السياسية، كصديقنا، قبل الالتفات الى الحقيقة العلمية والتاريخية، فالعربية من السامية، وهذا قاطع ولا نقبل الجدل فيه.
وبعد،،،فليست مشكلة اللغة العربية في ذاتها، بل في الذين يضعون مناهجها للطلاب،في المدارس ، والجامعات وليست هذه اللغة العظيمة،بحاجة الى من يدافع عنها،لا لانها لغة القرآن،ووعاء الايمان فقط،ولا لانها مخزون علوم العرب وثقافتهم وتاريخهم وخبرتهم الانسانية،وتراثهم الحضاري فحسب؛ بل لان فيها من الطواعية،والثروة اللفظية¹، والقدرة على استيعاب الفاظ الحضارة، ما يجعلها قابلةً للحياة والاستمرار.
فالمشكلة،اذاً، فينا وليست فيها. والعربية، – يا رعاك الله – لغة ثقافة، وعلينا ان نوازي فيها اليوم، بين الموروث والراهن، ونحن باستمزاجنا هذين معاً، انما نريد اثراءها بالدخيل من الالفاظ التكنولوجية، فلا تضيق (وهي اوسع اللغات) عن مواكبة هذا العصر التقني المتسارع، فللتطور احكامه في مضمار اللغة ما يجعلها وافية بحاجات عصرها. وفي برهة هائلة كالتي نعيشها، لا تكاد لغة، مهمت تحصنت ضد التعبير، ان تكون في نجوة منه.
ان نتاج هذا التقدم العلمي المكتسح، الذي يولد مئات المصطلحات الجديدة، هو حاجة تفرضها صيرورة الحياة على اللغات، فترغمها على المجاراة من اجل ان تعيش، فاللغة التي لا تتسع لحاجات عصرها مآلها الانقراض.
وانت، اذا اردت التعرف على الاطار الحضاري لشعب من الشعوب، في زمن من الازمان،فادرس لغته، ففي عروق اللغة يعيش نبض العصر.
ونعم، ان الاستجابة لمستلزمات التبدل داخل (الانسان) والتطور المحيط به من كل ناح، توجب اعادة النظر في الكثير من مسلماتنا اللغوية، فلا يضطر العرب الى البحث عن لغة صديقة، تفي بحاجات عصرهم وتحمل افكارهم الجديدة، فما تترجم عنه اللغات من عواطف وخواطر، لا يقف عند حد، ولا يمكن حبس اية لغة ضمن سياج وهمي من محتويات المعاجم، ومفردات الثقات، وتقارير المجامع العلمية، لان الميول الباعثة على التعبير، لا تأبه للمعاجم، ولا تعنى بآراء الثقات، ولا تتكيف بتقارير المجامع.. فخوالج الانسان هي لغة الحياة، ولغة الحياة فوق القواميس، واجدني في هذا السياق، مضطراً الى القول ان اعداء اللغة العربية هم اولئك الذين دفعتهم حماستهم (ربما) الى التحجر والانكماش والتصدي، بعصبية الجاهلية، لكل مفردة عصرية، غير عربية، تحتاج اليها الحياة؛ في حين تقضي محبتنا للغة وغيرتنا عليها، قليلاً من الملاينة والانفتاح، فاللغة كائن حي، يولد ويموت، وقدرها ان تأخذ وتعطي، لانه لا يمكنها ان تتطور وتستمرّ، الا اذا كانت لغة حية، تعبر بوضوح عن ثقافة الاحياء وشعورهم واغراضهم، ولكي تكون كذلك، علينا ان نجعلها تتفاعل مع اللغات الحية الاخرى، وان نقنع المتحمسين لها – على غير هداية – ان اللفظ الدخيل، ليس عدواً لنا، بل صديق.
اعرف تماماً، معرفة الخبير، ان العربية الفصحى، لا تعجز عن وضع تسميات عربية لكل ما يطرأ من الفاظ تقنية اجنبية، لأن في لغتنا من الموازين واشتقاقاتها، اي من حروفية الافعال² وتنوعها، ما يضمن لها ذلك، غير ان عدداً كبيراً من هذه التسميات، لا يفهمها اهل العروبة انفسهم، (وشبابنا الطالع بنوع خاص)، في حين ارى وظيفة اللغة (اصلاً) هي التواصل و التفهيم.
فماذا يمنعنا من استعمال اللفظ الاجنبي، بحروفه، او بحروف عربية، مثل:
“الكمبيوتر” و”الانترنت” و”التلفزيون” و”التلفون” وغيرها، كما سماها مخترعوها الاجانب، وانا ضمين لكم ان الوجدان لن يغترب، والقاموس لن يغضب، والعربية لن تبور.

ومشكلتنا اليوم، ان التسميات التي وضعتها وتضعها المجامع اللغوية³، غير كافية للدلالة على المعنى الوضعي والمعنى الاستعمالي للاجهزة التقنية، ما لم نشتق من الاسم – السهل اللفظ – افعالً تراعي الدقة العلمية والدلالة العملانية للوظيفة التي تقوم بها هذه الاجهزة، في حيز الاستعمال.
اننا – يعلم الله – نحب هذه اللغة العريقة حباً جماً، ونغار عليها غيرة بصيرة، ولقد احرقنا رؤوسنا في دراستها والتعمق في فقهها وعلومها ، وانفقنا اعمارنا بحثاً في تاريخها واصولها،غير اننا نحبها بموضوعية وانفتاح، لا بعصبية وانغلاق، ونريد لها ان تفي بمتطلبات العلم وما يحتاج اليه ذلك من جرأة وتصحيح، لأننا نريد ان نحافظ عليها بوعي مسؤول، وان نحرسها بعقولنا، خلافاً للذين يضعونها في صندوق مغلق ويحرسونه كمن يحرسون الضريح.
وبعد، فاننا على مذهب الشيخ عبد الله العلايلي، رحمه الله، ومع شعاره القائل: “ليس محافظة التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً، التصحيح الذي يحقق المعرفة” .. واعلم ان (كل ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم4).
واذا كان بعض “الاصوليين” في اللغة، يأنفون الدخيل، فما رأيهم بموقف سماحة الامام الاكبر، شيخ الازهر – وهو الاخلص للعروبة، والاعلم بالعربية – حين قال: “اللغة العربية، اوسع اللغات مذهباً، وهي واسعة الصدر للدخيل، ما ان تراه حتى تخلع عليه ثوباً من ثيابها، وترده الى اوزانها، وتتخذه ولداً من اولادها، تعامله معاملتها، فتنشق منه، وتنصرف فيه”؟
واليك طائفة من الاسماء الجامدة، السهلة، التي وضعها علماء اللغة اللبنانيون، في عصر النهضة، ولم يزل العرب يستعملونها في شتى ديارهم – منذ اكثر من مئة عام – ويا حبذا، لو كان ما يولدونه اليوم مثل هذا، فالمشكلة في الجدد القدماء لا في القدماء المتجددين، واريد به “العقلية” وليس العصر.
فقد وضع احمد فارس الشديق لفظ (حافلة) مقابل (اتوبيس) Autobus
و وضع الشيخ ابراهيم اليازجي لفظ (مجلة) مقابل (جورنال) Journal
و وضع الشيخ ابراهيم الحوراني لفظ (مجهر) مقابل (ميكروسكوب) Microscope
و وضع الدكتور يعقوب صروف لفظ (صلب) مقابل (فولاذ)
و وضع الشيخ سعيد الشرتوني لفظ (قطار) مقابل (ترام سكة الحديد) Train chemin de fer
و وضع الدكتور بشارة زلزل لفظ (اللبونة) للحيوانات الولودة التي تغذي صغارها بلبنها
و وضع الشيخ عبد الله البستاني لفظ (عقيلة) مقابل (مدام) Madame
ولفظ (آنسة) مقابل (مدموازيل) Mademoiselle
و وضع الشيخ عبد الله العلايلي لفظ (الاستون) للماسورة تمر الرصاصة المنطلقة عبرها.
ولم ينشد احد من هؤلاء العلماء، استعمال الالفاظ الوحشية الجافية.
ومن الالفاظ (الدخيلة على العربية)التي تقبلتها لغتنا، وصارت من نسيجها، اقتصر على الالفاظ التالية:
بيدر – زبون – سفينة – سكين – ساقية – مسمار – سمسار – سوق (كلمات آرامية)
بارجة – كوب – منديل – ميل (كلمات لاتينية)
ترسانة – قنبلة – بكرة – عربة (كلمات تركية)
ابريق – ببغاء – برنامج – بستان – جاموس – جوهر – خليج – دستور- صندوق (كلمات فارسية)
بطاقة – اسطورة – اقليم – بارود – برج – حوت – زواج – درهم – سفير – قانون – قرش – قرميد – هرطقة (كلمات يونانية)
وبالمقابل فان بعض اللغات الاوروبية، دخلت عليها الفاظ من العربية، خصوصاً بعد الفتح العربي لأوروبا سنة 1453 ومن هذه اللغات: الفرنسية، الاسبانية، الانكليزية، اللاتينية، وسواها.

الشعر العامي

عــن الشّعـر العامّـــيِّ فــي جبــل العــرب

-الحلقة الأولى-

سُجّل أوّل نزوح لبني معروف الموحّدين إلى جبل حوران عام 1685 م عندما قدم من جبل لبنان إلى أطراف اللّجاة أحد الأمراء المعنيّين وهو على الغالب الأمير علم الدّين المعنيّ مع عدد من أنصاره الذين استقرّوا في نجران عاصمة اللّجاة، ولكنّ الأمير المعنيّ سرعان ما عاد إلى جبل لبنان تاركًا أمر أنصاره إلى وكيله حمدان الحمدان الذي سيصبح زعيمًا للقادمين الجُدد، ويشير الدّكتور عبد الله حنّا في كتابه “العاميّة والانتفاضات الفلّاحيّة في جبل حوران” إلى محاولات استكشافيّة سبقت هذا النّزوح لأُسَر استقرّت في نجران… وأنّ هذا النّزوح الدّرزي الأوّليّ إلى جبل حوران كان مرتبطًا بالصّراع الدّائر آنذاك في جبل لبنان بين الأسر الإقطاعيّة، وكان هذا الصّراع قد بلغ ذروته فيما بعد في معركة عين دارة 1711م وقد أسفرت تلك المعركة عن نزوح أوسع لليمنيّين ( أحد أطراف الصراع ) إلى جبل حوران حيث نزلوا ضيوفاً على إخوانهم النازحين عام 1685م ثم ما لبثوا أن انتشروا في القرى الشّمالية من جبل حوران بعد صراع دامَ سنوات مع البدو الذين لم يُعمِّروا بيوتًا ولم يزرعوا أرضًا.
وفي مطلع القرن التّاسع عشر 1811م وفد إلى الجبل نزوح درزيّ ثالث مؤلّف من ستمائة أسرة قدمت من حلب، وجاءالنّزوح الرّابع في أعقاب الصّراعات الاجتماعية وتحوّلها إلى صراع طائفيّ عام 1860 م في جبل لبنان، هذا النزوح الرّابع سكنت أسره في المنطقة الشرقيّة والجنوبيّة الشّرقيّة من الجبل وقد نجم عن تلك الهجرات تغيير أساسي في بنية الجبل الديموغرافية لأنّها ضمّت حسب رأي كرد علي بالإضافة إلى فلّاحين من جبل لبنان مجموعات من وادي التّيم والجبل الأعلى (من أعمال حلب) ومن صفد وعكّا وغوطة دمشق وإقليم البلّان، وحسب رأي كرد علي فإنّ الدّروز “أخذوا يرجعون إلى أخلاق البادية بعد أن أوشكوا أن يدخلوا في الحضارة من اللّبنانين الغربيّ والشرقيّ” والواقع أنّ هذا الانكفاء نحو أخلاق وثقافة البداوة مردّه الأوضاع التي عاشوها في جبل حوران وظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية1.
ومن خلال هذه اللّمحة الموجزة لتاريخ الحضور الدّرزي في جبل العرب ندخل إلى تاريخ الشعر العامّيّ (النّبطيّ) الذي أصبحَ مكوّنا أساسيًّا في الثُقافة الشّعبيّة أو الفولكلور الجمعيّ لأهل جبل العرب.

