الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

قصص الامثال

قصص الأمثال

فرحة فتنة

يضرب هذا المثل لمن يفرح لبؤسه وشقائه معتقداً أنه في حالة فرح حقيقي، وربما أخذ المثل بعداً سياسياً حينما يتندرون بفرح العامة من الناس، ومدحهم السلطان المستبد بالرغم مما يلحق بهم من ظلم وحيف.
و الحكاية أن فتنة زوجة أحد المرابعين، والمرابع مسؤول أمام صاحب الأرض عن حراثة الأرض وزرعها وعن الحصاد والبيدر وغير ذلك من الأعمال، كما أنه مسؤول عن علف الحيوانات والاعتناء بها، باعتبارها الوسيلة الأساسية في الإنتاج .
ومن الطبيعي ألا يستطيع المرابع وحده القيام بكل هذه الأعمال، إذ كانت زوجته تقف إلى جانبه في كثير من هذه الأعمال . وعليه فقد دخلت فتنة هذه إلى التبّان1، وأخذت تكربل2، لتهيِّئ وجبة تبن ناعمة للبقرات التي تستخدم في الحرث”.
وأرادت إحدى النساء معابثتها، فدخلت خلفها فلم تكد تراها من غبار التبن فقالت لها :
ـ “يا مشحَّرة يا فتنة! انت عبتكربلي هون والغبرة فوقك، وجوزك قاعد مع فلانة، وقال بدو يطلقك وياخذها”.
فوضعت فتنة الكربال أرضاً، وأمسكت رأسها بيديها الاثنتين وقالت:
ـ يا ربي عفوك ! أنا قلت هالنعمة مش راح تدوم لك يا فتنة3

الصايع ببلاده صايع ببلاد برا

الصايع ببلاده صايع ببلاد بره
الصايع ببلاده صايع ببلاد بره

مثل يضرب في الرجل الخامل الذي لا تتحسن أحواله مهما تبدلت الظروف. والحكاية أن ولداً اسمه عصام كان يعيش عيشة دلال، ونشأ دون أن يتعود على تحمل المسؤولية. وحين كبر أخذ والده يحثه على العمل والاعتماد على الذات.
ـ يا ولدي أنا لست مُخلِّداً، غداً سأموت، وسوف تتحمل أنت مسؤولية الأسرة، عليك أن تبحث عن عمل ما.
وكان عصام يهز برأسه عند سماع نصح والده لكن دون مبالاة، وكان غالبا ما يدعي أنه لم يجد بعد العمل الذي يليق به. وبفعل إلحاح والده عليه، جاء إلى والده يوماً يحمل مشروعاً:
ـ أريد أن أسافر
ـ إلى أين ؟
ـ إلى فنزويلا.
ـ يا ولدي السفر ليس لعبة، والغربة تحتاج إلى رجال . أليس من الأفضل أن تبحث عن عمل هنا، حتى تتعود، وأنت حتى الآن لم تجرب حظك هنا في بلدك؟
ـ يا أبي هذه البلاد لا تطعم خبزاً، ولا تبني مستقبلاً..ولم يعد أمامي خيار سوى السفر، لعلني بذلك أنقذكم وأنقذ نفسي من هذه الحال.
بسبب إصرار ابنه الطموح باع أبو عصام قطعة أرض وأعطى عصام تكاليف السفر. وتيسَّر عصام إلى فنزويلا بإذن الله.
مرت الأيام، والشهور، سنة..سنتان..ثلاث..ولا علم عن عصام ولا خبر . وأبو عصام يقول : ربما تغير الولد، الغربة تغيِّر الرجال، وأم عصام لا حيلة لها إلا البكاء والدّعاء، ولوم أبي عصام: كيف تخلى عن فلذة كبده، وجعله يطير إلى بلاد غريبة وبعيدة.
إلى أن كان يوم، حمل لهم البريد إشعاراً برسالة مسجَّلة. أبو عصام ليس له أحد في الغربة إلا عصام، وهذه الرسالة من عصام ولا شك، لأنها رسالة مسجلة، ولا تكون الرسالة مسجلة إلا إذا كان فيها “شيك محرز”…وأخذ أبو عصام يحسب، لا يعقل أن يرسل من فنزويلا مبلغاً زهيداً، ثم إنها ثلاث سنوات غربة، لا بد أنه مبلغ سيحل لنا مشاكل كثيرة.
في اليوم التالي، ومن صباح الله الباكر توجه أبو عصام إلى البريد في مركز الناحية وهناك سلًمه الموظف الرسالة بعد أن وقَّع على الاستلام . كل هذه الإجراءات عززت لدى أبي عصام الثقة بأن الرسالة دسمة . لم يشأ أن يفتح الرسالة في مكتب البريد، أراد أن يتمتع بمفرده بالمبلغ الذي حوّله له عصام. وما أن خرج من حدود البلدة متجهاً إلى الضيعة، حتى بادر إلى الرسالة ففضها ليقرأ :
“ والدي العزيز ! أنا بخير وبصحة جيدة .
لا تظن يا والدي ان عصام تغيّر، “ عصام على حطة إيدك . الغربة ما غيرت فيه شي . والّي صايع ببلاده صايع ببلاد بره . ابعث لي نيلون4 الطريق “.

1 التبان : مستودع التبن .
2 الكربلة : فصل القصل عن التبن بالكربال . هون : هنا . مكيّف : مسرور، مرتاح البال
3 بدو : يريد . ياخذها : يتزوجها .

شو هالنطّة الحلوي!!؟

شو هالنطّة الحلوي
شو هالنطّة الحلوي

يضرب هذا المثل في الرأي غير الصائب الذي يعود على من اتبعه بأوخم العواقب . وحكاية هذا المثل أرويها من الذاكرة البعيدة، إذ كثيراً ما تسرد هذه الحكاية للتنديد برأي عاد بنتائج سيئة على من اتبعه
والحكاية أن لصوصاً أرادوا سرقة أحد بيوت المياسير، وكانوا يسيرون بخفة على سطح البيت فأحست بهم المرأة وأيقظت زوجها . لكن الزوج أجاب زوجته بصوت يسمعه اللصوص : نامي يا امرأة ! هؤلاء ليسوا لصوصاً، فاستغربت المرأة رد فعل زوجها وقالت له : وما أدراك ؟ ! . فقال لها : لو كانوا لصوصاً بحق لما ساروا في وسط السطح، فاللصوص لا يسيرون إلا على حافة السطح كيلا يشعر بهم أحد .
فاعتقد اللصوص أن كلام الرجل حقيقة، وأخذوا يسيرون على حافة السطح . ولما كان الظلام دامساً لم يتبينوا مواقع أقدامهم، فزلوا ووقعوا على أرض الدار. فخرج الرجل صاحب الدار وقال لهم: “ شو هالنطّة الحلوي ! “
فأجابه كبيرهم:
“هذي من راياتك يلي بتهوّي5 “
ووردت حكاية مشابهة لهذا المثل في كتاب كليلة ودمنة لابن المقفّع بعنوان حكاية “المصدق المخدوع “ ؛ وهي تحكي عن لصوص أردوا سرقة أحد البيوت فعلوا السطح، فاستيقظ صاحب البيت وأحس بهم، فنبه زوجته، وقال لها : رويدكِ إني لأحس باللصوص قد علوا ظهر بيتنا، فإني متناوم لك، فأيقظيني بصوت يسمعه مَن فوق البيت . ثم قولي : يا صاحب البيت ! ألا أخبرتني عن أموالك هذه الكثيرة، وكنوزك من أين جمعتها ؟! . فإذا أبيت عليك فألحي في السؤال؟ ففعلت المرأة ذلك، وسألته كما أمرها : فقال الرجل بصوت يسمعه اللصوص : أيتها المرأة قد ساقك القدر إلى رزق كثير فتنعَّمي واسكتي.. ولا تسألي عمّا لو أخبرتك به لم آمن أن يسمعه سامع، فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين . فألحّت المرأة عليه فقال لها: جمعته من السرقة . فقالت له كيف كان ذلك؟ فقال لها : كنت أعلو ظهر البيت، وانتهي إلى الكوة التي يدخل منها ضوء القمر، فأرقي بهذه الرقية: “ شولم شولم” سبع مرات، ثم أهبط على عمود الضوء إلى داخل المنزل دون أن يراني أحد . فأجمع من الكنوز ما أستطيع جمعه، ثم أرقي بالرقية نفسها، وأعتلي عمود الضوء، فإذا أنا خارج المنزل.
ولما سمع اللصوص ذلك الكلام فعلوا كما سمعوا، فوقعوا في شر أعمالهم6.

4 نيلون : ناولون، أجرة السفينة، مصروف الطريق مع أجرة الركوب .
5 ـ الفزة : القفزة . راياتك : آراؤك . بتحزي : بتخري

كرمال عين تكرم مرجعيون

مثل يضرب في الرجل ؛ تكرمه لا لشخصه، وإنما إكراماُ لعزيز أوصى به . والمثل معروف في أنحاء الجبل، غير أني لم أقع له على حكاية إلا عند سلام الراسي، الذي أورد حكايته على النحو التالي :
قبل نهاية القرن الماضي اشترى البارون اليهودي روثتشايلد قرية المطلة، إحدى قرى منطقة مرجعيون في ذلك الزمان، من مالكها جبور بك رزق الله من صيدا، وذلك في نطاق المخططات اليهودية لجعل قرية المطلة قرية يهودية، ومد حدود أرض الميعاد إلى ما وراءها .
وكان زعيم المطلة الشيخ علي الحجار، من زعماء الدروز المعروفين، ومن أصحاب المكانة عندهم، إذ سبق له أن قاد إحدى معارك العصيان المسلح ضد الدولة العثمانية، وبطش بإحدى حملاتها، فقتل بعض أفرادها وشتت شمل من تبقى منها .
واضطرت الدولة يومئذِ إلى توسيط الوجيه المرجعيوني ملحم راشد بينها وبين الحجار، ولكن بدون جدوى، وعرف أنه استسلم فيما بعد بواسطة نسيب باشا جنبلاط وعفي عنه .
وفي أحد الأيام استدعاه القائمقام رفعت بابان بك إلى جديدة مرجعيون، لغاية ما، وعند المساء توجه عائداً إلى قريته، إلا أن فرسه وصلت صباح اليوم التالي إلى المطلة بدون فارسها . فهب رجاله يبحثون عنه، حتى عثروا عليه مقتولاً، ومطروحاً قرب نبع الحمام في مرجعيون .
وقيل إن القائمقام كان وراء مصرعه، كما أشيع أن أحد زعماء المنطقة كان يترصد خطواته . إلا أن مقتل الحجار ما زال حتى الآن سراً مغلقاً لم يستطع أحد أن يكشف عن حقيقته . وقد يجوز التكهن بالنسبة لتسلسل الأحداث بان إزالة الحجار من الطريق سهلت عملية اقتلاع الدروز من قرية المطلة وتسليمها لليهود قبل نهاية القرن التاسع عشر .
الذي يهمنا الآن هو أن جماعة الحجار اتهموا أهالي جديدة مرجعيون بقتله، فذبحوا عساف الصغير على الفور قرب جسر الخردلي، وأخذوا يجيشون للهجوم على الجديدة . وبنو معروف لا يبيتون على ثأر، ولا ينامون على ضيم، فكيف إذا كان قتيلهم من عيار الشيخ علي الحجار .
هذا مع العلم إن الهجوم على جديدة مرجعيون مغر وهين : بيوتها عامرة، وأهلها مسالمون، يتنافسون على اقتناء النفائس، ولكنهم لا يخبئون البنادق في مخادعهم .
لذلك لجأ أهالي الجديدة إلى المراجع المسؤولة، وتوجه بعض وجهائهم إلى بيروت حيث قابلوا رضا بك الصلح، وطلبوا مساعدته، فأبى وقال لهم : “ اقلعوا شوككم بأيديكم “ .
وذكر رضا بك أهالي الجديدة بحادثة خان الزهارية عندما فك صاحب الخان حماراً لرجل من صيدا، وربط مكانه فرساً لرجل من الجديدة، فنشأ عن ذلك خلاف بين الرجلين، وتألب الصيادنة على الجدادنة وأهانوهم، فقدم هؤولاء شكاوى قاسية اللهجة إلى مقام والي بيروت .
كان رضا بك الصلح يومئذٍ يشغل وظيفة حساسة في مركز ولاية بيروت، وأراد بحكم وظيفته أن يتوسط بين الصيادنة والجدادنة، فرفض هؤلاء وساطته قائلين “ ابن صيدا ما بينعطى ريق حلو “
وبلغت هذه العبارة مسامع رضا بك لذلك رفض فيما بعد أن يتوسط لأهالي الجديدة في قضية مقتل الحجار .
في ذلك الوقت كانت عليا فرنسيس قد شقت طريقها لتصبح من أسياد المواقف في المنطقة، وشعرت أن الجو قد اكفهر بسرعة، وأن ملابسات جريمة مقتل الحجار قد تتطور إلى فتنة طائفية، فانتخبت وفداً من وجهاء المسيحيين في المنطقة، وهبطت إلى بيروت، وقصدت رضا بك الصلح بالذات .
فرحب رضا بك بعليا فرنسيس أجمل ترحيب، وطيب خاطرها، وخواطر صحبها وقال في معرض الكلام : “ كرمال عين تكرم مرجعيون “، وذهب بنفسه للتحقيق في مقتل الحجار وإنهاء الأزمة7 .

6 ـ كليلة ودمنة : ص38

7 ـ سلام الراسي . في الزوايا خبايا : ص494

كلب المير مير

يضرب هذا المثل للنيل ممن يستظل بظل أحد الكبار، فيجعل لنفسه شأنا لا يستحقه وقد يحتمي الرجل بأمير ليمارس التعدي أو “يتمرجل” على الناس لا لرجولة منه بل لكونه “مدعوم” بنفوذ الأمير ال مما يجعل الناس يتحاشونه إكراما للأمير وخوفا من إغضابه. وقد يتخذ هذا المثل طابعاً سياسيا حينما يتعلق الأمر بأذناب السلطة، وعندئذٍ فالمثل من الأمثال التي تتهكم على الاستبداد والعسف.
وحكاية المثل كما يرويها سلام الراسي عن جورجي ميستو برواية “ كلب المير مير “إن أحد أمراء لبنان خرج إلى الصيد، ومعه كلب عريق، وحدث أن عبر الأمير وكلبه أمام حظيرة معّاز، فخرج المعاز مرحباً بالأمير، وخرج كلب المعاز من الحظيرة وأطبق على خناق كلب الأمير ودعكه، ومرَّغه، وشرم أذنه، وجلف إحدى عينيه .
وكان المعّاز يعرف أمير البلاد، فانحنى له لاثماً الأرض بين قدميه . لكن كلب المعاز كان غشيماً في قضايا البروتوكول، فكان منه ما كان . وانكسر خاطر الأمير وهو يشاهد كلبه ممروغاً بين يدي كلب المعاز، وهو يعوي عواء المغلوب على أمره، فأمر بقتل الكلاب كافة في المنطقة انتقاماً لشرف كلبه المهان. فقيل يومئذٍ: “كلب المير مير “ تدليلا على إيقاع الأمير العقاب بكلاب لا ناقة لها ولا جمل في ما حدث لكلبه، كما يعاقب فيها السلطان الناس في قرية أو منطقة وقع فيها قتل لموظف كبير أو معاون من معاونيه، وجرى القول مجرى المثل إلى يومنا هذا8

إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب

إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب
إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب

يروى أن رجلاً أصيب بالفالج فبات مقعدا، وصار دائم الضجر كثير التذمر والشكوى، ملحاحاً في طلب ما يحتاجه، وما لا يحتاجه . فابتكر أولاده طريقة لتسليته، وتخفيف طلباته التي لا نهاية لها . وكان في القرية رجل معروف بذلاقة لسانه، وقدرته على سرد الحكايات، وابتكارها، فاستأجروه ليسلّي الوالد لقاء مجيدة (وهي عملة عثمانية آنذاك) في كل يوم، واستمر الرجل في مهمته، يسرد الحكايات للوالد المريض، ويتقاضى أجره، حتى أخذ الله وديعته .
وحدث أن وقع رجل آخر بالمرض نفسه، لكنه كان مختلفاً عن صاحبه الأول بأنه كان مهذاراً، لا يعرف لسانه الراحة، يريد أن يتحدث، ويفضي بما في نفسه. ولما لم يكن عند أولاده القدرة، ولا الوقت للجلوس أمام الوالد المريض، والاستماع إلى أحاديثه المتواصلة، فقد تذكروا الرجل الذي أستأجره قبلهم أولاد المفلوج الأول، فذهبوا إليه يستأجرونه قائلين : كنت تتعب نفسك في الكلام، وسرد الحكايات للرجل الذي مات منذ مدة، أما نحن فنريدك في مهمة أسهل وهي أن تجلس وتستمع إلى والدنا دون أن تبدي أي عناء في اختراع الحكايات وسردها . ولك منا كل يوم ليرة عصملية (ذهبية) لقاء صمتك وإصغائك
ففرح الرجل، وقام بمهمته خير قيام، وكان يقبض عن كل يوم ليرة عصملية بدلاً من المجيدة التي كان يتقاضاها من قبل، حتى أخذ الله وديعته، فتجمع للرجل رزق وفير، وعرف الناس الحكاية واعتبروا من ذلك الوقت فقالوا: “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب “

8 ـ سلام الراسي . “ثمانون”: المجلد الخامس : ص94

مآثر وعبر

مآثـــر وعبـــر

حكاياتٌ عن العِلاقةِ المُمَيّزَة
بين جبلِ عاملٍ ووادي التّيم

مبارزةُ خيلٍ تتحوّلُ إلى جَفاء
ووفدُ مشايخٍ يعيدُ المياهَ إلى مجاريها

كان سوق الخان (والسهل المحيط) به مركز تلاقٍ وتواصل بين وجهاء وزعماء منطقتي جبل عامل ووادي التّيم، والسّبب الوجيه لذلك أن السّوق كان الحدّ الفاصل بين ولايتيّ صيدا ودمشق حسب التقسيم الإداري السائد أيام الحكم العثمانيّ وقد بقي كذلك أيام الانتداب الفرنسيّ.
في يوم التقى في سوق الخان الزّعيم كامل بك الأسعد والوجيه الحاصبانيّ سامي بك شمس، وبعد انفضاض الاجتماع ما كان من الوجيه الحاصبانيّ إلّا أن دعا الزّعيم الوائليّ إلى المبارزة خيلاً في عرض ذلك السّهل وطوله.
وكامل بك الأسعد وهو بالمناسبة جدّ كامل الأسعد الأخير لوالدته وقد كان على قامة سمقاء ورشاقة ومهابة تفوق التصوّر، وإذا اعتلى صهوة جواده لا يبارزه سوى القلّة، ومن كان له باعٌ في مضمار الفروسية. منذ بدء المبارزة بدا واضحاً أن الوجيه الحاصبانيّ لم يُوفَّق إذ بدا تفوق غريمه واضحاً وفاضحاً، وهذا الأمر أحرجه أمام أتباعه مما أثار غضبه وجعله يتفوّه بكلام قاسٍ وشتائم مهينة لغريمه. أمّا الزّعيم الوائليّ، فرغم أنّ الدم غلى في عروقه إلا أنّه أطلق العنان لفرسه بعد أن تبعه مرافقاه مقدّماً أمثولة في ضبط النفس وتغليب الحكمة على النّزق والانفعال.
لكن ما إن عاد الزّعيم الحاصبانيّ إلى منزله في حاصبيّا حتى انتبه إلى الخطأ الجسيم الذي ارتكبه بحقّ زعيم الجنوب وكما يقول المثل العاميّ “ راحت السّكرة وأتت الفكرة”، وكان يخاطب نفسه بكثير من التأنيب: ماذا فعلت؟ وكيف تصرّفت؟ وبأيّ حق تفوهت بما تفوّهت به تجاه رجل كريم؟ النّدم، النّدم.. لكن ما نفع الندم؟ في تلك اللّيلة لم تغمض عينا الوجيه الحاصبانيّ بل تسمّر جسده فوق مقعده وهو محتار من أمره وكيف سيعيد المياه إلى مجاريها، والصّداقة الأولى إلى سابق عهدها. وفكّر أخيراً أنْ ليس لي سوى الأفاضل من المشايخ الأكارم أصحاب العمائم ومقرّبي الخواطر: “إذهب يا أبو علي النّاطور إلى الشّيخ أبوفايز علم الدّين بدوي وقلْ له كي يحضر إذ إنّني قد وقعت في مأزق كبير وليس حلّه باليسير”.
حضر الشيخ أبو فايز علم الدين بدوي وكان في ريعان الشّباب ولكنّه كان في الحكمة والدّراية شيخ من أشياخ الزّمان، ومن مشايخ البياضة المتنوّرين بالمعرفة ومحبّة الخير وتقريب الخواطر وفضّ النّزاعات، كما أنه كان صاحب البيت المشهور والكرم الحاتمي المعهود. لكن بعد اطلاعه على ما حدث وما أقرّ به الزّعيم الحاصبانيّ من تسرّعه وسوء تصرّفه دُهش واستغرب ما حدث، ثم تفكر في ذاته محتاراً من أمره فالموضوع مع زعيم كبير وغلطة لا تُغتفر، وكيف سيقرّب الأمور ومن أين سيبدأ الحلّ.