تطوّر الشّعر العامّي (النّبطي) في جبل العرب
يعودُ بنا هذا العنوان الواسع إلى مرحلة توطُّن الأجداد في جبل العرب والموجات البشريّة المتتالية التي اتّخذت من الجبل مقرّاً لها في نهاية المطاف، منذُ أوّل نزوح من لبنان في أواخر القرن السّابع عشر ومطلع القرن الثّامن عشر الميلاديّ خصوصًا بعد معركة عيندارة عام 1711 التي أدّت إلى أكبر موجة هجرة قسريّة أو اضطراريّة لدروز الحزبيّة اليمنيّة من لبنان بعد هزيمتهم على يد حيدر الشّهابي والدّروز القيسيّة.
وكان من الطّبيعي أن تنقل تلك الموجات معها اللّغة أو بالأحرى اللّهجة التي كان أفرادها يتداولون بها في موطنهم السّابق وهي كانت على العموم اللّهجة اللبنانية المميّزة لأهل جبل لبنان ولاسيّما الدّروز الذين كانت لغتهم أقرب ما يكون إلى اللّغة العربيّة لأجدادهم الذين قدموا إلى لبنان بعد الفتح الإسلاميّ لبلاد الشّام. لكن كان من الطّبيعي أيضًا أن تتطوّر تلك اللّهجة تدريجيًّا بتغيّر الموطن والظّروف والتّفاعل الاجتماعيّ والسّياسيّ مع المحيط الجديد الجغرافيّ والسّكّاني والثّقافي. وقد تجلّى هذا التّأقلم في أشعارهم بل وصبغها منذُ البداية بالصّبغة البدويّة مع احتفاظهم باللّهجة المتداولة ذات الجذور اللّبنانية في حياتهم اليوميّة.
في البداية كانت لغة الشّعر العاميّ في جبل العرب هي اللّهجة اللّبنانية المحكيّة التي استقدمها النازحون معهم والتي استعارت من الشّعر الشّعبي اللّبناني (الزّجل) تشكيل القصيدة ولغتها، وهذه اللّغة لم تزل إلى الآن موجودة في أشعار الجبل ولكن بنسبة قليلة قياساً للغة البدو التي سيطرت على القسط الأكبر من الشّعر الشّعبي.. وتنقل لنا الوثائق التّاريخية أُولى هذه الأشعار وهي من نظم أسعد نصار المُتَوفّى عام 1825 م والذي جاء إلى الجبل من راشيّا الوادي في جنوب لبنان، وقد برزت شخصيّة الشّاعر نصّار في غُرّة القرن التّاسع عشر، إذ نظم مجموعة قصائد زجليّة لبنانيّة بحتة وهي لغته التي لم تزل محتفظةً بمعطياتها الأصليّة والتي حاكى من خلالها محبوبته في لبنان بعد أن أصبحت بعيدة عن ناظره وبعد أن حالَ جبل الشّيخ بينه وبينها ..ومنها قوله:
فوق الجبـــــــــــــــــــــــل يــــــا ريح ســــــافــــــــــــــــر بـــــــــالعجــــــــــــــــــــل
نجمي قَـــــــــــــــــــــــــــرّب عليك بْعيد خطوات المجال
غَطَــــــــــــــــــس فــــــــــــي بــــــــــــــــــــــرج عــــــالــــــــــــــــــــــي واختفـــــــــــــى
وْطَــــــــــــــــــــــــــــــــلّ وْنَفَذ من خلف ظَهْــــــرَك يــــــــــــــــــــــــا جبَل
ونلمس في هذا النموذج أسلوب الزّجل اللّبناني المتعارف عليه في إسقاط حرف المد من قافية القصيدة عندما يضطرّ إليها الشّاعر فتراه يوفّق بين “المجال” و “يا جبل” كقوافٍ وهو يعتمد بذلك على المَدّ اللفظي لمفردة (الجبل) وفي هذا شيء من الإلقاء الموسيقيّ الخاص بالزّجل، وهذا الأمر سيبقى أثرهُ جليّاً في أشعار الشّعراء المعاصرين في جبل العرب والذين جاؤوا بعد قرنٍ تقريباً من أسعد نصار أمثال ثاني عرابي وسلمان النّجم عمّار ونجم العبّاس (أبو اسماعيل) وحامد العقباني وغيرهم.
ولكن عندما بدأ أسعد نصّار يخوض غمار الواقع الجديد ووجد نفسه وسط دوّامة من النّزاعات والتّعاملات اليوميّة مع المحيط القَبَليّ البدويّ للجبل بدأ بتغيير (لغة قصائده) في محاولةٍ جادّة لتبنّي المفردات السائدة وصياغة الشّعر بما يمكّنه من إيصال الفكرة والصّورة إلى المحيط الذي يعيش فيه، وهذا ما نلمسه في قصيدةٍ يفخر من خلالها بقومه بني معروف مخاطباً فيها الشّيخ البدويّ فندي الطيّار (قبيلةولد علي من عنزة) إثر نزاعٍ امتدّ لفترة من الزمن بين الفريقين ومنها :
حِنّا بني معروف نحمي الجار لـــــــــــــو جار
نِـــــــــــــقْنـــــــــــى المــــــــزَنَّـــــــــــــــــــــــد2 فْتيـــــلـــــــــــــــــــكْ مـــــا نْـــــــــــــــــــداريــــــــــــــه
وسيــــوفنا الحــــــــــــــــُدبْ تقــــــــــــــــطـــــع كـــــــــــــــــــــــــــــل زِنّــــــــــــــــار
وســـــــــــــــــــــــلاحنـــا لـــــــــــو صَـــــــــــدَى بـــــــالـــدّم نجــــــــــــــــــليـــــــــــه
مـــــــــــا تُذكُــــــــــــــر يـــــــــــــوم مُـــــــــــــــــــرْدُك والـــــــــــــــــــــــــذي صــار
ويــــــــــــوم الجنينـــــــــــــة يــــــا فنــــــــــــــــــــدي اِنـــــــــــت نـــــــــــاسيه؟3
وهذه القصيدة تعتبر من الإرهاصات الأولى للشّعر العاميّ “النّبطيّ” في جبل العرب، ومن الواضح أنّ لغة الشّاعر الأصليّة لم تزل مسيطرةً عليه فتجد القصيدة تحمل خليطاً من المنحى اللّبناني والمفردات البدويّة على حدٍّ سواء، كما أنّه من الواضح أنّ وزن أبيات القصيدة مُضطرب في كثير من المواضع وذلك أنّ الشّاعر نظم في وزنٍ فُرِضَ عليه وهو لم يتعامل معه من قبل وهذا الوزن هو “الشّروقي” كما يُعرف في جبل العرب وأصل تسميته “المسحوب” عند البدو.
وفي تتبّعنا لحركة الشّعر العاميّ (النّبطي) في جبل العرب ندخل في شطرٍ آخر من القرن ذاته، وذلك من خلال قصائد الشّيخ أبو علي قسّام الحنّاويّ المتوفّى عام 1884م والذي برزت شخصيّته في حروب اللّجاة ضدّ ابراهيم باشا المصري في أواخر النّصف الأوّل من القرن التّاسع عشر أثناء الحملة المصريّة على بلاد الشّام والتي امتدّت من عام 1832 حتى 1840، وكانت قصائد الشّيخ الحنّاوي تحمل الخليط اللغوي ذاته الذي حملته قصائد أسعد نصّار، فبين أيدينا مجموعة قصائد تدُلّ على زيادة تأثّر الشّعر الشّعبي في الجبل بلغة البدو نتيجة التّعامل الأطول والأعمق مع القبائل البدويّة وبالذات “السّْمير من ولد علي من عنزة” والسّمير من ولد علي هم فرع من قبيلة الرّوَلَة الكبيرة العنزية الأصل، وكان للشّيخ الحنّاوي دورٌ تاريخيّ في هذا المجال إذ تميّز بالفروسيّة والحنكة السّياسيّة، وعلاقاته العشائريّة الواسعة كما نستدلّ على ذلك من قصائده وأشعاره ومثالنا على هذا أبيات من ملحمته الشّعرية الشّهيرة بـ “ملحمة اللّجاة” التي نظمها في العام 1838م حول حروب اللّجاة ومقاومة بني معروف لحملة ابراهيم

باشا التي قادها ضدّ الموحّدين في جبل حوران، يقول:
من بعــــد ذا ابراهيــــم جرَّد علينـا
يبغى الحرايب عســــكرًا” جرّار
دخل اللّجــا زحفًا بجيشٍ عَرمــرم
و نحنا قـــــــــــلايل و العـدوّ كثـــــــــار
صِحْنـــا كما تهدر سبـــــــــــاع الكواسر
عَ القــــــوم بــــــــــــــالبلـــــــطات و البتّــار3
وبرج الغضب جانــــــــــــــا ابراهيـــم باشا
بـــــــــــالأرناؤوط والتّـــــرك و البلغار
ذَبَحْنا الوزير وكلّ ضباط عسكـــــرو
وثلثين جيشه راح قـَصف اعْمـــــــار
ستّيـــــن كون نـــقابـــــلو و ما نهابــــــــو
و نكســـــر جيوشـو بـــــــقوّة المختار
اخذنا المدافع و الجباخان والذُّخَـر
و الذّبـْــــــح لا يُحصــــــــى لهُ مِقــدار
و كـــــم بطــــل منّا خلاوي إذا لَكـَــد
ْ على الجمع يدعي الجـــيوش دَمـار
يفعل بهم ما يفعل الـــــذّيب بــــــالغنـــــــم
بْضَرْب اليمانـــــــــي الصـّارم البتـّـار
هذي قــــــــلــــــــعتنـــــــا و هذي لجاتنـــــــا
تربـــــة اعْــــــــدانا من دخلـها حـــــار
ترى جدّنا النّعمان خليفة سمـــــــا لخــم
ومنـــــــــذر و هـــــاني ســــادةً أخيار
سلمان والمقداد أيضَـا جــــدودنـــــا
أبو ذر و رفاعـــــة وكــــــــذا عمّــار
وهذه القصيدة تجاوزت المئة بيت وثّقَ من خلالها الشّيخ الحنّاوي مرحلةً تُعَد من أخطر مراحل تثبيت الوجود المعروفيّ في جبل العرب، وهذا النّموذج من القصائد يُسمّى “الهلالي” وسيكون لنا وقفة مع هذا الوزن ومصدرهُ وسبب تسميته في فصلٍ تالٍ من هذا البحث، وفي التّدقيق بالمنحى العامّ لقصيدة الشّيخ الحناوي نجد أنها مستقرّة الوزن أكثر من تجربة أسعد نصّار في “النّبطي “ ولكنّ المفردات والتراكيب المحلّية ذات الجذور اللّبنانية لم تزل تسيطر على جسد القصيدة بشكلٍ واضح مثل ( جرّد علينا ) و (عسكرو ) (ستين كَون) إلخ، مع بروز المنحى النّبّطي الجليّ .وللشّيخ الحناويّ مجموعة قصائد تُعدّ في الطبقة الأولى من الشعر التوثيقيّ أو شعر الأخبار.
ومن ثمّ نصل إلى مرحلة الشّعر النّبطي الأوّليّ لشعراء الموحّدين الذي تحوّل مع الوقت إلى الرّكيزة الأولى للشّعر العاميّ في جبل العرب من حيث لغة القصيدة وجزالة صورها واستعاراتها ومحاكاتها للواقع. وشيخ هذه المرحلة بلا منازع هو الزّعيم شبلي بك الأطرش المتوفّى عام 1904م، والذي استطاع من خلال قصائده توثيق مرحلة وافية من مراحل الكفاح ضد الاضطهاد العثمانيّ. وشبلي الأطرش عاصر الشّيخ الحنّاوي في أواخر حياته وتعرّض للسّجن من قبل العثمانيين وخاض في نزاعاتٍ وثورات محلّية كادت أن تنهي زعامة آل الأطرش في جبل العرب وعلى رأس تلك النّزاعات الحركة الفلّاحية 1885ـــ1890 م (الثورة العاميّة الثانية)، فنجد لدى شبلي الأطرش مجموعة قصائد تخصّ هذه الشّؤون، وفي سياق تتبّعنا لحركة تطوّر الشّعر العامّيّ في الجبل نجد أنّ شعر شبلي يتربّع على عرش مرحلة النّتاج الأوّلي للشّعر النّبطي في الجبل، إذ أرسى هذا الشّاعر قواعدَ مازالت إلى الآن مستخدمة لدى شعراء الجبل بشكلٍ جليّ وذلك من خلال الأوزان المتنوّعة التي نظم بها ومن خلال الأسلوب والشّكل، ولو أخذنا مثالاً من شعره لوجدنا هذه السّمات جليّةً ومنها قوله :
يــــــــــــــــــا راكباً من عندنا فوق سـَــــحوان
حُرًّا مْعنّى يَسـْـــهــــــــــــج الدَّوّ حايل
من ساس عَيْرات اللّحاوي شْعيلان
مثــــــــــل العَنود اللّي يقود الجمـايل
إنسِفْ عليه الكُورْ وِحْــــــزام وِبْطــان
والمَيْـــرَكَهْ أمّ الهَـــــــــــدَب والظّلايــــــــل
الصّبــح من سيناب والضَّوّْ ما بــــــــــــان
ثَـــــــــوِّرْ ودونـــــــــك للنّبـــا والرّســــايل
وهذه الأبيات مُختارة من مطلع قصيدة يرسلها من سجنه في سيناب من الأراضي التركيّة إلى صديقه أبو عجاج من آل بحصاص الرّياشنة في الجبل، ونلاحظ هنا اعتناء الشّاعر بوصف النّاقة (الذَلول الحرّ بلغة البدو) التي يُقدّمها لنا بصيغة المُذكّر ـــ هذه الصّيغة التي ستأخذ مداها فيما بعد عند شعراء الجبل المعاصرين وذلك من خلال قصائدهم الغزليّة النّبطية ـــ والشّاعر هنا يُكلّف راكب النّاقة بإيصال القصيدة، وهذه الناقة كما يصفها سريعة (سحوان) وأصيلة (حُرًّا) وتقطع الفيافي (يسهج الدّوّْ) وغير منتجة أي (حايل) لم تَلِدْ فهي قوِيّة وهذه الصّفة يحبّذها البدو في الناقة التي تُخَصَّص لقطع المسافات الطّويلة، وهي أيضاً من إبِل قبيلة الشَرارات (قبيلة اللّحاوي) الذين عُرِفَ عنهم تربية النّوق المنخوبة المؤصّلة، وهي ذات لون مائل إلى الحُمرة (شعيلان) وهي كالغزال الذي يقود الغزلان (العنود اللّي يقود الجمايل) والجميلة هي مجموعة المها التي كانت تعيش في البراري العربيّة، ومن ثمّ يدخل الشّاعر في وصف كساء النّاقة من (كور) و (حزام) و (بِطان) و (ميركة) .في أبيات مختارة تتخللّها في الأصل أبيات يُمْعن من خلالها بشكلٍ دقيق في وصف كلّ ما يخصّ هذه النّاقة، ومن ثمّ يَصف الدّرب الذي ستقطعه إلى أن يصل إلى صديقه (أبوعجاج) فيمدحه بما يليق به ومن ثمّ يطرح موضوع القصيدة، وهذا الأسلوب مأخوذ عن شعراء البدو المشهورين في نجد وشمال الحجاز وبوادي الشام وهم الذين شَكّلوا مصدر التّجربة الشّعرية النّبطية لشعراء بني معروف في جبل حوران، ومن أولئك الشّعراء البدو محسن الهزاني وابن لعبون ومحمّد القاضي وغيرهم،..وما يهمّنا تبيانه هنا هو مدى تأثر الشعر العامي في جبل العرب بمعطيات ومفردات الحياة البدويّة وأيضاً إبداع الشّاعر في توظيف هذه المكوّنات والمفردات التي أصبحت من معطيات حياته اليوميّة مع التّأكيد على مفارقة لافتة وهي أنّ شاعر جبل العرب لا يتكلّم اللّهجة البدويّة إلّا في شعره، فهو لا يستخدمها في حياته اليوميّة وكلامه النّثري، وسنعرّج على هذا الموضوع في مرحلةٍ قادمة إن شاء الله.
وقد نظمَ شبلي الأطرش أيضًا في الشّعر المحلّي “المَحكيّ” وهذا المَحكي كان بلغته (لهجته) التي يتداولها ولم تحمل قصائده التي نُظمت بالمَحكي الخليطَ اللّبناني البدويّ بل كانت تعبيرًا صريحًا عن لغته الأصلية الدارجة في الحياة اليوميّة ومثالها

بدوي-على-فرسه-في-رحلة-صيد-بواسطة-الصقر
بدوي-على-فرسه-في-رحلة-صيد-بواسطة-الصقر

قومْ يـــــــا مـرسال يـــــــا طَيْر الحَمــــــــام
عا بلاد الشّــــــام وَدّيلـــــــــي سَـــــــلام
إنْ كان هجرك طال يا بدر البُدور
نَفسي عَزَت منّي عَلى الدُنيا السَلام
إِنْ كان هَجرك طال يا بَدر البُدور
يا نُور عيني وَمُهجَتي جُوَّا الـصُّدور
يا ريت لَو كُنـــــا هْفينا بـــــــــالقبــــــور
خان فينا دَهـــــرنا وَالــــــوَقت جـــار
بيظل فكـــري فيك يـــــا نــارًا وَنورْ
دُومْ دايـــــمْ يـــــا حلــــــوْ ليل وَنــــــــــــــــهـار
يا بو خدود معطّرة وَعيون حُــور
يـــــا بَدر يـــــا ريـــّان بــــــــــــانور النـّْـــــــوار

وهذا الأسلوب هو الأسلوب اللّبناني بعينه وهو امتداد للموشّح الأندلسي، ولكنّه باللّهجة المَحكيّة في جبل العرب، اللّغة التي انسلخت عن اللّبنانية والتي بقيت في منأىً عن الانصهار في لهجة البدو والتي هي في المحصّلة اللّهجة المَحكيّة في جبل العرب. ومن هنا كان إبداع شبلي الأطرش الذي عَرَف ماذا يكتب وبماذا يكتب .
وهنا نصل إلى المرحلة التي شهدت ولادة الشّكل النّهائي أو المكتمل للشّعر النّبطي في جبل العرب وهي مرحلة الشّاعر اسماعيل العبد الله الذي عاصرَ شبلي الأطرش في خواتيم حياته وأكملَ مسيرته الشّعرية، وقد لعب العبد الله دورًا كبيرًا في وضع اللًمسات الأخيرة على شكل ومضمون الشّعر النّبطي الجَبَليّ، وذلك بعد أن تمّ الانسلاخ بصورة أتمّ عن اللّهجة اللّبنانية التي نقلها الآباء والأجداد، ونتيجة التّوغّل في الأحلاف والنّزاعات مع البدو. واسماعيل العبد الله شاعر فارس برز في عشيّة القرن التاسع عشر ومطلع العقد الأوّل من القرن العشرين من خلال قصائده التي لاقت انتشارًا منقطع النّظير والتي كانت الوسيلة الإعلاميّة والسّلاح اللّغوي الأمضى في استنهاض الهمم والتصدّي بشعره للإعلام المعادي المحيط بواقع الجبل إن جاز التّعبير .. وقد ساهمَ اسماعيل العبد الله من خلال قصائده وحضوره في توثيق مرحلة تهاوي السّلطنة العثمانية والتي انتهت بسقوطها عام 1918م. وقد عانى الشاعر ما عاناه من السّجن وخوض المعارك في أواخر عهد الاحتلال العثماني، إلا أنّه لم يكحّل عينيه برحيل آخر جندي عثماني عن الأرض العربيّة حيث توفّي عام 1915 على ما يُرجّح .. ومن المادّة التي تركها لنا هذا الشّاعر العملاق نأخذ مثالاً بسيطاً من قصيدةٍ له يجيب من خلالها على قصيدةٍ أرسلت من قبل “اللّحاوي” أحد شيوخ قبيلة الشّرارات حيث تهكّم اللّحاوي فيها على بني معروف في جبل العرب وعلى أحلافهم من العشائر البدويّة المجاورة لهم بقوله :
من الجبــــل جِتْنا جـــــــــــــــــــموعٍ تِبَنّـــى4
مثل سَـــــعاع الجِيْـــــــجْ مِخْتِلف الاجناس5
الكنــــج وابـــــــــن مــــــــــــاضي دليلـــــهنَّه
واهل الجبل ودروز قطّــــاعة الـــــــــــــرّاس6
كــــــــــم واحـــــدٍ منهم لَابلْــنــــــــــــــــا تَمنّــى
مـــــــــــــــا يدري اِنـّـــــــــــه دومْ عَ اللّـــــــوح دَرّاس
حِنّا اليـــــــــاصــــار العدو في وطنّــا
رَصاصْنا ينزل على العظــم والــرّاس7
ومن جواب اسماعيل العبد الله على هذه القصيدة :
قم يا حَمَــــــدْ وَفِّقْ من الهِــجِن دَنّا
سِتّة رَكــــايب يا ولد نُبْــــــل القياس8
يا مَسندي جَدّي الـــــرّكـــــايب9 مْعَنّى
يَمّ اللّحــــــــــاوي شوق مدقوق الْلّعــــــاس
الشّيــــــــــخ تَوَّهْ مظـــــهرًا بَـــــــــــدوْ فَنّـــــــــهْ
من قبل واللهْ ما وَحينـــــاه بقيـــاس
سَوّى علينــــــا قـــــــــــالة الدَّرس لَــنّــــه10
كــــــــــار الفِتى يا قَرْمْ ما عَذْرَب النّاس11
نَذْرِي علـــــى كـــــــل المخاليــــــق حِنّا
الحَضَر راعـــــوا يا فتى وابن عبّاس12
عدوّنـــــــــا فـــــــي عيـــــــــــشــــته ما تهنّــــا
لوْ هو بَعيدٍ من ورا بلاد مِكْنــــــاس

الرباب مرافق أساسي للشعر الشعبي في الجبل
الرباب مرافق أساسي للشعر الشعبي في الجبل

نلاحظ هنا أنّ الشّاعر لم يضع من شأن عدوّه بل امتدحه بالفروسية والسّيادة وهذه من أدبيّات الشّاعر الذي يأبى أن يكون عدوّه قليل الشّأن فهو يقارع الأبطال لا ضعاف الهِمّة والعزيمة ومن النّاحية الفنّية نلاحظ أنّنا أصبحنا بحاجة إلى شرح الكثير من المفردات والتّراكيب اللّغوية التي وردت في القصيدة وهذا ما سيأخذ أبعاداً أخرى في مستقبل “الشّعر الجبلي النّبطي” عندما تتفرّع عنه مذاهبٌ شعرية عديدة.
إنها القصيدة البدويّة النّبطية بأسلوبيّتها ولهجتها المكتملة والتي ستصبح لغة الشّعر العامّي الأكثر استخداماً والأوسع انتشاراً في جبل العرب، وطبعًا هذا الكلام لا ينفي وجود الأشعار الجبليّة باللّهجة المحكيّة والتي تجلّت في الفنون القصيرة والعتابا والمطاليع وأشعار النّدب ولكن أعود للتّأكيد على أنّ هذه قليلة بالمقارنة مع هيمنة الشّعر النّبطي .
هذا مثالٌ بسيط عن تحوّل منحى الشّعر بشكلٍ تامّ من اللّهجة المَحكيّة المتداولة (المتحدّرة من اللّهجة اللّبنانية) إلى لهجة البداوة خلال أربع مراحل امتدّت عبرَ أكثر من قرنٍ من الزّمن تقريبًا إلى أن أصبحت السِّمة العامّة لفولكلور جبل العرب، ومن هذه المقدّمة المُبسّطة والتي جسّدنا من خلالها ملامح من مراحل الشّعر النّبطي في جبل العرب ندخل في العدد القادم من “الضّحى” بإذن الله إلى التّعريف الخاصّ بهذا الشّعر وإلى الشعر النّبطي المعاصر في جبل العرب.