حاصبيا في عشرينيات القرن الماضي
حاصبيا في عشرينيات القرن الماضي

لهذا قرّر التصرّف بسرعة فعمد إلى تشكيل وفدٍ كبير من أهل الحل والعقد من الوجهاء الذين عرفوا بنبل مساعيهم وقد قبلوا أن يرافقوا الشّيخ أبو فايز في صباح اليوم التالي إلى بلدة الطّيبة، والتي يلزمها ستّ ساعات سيراً على الأقدام.
وصل الوفد في الوقت المحدّد لدار الطّيبة، لكنّ استقبالهم كان استقبالاً فاتراً، ومع هذا لم يدبّ الوهن في عزيمتهم، وكان التّفويض بالكلام لصاحب المقام الشيخ أبو فايز. بعد الجلوس وشرب القهوة وقف الشّيخ أبو فايز وسط القاعة ثم ابتدأ بالكلام تحية واحتراماً قائلاً: دار الطيبة اسم لمُسمّى وأشمل وأغنى من أي معنىً ورحابه صدرها للأنام عندها مسرّة، لذا أتينا من حاصبيّا، قاعدة وادي التيم، للاعتذار وتقديم الإجلال والاحترام للزّعيم الكبير آملين أن نُسلِّم عليه.
أجاب المسؤول: إنّ البيك خارج القصر. عندها قال الشّيخ أبو فايز: مسيرتنا لأكثر من ستّ ساعات ويلزمنا وقت مماثل في طريق العودة، لذا فإننا لن نبرح هذا المكان إلا بعد مقابلة صاحبه وتقديم الاعتذار كما أُمِرنا، ومهما تكن النفوس متباعدة فلا شيء يمنع من تقاربها والخلاف يحصل بين الإخوة والأقارب وزعيمنا الوائلي رائد محبة وتقارب وأملنا أن لا يعيدنا خائبين.
كبير المسؤولين في دار الطّيبة، وكان على دراية وبعد نظر، هزّه هذا القول مقتنعاً ومتّعظاً ومقدّراً كلام الشّيخ ومجيء الوفد، لذا انسلّ خارجاً ثم ذهب إلى مكان تواجد الزعيم فأخبره بما سمع وبأنّ عليه أن يقابل وفد المشايخ مهما تكن الخلفيّات خصوصاً وأنهم من أهل الكرامة والاقتدار ويكفي تحمّلهم عناء القدوم من مكان بعيد لكي يرفعوا إلى مقامكم اعتذار زعيم حاصبيّا وأسفه لما حصل.

كامل الأسعد
كامل الأسعد

الزّعيم الوائلي، وبعد سماعه كلام مرافقه، عاد إلى ضيوفه هاشّاً باشّاً وخاطبهم بالقول: أهلاً وسهلاً، وشكراً بما أشدتم وتكرّمتم لكن بالنّسبة للسّيد سامي بك فإنّني لن أحادثه مطلقاً وأرجو أن لا يقع نظري على نظره، وحتى حاصبيّا مُحرّمة عليّ.
الشّيخ أبو فايز تبسّم ثم تقدم من الزّعيم الوائلي مصافحاً إيّاه بحرارة وكذلك فعل بقية أعضاء الوفد، ثم جلس الجميع. غير أنّ الشيخ أبو فايز ظلّ واقفاً وابتدأ بالحديث قائلاً: يا كامل بك ، الأخوة تتخاصم، لكنّ الكبار الكبار أمثالكم لا يوجد للحقد أو الكراهية مكان في نفوسهم، فالصّفح شيمتهم، وقد كان قدومنا إلى هنا بطلب من زعيمنا شخصياً، ونحن نزيد على ذلك أن لعن الله الخمرة وما تسبّبه، وليس بالكثير إذا كانت عند أهل التوحيد منكرة ومحرمة. ولهذا عند عودته إلى منزله في حاصبيا كان الوعي والرّشد قد عادا إلى مخيّلته فاستدعانا على عجل وطلب إلينا الإسراع بالقدوم إلى دياركم لتقديم اعتذاره الصّادق.
انتظر الشيخ أبو فايز ليرى وقع كلامه على الزّعيم الجنوبي فلاحظ أنه بقي على عبوسه، عندها أكمل القول: هل تسمح لي بأن أسألكم سؤالا بسيطا؟ قال اسأل
قال الشيخ أبو فايز: ما هذا الذي يُغطي رأسكم؟
شقّل الزّعيم الوائلي حاجبيه وقال: ماذا تقصد يا شيخ بسؤالك؟ ألا ترى العقال والحطّة؟
تبسم الشّيخ وقال : هذا مقصدي بالضّبط، أليس يكفي أن يُجلّل رأسكم العقال، وكم هي بليغة وعميقة هذه الكلمة، وخاصة إذا كانت تكلّل هامات الرّجال العقلاء أمثالكم؟
كامل بك هزّه هذا القول فانفرجت أساريره وقال للشّيخ أبو فايز: حقّاً وصدقاً، أمثالكم قليلون أيّها الشيخ الجليل، لذلك ومهما كان غضبنا لما حصل، وتقديراً وتكريماً لخاطركم الكريم، قل لسامي بك إنني ذاهب إلى حاصبيا، وقريباً تشاهدوننا في دياركم.
وهكذا وفى الزّعيم الوائليّ بوعده فأتى برفقة سبعين خيّالاً إلى دار آل شمس، وكأنّ شيئاً لم يكن. وبعد الاستقبال والعناق كان التّكريم والحداء والرّصاص يملأ الآفاق وزِد على ذلك فقد أمر الزّعيم الحاصبانيّ بذبح سبعين خروفاً على عدد الزّائرين وبقي الجميع ثلاث ليال مكرّمين معززين.

أنعم وأكرم بأبناء العم

وندعــو كريمــاً مـــــــــــــــن يـــــــــــــجـود بمالــــــــه
ومن يبذل النَّفس النّفيســة أكـــرمُ
إن الكــرام إذا ما أيسـروا ذكــروا
من كان يألفهــم في المنزل الخشنِ
(شاعر قديم)

مالت الشّمس خلف جبل القاطع، وأذن الوقت بالعودة نحو المبيت. لهذا اعتلى الشيخ أبو فايز علم الدّين بدوي ظهر دابّته واتّجه عائداً نحو بلدته، بعد جهدٍ وتعبٍ مُضْنِيَين، من غرسٍ للبذور والشتول، وسقاية ورش ونكشٍ للعشب والجذور. فالوقت ربيع، وأيام العمل في البساتين تبدأ مع الفجر ولا تنتهي إلاّ مع الغروب، خصوصاً وأنه اقتنى بستاناً كبيراً من تعب اليد وعرق الجبين.
كالمعتاد يوميّاً، يرافقه في طريق العودة جاره في العمل الشّيخ علي، والقول المتّبع عند الفلّاحين الرّفيق قبل الطّريق.
قبيل وصولهم إلى بلدتهم، بعد هبوط العتمة إذ برهط من المكاريّة خارجين لتوّهم من البلدة، وكان زِيّهم يدلّ على أنهم غرباء مساكين وقد بدا الوجَل على وجوههم. اهتمّ الشّيخ أبو فايز للأمر فاستوقفهم قائلاً:
إلى أين أنتم قاصدين؟
نحو بلادنا.
وأين هي بلادكم؟
نحن من بلدة حولا في جبل عامل.
أنعم وأكرم بأهل حولا أبناء العم الكرام.
كان هذا النوع من السّلام دارجا بين دروز المنطقة وشيعتها بالنّظر لكون الموحدين الدروز كانوا معاً من ذات القبائل التي دانت بالمذهب الشّيعيّ الفاطميّ، لذا فهم من أرومة واحدة ويربطهم تاريخ من الصّداقات والعيش المُشترك وأدب الجيرة.
بعد السلام نزل الشّيخ عن ظهر دابته ثم تقدّم نحوهم فدعاهم وأصرّ عليهم أن يقبلوا المبيت عنده على اعتبار أنّ الوقت ليلٌ والطّريق طويلة وبعيدة نحو حولا، و..”شرّ الصّباح ولا خير المسا”!
ولما وجدهم متردّدين أجار عليهم بالقول المأثور “أجير الله وأنبياءه عليكم أن تقبلوا دعوتي”.
بعد سماع هذه الدّعوة الصّادقة، ما كان من المكاريّة إلّا أن قبلوا الدّعوة وعادوا معه شاكرين حامدين.
رفيق الشّيخ أبو فايز نظر نحو الموكب وهو عائد ثم هزّ برأسه وقال في ذاته: “ما أكثر غلبة عمّي أبو فايز، كيف يستضيف هذا العدد من الرّجال مع العشاء والمنامة، وفوق هذا دوابهم وجمالهم وخيولهم، وكيف ستقابلهم زوجته وهم في وضع مادّي غير ميسور؟! ثمّ تقدّم من الشّيخ وصارحه هامساً: “لقد جلبت العنت لك ولعائلتك وكان الأفضل تركهم وشأنهم، خصوصاً وأنّهم من بلاد بعيدة ولا تعرفهم؟”
هزّ الشيخ أبو فايز برأسه وأجاب رفيقه وابتسامة رضا تزين وجهه:”اسمع يا صاحبي، النّاس للنّاس والرّزق من الخالق الرّزّاق، قِسْ على نفسك إذا حلّ بهم مكروه في هذا اللّيل، والطّريق غير آمنة ومعرّضة للكثير من الأخطار، سواء كان من قطاع الطرق أو اللّصوص، ولا يغرب عن بالك أنّهم سيمرّون قرب الحدود مع اليهود، فلربّما اعتبروهم مهرّبي أسلحة أو مجاهدين فلسطينيّين وأطلقوا عليهم النّار وهم عُزّل مساكين. ومع هذا ماذا سيكلّفوننا؟..العشاء واحد، وأختك أمّ فايز، مثل كلّ غانمة، تعمل حسابها عند طبخ العشاء تحسّباً لضيف مساء أو عابر سبيل، والمثل يقول زاد واحد يقري اثنين وزاد خمسة يقري عشَرة والله يبارك لنا وللجميع، وبعملنا هذا ربّما ننقذ أرواحاً أو نكسب أصحاباً أو نطعم جوعاناً أو نروي عطشانا”
عند سماع ذلك سكت رفيق درب الشّيخ، لكنّه في قرارة نفسه لم يقتنع بما سمعه بل إنه عد سلوكه من قبيل الوجاهة وليس الكرم.
لكنّ مبدأ الشّيخ في الحقيقة كان ينبع من الكَرَم ومَدّ يد العون لعابر السّبيل وعمل الخير للجميع. فمنزله طوال حياته كان مضافة عامرة، و”محكمة أهليّة” لفضّ المشاكل وتقريب الخواطر وإغاثة الملهوف، وقدوم الضّيوف عليه وعلى عياله كان أمراَ مألوفا.