دروز سوريا والبداوة

دروز سوريــــا والبــداوة

غّلَبَةُ الشّعر النّبطي والأخـلاق العربيّــة في جبــل العــرب
عنوان لأكبر عملية تفاعـــل ثقافــي في تاريــخ المنطقــة

بيـن الدروز وقبائل الباديـة قامـت علاقـات إعجــاب ونفـور في آن
لكن الدروز أدركوا أهمية التفاعـل مـع الثقافـة والقيـم البدويـة

يعتبر تطوّر الشّعر الشّعبي في جبل العرب من اللّهجة اللبنانية التي حملها النازحون الأوائل إلى جبل حوران إلى اللهجة النَّبَطيّة البَدوية إحدى أعجب ظواهر تكيّف اللّغات المحكية وتحوّلها، والأعجب في هذه الظّاهرة أنها لم تستغرق أكثر من قرن من الزمن تحوّل فيها شعراء العامية في جبل العرب (جبل الدروز) بصورة تدريجيّة من لغة الزّجل أو الشعر اللّبناني المحكي إلى الشعر النَّبَطي السّائد بين القبائل العربية التي كانت تجوب القفار المحيطة بجبل حوران وتتفاعل مع المجتمع الحوراني الدّرزي بأشكال مختلفة. لقد كانت هناك التّبادلات التّجاريّة والأحلاف القبلية التي عزّز بعضها شوكة بني معروف، وكانت هناك أيضًا المساكنة القلقة على التّخوم ونزاعات الأراضي أو علاقات الجوار التي تتراوح بين مراحل هدوء وتفاهم وبين الاحتكاكات والغزوات والصّراعات الدامية. وكما في كل آن فقد كانت هناك الجهات الخارجيّة التي تسعى بين الحين والآخر لتأجيج النّزاع بين المجتمعين.
لكن مما لا شكّ فيه أنّ تاريخ دروز الجبل لم يكن تاريخًا منعزلا لأنّه كان في جزء منه تاريخ تطوّر علاقات السّكان الوافدين بالمجتمع البدويّ والقبائل الكثيرة التي كانت تحيط بهم وتهددهم أحيانا، وكان لهذه العلاقة أثر حاسم ومباشر في إعادة تشكيل هُوّيّة الجبل وثقافته. وربما ازداد هذا التفاعل وبلغ أقصاه خلال القرن التّاسع عشر عندما ضعفت سلطة الدّولة وانتشر الفساد في أوساط الإدارة العثمانيّة فكان على الموحّدين أن يتدبّروا أمرهم بأنفسهم مع البدو الذين اعتادوا حياة الغزو والتجاوز على حياة الحضر والزّراعة وأن يطبّقوا السّياسات والإجراءات الآيلة إلى احتواء التّهديد الخارجي عبر نوع من “تعايش الأقوياء” مع المحيط القبلي طالما أنّ الدّولة لم تكن قادرة على حمايتهم.

“بيئة الجبل تتشارك مع البيئة البدويّة في القيم والعادات والخصال العربية رغم الاختلاف الظاهر في أســـــلوب الحياة أو في المعتــــقد”

إن الكثير من سمات حياة البداوة يتحدّد بالتّناقض والتّعارض مع نمط حياة المجتمع الحضريّ وهذا الصّراع البدويّ الحضريّ كان على الدوام، كما أوضح ابن خلدون، من أهمّ سمات طبيعة حياة المجتمعات وتحوّلها وانهيارها أحيانًا. بالمعنى نفسه فقد طغى التّعارض الحَضَريّ البدوي على العلاقة بين النازحين الدّروز الذين اهتمّوا بإعمار القرى الخَرِبة وبناء مجتمع زراعي مستقر وبين القبائل البدويّة التي تتميز حياتها بعدم الاستقرار المكاني وقدر كبير من الشّظف والحياة الخشنة كما تقوم على عادات الغزو والتنظيم الاجتماعي الحربيّ، وقد كان البدو يتمتعون بحريّة تقليدية في التّنقّل واستغلال الفيافي والمراعي لكنّهم لم يلبثوا أن اصطدموا بـ “الجدار” الدّرزي وببُنية اجتماعيّة تشدها عصبيّة لا تقلّ أبدًا عن عصبية القبيلة وتماسك شديد وقوّة بأس وخبرة قتالية بل وشراسة عندما يتعلق الأمر بحماية الدّيار والذّمار والأرزاق والكرامة.
لقد حدّ الانتشار الدّرزي في بلاد حوران ونجاح الدّروز في حماية مواطنهم الجديدة من حرية الحركة التي كانت للبدو في السّابق في الجبل ومحيطه، وقلّص إلى حد ما وصول هؤلاء إلى بعض أخصب الأراضي في الجبل تلك الأراضي التي كانت مجرّد مراعي موسمية لمواشيهم في الماضي قبل قدوم النازحين من بني معروف إلى الجبل.
بذلك ارتسمت على الأرض حدود جغرافية واجتماعية وثقافية مائعة بين الفريقين وقد فرض الدّروز احترامًا متبادلًا بينهم وبين البدو إذ عاملوهم بتهيُّب واحترام وتعلّموا منهم الكثير، وفي بعض الأحيان قامت بين الفريقين علاقات إعجاب ونفور في آن واحد، وساهم هذا في نشوء إطار للتّعامل السّلمي لأكبر عملية تفاعل مجتمعي وثقافي بين بيئتين يجمع بينهما الكثير في القيم والعادات والخصال العربيّة رغم الاختلاف الظّاهر في أسلوب الحياة أو في المعتقد.
في هذا التّفاعل المجتمعي لعب عامل اللّغة أو لهجة التّخاطب مع الوقت عاملًا حاسما في صياغة العلاقة بين الطّرفين. لقد كان البدو، كما كان عرب البادية دومًا، شعب فخور وفصيح في آن، وهو شعب يكاد يتخاطب في جميع أموره العامة والمهمة بلغة الشّعر حيث كان الشّعر لغة “الدّبلوماسية” القبليّة وهو وسيلة الإعلام الوحيدة والتّواصل بل هو عماد هُوّيّة الشّخصيّة البدويّة ومصدر اعتزازها وعنوان خصوصيّتها. وقد وجد الدّروز في وقتٍ مبكّر الحاجة ماسّة للتّواصل والتّعايش مع تلك البيئة التي تغطّي القسم الأكبر من شمال شبه الجزيرة العربيّة وبلاد الشام وتتشابك عشائرها في تحالفات تجعل منها قوّة يحسب حسابها، كما أنّهم اكتشفوا في الوقت نفسه أهميّة الشعر في التّخاطب وتعزيز روابط الانتماء إلى البيئة الجديدة. لكنّ الظاهرة الملفتة هي أنّ خيار الدروز العفوي ومن دون صعوبة كان التّفاعل مع لغة البداوة وصيغة الشعر البدويّ (النّبطي) في تعبيراتهم الشّعرية حتى أصبح الشّعر الشّعبي في الجبل بمعظمه شعرًا نبطيا فكيف حصل ذلك وما هي دلالاته؟
لقد وجد نازحو بني معروف إلى جبل حوران أنفسهم أمام واقعٍ مختلف وفي محيطٍ تحكمه التّقاليد والأعراف واللغة البدويّة القبلية، لذلك فهم لم يتأخّروا في الاندماج مع الواقع الجديد، ولم تكن من حدود إثنية بينهم وبين مجتمع البلاد التي أعمروها، فقد كانت غالبيّة القبائل البدوية من حولهم من أصول يمنيّة، كقبيلة زبيد على أطراف الجبل الشمالية، وقبيلة السّرديّة في البادية الجنوبية للجبل، وهم اضطرّوا للنزوح من لبنان بسبب حزبيّتهم اليمنيّة، لذا فهم في موطنهم الجديد، جبل حوران، لم يكن بينهم وبين جوارهم حاجز لغة، وكان التباين يتمثّل بالدّرجة الأولى بالتعارض بين حياة التحضّر وحياة البداوة، هذا التباين الذي دخلت عليه السلطة السائدة وحولته أحياناً إلى تنازع ضمن سياسة فرِّق تسد. ورغم هذا كلّه فقد كانت العلاقات الطيّبة تغلب في نهاية الأمر على التناحر والقطيعة سواء مع البدو أو مع سكّان السّهل الحوراني من الفلّاحين.
في الجبل تفاعل الموحّدون مع لهجة المحيط من حولهم، لأنه كان المحيط الغالب ولأنهم كانوا غريزيا يسعون لأن يكونوا مقبولين في الوسط الحورانيّ من خلال الانسجام مع الثقافة السائدة التي لم يكونوا عنها ببعيدين من حيث المبدأ لأنهم جميعًا أبناء البوتقة العربية على تمايزاتها.
ولقد عبرت تلك العملية عن تكيّف تام للدّروز مع البيئة البدويّة والحوارنيّة الأوسع من حيث تفاعل الموحّدين مع ثقافة البادية الأصيلة وقيمها الرّاسخة. وسهّل ذلك عليهم تبنيهم الكثير من مفاهيم منظومة التعبير البدويّة في عمليّة التفاعل اليوميّ مع المحيط، كما أنّ ذلك سهل بلورة الهويّة المستحدثة للنازحين الدّروز في إطار البيئة السّورية الأوسع وفرض في نهاية المطاف الاعتراف بالدّروز في جبل حوران كواقع له شرعيّته غير المنقوصة كما فرض احترام خصوصيّتهم ودورهم في الإطار الوطني. ولنلاحظ أن عمليّة التناغم الدرزي مع البيئة الحورانية وبيئة البادية الأوسع تمثلت أيضًا بتبني بعض مظاهر الزِّي البدوي كالعباءة والكوفيّة والعقال، بالإضافة إلى التأثّر بتقاليد الرّقص الشعبي لمواطني سهل حوران الحوارنة، والأشعار الاحتفاليّة المنقولة من بيئة البادية وسهل حوران، بالإضافة إلى التفاعل مع كثير من تقاليد البادية مثل تقاليد الضيافة والاعتزاز بالعشيرة وتقاليد إعداد الوليمة الجامعة(المنسَف)، وغيرها ..
لكن اللّافت للنّظر مع ذلك أنّه بينما اعتنى الدروز بقوة بإتقان الشّعر النبطي واستخدموه بوفرة في المخاطبة اليوميّة الوديّة أو المتحدّية لأقرانهم من قبائل البادية فإنّهم لم يسحبوا ذلك التّبنّي على لغتهم اليومية المحكيّة، والتي بقي فيها الكثير من سمات اللّهجة اللبنانية الجبلية التي حملوها معهم (ولكن مع دخول اللّكنة السورية). لقد كان في هذه التسوية الفذّة ما مكن دروز الجبل من الاحتفاظ بالمكوّن الأساس لهوّيّتهم الاجتماعيّة والثقافية (تلك التي يعتمدون عليها في ممارساتهم الاجتماعية وعباداتهم ومعاملاتهم في ما بينهم) في الوقت ذاته الذي اعتنوا فيه بتطوير الشّعر البدويّ باعتباره “اللّغة ــ اللّهجة الرّسمية” للمخاطبات السّياسية والاجتماعية في مجتمع البادية الذين كانوا قد أصبحوا جزءا مميّزّا من مكوّناته.
أعددنا هذه المقالة الموجزة على سبيل التّقديم للبحث الجاد والموفّق للشاعر الباحث السوري الأستاذ حازم ناصر النّجم بشأن تطوّر الشّعر الشّعبي في جبل العرب، والذي يعرض فيه لمراحل تفاعل التعبير الشّعري في الجبل بين اللّغة ــ اللّهجة المحكيّة التي حملها النازحون بنو معروف من لبنان وبين اللغة ــ اللّهجة النّبطية البدويّة الصّرفة، والدّور الذي لعبه شعراء الجبل في حقبات متتابعة في عملية التّفاعل الذي انتهى إلى حالة من التوسّط بين الحالتين. وفي ما يلي الحلقة الأولى من هذا البحث القيّم وسيتبعها في العدد المقبل من الضّحى الجزء الثاني والأخير.

رئيس التحرير

كميل سري الدين

“في حالات قليلة تنازلنا لتسهيل العمل لكن في أمور ثانويّةلكن إنْسألتني اليوم فإنّني سأقول بثقة إنني لن أقبل بها”

تحدّثَ عن تجربتهِ الغنيّةِ في حقلِ الأعمال والعمل العامّ

كميل سَرِيّ الدّين

كنتُ أولَ عربيٍّ يُنتَخبُ إلى مجلس إدارة غرفة أبوظبي

تعجّب صديقي من نيّتي الهِجـــرة إلى فنــزويلاّ
وزيــارةٌ واحــدةٌ إلــى أبوظبــي غيّــرت مســار حيــاتي

الموحدون في المُغتربات مشتّتون جغرافيا وبلا مرجعية
لذا يجدون صعوبة في حماية هويِّتهم ويميلون للاندماج

في غضون 40 عاماً من العمل وكسب النّاس وبناء السّمعة الطيّبة تمكّن كميل سَرِيّ الدّين ابن بلدة بزبدين المتنيّة من بناء مملكة أعمال تمتدّ من صناعة الرّخام التي يُعتبر أبرز ممثليها في الإمارات إلى قطاع السّيراميك ومستلزمات تجهيز الأبنية إلى المقاولات التي دخلها بقوّة عبر مشاريع كبيرة مثل أبنية وزارة الدّفاع وتجهيز متحف اللّوفر وبناء ديوان المحاسبة. العامل الأوّل في نجاح كميل سَريّ الدّين هو دماثةأخلاقه وموهبته في اجتذاب النّاس وكسب ثقتهم. وقد كانت هذه هي العوامل الأهمّ التي وضعته عل طريق النّجاح. لكنّ كميل سرِي الدّين لم يكتفِ بتحقيق النّجاح العمليّ بل أظهر على الدّوام اهتماماً بالعمل الاجتماعي وتميّز بصورة خاصة بمساهماته في المبادرات الرّامية لتعزيز وضع الطائفة ومن هذه المشاريع الأخيرة إسهامه في تجديد مباني دار الطائفة في فردان ببيروت، ودعمه لإعادة إصدار مجلة “الضّحى” بصيغتها الجديدة في العام 2010 علماً أنّه عضو في مجلس أمنائها. وهناك الكثير من المساهمات التي تتمّ بعيدا عن الأضواء ومن أهمّها مبادرته في توفير المنح التّعليميّة الجامعيّة لعدد من أبناء الطائفة المتفوّقين عبر صندوق أنشأه لهذه الغاية. ومن الإنجازات التي تُحسب له نجاحه في تنظيم أوّل مؤتمر اغترابي للموحّدين الدروز في صيف العام 2010 والذي شكّل منعطفا مهمّاً في تعزيز الرّوابط بين المغتربين في مختلف أنحاء العالم وبين الوطن الأم.

“الضّحى” التقت الشّيخ كميل في منزله في الرّملة البيضاء وسألته عن تجربته الطّويلة في حقل الأعمال والاغتراب والعمل الاجتماعي فكان هذا الحوار:

>كيف دخلتَ مجالَ الأعمال؟
دخلته في العام 1965 لِظَرف عائليّ. فقد كنت يومَها طالباً في الجامعة عندما طلب منّي والدي المغترب في ليبيريا أن أساعده بسبب تعرّض تجارته هناك لصعوبات. علماً أنّ تّجارته كانت مزدهرة قبل ذلك بسبب علاقة الصّداقة التي ربطت الوالد برئيس الجمهورية حينها وقد سهَّل ذلك أعمالنا. لكنّ تسلم نائب الرّئيس المنصب ولم يكن والدي على علاقة جيدة به بدّل الأحوال فصرنا نتعرّض لمضايقات مَرّة من دائرة الضّرائب وسواها من مفتّشي الصّحّة وغيرها من دوائر حكوميّة أخرى، فأدركنا أنّه لم يعد لنا نصيب في ذلك البلد، وقمنا في غضون ثلاث سنوات بتصفية تجارتنا وبيع المخازن التّجارية والبناية التي كنّا نملكها، وسافر الوالد إلى الغابون بينما قرّرت أنا السّفر إلى البرازيل التي كان فيها ابن عم للوالد وكان ثريّاً ويشغل منصب حاكم منطقة واسعة، كانت لي آمال بأن يساعدني ذلك على تأسيس أعمالي في تلك البلاد.
وصلت البرازيل وبدأتُ التّجارة بالأحجار الكريمة، وكنت أخطّط للبقاء هناك وتأسيس عمل وكان معي رأس مال جيّد جلبته معي من ليبيريا، لكنّني اكتشفت في وقت قصير أنّ رابط القربى لا يعني لابن عم الوالد شيئاً. وقد أضعف ذلك حماسي للبقاء هناك. أخيراً قرّرت أنّ الأمر لا يستأهل أن أكون في تلك المجاهل البعيدة لذلك وبعد نحو ثلاثة أشهر من وصولي إلى البرازيل جمعت حقائبي وركبت الطّائرة إلى فنزويلا.
وصلت فنزويلّا في العام 1973 وكانت آنذاك في عزّها تعوم على أكبر احتياط نفط في العالم إذ كان الدولار يساوي 3 بوليفر، وعملتها قوية بعكس اليوم والبلد في ازدهارغير مسبوق. لكنّني رغم حماسي لفنزويلّا لم استمرّ هناك بسبب مرض أصابني. تساءلت عندها ربما لا يوجد نصيب لي في هذا البلد أيضاً فغادرت إلى لبنان، وفي نيّتي العودة في وقت لاحق.

 

كميل-سري-الدين-مترئسا-المؤتمر-الاغترابي-الأول-للموحدين-الدروز-في-تموز-2010
كميل-سري-الدين-مترئسا-المؤتمر-الاغترابي-الأول-للموحدين-الدروز-في-تموز-2010

“مغترب درزي من آل القنــطار ســـألني بتــأثّر شــديد: «لماذا لا ندمج المذهب الدّرزي مع الدين الكاثوليكي؟”

> كيف وصلت إلى أبوظبي؟
كانت صدفة بدّلت مجرى حياتي بالفعل، والحياة أقدار. التقيت صديقاً لي من أيام ليبيريا سألني عن خططي فقلت له إنني أفكّر بالرّجوع إلى فنزويلّا . استغرب وقال لي: “لماذا لا تأتي إلى أبوظبي فهي بلاد فرص وكل شيء مطلوب فيها الآن” وكان العام 1977 أي في عزّ الفورة النّفطية. ذهبت في أول زيارة إليه في أبو ظبي على سبيل المجاملة إذ إنني لم أكن أعرف شيئا عن أبوظبي من قبل. لكن عندما وصلت البلد أعجبني. كان العمل متوافراً لأي كان، لأنهم كانوا في مرحلة إعمار وطنيّة وتطوير اقتصاد. وكان عندي رأسمال بسيط لكنه كان كافيا لكي أبدأ العمل. وشجّعني ما رأيته من أنّ النّاس هناك فعلاً طيّبون ويتعاملون على أساس الثّقة والسّمعة. بذلك قررت البقاء فيها وتأسيس عمل تجاريّ.
>كيف بدأت تجارتك؟
بدأت باستيراد الرّخام الإيطالي ولم يكن لي تجربة سابقة في هذا المجال.لكن كان هناك طلب كبير على الرّخام وتعرّفت على شخص إيطالي وبدأت أستورد الرّخام عن طريقه. وكنّا نستورد الرّخام مقطّعا بقياسات مختلفة ومصقولاً جاهزاً للتّركيب لأنّ شركات البناء كانت تريد كلّ شيء جاهزاً لإنجاز المباني أو الفيلّات. بتوفيق من الله أصبحت خلال سنتين أو ثلاث أقوى مؤسّسة في مجال الرّخام في أبوظبي. وهذا ما جعلني أتّجه لإنشاء مصنع الرّخام بالشّراكة مع الصّديق كميل أبوغانم. ثم توسعنا إلى قطاعات البلاط والسّيراميك والمطابخ والحمّامات وغيرها وصرنا الأقوى في الإمارات وأعطي مثالا على ذلك أننا منذ سنتين نفّذنا في أبوظبي في سنة واحدة عقود تركيب لـ 4,000 مطبخ.

>دخلتم بعد ذلك قطاع المقاولات، ما هو الحقل الذي تخصصتم به؟
نحن نعمل في حقل إنشاءات الأبنية ونقوم بتنفيذ مشاريع كبيرة “تسليم مفتاح” أي من مرحلة التّصميم إلى مرحلة تسليم المبنى للجهة المتعاقدة. وقد دخلت القطاع بالشّراكة مع رجل أعمال لبناني وباتت شركتنا من الشّركات الكبيرة وهي مصنّفة كشركة مقاولات من الفئة الأولى. بالطبع نحن نلزّم من الباطن أعمال الألكتروميكانيك مثلا وغيرها من الأمور ذات الطّابع التّقني لكن إدارة عمليّة البناء والتّنفيذ في يدنا.

>ما هي بعض أهم المشاريع التي نفذتموها أوتنفذونها حاليّاً؟
نفّذنا مشاريع كبيرةعديدة لكن أذكر منها مشروع بناء 40 فيلّا للشيخ فلاح بن زايد، وأخذنا بنايات وزارة الدّفاع، كما أنّنا نقوم بتنفيذ بناء ديوان المحاسبة في أبوظبي، وهو مشروع ضخم موقف السيارات الملحق به يتسع لـ 15,000 سيارة وهذا يعطي فكرة عن ضخامة البناء. وأخذنا أيضا عقد البلاط وكل أعمال الرّخام لمتحف اللّوفر في أبوظبي.

>هل لديكم الموارد البشريّة المدرّبة لتنفيذ هذه المشاريع
الأعمال اليوم هي تجميع وإدارة لعناصر التّنفيذ والإتقان في مواصفات البناء المسلّم، ولم يعد هناك شركات تنفّذ كلّ شيء بنفسها. نحن مقاولون فئة أولى ومعروفون بالتّسليم على الوقت وبأفضل نوعيّة.
ونحن جاءتنا فرص كثيرة للعمل بأساليب ملتوية تناقض قناعاتنا. رفضناها رغم ما فيها من وعود بأرباح كثيرة، لأنّ السّمعة الحسنة هي رأسمال يدوم وينمو، أمّا من يدخل تلك الطّرق فإنّه قد ينجح لبعض الوقت لكنّه لا بدّ أن يقع في يوم ما وتنقلب أحواله.