الشيخ أبو فايز علم الدين بدوي
الشيخ أبو فايز علم الدين بدوي

سهرة ممتعة قضاها الشّيخ أبو فايز مع ضيوفه من سمرٍ ومسامرة وتبادل أفكار واكتساب معرفة عن بلاد بعيدة وعادات جميلة.
عند مغادرة الضّيوف صباحاً منزله، وقف كبيرهم قبيل توديعه قائلاً: “ أقسم بالله وبالنّبي والإمام عليّ، وقد تجاوزت الخمسين من عمري، لم أصادف رجلاً في حياتي كلّها وأنا تاجر متجوّل من بلدة إلى بلدة، ومن بيت إلى بيت، كما لمسنا وشاهدنا من كرمكم وأفضالكم وترحيبكم وطراوة أحاديثكم يفوق ما يتصوّره أيّ إنسان. ويكفي أنّكم كنتم المبادرين لدعوتنا قبل أن نطرق بابكم، وهنا تظهر أريَحيّتكم وشهامتكم. فهنيئاً لكم ولبلدتكم ولطائفتكم بأمثالكم، وعسى الله تعالى يقدّرنا على الوفاء، وردّ الجميل”.
دارت الأيام… ومواسم الحاصبانيّ من السّفرجل والرّمان والملفوف والباذنجان لا يصحّ تركها بعد نضجها، والخريف آن، وحان وقت القطاف والتّسويق.
لهذا، حمّل الشيخ عليّ جار الشّيخ أبو فايز أحمالاً عدّة مع رفاق له، واتّجهوا جنوباً نحو قرى جبل عامل لبيعها. ثمّ بادروا للتنقّل من قرية إلى قرية إلى أن غربت الشمس عنهم في خدرها وهم بعيدون عن ديارهم والعودة ليلاً محفوفة بالأخطار، ومع هذا لم تنفذ البضاعة ويجب تصريفها وإلا كانت عرضة للأضرار.
ما العمل، قال الشّيخ علي لرفاقه، وكيف العودة والطريق نجهلها، والغريب أعمى ولو كان بصيراً، فكيف إذا كان الوقت ليلاً وليس بيننا دليل؟!
إذ ذاك ما بقي أمامهم سوى طرق باب أحد المنازل قصد الضيافة. وهكذا حدث من قِبل أحدهم.
استقبله صاحب المنزل قائلاً: “ أهلاً وسهلاً، ماذا تريد يا أخي؟”
أجاب الطارق: “إنني ورفاق لي من بلاد بعيدة، وليس بالإمكان العودة ليلاً، فهل تسمح باستضافتنا منامة وليس أكثر؟”
“تفضلوا يا أخي، على الرّحب والسعة”.
بعد الدخول والاسترخاء من قبل الضيوف، تفرّس المضيف بهم، ثم بادرهم القول: “عسى أن تكونوا من بلاد حاصبيّا؟”
تبسّم الضّيوف، إذ وجدوا بهذه الكلمة نوعاً من التّرحيب وراحة النّفس قائلين: “نعم..”.
“إذاً من بلدة الشّيخ أبو فايز علم الدين بدوي!”
“ نعم نعم من بلدته وجيرانه، والبعض منّا من أقاربه”.
“ يا أمّ حسين” نادى صاحب المنزل على زوجته، “ تعي أنتِ والأولاد ..لأعرّفكم على أقارب وأصحاب وجيران أجلّ وأشرف رجل عرفته، وكم حدثتكم عنه وعن كرمه وأصالته وسعة محله.”
“ألا يكفي أن أرجعنا عن الطريق إلى بيته بعد أن تصدّى لنا وأجار الله وأنبياءه علينا كي نقبل دعوته؟ لقد كرّمنا بأكثر من مقامنا وأتحفنا بكرم الخلق وأدب الضّيافة، وأفادنا بأمثال وحكم بليغة من علومه وتراث عشيرته”.
لم تمضِ فترة من الوقت، حتّى مُدَّت سُفرة من الطّعام الشهي للضّيوف، والبيت بأكمله يعمّه الفرح والسرور.
الشيخ علي كان يأكل ويهزّ برأسه من وقت لآخر، ثم يوشْوِش رفاقه قائلاً: “أطال الله بعمرك يا عمّي أبو فايز وبيّض وجهك وثناك في الدّنيا والآخرة كما بيّضت وجهنا ونحن حقيقة نأكل الآن على جاهك ونغرف من معجنك”
عند عودته إلى بلدته، كان الخجل يعلو وجه رفيق الشيخ أبو فايز وهو يخبره عمّا لاقَوْه من كرمٍ وترحيب فاقَ ما يتصورونه في بلدة حولا الجنوبيّة. وكلّ ذلك عائد لفضلكم وكرمكم وبُعد نظركم. ثم أكمل حديثه قائلاً: “إنّ أصدق قول يناسب مقامكم يا شيخنا ما كنت تردده أمامنا هو: من جاد ساد، ومن بخل رُذِل، وأجود النّاس من جاد من قلّة وصانَ وجه السائل من المذلة، وأجمل المحاسن كلّها الكرم.

ملا نصرالدين

حكاياتُ الحكيم السّاخر
مُــــــلاّ نَصْــــر الدِّيــــن

الحلقة الرابعة والأخيرة

في هذه الحلقة الرابعة من حكايات مُلّا نَصْر الدِّين تختارُ “الضحى” باقةً من حكايا وقصص هذه الشخصية الشهيرة في الإرث الأخلاقي والشعبي الشرقي وتُترجمها للقارئ العربي عن اللغة الإنكليزية كما صاغها الفيلسوفُ الصوفي إدريس شاه، نقلاً عن اللغتين الفارسيّة والتركيّة، وذلك لفائدتها التعليمية، أدبياً وأخلاقياً وفلسفياً.

ظرافة تلين قلب تيمورلنك
ظرافة تلين قلب تيمورلنك

ظرافة تُلين قلبَ تيمورلنك
كانت جيوشُ تيمورلنك تجتاحُ أواسطَ آسيا، وسَرَت شائعاتٌ أنّ تيمورلنك كان يتّجه نحو قرية المُلّا نَصْر الدِّين.
وما أن تناهى ذلك إلى سَمعِ المُلّا حتى دعا الناسَ خلال خطبة الجمعة إلى الدعاء والصلاة.
وقال: “دعونا نُصلِّي لموت تيمور الأعرج قبل قدومه”، فصاح جميعُ القرويين “آمين”.
ووقف رجلٌ من بين المُصلّين وسأل المُلّا نَصْر الدِّين: “هل رأيتَ تيمورَ قط؟.
أجابه المُلّا: “لا ولم أركَ من قبل أنتَ أيضاً”.
فقال الرجلُ: “إنّك على حق، فأنا تيمورلنك”.
فصعق المُلّا نَصْر الدِّين لهذا النبأ، وكذلك ذُهِلَ القرويون.
ومن ثم تابعَ المُلّا خطبتَه بهدوءٍ، وقال: “دعونا نُصلِّي جميعاً مرّةً ثانية، وهذه المرّة صلاة جنازتنا”.
سأله تيمور: “كيف تُصلِّي صلاةَ جنازتك أيُّها الأحمق، فصلاةُ الجنازة تُتلَى على الميت”.
فأجابَ المُلّا: “نعم يا مولاي، لكن كما ترى فإنّنا جميعاً على وشك الموت دون أن يكون ثمة مَنْ يُصلِّي صلاةَ الجنازة علينا. لذا ينبغي علينا أن نقوم بذلك بأنفسنا”.
فضحك تيمورلنك من أعماقه وعفا عن المُلّا وأهل القرية.

تيمورلنك ووجه الشيطان
يُحكَى أنّ تيمورلنك لمّا دخلَ قريةَ المُلّا نَصْر الدِّين الشهير، قام باستدعائه.
وقال له: “يُحكى أنّك رجلٌ واسع المعارف، رجلٌ متحالِف مع قِوى الظلام وأنّك تملك قِوى غريبة وتعلم أرهبَ التعويذات، بل يقولون عنكَ إنّك في تحالفٍ مباشر مع الشيطان بحدّ ذاته!”.
فأجابه المُلّا نَصْر الدِّين باستخفاف: “هذا ما يقولونه!”.
فصاح تيمورلنك بصوتٍ هادر، وقد استفزّته برودة المُلّا نَصْر الدِّين: “إن كنتَ حريصاً على حياتك، فقلْ لي إذاً كيف تبدو هيئة هذا الشيطان؟”.
فتبسَّم نَصْرُ الدِّين وناولَ تيمورلنك مرآةً، وقال له: “انظرْ في المرآة فتراه!”.

الثالث مُحِقٌّ أيضاً!
ذهبَ قاضي البلدة في إجازةٍ قصيرة. وطُلِبَ من المُلّا نَصْر الدِّين تولِّي القضاء مكانه مؤقتاً ليومٍ واحد.
فجلس المُلّا نَصْر الدِّين على كرسي القضاء، وبدا الحزمُ على مُحيّاه مُحدِّقاً في الجموع، واستعدَّ للنظر في القضية الأولى.
وبعدما سمِعَ مرافعة الطرفَ الأول، قال له نَصْرُ الدِّين: إنّك على حق”.
وقال للطرفِ الثاني بعد سماع وجهة نظره: “إنّك أيضاً على حق”.
فصاحَ أحدُ الحاضرين وسط الجموع قائلاً: “لكن لا يمكن أن يكون الطرفان على حق”.

السمكة الصغيرة للمتفلسف
السمكة الصغيرة للمتفلسف

السمكةُ الصغيرة للمُتَفَلسِف
مرَّ أحدُ العلماءِ المُتَفَلسِفين بقرية المُلّا نَصْر الدِّين، وما أنْ التقاه حتى سأله عن مكانٍ يُقدِّم طعاماً شهيّاً. فاقترح المُلّا مكاناً، فدعاه العالِمُ المُتَعطِّشُ للمحادثة للانضمام إليه.
فرافق المُلّا نَصْر الدِّين العالِمَ مُكرهاً إلى مطعمٍ قريب.
وعند وصولهما إلى المطعم سألا عن طبق اليوم، فأجاب صاحبُ المطعم: “سمكٌ! سمكٌ طازج!”
فقالا له: “أحضِرْ لنا سمكتَين”.
وما هي إلا بضعُ دقائق حتى أحضرَ الرجلُ طبقاً كبيراً تُزيِّنه سمكتان مشويّتان، واحدةٌ منهما أصغر قليلاً من الأخرى.
فانبرى المُلّا نَصْر الدِّين من دون تردُّدٍ والتقطَ السمكةَ الكبيرة ووضعها في صحنه.
العالِمَ، الذي بدَت على مُحيّاه الدهشةُ والاستغراب، لفتَ انتباه نَصْر الدِّين إلى أنّ ما قام به لم يكن عملاً أنانيّاً بشعاً فحسب، بل ينتهك الأدب ومبادئ الدين!
أصغى المُلّا نَصْر الدِّين لمحاضرة مرتجلة ألقاها العالِمُ المُتَفلسِف بكلِّ صبرٍ، لكن ما أن نفدَ صبرُهُ حتى قال له:
“حسناً يا سيّدي، ماذا كنتَ لتفعَل أنت؟”.
فأجابه العالِمُ: “إنّني كصاحبِ مبادئ وضميرٍ، كنتُ سأختار السمكة الأصغر حجماً”.
فقال المُلّا نَصْر الدِّين: “هاكَ إيّاها”، ووضعَ السمكةَ الصغيرة في صحنِ المُتَفلسف.

أُمنيةٌ أخيرة!
أخذ المُلّا نَصْر الدِّين ورفيقاه يحتسون القهوة، ويتساءلون حول الموت: “إذا كنتَ مسجَّى والأهلُ والأصدقاء يبكون من حولك، فما الذي تتمنَّى أن تسمعه منهم؟”.
قال رفيقه الأول: “أودُّ أن أسمع منهم أنّني كنتُ طبيباً عظيماً في زماني، ومُحبِّاً لأُسرتي وعائلتي”.
ومن ثمّ قال رفيقه الثاني: “أودُّ أن أسمع منهم أنّني كنتُ زوجاً صالحاً ومعلِّماً تركَ أثراً كبيراً في أجيال الغد”.
أمّا نَصْرُ الدِّين فقال: “أودُّ أن أسمع منهم: انظروا!! إنّه يفتح عينيه!!!”.

سمكةُ القاضي في الشبكة!
ذات يوم، تناهَى إلى مسمعِ المُلّا نَصْر الدِّين أنّ السلطانَ قد أرسل لجنةً متخفّية سعياً إلى اختيار مُرشَّحِين أكفّاء لتولِّي منصب القاضي.
فعمدَ المُلّا إلى التنقُّل في الأنحاء واضعاً شبكةً قديمة لصيد السمك على كتفه.
ولمّا وصلَ أعضاءُ اللجنة إلى قريته، استرعت الشبكةُ انتباهَهم وسألوا المُلّا نَصْر الدِّين ما السرّ وراء ذلك.
فأوضح نَصْرُ الدِّين: “نعم، أحملُ هذه الشبكة معي لتُذكّرني بماضيَّ الوضيع كصيّادٍ فقير”.
فتأثَّر أعضاءُ اللجنة أيما تأثر، وعندما حانَ الوقت، عُيِّنَ المُلّا نَصْر الدِّين قاضياً.
وبعد فترةٍ وجيزة، التقى ممثِّلو السلطان المُلّا نَصْر الدِّين مجدداً لكنّهم لاحظوا اختفاء الشبكة.
فسألوه: “أيُّها المُلّا أين الشبكة”.
فأجاب المُلّا نَصْر الدِّين: “حسناً، لا حاجة للشبكة بعد اصطياد السمكة، أليسَ كذلك؟”.

عودةُ الجَمَل
صاحَ المُلّا نَصْر الدِّين بأعلى صوته: “لصٌّ، لصٌّ! لقد سرقَ لصٌّ جَمَلي!”.

وما أن هدأ رَوْعُه وسكَنَ صخبُه حتى بادره أحدُهم بالقول متعجِّباً: “لكن يا نَصْر الدِّين، لا جملَ لديك”.
فقال نَصْرُ الدِّين: “صُهْ .. أخْفِت صوتَك، أتمنّى ألَّا يسمعك اللصُّ، لعلّه يُعيد إليَّ جَمَلاً”.

قوةٌ لا تشيخ!
كان المُلّا نَصْر الدِّين يوماً يتباهى بقوتِه التي لم تؤثّر فيها السنون. وقال: “إنّني على القدر ذاته من القوة التي كنتُ أتمتّع بها شاباً”.
فسأله القوم متعجِّبين: “وكيف أمكنَ ذلك؟”.
فأجاب المُلّا: “هناك صخرةٌ كبيرة خارج منزلي. لم يكن بوسعي أن أُحرِّكها من مكانها وأنا شابٌّ، ولا يسعني أن أُحرِّكها كذلك اليوم!”.

الحمد لله ليست يقطينة!
كان نَصْرُ الدِّين خُجا يستلقي تحت ظلال شجرة جوزٍ عتيقة. استراحَ جسدُه لكنّ فكرَه الوقّادَ لم يجد له راحة. كان يتطلّع إلى أغصان تلك الشجرة الهائلة ويتفكّر في خلقها.
وتساءلَ الخُجا في سِرّه: “ما الحكمةُ في أنْ تُثمِرَ مثلُ هذه الشجرةِ الكبيرة السامقة حبّاتَ الجوز الصغيرة هذه؟ فها هو جذعُها ضخمٌ، وأغصانُها ثخينةٌ بإمكانها أن تحمل بسهولة أكبرً يقطينةٍ تنمو من نبتةٍ ضعيفة مُعرِّشَة في الحقول، نبتةٌ لا يمكنها أن تحمل حتى وزنَ ثمرتها. ألا ينبغي للجوز أن ينمو من تلك النباتات الضعيفة، واليقطين من هذه الشجرة الراسخة؟”.
وفيما هو غارقٌ في تفكُّرهِ وتغشاه الحَيرةُ، سقطت حبّةُ جوزٍ من أعلى الشجرة لترتَطِمَ برأسه.
فانتفضَ نَصْرُ الدِّين مرتاعاً، وقال: “الحمد لله! لو كان ما سقطَ على رأسي يقطينةٌ لقُضِيَ عليَّ حتماً! إنّ الله رحيمٌ! وهو أبدعَ الطبيعةَ وفي نيته أن يُنقِذ حياتي”.

اخترع كذبة وصدّقها
اخترع كذبة وصدّقها

اخترعَ كذبةً وصدّقها!
ذات يوم قرّر المُلّا نَصْر الدِّين أن يُمازِح سكّان قريته. فما أن صادفَ حشدٌ منهم حتى أوهمه بوجود منجمِ ذهبٍ اكتشفه في مكانٍ حدّده لهم.
وما أن سمعَ الجميعُ ذلك حتى أخذوا يهرعون إلى ذلك المكان للاستئثار بالذهب.
وما هي إلَّا هُنيهةٌ حتى وجدَ نَصْرُ الدِّين نفسَه سائراً معهم.
وعندما سأله مَنْ يعرف سرَّ حيلتِه عما هو فاعلٌ، قال: “عندما يصدَّقَ ذلك الجمُّ الغفيرُ من الناس، فإن هناك احتمال بأنّ يكون صحيحاً!”.

لا يفقهونَ الخبزَ ويَحكِمون
اتّهمَ ثلاثةُ علماءٍ المُلّا نَصْر الدِّين بالخروج عن الدِّين، لذا استُدعَى إلى بلاط السلطان للمحاكمة.
وفيما هو يُدافع عن نفسِه، سألَ نصر الدين العلماء الذين جلسوا لمحاكنه: “أيُّها الحكماء، ما هو الخبز؟”.
فقال العالِمُ الأول: “الخبزُ هو قوتٌ، طعامٌ”.
وقال العالِمُ الثاني: “الخبزُ هو مزيجٌ من الطحين والماء عُرِّضَ لحرارة النار”.
أمّا العالِمُ الثالث فقال: “الخبزُ هو نِعمةٌ من الله”.
فتوجَّه المُلّا نَصْر الدِّين إلى السلطان قائلاً: “مولاي، كيف لكَ أنْ تثق بهؤلاء الرجال؟ أليسَ من الغريب أنّهم عاجزون عن الاتّفاق على طبيعة شيءٍ يأكلونه كلّ يوم، ومع ذلك يُجمِعُون على أنّني خارجٌ عن الدِّين؟”.

حصانُ السلطانِ يُغنِّي
ذات يوم، ألقى المُلّا نَصْر الدِّين نُكتَةً في حضور السلطان أثارت سخطَه. فأمرَ على الفور باعتقال نَصْر الدِّين وإلقائه في السجن، واتّهمه بالمروق والعصيان.
اعتذر المُلّا نَصْر الدِّين من السلطان على هذه الدعابة السَّمِجَة، وتوسَّل إليه أن يعفو عنه ويُبقِي على حياته.
لكنّ السلطان بقِيَ متشبِّثاً بموقفه، وبفعل الغضب الشديد أمرَ بقطع رأس المُلّا نَصْر الدِّين في اليوم التالي.
وعندما أُحضِرَ نَصْر الدِّين في الصباح لتنفيذ حُكم الإعدام به، خاطبَ السلطانَ قائلاً: “أطالَ اللهُ عمرَ مولاي السلطان! أنتَ تعلم أنّني مُعلِّمٌ حاذق، والأكثر براعة في مملكتك، فإذا ما أَخَّرتَ إعدامي عاماً واحداً، فسأُعلِّم حصانَكَ الحبيب الغناء”.
لم يكن السلطانُ يعتقد أنّ ذلك ممكناً، لكنّ هذا ما هدّأ من رَوعه، فأجابه: “حسناً، سأمنحُكَ عاماً. لكن الويلَ لكَ إذا حلَّت نهايةُ العام ولم تُعلِّم حصانَي الحبيب الغناء”.
وقام أصدقاءُ نَصْر الدِّين بزيارته مساءً في السجن، فوجوده فرِحاً مسروراً. فسألوه مندهشين: “كيف لكَ أن تكون مسروراً؟ هل تعتقد حقّاً أنّ بوسعك تعليم حصان السلطان الغناء؟”.
فأجابَ نَصْر الدِّين: “بالطبع لا. لكن أمامي مهلة عام، وقد يحدث الكثير في هذه المهلة. فلربّما هدأ غضبُ السلطان وعفا عنّي. ولربّما قتلته الشدائدُ أو المكائدُ أو المرض، ولعلّه يُصدِرُ عفواً عن السجناء جميعاً. أو قد يموت الحصانُ، ولا يعود للسلطان حُجّةً عليّ”.
واستدرك نَصْرُ الدِّين أخيراً وقال: “إذا لم يحدث أيٌّ من ذلك، فما أدراكم، لعلّ الحصانَ يتعلّم الغناء!”.