خلال المؤتمر الاغترابي الأول للموحدين الدروز، كميل سري الدين -وقوفا إلى اليمين- مع الأمير طلال أرسلان والزعيم وليد بك جنبل
خلال المؤتمر الاغترابي الأول للموحدين الدروز، كميل سري الدين -وقوفا إلى اليمين- مع الأمير طلال أرسلان والزعيم وليد بك جنبل

>ألم تضطرّ أحياناً لمجاراة أساليب قد تكون مخالفة للأصول لكنّها تصبح لفرط استخدامها بمثابة عُرفٍ معتمد في السّوق؟
في حالات قليلة تنازلنا بعض الشّيء، لكن في أمور غير أساسيّة، لكن إن سألتني اليوم فإنّني سأقول لك بثقة إنني لن أقبل بها. وبصورة عامّة يمكنني أن أقول أن 99% من عملنا كان جادّاً
ووفق الأصول كما أفهمها وأؤمن بها. وأنا على يقين أنّني حقّقت ما حقّقت ليس بالموهبة وحدها بل بتوفيق الله والسّمعة الحسنة والسّعي إلى الرّبح الحلال.

>هل الحظ عامل في النّجاح؟
السّرّ في الفرصة وفي التقاطها في الوقت المناسب. لو انني أردت أن أبدأ عملاً في أبوظبي الآن فإنّ ذلك يحتاج إلى ملايين، ولن يمكنك تحقيق النتائج نفسها لأنّ السوق أصبح فيه لاعبون كُثر ومنافسة. لكنّنا بدأنا مع السّوق في أوائل مراحل الازدهار وهذا عزّز موقعنا مع الوقت. عندما تعمل في سوق لأربعين سنة كما فعلنا تكون اسماً وسمعةً والاسم كلّ شيء أحياناً لأنّ النّاس تعرفك واختبرتك وباتت واثقة من عملك وسلعتك وإتقانك. مثلا فتحنا فرعاً في دُبَيّ ولم يكن لنا وجود هناك. لكنّ العمل انطلق بقوّة لأنّهم يعرفون الاسم من أبوظبي.

>ما هو مستقبل مؤسّسة سَريّ الدين، كيف تحضّر لتأمين الاستمراريّة بعد أنْ تقرّر يوماً التقاعد مثلاً ؟
لا بدّ من تحول الشّركة إلى شركة عائليّة بحيث يصبح أفراد العائلة الواسعة بمثابة مساهمين مالكين، لكنّ الإدارة يجب أن تُعيّن على أساس مِهني وليس بالضّرورة من أفراد العائلة إنْ لم يوجد الشّخص المؤهّل. بالنّسبة للاستمراريّة التي أثرتها ليس بين أبنائي اليوم من هو مهتمّ بالحقل الذي نعمل فيه، فهم تعلّموا وأخذوا المنحى الذي اختاروه. اِبني الأكبر ميسرة تخرّج في الهندسة المعماريّة على نيّة أن ينضمّ إلينا لكنّه بعد أن عمل معنا خمس سنوات عاد واتّجه اتّجاها علميّاً ونال شهادة الدكتوراه في علم النّفس من جامعة باسيفيكا في الولايات المتّحدة وهو يدرِّس في الـ LAU. ربما يفكرون بأخذ دورهم مجدّدا في الشركة في المستقبل، وهذا الأمر يعود إليهم.

>ما هي نشاطات الأعمال التي تقوم بها في لبنان؟
عدت إلى لبنان وفكّرت في العقار باعتباره مجال استثمار مُجْزٍ، وبالفعل اشترينا قطع أراضٍ وبنينا عدداً من البنايات ومازال عندنا قطعتان، ونحن نبني الآن بنايتين في الأونسكو وبناية في الأشرفيّة وأخرى في المزرعة كما نبني “مول” ومركزاً تجاريّاً في قبر اْشمون، وقمنا بتنفيذ مشروع سكني بالقرب من مستديرة الطَّيّونة باتّجاه منطقة الحرج.

تجربة العمل مع المغتربين

>أنت ترأس منذ سنوات طويلة لجنة شؤون الاغتراب في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز، ما الذي استفدته من عملك مع المغتربين من أبناء الطائفة؟
عندما بدأت العمل في تنظيم شؤون الاغتراب كنت متحمّساً جدّاً لأنني اعتقدت أنّ المغتربين يمثّلون ثقلاً عدَديّاً وإمكانات ماليّة ويمكنهم بالتّالي أن يساهموا في دعم إخوانهم في لبنان. كان لديّ مشاريع مثل إنشاء صندوق عالميّ يُمَوّل من المغتربين. وأذكر أنّني عرضت الأمر على الأستاذ وليد جنبلاط فقال لي: “أنت متحمّس، المغتربون لن يساهموا كما تأمل لأنّهم أصبحوا بعيدين كثيراً”. وبالفعل تبيّن لي في ما بعد أنّ الأستاذ وليد كان يعلم عن وضع المغتربين أكثر مني، فعلى مدى أكثر من ثماني سنوات من العمل مع المغتربين ظهر لي على الأرض صورة مغايرة للطّموحات التي كنت أحملها.

شركة سري الدين تنفذ كافة الأعمال الرخامية لمتحف اللوفر في أبوظبي
شركة سري الدين تنفذ كافة الأعمال الرخامية لمتحف اللوفر في أبوظبي

>هذا يعني أنك أصبحت أكثر واقعيّة؟
أنا الآن واقعيٌّ بالنّسبة لما يمكن توقّعه من المغتربات البعيدة أو “النّهائيّة” وهي المغتربات التي لا يوجد لمغتربيها الدّروز نيّة العودة إلى وطنهم وأنا أتكلّم بصورة خاصّة عن الأمريكيّتين وأستراليا. لكنّني أعتقد أنّ هناك فارقاً بين مغتربيّ المهاجر البعيدة وبين مغتربيّ المهاجر القريبة و”غير النّهائيّة” مثل الخليج وأفريقيا أوحتى أوروبّا. بالنّسبة للمهاجر البعيدة هي مغتربات لها إمكانيّة تذويب الشّخصيّة السّابقة، وقد ذاب كثيرون من الموحّدين الدّروز فعلاً فيها بسبب تفرّقهم جغرافيّاً وعدم وجود مرجعيّة للاهتمام بهم.
في أميركا اللّاتينية مثلا اكتشفنا أنّ القسم الأكبر تبنّى دين البلاد وهو الكاثوليكيّة بينما في الولايات المتّحدة يشرحون الدّين وفق البيئة الأميركيّة وبعضهم أراد أن يمارس التّبشير. والمشكلة هي بالطّبع في الأجيال التّالية من الأولاد الذين لا رابط لهم بالبيئة الأصليّة التي جاء أباؤهم منها، وهؤلاء غالباً انتهَوْا.. اندمجوا!
سأعطيك مثلاً يوضح ما قلته. سافرت ضمن عملي كرئيس للجنة الاغتراب إلى الأرجنتين حيث يوجد مركز ثقافيّ ومكتبة درزيّة أسّسها الأمير مصطفى أرسلان الذي كان مفوّضاً للحكومة العثمانيّة هناك. تبيّن لي أنّ هناك جمعيّة درزيّة “خجولة” إذ لا يتجاوز عدد أفرادها (في كل الأرجنتين) الـ 50 شخصاً. تعرّفت على عائلة القنطار وأصلهم من المتين وهي الآن عائلة كبيرة. شقيقة جدّتي من آل القنطار عندما علمت بوجودي في الأرجنتين قطعت 800 كلم من أجل أن تزورني وتتعرف عليّ مع ابنها الطّبيب. وجدت أن العائلة ثريّة وتملك مستشفى وأعمالاً أخرى. لكنّني اكتشفت أيضاً أنّ هناك ما بين 400 و500 شخص من آل القنطار أصبحوا مع مرور الوقت كاثوليك، بما فيهم شقيقة جدّتي نفسها وابنها الطّبيب. الطّريف أنّني عندما بدأت أخبرهما عن الوطن والدّروز وعن المتين وعن بزبدين وبقية القرى تأثّروا وأجهشوا بالبكاء. ومن شدّة تأثّره وحنينه إلى الوطن فاجأني الطّبيب الشّاب من آل القنطار باقتراح قال: لماذا لا ندمج المذهب الدّرزي مع الكاثوليكية؟! يظنّ أنّه بذلك لا يخسر أسرته في لبنان وفي الوقت ذاته يحافظ عمّا أصبح عقيدته الجديدة في وطنه الأرجنتينيّ. الموضوع طريف بالطّبع لكنّه يدلّ على البَوْن الشاسع الذي نشأ بين نسبة كبيرة من المغتربين وبين موطنهم وعقيدَتَهم الأصلية. لاحظت أنّهم أنشأوا روابط وجمعيّات هدفها اجتماعيّ بالدّرجة الأولى مثل أن يتعرّف الشّباب والشابّات على بعضهم ويشجّع الزّواج بين أبناء العائلات الدّرزية الأصل. لكنّ هذا في نظري ليس كلّ شيء. لذلك أعتقد أنّ على لجنة الاغتراب والمجلس المذهبيّ أن يهتمّا بمغتربي المهاجر القريبة لأنّهم قريبون منّا عاطفيّاً وجغرافيّاً ولأنّهم هم الأكثر مساهمة في قضايا الطّائفة
لاحظت أيضاً أنّ مشكلة الموحّدين الدّروز في المُغتربات البعيدة هي أنّهم متفرقون جغرافيّاً وليست لهم كثافة كبيرة، كما أنّه ليست لهم مرجعيّة ومن دون مرجعيّة من الصّعب الحفاظ على الجماعة وعقيدتها. بالعكس من ذلك الطوائف الأخرى الإسلامية والمسيحية كثيفة العدد ولها مرجعيّات، وهناك اهتمام بها وأموال تردها لبناء الجوامع أو الكنائس، لذلك نجدهم يحافظون على معتقدهم، وهناك على سبيل المثال نحو مليون مسلم في البرازيل وهم في ازدياد. وعندما يسافر المسلم إلى هناك يحصل على دليل يبيّن له أسماء الجمعيّات والمراكز الإسلاميّة التي يمكنه اللّجوء إليها في كلّ مدينة. في الأرجنتين عدد المسلمين يقارب الـ 800,000 أو 2% من السكان.

ذيبين

ذيبيـن

خــطّ تمــاسّ وحصـن دفـاعٍ أمامـيّ
عن إعمــار الموحِّديــن لجبــل العــرب

سعيد الأطرش غرز رمحه على نبع الماء في ظهر الجبل
فتأمنت مياهه إلى ذيبين عبر قناة بطول 35 كلم

السّكن في ذيبين وحواضر الجبل كان محفوفاً بالأخطار
قبل قدوم بني معروف الموحّدين إلى جبل حوران

في ذيبين مضافات عديدة ودور قديمة
قام بإشادتها بنّاؤون شويريون من لبنان

تَتَموضع قرية ذيبين في الرّكن الجنوبيّ الغربيّ من محافظة السّويداء، ولعلّ اسمها أصلاً “ذي بَين” ويعني في لغة اليمن: المكان الواسع الفسيح الممتد بين السهل والجبل، وممّا يدعم صحّة هذه الفرضيّة أنّ السكان القدامى للمنطقة التي تقع فيها ذيبين منذ أكثر من ألفي عام هم من القبائل العربيّة المتحدّرة من أصول يمنيّة كالأنباط والسّليحيين والضّجاعمة والغساسنة.
تبعد ذيبين عن مدينة السّوَيداء مركز المحافظة 30 كيلومتراً إلى جهة الجنوب قرب الحدود الأردنيّة، وترتفع 980 متراً فوق سطح البحر كما تغلب على أراضيها بشكل عام الطّبيعة السّهلية بالنّسبة إلى غالبية قرى الجبل، لكون تلك الأراضي امتداداً لسهل حَوْران الشّرقي المتّصل بجنوب غرب جبل العرب. وينحدر سهلها باتجاه الغرب والجنوب الغربي، حيث تقطعه عدّة أودية ومسيلات شتويّة تنحدر من غرب تلّ صلخد أهمّها وادي ذيبين، وقناة سعيد نسبة إلى مُحْييها سعيد بن اسماعيل الأطرش؛ بعد أن كانت تلك القناة مَنسيّة مُهملة بسبب الخراب المُزمن الذي كان يرين على قرى الجبل، وهي على آثار قناة قديمة كانت دارسة، وكان أهالي القرى المُعاد عمرانها والتي تمر تلك القناة من خراجها يعترضونها، فلا تصل إلى ذيبين التي لم يكن لها من مورد ماء سواها لتستمرّ فيها الحياة. ويروي الحاج مْسَلّم الغوثاني من أهالي ذيبين أنّ سعيداً استطلع حوض تلك القناة إلى أن وصل أعالي الجبل في نبع تلّ القينة، على مسافة نحو 35 كيلومتراً من ذيبين، وهناك كان يغرز رمحه إشهاراً لحقّ ذيبين في ماء الجبل، فلا يجرؤ بعدها أحدٌ على المسّ بتلك القناة التي كانت تصل إلى قريته فتملأ منها مناهلها وتستمرّ لأيّام من الصّيف. وبهذه القناة التي أحياها سعيد دُعِّمَت مسألة التوطّن في ذيبين.
وتحدّ أراضي ذيبين من الشّرق أراضي قرية أمّ الرّمان ومن الشّمال أراضي قرية بَكّا ومن الغرب أراضي قرى صْماد وسِمج وطِيسيا التّابعة لمحافظة درعا، أمّا من جهة الجنوب فقد كانت أراضيها تمتدّ باتّجاه البادية الأردنيّة باتّجاه خِرْبَتي صَبْحَة وصُبْحِيّة إلى أنْ فصلهما الحدّ السّياسيّ مع الأردن على أثر اتّفاقيّة سايكس بيكو عام 1916 التي وضعت حدّاً فاصلاً ضمّ قسماً من أراضيها إلى أراضي إمارة شرق الأردنّ التي أصبحت المملكة الأردنيّة الهاشميّة عام 1946.
وتبلغ المساحة العقارية لمُجْمل أراضي البلدة 99,000 دونم (9,900هكتار) ولكنّها أرض مهدّدة حاليّاً بالتّصحّر بسبب تتابع سنوات الجفاف منذ عقود عديدة. ولئن نظرنا إلى التاريخ المناخي لوجدنا أنّ المنطقة التي تقع فيها ذيبين كانت تمرّ في العصور الغابرة بفترة أكثر رطوبة من الفترة الحاليّة التي تعاني من الجفاف، ففي الأراضي الواسعة من حولها عدة خرائب كانت قرًى معمورة في عصور سالفة تعود لما قبل الفتح العربي الإسلامي، وهي: خربة الصَّوخر إلى الشّمال الشّرقي منها، وإلى الجنوب منها قَصِيل والجَمّة، وأم سْنينة التي تبعد عنها 2 كلم إلى الجنوب الغربي، وخربة خَراب السَّخَل إلى الجنوب الشّرقي من ذيبين بنحو بضعة كيلومترات.

“وثيقة عثمانية عن جبل العرب في القرن التاسع عشر: “الدروز يتميّزون بـأوصـــــاف التفــوّق على من جاورهم”

العمران القديم في ذيبين
في البلدة عمران قديم، وقد تهدّم بعضه، وبالقرب من ذيبين وُجِدت آثار تعود إلى العصور الحجريّة (12000ــ 4000 قبل الميلاد). يذكر الدّكتور علي أبو عسّاف في ص 16 من كتابه” الآثار في جبل حوران” أنّ الإنسان الذي عاش في تلك العصور ترك أدواته الحجريّة مثل الفؤوس والمكاشط والبلطات ورؤوس السهام، ومنها في قرية صْماد المجاورة لذيبين على مسافة 4 كلم، وقد عَرفت ذيبين العمران قبل عصور الأنباط والغساسنة الذين عمّروا البلاد إذ يذكر أبو عساف أنّه “اكتُشف فيها مدفن وكتابات يونانية وما زالت أجزاء من الدور القديمة بيِّنة في البيوت الحالية وفي المزار” وقد أشار توفيق الصّفدي في كتابه “جنوب الشام صدى الإنسان والسّنديان “ ص393، أنّ الباحثة الفرنسية سولانج أوري ذكرت في كتاب لها عن المدافن في حوران نشرته عام 1989 أنّها عثرت في ذيبين على شاهدة قبر نُقش عليها التالي”بسم الله ــ بيت حاتم جاثم بن بشير (أو نسير)… رحمه الله”، وتعود إلى الفترة الإسلامية، أمّا الجدران فهي مُهدّمة وقد استُبدلت بحجارة غير منحوتة.
وفي ذيبين مقبرة أثرية قديمة تقع في الجنوب الغربي منها، يتوسّطها قبرٌ يُزار، يُطلق عليه اسم “الشّيخ شمعون”، ويرجع تاريخه إلى عام 106 للميلاد، ومن التّاريخ نستنتج أنّ هذا الأثر يعود إلى آواخر العصر النّبطي، وهو العام الذي سقطت فيه البتراء عاصمة مملكة الأنباط على يد الرّومان. ولما كانت المنطقة تفتقر إلى الينابيع فقد عمد بناة ذيبين القدامى في تلك العصور الغابرة إلى حفر بُركة كبيرة بطول 60م وعرض 45م وعمق مُتَوَسِّطه نحو 3 أمتار. وتستوعب تلك البركة نحو 8000 متر مكعب وكانت تُملأ بمياه الأمطار التي كانت تُسْتَجَرُّ من أعالي الجبل عبر قناة أنشئت على أساسها القناة الحالية المعروفة بقناة سعيد التي فُرض على أهل القرى التي كانت القناة تعبر خراجها عدم التعرّض لمياهها، بالإضافة إلى عدد من الآبار النّبطية والرّومانية القديمة، هذا بالإضافة إلى عدد من الآبار (الخزّانات) التي استحدثها المُعَمّرون من بني معروف سكّانها الجُدُد.

ومن المعروف أنّ المنطقة تعرّضت للهجران والخراب بعد الفتح العربي الإسلامي، ولكنّها عُمّرت فترة في العهد المملوكي، ومن ثمّ خَربت بعد ذلك لتمرّ بحالات من سكن متقطّع في العهد العثماني. كان فقدان الأمن بسبب عوامل ضَعف سلطة الدّولة وغارات البدو والجراد -الذي كان يضرب البلاد كلّ بضعة أعوام مرّة- من أبرز أسباب تواتر حالات الخراب، وبهذا فقد كان السّكن في ذيبين وسائر حواضر الجبل مُضطرباً وغير مستقرّ قبل قدوم بني معروف الموحّدين إلى جبل حوران.
يذكر المُعمِر المثقّف الأُستاذ ذياب راوَنْد أنّه بعد النّصف الثاني من القرن التاسع عشر توافدت إلى ذيبين بعض العائلات الدّرزية كآل الحسنيّة، وآل راوَند وهؤلاء أصلاً من آل عبد الخالق من جبل لبنان نُسِبوا إلى أمّهم راوَنْد، كان قدومهم بسبب احتياج بني معروف الموحّدين الذين تمّ تهجيرهم من لبنان إلى موطن بديل، وفي تلك القرية وجدوا بعض الأسر المسيحيّة الغسّانية الأصول كآل اللّابد والعوابدة والدّحدل والبُطْرُس وأبو جمرة والعائلات السنّية كآل الكردي وآل الغوثاني. ولكنّ الحاج مْسَلّم الغوثاني أحد كبار تلك الأسرة السنّيّة يذكر أنّ الشيخ سعيد الأطرش عندما قدم من عرى إلى ذيبين استقدم معه جدّ آل الغوثاني إلى ذيبين وفيها حملوا كنيتهم (الغوثاني نسبة إلى القرية التي وفدوا منها)، وأن الأسر التي كانت في ذيبين كانت تعيش حياة قلقة بسبب تعدّيات البدو واللّصوص ونهب المواشي والمُمتلكات، وأن آل النابلسي السّنّة قدِموا إلى ذيبين متأخّرين عن قدوم سعيد إليها.

السيّد حكمت المحيثاوي رئيس بلدية ذيبين
السيّد حكمت المحيثاوي رئيس بلدية ذيبين

ذيبين في زمن الخراب
كانت قرى المقرن القبلي إلى الجنوب من القريّا عبارة عن قرًى مهجورة خالية من السّكّان في مطلع القرن التّاسع عشر بين عامي 1810 و1812، فالقريّا التي سبقت بتوطّن بني معروف فيها سائر قرى المقرن القبلي والتي زارها المستشرق جون لويس بيركهاردت في تلك الفترة كانت قرية شبه خالية من السكان قبل أن يحيي بنو معروف عمرانها ولم يكن فيها سوى “ما يقارب من خمسمئة بيت ولم يكن مسكوناً منها في هذا الوقت إلّا أربعة وإلى الجنوب والشرق من القريّا تقوم خرائب تُدعى العَيّن، بُرْد، نِمْري، بكَّة، حُوْط، سحاب، أمّ الرمّان، الرّافقة”.ورد ذلك في مقتطفات من كتاب رحلات في سوريا، للرَّحالة جون لويس بركهاردت، جبل حوران في القرن التاسع عشر تعريب سلامة عبيد، ص29، بدون تاريخ. ولم يَرِدْ ذكر لذيبين على أنّها معمورة بتاتاً لدى بركهاردت، وهذا يدلّنا على أنّ الخراب كان عامّاً في القرى الواقعة جنوب القريّا بما فيها ذيبين.
في كلّ الأحوال فإنّ القرى الجنوبيّة من المقرن القبلي قد أخذت تدبّ فيها الحياة تدريجيّاً بعد تمركز اسماعيل الأطرش وفريقه من بني معروف في القريّا نحو قُبيل أواسط القرن التّاسع عشر، وخاصّة بعد المصالحة الشّهيرة مع محمّد بن سُمير شيخ قبيلة وُلْد علي، وبروز قوّة الموحّدين في تلك المنطقة حيث أخذت العائلات المعروفيّة بالانتشار جنوباً ترافقها بعض الأسر المسيحيّة والسّنّية التي وجدت في فروسيّة الدروز حامياً لها من غزوات البدو واعتداءات اللّصوص الذين لم يكونوا يجدون رادعاً قبل قدوم بني معروف إلى الجبل.
ويذكر المعمر هايل غبرة من ذيبين بأن الدّولة العثمانية كانت تكتفي بأن تأخذ من شيخ أي قرية مبلغ ليرتين ذهبيّتين عن كل فدّان من الأرض تتم زراعته (الفدّان مساحة من الأرض تتراوح بين مائتين إلى ثلاثمائة دونم وقد تزيد حسب مساحة الأراضي في كل قرية)، وليرتين ونصف الليرة ذهباً عن رقبة الرجل البالغ، وتترك للشّيخ حريّة التَّصرّف بالتّمليك والتّرحيل والتّنزيل وإدارة شؤون الفلّاحين في قريته. ولكنّ بني معروف الموحّدين وبحكم معاناتهم التاريخية مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة كانوا مضطرّين للتّضامن مع بعضهم كعشيرة موحّدة تَسْتَبْسِل ضدّ أي خطر خارجي يستهدف وجودها، وإلى هذا تشير وثيقة عثمانية وردت في كتاب “بين المركز والأطراف، حَوْران في الوثائق العثمانية 1842ــ 1918”1 (ص 436) إلّا أنّ الموحّدين يتميّزون بـ “أوصاف التفوّق على من جاورهم.” ولا بُدَّ أنّ هذا التّمَيّز ساعد على توطيد التوطّن العام للموحّدين الذين تبعهم في التوطّن المسيحيّون والسنّة الذين وجدوا في بني معروف حامياً لهم في تلك القرى التي كان يرين عليها الخوف والخراب قروناً والتي لم يستقرّ فيها العمران قبل قدوم الموحّدين إليها.
كانت الحياة في ذيبين عصيبة على السكّان القلائل من النّصارى والسُّنّة الذين كان اللّصوص والغُزاة يستضعفونهم فيها قبل قدوم سعيد الأطرش وبنو معروف إليها نحو بداية الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وبحلولهم في تلك القرية وبما جمعه سعيد من حوله من فرسان من بني معروف الذين كانوا يُدعَوْن بـ “خيّالة سعيد”، ويروي الحاج مْسَلّم الغوثاني أنّ سعيداَ سلّحهم بـ “قَرَبينات”، وكان يوزّعهم مجموعات حراسة في الليالي بحيث تمكّن وإيّاهم من حماية العُمران في ذيبين، وأنّ النوري بن شعلان شيخ قبيلة الرّْوَّالة وهم فرع من قبيلة عَنَزَة الكبرى نزل ضيفاً على سعيد في ذيبين وفي ذلك شكل من أشكال طلب الصّداقة، وإقامة العلاقة الودّيّة.
كما يروي المُعْمِر هايل غَبْرَة أنّه عندما قدم سعيد إلى ذيبين كان بها دُور قليلة مسكونة، ومعظم دور القرية كانت خالية من السّكان. نزل سعيد بدار قديمة في قمّة التلّة الأثرية للقرية مُشرفة على ما حولها وقريبة من البُرْكة النَّبطيّة القديمة ولم تزل بقايا من تلك الدّور قائمة إلى يومنا هذا، كان هدف سعيد ضَبْط حركة الطّرق من ذيبين وإليها.
ويُجْمع المُعْمرون على أنّ سعيداً كان قد اخْتُصّ بالقدوم إلى ذيبين للتوطّن فيها من بين أبناء اسماعيل، مُرسي مجد آل الأطرش، بهدف حماية الحدود الجنوبية الغربية للجبل لِتَعزيز سكن بني معروف في تلك القرية النّائية المواجهة لبادية يسودها تراث الغزو المُتَحدّر عبر قرون متتالية من تراث آتٍ من الجاهليّة. كان مجيئه إلى ذيبين من ضمن الخطّة التي سبَق أنْ وضعها اسماعيل الأب الذي عمل على نشر وتوطين العائلات المعروفيّة في القسم الجنوبي من الجبل تحت زعامة أبنائه أو أبناء أعمامه كآل النّجم والعبدالله والحَمّود، وقد عمل شبلي الخليفة الثاني الأقوى حنكةً بعد والده اسماعيل على متابعة تنفيذها، وهو الذي وصفته الباحثة الألمانية بريجيت شبلر في كتابها “ انتفاضات جبل الدروز ــ حوران من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال 1850 ــ 1949” بـ “شبلي الأسطوري”.