السجنُ ولا شِعْر السلطان!
خُيِّلَ للسلطانِ يوماً أنّه شاعرٌ. وبعدما سهِرَ ليالٍ عديدة، أكملَ قصيدةً عصماء، واستدعَى المُلّا نَصْر الدِّين ليُلقيها أمامه.
وبعدما انتهى من إلقاء قصيدته، أحبَّ السلطانُ أنْ يعرف رأيَ المُلّا نَصْر الدِّين. فقال نَصْرُ الدِّين مندهشاً: “أحقّاً يا مولاي؟”.
فأجابه السلطانُ: “بالطبع، لِمَ أحضرتُكَ إلى هنا!”.
فقال نَصْرُ الدِّين: “حسنٌ، إنّها يا مولاي.. فظيعة”.
فاستشاطَ السلطانُ غضباً ونادَى الحرس: “ضعوه في السجن، ثلاثين يوماً”.
وبعدما أكمل نَصْرُ الدِّين فترة عقوبته، استدعاه السلطانُ مجدداً لسماع قصيدة أخرى، وعندما انتهى السلطانُ من إلقائها، نهضَ نَصْرُ الدِّين على الفور واتّجه نحو الباب.
فسأله السلطانُ باستغراب: “ما خطبكم، أين أنتَ ذاهبٌ يا نَصْر الدِّين؟”.
فأجابه نَصْرُ الدِّين: “إلى السجن يا مولاي”.

لا شنقَ لمَنْ جاء يُشْنَق!
استاءَ السلطانُ كثيراً من كثرة الغشَّاشين والكذَبَة المخادعين الذين يدخلون أبواب عاصمته الزاهرة ويعيثون فيها فساداً. لذا، أمرَ بوضع حامياتٍ من الجند عند جميع بوابات المدينة المحاطة بأسوارٍ منيعة. وصدرت الأوامر للجنود بشَنْق كلّ مَنْ يكذب حول الغرض الحقيقي وراء رغبته في دخول العاصمة.
أسرجَ المُلّا نَصْر الدِّين حمارَه وانطلقَ قاصداً العاصمة.
وعند إحدى البوابات، استوقفه حارسٌ وسأله عن الغرض وراء رغبته في الدخول إلى المدينة، وحذّره من أنّ الكذب قد يؤدّي به إلى الشنق.
فقال المُلّا نَصْر الدِّين بكلِّ هدوء: “هذا أمرٌ جيد، إذ إنّني أتيتُ إلى هنا لكي أُشنَق!”.
فقال الحارس مندهشاً: “إنّك كاذبٌ وسوف تُشنَق حتماً!”.
فأجابه المُلّا نَصْر الدِّين: “إذاً، أنتَ تَعلم أنّني نطقتُ بالصدق، ووجبَ بذلك ألَّا أُشنَق”.

أحمق في الظلام
أحمق في الظلام

أحمقٌ في الظلام!
في إحدى الأمسيات من ليالٍ حالكات، كان المُلّا نَصْر الدِّين يعود أدراجه إلى المنزل. الطريقُ كانت قصيرة جداً، لكن عند وصوله بدا عليه استياءٌ شديد، وأخذ يقول: “يا حسرتاه، يا ويلتاه”.
وصُودِفَ مرور أحد الشبّان بالقرب من منزله وسمعه يتحسَّر.
فسأله: “بالله عليك، قُلْ لي ما خطبُكَ يا مُلّا”.
فأجابه نَصْر الدِّين: “آه يا صديقي، يبدو أنّني أضعتُ مفاتيحَ منزلي. هلَّ ساعدتني في البحث عنها؟ أنا متأكّدٌ أنّها كانت في حوزتي عندما غادرتُ المقهى”.
فهبَّ الشابُ إلى مساعدة المُلّا نَصْر الدِّين في البحث عن مفاتيحه.
وجَهِدَ الشابُ في البحث هنا وهناك عن المفاتيح لكن لم يجد لها أثراً. ومن ثم نظر فوجدَ نَصْرَ الدِّين يبحث في بقعةٍ صغيرة يُضيئها مصباحٌ معلّق في الشارع.
فسأله الشابُ: أيُّها المُلّا، لماذا لا تبحث سوى في هذا المكان؟”.
فأجابه نَصْرُ الدِّين: “هل أنا أحمقٌ لأبحث في الظلام..!”.

العدل .. حسب نصر الدين
جادلَ أحدُ الأشخاص المُلّا نَصْر الدِّين، وقال له بعد نقاشٍ مستفيض: “دعنا نقذفُ قطعةَ نقودٍ ونرى مَنْ هو على حق؟”.
فسارع المُلّا نَصْر الدِّين وقَذَف قطعةَ نقودٍ في الهواء وقال مُستبقاً حُكمَ الشخص الآخر: “إن جاءت الطُرَّة لي فأنا الفائز، وإن كانت النَقْشَة لكَ فأنتَ الخاسر”!

لله في خلقِهِ شؤون!
وجدَ ولدان كيساً يحتوي على اثنتَي عشرة من الكرات الزجاجية الملوّنة التي يلعب بها الأولاد، واختلفا حول كيفية تقسيمها في ما بينهما، وأخيراً اتّفقا أن يحتكما إلى المُلّا نَصْر الدِّين.
وعندما طلبا منه أن يُقسِّم الكرات الزجاجية بالعدل بينهما، سألهما ما إذا كانا يرغبان بأن يقوم بتقسيمها بعدلٍ إنساني (أي مناصفة) أو استلهاماً لحكمةٍ ربّانية دون تساؤل منهما أو اعتراض وقد آثر الولدان بالطبع الخيارَ الثاني.
عندها قام المُلّا نَصْر الدِّين بعَدّ الكرات، وأعطى ثلاثاً منها للأول وتسعاً للثاني ..!!

الانفجار الكبير

الانفجارُ الكبيرُ

أثبتَ خلقَ الكونِ ودحضَ المادّيّين

«لو كان معدّل التّمدّد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أقلّ بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء لكان الكون قد انهار على نفسه قبل أن يصل إلى حجمه الحاليّ”.
(عالم الفيزياء الشّهير ستيفن هوكنز)

إذا نشأ نظام مُحكم للغاية بواسطة انفجار، فعلى الجميع أن يعترف بأنّ كلّ لحظة تمرّ تُنبئ عن وجود إبداع من عقل أسمى، وبعبارة أخرى فهذا هو عمل الله.
(العالم فريد هويل)

نظرية الانفجار الكبير أظهرت أن الكون اللانهائي خلق من لاشيء من قبل خالق عظيم رتب كل أمر بحسابات دقيقة لا يمكن أن تتم بفعل الصدفة

أكثرُ العلماء المادّيّين قاوموا نظرية الانفجار الكبير
لأنّها أثبتت وجود بداية للكون وبالتالي وجود الخالق

نظـــــــــــرية التّمـــــــــــدّد الكونـــــــــــيّ

لأنّ الأجرام الفضائيّة تبتعد عنّا وعن بعضها باستمرار
فذلك يعني أنّ الكون يتمّدد وأنّه نشأ من نقطة واحدة

المقصود من عرض هذا الموضوع هو إظهار مدى التقدم العلمي في تأكيد واقعة خلق الكون من العدم، وهو ما يدحض نظريات الإلحاد التي ترفض نظرية الخلق وتزعم أن الكون موجود منذ الأزل بذاته، وهو أمر بات العلماء مقتنعون إنه لا يمكن أن يتم بالصدفة بل هو إعجاز من الله تعالى، وقد أثارت النظرية اهتمام الأوساط الدينية في العالم ورأى فيها البعض دعما علميا حاسما لنظرية الخلق، ونحن نعرضها هنا انطلاقا من احترام البحث العلمي دون اتخاذ موقف منها وهو أمر يتطلب إمعانا وتمحيصا بسبب طبيعته المعقدة ، مع التأكيد على أن العقيدة التوحيدية عقيدة تقوم على العقل وعلى اليقين الإيماني الذي لا يفترض بناؤه على براهين علمية لأن الإيمان يقوم على التصديق بالرسالات السماوية وما جاء فيها وعلى اجتناب الجدل وصون الإيمان عن الأخذ والرد، فالمؤمن دليله قلبه كما يقال وهو مصدق لأنبيائه مطمئن لعقيدته راسخ في سلوكه وطاعته لخالقه وكفى بالله شهيدا.

السّؤال البديهيّ الذي يرد على خاطر أيّ إنسان متفكّر هو ولا شكّ: كيف وُجِد هذا الكون العظيم؟ وما هو مغزى هذا الانتظام المذهل في عمله وهو انتظام مضت عليه ملايين السّنين، والذي لو اختلّ ولو بشكل بسيط جدّاً فإنّ الحياة كما نعرفها قد تنتهي في طَرْفة عين. وعندما نتكلّم عن الوجود فإنّنا لا نعني فقط الفضاء ومليارات المجرّات والكواكب والظّواهر الكونيّة التي لا تحصى بل نعني أيضا أرضنا العجيبة ببحارها وأسماكها وبراريها وأنهارها وكائناتها الحيّة حتى أصغر كائن مجهري.
لقد اجتهد العلماء والفلاسفة والمفكرون عبر القرون في محاولة إيجاد جواب على ذلك السّؤال المحيِّر. فنشأ مع الزّمن عدد كبير من النّظريات، لكنّ الاختلاف تركّز مع الوقت بين القول بأنّ العالم أزليّ وقديم ممّا يعني أنّه لم يُخلق وبين القول بأنّ العالم ليس قديماً بل هو مخلوق بقدرة خلّاق عظيم هو نفسه غيرُ مخلوق وقديم أي أنه سابق لكلّ وجود متصوَّر.
لقد ساد الاعتقاد خلال القرن التّاسع عشر بأنّ الكون عبارة عن مجموعة من المواد لا نهائيّة الحجم تواجدت منذ الأزل وسيستمرّ تواجدها للأبد، وقد مهدت تلك النّظرية للفلسفة الماديّة، التي تنكر وجود الخالق والتي تشدّد على أنّه لا توجد بداية أو نهاية للكون.
وهذ النّظرية رغم عدم استنادها إلى أيّة أدلّة علميّة بل رغم كونها تناقض العلم الحديث فإنّها حازت على قبول متزايد في القرن التّاسع عشر، واشتُهر هذا النّظام الفكري بشكل خاصٍّ في الفلسفة الماديّة الجدلية لكارل ماركس.

ستيفن هاوكنغز أحد أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين دعم نظرية الانفجار الكبير
ستيفن هاوكنغز أحد أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين دعم نظرية الانفجار الكبير

خرافة الكون الموجود بذاته
يعتبر الماديّون فكرة أّنّ الكون لا نهاية له وأنّه موجود منذ الأزل بمثابة الأساس الأهمّ لرفض فكرة الخلق ولتبنّيهم الإلحاد أي رفض وجود الخالق. وعلى سبيل المثال، كتب الفيلسوف الماديّ جورج بوليتزر يقول “الكون ليس شيئًا مخلوقًا” لكنّه أضاف قائلاً: لو كان قد تمّ خلق العالم من لاشيء، فلا بدّ أنّه خُلق بواسطة الإله على الفور ومن العدم.
لقد استند المادّيّون دوماً على الفكرة الساذَجة التي تعتبر أنّ من غير الممكن خلق شيء من لاشيء، وسبب وقوف النّظرية الماديّة عند هذه النّقطة هي أنّ الفكر الماديّ التصق بصورة عمياء بقانون السّببيّة الذي هو قانون يسري على الإنسان المحدود بالحواسّ الخمس وبالفكر، لكنّ المادّيّين نَسَوْا أنّ قانون السّببيّة هو نفسه مثل بعد الزمان أو المكان مخلوق ولا وجود مستقل له إلّا في الاختبار الإنسانيّ. كما أنّهم لم يستطيعوا الإجابة عن السّؤال: إذا كان لا يمكن خلق شيء من لاشيء فكيف وُجِد العالم الذي يعتبرونه قديماً من لاشيء؟
لقد أثبتت الاكتشافات العلميّة في القرن العشرين تهافت الفكرة البدائية عن قدم الكون، إذ تبين أن الكون غير ثابت كما يفترض المادّيّين، بل إنّه هو على النّقيض من ذلك، آخذٌ في التّوسّع. وإلى جانب ذلك، فقد ثبت من خلال العديد من الملاحظات والحسابات أنّ الكون كان له نقطة بداية محدّدة نشأ منها من لا شيء بواسطة ما اصطُلح على تسميته في ما بعد بـ “الانفجار الكبير”

معاندة العلماء المادّيّين
رغم ذلك ورغم كل الشّواهد العلميّة، فقد استمرّت الأوساط المادّيّة في رفض قبول حقيقة أنّ الكون قد تمّ خلقه من لا شيء. وعندما سُئل الفيزيائيّ الألماني فالتر نيرنست عن رأيه في نظريّة الانفجار الكبير، أعطى أجوبة غير منطقية عن تأثير قبول هذه الاكتشافات، حيث قال “سيكون ذلك خيانة لأُسس العلم”. وقال أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتّكنولوجيا MIT فيليب موريسون في فيلم وثائقيّ بريطانيّ: “أجد صعوبة في قبول نظريّة الانفجار الكبير، وأرغب في رفضها”، لكنّ الكثير من العلماء من أصحاب النّزاهة وأخلاقيّات العلم، باتوا يؤكّدون أنّ نظريّة الانفجار الكبير صائبة وينتقدون العلماء المادّيّين الذين لم يعترفوا بصحّتها بعد إرضاء لأهوائهم السّياسيّة أو الأيديولوجيّة.
ففي مقال بعنوان “الانفجار الدّينيّ الكبير” كتب جيم هولت في مجلّة نيويوركر يقول: “الانفجار الكبير هو على الأرجح الفكرة الوحيدة في تاريخ العلم التي تمّت مقاومتها فقط لدعمها لنظريّة خلق الكون من قِبل الإله”، كما انتقد عالم الفيزياء الفلكيّة البارز روبرت جاسترو في كتابه “الله وعلماء الفلك” العلماء المادّيّين لتردّدهم في قبول نظريّة الانفجار الكبير بسبب الهواجس العقائديّة، يقول:
“خَلْف ردود الأفعال هذه هناك قدْر غريب من العواطف والمشاعر، فقد تمّ انتهاك “العقيدة الدّينيّة” للعلماء بسبب اكتشاف أنّ العالم كانت له بداية. وعندما حدث ذلك، فَقَدَ العالِم توازنه وهو لو فحص النّتائج حقًا، فإنه سيصاب بصدمة، لكنْ كالعادة فإنّه عندما يصاب إنسان بصدمة فإن عقله يتّجه بصورة عفوية إلى تجاهل الأسباب التي أدت إليها. فانظر إلى فداحة المشكلة التي يعاني منها هؤلاء العلماء. لقد أثبت العلم أنّ الكون انفجر إلى الوجود في لحظة محدّدة، فمن الذي وضع المادّة أو الطّاقة المُوجِدَة للكون؟ هل أُنشئ الكون من العدم؟ هذا تطوّر غريب وغير متوقّع للجميع عدا علماء الدّين”
(روبرت جاسترو : “الله وعلماء الفلك”.)
لكن كيف حدثت هذه العمليّة التي يصفها المادّيّون بأنّها “غريبة” و”غير متوقّعة”؟ فلنلق نِظرة على تاريخ الاكتشافات العلميّة في موضوع ظهور الكَون.

العالم-الأميركي-أدوين-هابل-مكنشف-نظرية-تمدد-الكون
العالم-الأميركي-أدوين-هابل-مكنشف-نظرية-تمدد-الكون

“ما الّذي كان موجودًا قبل الانفجار الكبير؟ وما هي القوّة التي وضعت الكَون كلّه في نقطة واحدة قبل أنْ تقول له “كُن”: إنّها اللهُ سُبْحانَه”

كيف تمّ اكتشاف الانفجار الكبير
اعترف المجتمع العلميّ بأنّ الكون كلّه جاء إلى الوجود في لحظة واحدة نتيجة لحدوث انفجار، أو بتعبير آخر: تم خلق الكون، وقد تم اكتشاف هذه الحقيقة المهمّة نتيجة للعديد من الملاحظات والاستنتاجات الثّورية.
ففي المرصد الفلكيّ في جبل ويلسون في كاليفورنيا، حقّق فلكيٌّ أمريكيّ يُدعى إدوين هابل عام 1929 أحد أعظم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك، فبينما كان يراقب النّجوم من خلال تلسكوب عملاق، اكتشف أنّ شدّة الضّوء الأحمر المنبعث منها تعتمد على مدى بُعدها، وكان ذلك يعني أنّ النّجوم “تبتعد” عنّا. ووفقًا للقواعد الفيزيائية المتعارف عليها، فإنّ طيف أشعّة الضّوء للجسم المتحرّك باتّجاه نقطة المراقبة يميل إلى اللّون البنفسجيّ، في حين أنّ طيف أشعة الضوء للجسم الذي يتحرّك مُبتعدًا عن نقطة الرّصد يميل إلى اللّون الأحمر. والضّوء المنبعث من النّجوم الذي لاحظه هابل أثناء مراقبته كان يميل إلى اللّون الأحمر، أيْ: إنّ النّجوم كانت تتحرّك باستمرار مُبتعدة عنّا.
قبل مرور فترة طويلة، قدم هابل اكتشافًا آخر مهمًا جدًا: إذ أثبت أن النجوم والمجرات ليس فقط تبتعد عنا، بل هي تبتعد عن بعضها البعض أيضًا، والاستنتاج الوحيد الممكن في كون يبتعد فيه كل شيء عن بعضه البعض، هو أن هذا الكون يتسع أو”يتمدد” باستمرار.

محطة هومدل الفضائية في نيوجرسي التي استخدمها العالمان بنزياس وويلسون لاكتشاف خلفية الإشعاع الكوني
محطة هومدل الفضائية في نيوجرسي التي استخدمها العالمان بنزياس وويلسون لاكتشاف خلفية الإشعاع الكوني

ما الذي يعنيه تمدّد الكون؟
تمدّد الكون يعني ضمنيًّا أنّه إذا استطعنا السّفر إلى الوراء في الزّمن، فإنّنا سنصل إلى النّقطة التي نشأ منها الكون قبل أنْ يبدأ بالتّمدّد وسنرى أنّ الكون نشأ بالفعل من نقطة واحدة، وأظهرت الحسابات أنّ هذه “النّقطة الواحدة” التي تحوي كلّ مادّة الكون يجب أن تكون “صفريّة الحجم” و”لا نهائيّة الكثافة”، وقد نتج الكون من جرّاء انفجار هذه النّقطة الوحيدة صفريّة الحجم.
سُمّي هذا الانفجار الضّخم الذي حدد بداية الكون بـ “الانفجار الكبير” Big Bang وسُمّيت النّظريّة بهذا الاسم تِبعًا لذلك.
تجدر الإشارة إلى أنّ “الحجم الصّفْرِيّ” هو مجرّد تعبير نظري يُستخدم لأغراض رياضيّة وصفيّة فقط. ولا يُمكن للعلم وصف مفهوم “العدم”، الذي هو أبعد من حدود الفَهم البشريّ، إلّا من خلال التّعبير عنه بأنّه “نقطة صِفريّة الحجم”. في الحقيقة، “نقطة بلا حجم” تعني “العدم”.
وهكذا جاء الكون إلى الوجود من العدم. وبعبارة أخرى، قد خُلق. وهذه الحقيقة والتي تمّ اكتشافها بواسطة الفيزياء الحديثة في القرن العشرين، ذُكرت في القرآن الكريم إذ وصف الله تعالى نفسه بأنه }بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وإذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون{ سورة البقرة: الآية 117. وكلمة “بديع” التي وردت في كتاب الله العزيز تعني الخلق والإبداع من لاشيء.
أظهرت نظريّة الانفجار الكبير أنّ كلّ الموجودات كانت في البدء كتلة بسيطة واحدة ثم تعدّدت وافترقت بعد ذلك يقول تعالى: }أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا{ سورة الأنبياء:الآية 30. وهذا يعني أن كلّ المادة الموجودة في الكون تم إنشاؤها بواسطة انفجار كبير لنقطة واحدة وتشكل الكون الحالي بواسطة افتراق أجزائه عن بعضها البعض.
وتُعْتَبر ظاهرة تمدّد الكون التي أثبتها العلم أحد أهم الدّلائل على أنّ الكون تمّ خلقه من العدم، وعلى الرّغم من عدم اكتشاف هذه الحقيقة من قِبل العلم حتّى القرن العشرين فقد ألمح الله تعالى إليها في القرآن الكريم بقوله }وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ{ (سورة الذّاريات: الآية 47).وعبارة “وإنّا لَمُوسعون” فيها إيحاء واضح إلى اتّساع الكّون لأنّ الله تعالى يستخدمها بعد عبارة “والسّماء بنيناها” فهو يعني هنا السّماء أو الفضاء الكوني وليس شيئاً آخر.
رغم الاتّفاق الشامل حول نظرية الانفجار الكبير كتفسير علميّ لسبب وجود الكون فإنّ علماء الفلك من أتباع الدّوغما المادّيّة واصلوا مقاومة نظريّة الانفجار الكبير، ليس بسبب امتلاكهم أدلّة تنقض الأبحاث العلميّة التي أكّدتها، بل بسبب تمسّكهم برفض نظريّة الخلق لأنّها تزعزع معتقدهم الإلحاديّ الذي ينفي وجود الخالق ولا يقيم اعتباراً للدّين. وقد عبّر آرثر إدنجتون، أحد أهم علماء الفيزياء المادّيّين عن هذا الموقف اللّاعقلانيّ والمكابر عندما قال “فلسفيًّا: فكرة البداية المفاجئة للنّظام الحالي للطّبيعة بغيضة بالنّسبة لي”. فهو لا يقوى على نفي الحقيقة العلميّة لكنّه يقول بكلّ صراحة إنّه “يكرهُها” لأنّها ببساطة تُثبت وجود خالق للكون.