تربية طيور الرّاماج

منذ سنوات أخذ عدد كبير من سكّان قرى الجبل بتربية هذا النّوع من الطّيور الملوّنة التي هي بحجم طائر السّنونو تقريباً، ولا تجد قرية في محافظة السّويداء تخلو من تربية الرّاماج، فالغرفة الواحدة تستوعب 20 زَوجاً من تلك الطّيور، وهي تحقق للمربين عائدا ماليا جيداً، ويفيد بعضهم أنّ الرّاماج يدخل في صناعة موادّ التّجميل والمواد الطّبِّيّة، وفي ذيبين 350 غرفة لتربية الرّاماج.

مضافة آل غبرة أنشأها بناؤون من ضهور الشوير في لبنان
مضافة آل غبرة أنشأها بناؤون من ضهور الشوير في لبنان

استراتيجية للردع وتنمية السكان
كان سعيد من أقوى أبناء اسماعيل الثّمانية شكيمة، وقد نظّم حماية ذيبين ورفع عنها خطر الغزو بعنف مضاد، فصار الغزاة يهابون الاقتراب من حِمى ذيبين، وخَشي اللّصوص من بطشه فأمِنَ الناس فيها وتوافد إليها المزيد من العائلات المعروفيّة ويذكر المُعمرون من آل الحسنية أنَّ أحد أجدادهم وهو محمود محمّد الحسنيّة الذي سكن في قرية بكّا شماليّ ذيبين بعد قدومه من قرية عين وزين الشوفيّة في جبل لبناناستقدمه سعيد إلى ذيبين وملَّكَهُ سبعة فدادين ونصف أي ما مساحته أكثر من ألفين وستمائة دونم من الأرض، وكان فندي الحسنيّة من فرسان سعيد ورجاله البارزين. ويذكر الشّاعر الشّعبي فوزات غبرة أنّ الشيخ سعيد استقدم أجداده آل غَبْرَة الذين كانوا يسكنون في بكّا وملّكهم ستّة فُدُن من الأرض مساحتها ألفان ومائة دونم شرط إحيائها، وكان يقول لِمَن يوزّع عليهم الأرض “افلحوا وازرعوا بنشاطكم”. كما استقدم سعيد رجالاً من أخواله آل الحنّاوي وملّكهم أربعة وعشرين فدّاناً من الأرض مساحتها نحو اثني عشَرَ ألف دونم. وكذلك فعل مع سائر العائلات التي استقدمها إلى ذيبين.
ويروي المعمرون أنّ أحد اللّصوص الذين كانوا يأتون جماعات وفُرادى من أماكن بعيدة كغَوْر الأردن ونابلس في فلسطين وسواها من براري البوادي المتاخمة للجبل، قَدِمَ ليلاً مع رفاق له إلى ذيبين بقصد سَرِقة الأبقار والمواشي التّابعة لساكنيها، فعَطِش وقصد البركة ليشرب، لكنّه ومن خشيته افتضاح أمره صار يمشي على يديه ورجليه تَشَبُّها بمشية الكلب، وكان سعيد ليلتَها مُرابطاً قرب البُركة فما كان منه إلّا أنْ تَناول اللّص بقبضته القويّة من رقبته وقال له:
لِمَ تمشي هكذا وأنت من بني آدم؟، فأجابه: “دْخَلَك”، أخاف من سعيد.
ــ أنا سعيد، وبما أنّك تخاف من سعيد سامَحْتك، لكنْ إنْ جيت الجبل بقصد السّرقة مرّة ثانية أنت أو غيرك ما قدّامكم إلّا الموت، ارجع لبلادك، وخبّر بِاْللّي جرى لك معي.
ومن اهتمام سعيد بفنّيَّة العمران فقد استقدم بنّائين “شوَيريّة” من ظهور الشّوير في جبل لبنان، قاموا بتركيب الواجهة الحَجَرِيَّة في داره التي لم تزل أجزاء منها على حالها وقد نُقلت حجارتها من قرية صْماد الأثريّة المجاورة شمال غرب ذيبين. وفي ذيبين وحتّى يومنا هذا يشاهد المرء بأمّ العين العديد من المضافات والدّور القديمة قام بإشادتها بنّاؤون شويريون من لبنان.
وبتوطّد الأمن في القرية قَدِم إليها المزيد من العائلات من بني معروف وغيرهم وقد كان سعيد يوزّع عليهم الأرض بحُكْم مركزه كَشيخ فيها. وقد جمع الرّجل بين الشجاعة الفائقة والعفو عند المقدرة والكَرَم.

“رغم أهمية الزراعة فإن أموال الاغتراب من لبنان ودول الخليـــج باتت تشكّل المورد الأهم لأهالي البلدة”

الواجهة الشرقية من دارة الشيخ سعيد الأطرش في بلدة ذيبين
الواجهة الشرقية من دارة الشيخ سعيد الأطرش في بلدة ذيبين

العائلات المعروفيّة في ذيبين
من العائلات المعروفية التي استقرّت في ذيبين بعد آل الحسنيّة ورَاوَند، وآل عقيّل آل غبرة وهؤلاء يتحدّرون أصلاً من آل أبو الحُسن في جبل لبنان، وآل حَسَن الذين قدموا من الشوف في جبل لبنان، وآل حاطوم وقرقوط ورعد ورحروح والمحيثاوي والصّغبيني وماضي وهؤلاء أصلاً من العبيدية في جبل لبنان، والحنّاوي وفرج وأبودقّة، وبْشير والعماد وفندي (أصلاً عبد الباقي)، وأبوحمدان، وأبورجاس والدّبيسي وأبو علي وأبو شاهين والحلبي وعبيد والكريدي وحرب وأبو غاوي ومَنْشا وقطيش وذبيان والرّيشاني وأبو شقرة وغرز الدّين ووهبي.
ولقدوم آل حاطوم إلى ذيبين قِصّة يرويها الشّيخ عادل حاطوم إذ إنّ أجداده غادروا كفر سلوان على أثر قتال مع قوات أرسلها إلى كفر سلوان نحو عام 1800 الأمير بشير الشهابي ويؤكّد صحّة هذه الرّواية ما كتبه ياسر فوّاز حاطوم في ص 23 من كتابه” آل حاطوم في تاريخ بني معروف”، إذ يذكر أنّ “عساكر الشهابي لاحقت آل حاطوم وشتّت شملهم، وعمّم (أي بشير الشهابي) على أهل البلاد أيّاً كان عدم إيواء بيت حاطوم”.
ومن العائلات السّنّية في ذيبين آل الغوثاني الذين قدموا أصلاً من شرق الأردن من بلدة “سما الرّوسان” منذ نحو مئتي عام، وسكنوا قرية حبران، ثمّ انتقلوا إلى قرية الرّحى، ومنها إلى خربة غوثا قرب عرى، ولما استقدمهم سعيد ليسكنوا إلى جانبه في ذيبين أُطلق عليهم اسم الغوثاني نسبة لآخر موقع سكنوه “غوثا”. وفي ذيبين بعض العائلات من البدو وهم أصلاً من عشائر الجبل ويسكنون في حارة خاصّة بهم تقع في جنوب القرية وهم يقومون بأعمال رعي الأغنام والماعز بالمشاركة مع أهالي البلدة ولا يزيد عددهم عن مئتي نسمة.

ذيبين في تاريخ بني معروف
لقد شارك فرسان ذيبين ورجالها في مقاومة الظّلم العثمانيّ، والاحتلال الفَرنسيّ الذي ابتُلِيَت به سوريا بعد طرد العثمانيين من بلاد الشّام وقدّموا قافلة من الشّهداء في معارك الثّورة السّوريّة الكُبرى عددهم ثمانية عَشَر شهيداً حَسْب صالح عْمار أبو الحُسن، وهو المعروف بالشاعر الشعبي للثّورة السورية الكبرى، يذكرهم في ص 19 من ديوانه وفيهم يقول:
ذيبين فيها رجال وعْليها اعتمـــــــــــاد ربّوا الهوايــــــــــــــــل بـــــــــــــالمعارك والجهاد
مــــــــــــــــــــا يهـــــابـــــــــــــــــــوا الموت بيوم الوغــــــــــــــى نار العِدى بالكون يدعوها رَمــــاد
وقد هدم الفرنسيّون دوراً في ذيبين لآل حاطوم وآل قرقوط.

ذيبين اليوم
ذيبين اليوم هي مركز ناحية تتبع لها قريتا أمّ الرّمّان وبَكّا
ويبلغ عدد سكّانها نحو 5022 نسمة.
ويعتمد السكّان في ذيبين على وظائف الدّولة وعلى الزّراعة بشكل محدود ولكنّ أموال الاغتراب من لبنان ودول الخليج وفنزويلّا وغيرها في حقيقة الأمر تشكّل المورد الأهم لأهالي البلدة.
وفي ذيبين شبكة صرف صحّي، وثلاثة آبار إرتوازية لتأمين مياه الشّرب، وهناك مركز صحي تابع لوزارة الصحة وجمعية تعاونية زراعية، وقد أمنت الدولة أباراً حُفرت على نفقتها بهدف تشجيع الزّراعة وتثبيت المواطن في أرضه، وسمحت بِرَيّ ما مساحته 3 دونمات كحدٍّ أعلى للمُزارع، تُزرع باللّوزيات والزّيتون والتّوت الشامي والدرّاق. وتوجد في ذيبين وحدة للإرشاد الزراعي ويتأثر إنتاج البلدة سلبا بعاملين هما انقطاع التيار الكهربائي والصقيع.

2016