انهيار نظريّة “الحالة المستقرّة”
عالم الفلك الإنجليزيّ السّير فريد هويل وهو ماديّ أيضًا، وكان بين الذين انزعجوا من نظريّة الانفجار الكبير في منتصف القرن الماضي سعى إلى مقاومتها عبر دعم فرضيّة تُدعى “الحالة المستقرّة” والتي كانت مشابهة لنظريّة “الكون الثّابت” في القرن التّاسع عشر. وتزعم نظريّة الحالة المستقرّة أنّ الكون لا نِهائيّ وأبديّ العمر وهي بالتّالي تعارض كليًّا نظريّة “الانفجار الكبير” التي تُثْبت وجود بداية للكون.

أبعاد اكتشاف “إشعاع الخلفيّة الكونية”
في عام 1948، قدّم جورج جامو فكرة إضافيّة بشأن الانفجار الكبير. وهي إنّه وبسبب تشكل الكون بسبب الانفجار الكبير فإنّه يجب أن يكون هناك فيض من الإشعاع الذي خلَّفَه هذا الانفجار، وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون هذا الإشعاع منتشراً بشكل متجانس في جميع أنحاء الكون.
وقد تم بالفعل اكتشاف تلك الموجات الإشعاعية عام 1965 بواسطة باحثيْن يدعيان أرنو بنزياث وروبرت ويلسون عن طريق الصّدفة. وتُدعى هذه الموجات اليوم “إشعاع الخلفيّة الكونيّة”، ولا يبدو أنّها تشعّ من مصدر مُحدّد بل تتخلّل كلّ شيء، وبناءً على ذلك فقد عرفنا أنّ هذا الإشعاع تخلّف نتيجة المراحل الأولى من الانفجار الكبير، وتمّ منح بنزايث وويلسون جائزة نوبل تقديرًا لهذا الاكتشاف.

قمر من”ناسا” يدعم نظريّة الانفجار الكبير
ثم أرسلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عام 1989 القمر الصّناعي مستكشف الخلفيّة الكونية (كوبي) إلى الفضاء، لإجراء البحوث على إشعاع الخلفية الكونية استغرق الأمر ثمان دقائق فقط لكي يؤكّد كوبي حسابات بنزياث وويلسون حيث، عثر كوبي على بقايا من الانفجار الكبير الذي حدث في بداية الكون، وبرهن هذا الاكتشاف بشكل واضح على صحة نظريّة الانفجار الكبير، ولذا فهو يُعد أحد أعظم الاكتشافات الفلكية على مر العصور.
وأحد أهم الدّلائل العلميّة الإضافيّة على صحّة نظريّة الانفجار الكبير كميّة الهيدروجين والهليوم في الفضاء. فمن المعروف علميّاً أنّ تركيز الهيدروجين والهليوم في الكون لا يزال مطابقًا للنّسب المحسوبة للتّركيز المتبقّي من الانفجار الكبير، ولو أنّ الكون ليس له بداية وموجود منذ الأزل، لكان يجب أن يكون كلّ الهيدروجين الموجود قد استُهلِك بالفعل وتحول إلى غاز الهليوم.

العلماء يعترفون بخطئهم
كلّ هذه الأدلّة المُقنعة تسبّبت في تبنّي المجتمع العلميّ لنظريّة الانفجار الكبير، فقد كان نموذج الانفجار الكبير هو أحدث ما توصّل إليه العلم بخصوص نشأة الكون.
برغم دفاع دينيس سكيما لسنوات طوال عن نظريّة الحالة المستقرة بجانب فريد هويل، إلّا أنه في النهاية وصف الحالة التي وصل إليها مع زميله بعد اكتمال الأدلّة التي تؤيد نظريّة الانفجار الكبير، بالقول أنّه بقي يدافع عن نظرية الحالة الثابتة ليس لاعتقاده بصحتها، ولكن لأنه تمنّى أن تكون صحيحة، واستمرّ سكيما قائلًا إنه بعد أن بدأت الأدلة في التّراكم، كان عليه أن يعترف أنّ اللعبة قد انتهت، وأنّ نظريّة الحالة المستقرّة سقطت ولا بدّ من رفضها.
وأضطُرّ جورج أبيل البروفيسور في جامعة كاليفورنيا أن يعترف بالنّصر النّهائي لنظريّة الانفجار الكبير، وذكر أنّ الأدلّة المتوافرة حاليّاً تدلّ على أنّ الكون قد نشأ منذ مليارات السّنين بواسطة انفجار كبير معترفاً بأنّه لم يعد لديه أيّ خيار سوى القبول بتلك النظريّة بعد أن أثبتها العلم.
ومع انتصار نظريّة الانفجار الكبير، تمّ إلقاء أسطورة “المادّة الأبديّة” التي تُشكّل أساس الفلسفة الماديّة في سلّة مهملات التّاريخ. لكنّ السّؤال يبقى: ما الذي كان موجودًا قبل الانفجار الكبير، وما هي القوة التي جلبت الكون إلى “الوجود” بواسطة ذلك الانفجار الكبير؟

الانفجار الكبير والخلق
الجواب على هذا السؤال يعني بكل تأكيد وجود الخالق. وقد علّق الفيلسوف أنطوني فلو المُلْحد لوقت طويل جدّاً والذي أعلن في وقت لاحق أنّه يعتقد بوجود الله – على الموضوع قائلًا:
“من المعروف أنّ الاعتراف مفيد للرّوح، لذا سأبدأ بالاعتراف أنّ على الملحد الستراتوني1 أن يشعر بالخجل بسبب إجماع علماء الكونيّات المعاصرين الذين يقدّمون لنا براهين علميّة على وجود بداية للكون”

وقد اعترف العديد من العلماء الذين لا يعتنقون الإلحاد بشكل أعمى بدور الخالق سبحانه وتعالى في خلق الكون. إذ يجب أن يكون هذا الخلّاق العظيم هو الذي خلق كلًّا من المادّة والوقت، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مستقلّاً عن الاثنين. قال عالم الفيزياء الفلكيّة المعروف هيو روس:
“إذا كان الزّمن بدأ مع نشوء الكون، كما تقول نظريّة الفضاء، فذلك يعني أنّ سبب وجود الكون يجب أن يكون كياناً يعمل بشكل مستقل تمامًا عن بعد الزّمن، بل وموجود بشكل يسبق البعد الزّمني للكون. وهذا الاستنتاج يخبرنا أنّ الإله ليس هو الكون نفسه، وأنّ الكون لا يحتوي الإله أيضًا”.

تضافر-ألوف-العوامل-لتسهيل-ظهور-الحياة-على-الأرض-لا-يقل-إعجازا-عن-خلق-الكون-2
تضافر-ألوف-العوامل-لتسهيل-ظهور-الحياة-على-الأرض-لا-يقل-إعجازا-عن-خلق-الكون-2

“معجزة الانفجار الكبير أُضيفَ إليها معجزة خلق كون صالح للعيش وهو ما يتطلّب تضافر ألوف العوامل المؤاتية التي لا يمكن أن توجد بفعل الصُّدفة”

سرّ النّظام البديع الذي يحكم الكون
في الحقيقة، تسبّب الانفجار الكبير في متاعب أكبر بكثير للمادّيّين من مجرد اعترافات أنتوني فلو، إذ إن العلم بات يثبت أنّ الكون ليس فقط تمّ إيجاده من العدم بواسطة الانفجار الكبير بل أثبت أيضا أنّ إيجاده تمّ بطريقة مُحكمة ومُمَنْهَجة جدّاً.
لقد حدث الانفجار الكبير مع انفجار النّقطة التي تحتوي كلّ المادّة والطّاقة في الكون، وتشتّت كلّ هذا في كلّ الاتّجاهات في الفضاء بسرعة رهيبة، ومن هذه المادّة والطّاقة جاء عدد ضخم ومتوازن من المجرّات والنّجوم والشّمس والأرض وجميع الأجرام السّماوية الأخرى. وعلاوة على ذلك، تشكّلت القواعد التي تحكم هذا الكون والتي سُمّيت بـ “قوانين الفيزياء”، وهي قواعد موحَّدة في جميع أنحاء الكون كلّه لا تتبدّل ولا تتحوّل. وقوانين الفيزياء التي تحكم الكون والتي ظهرت مع حدوث الانفجار الكبير لم تتبدّل على الإطلاق على مدى 15 مليار عام. وعلاوة على ذلك، فإنّ هذه القوانين تُنْتِج حسابات دقيقة للغاية، حتى أنّ الاختلاف في مجرّد مللّيمتر واحد من قِيَمِها الحاليّة يمكن أنْ يؤدّي إلى تدمير بنية وحركة الكون كلّه.
إنّ أيِّ “انفجار” لا ينجم عنه في العادة أجزاء أو نتائج مُنظّمة، وكلّ الانفجارات التي نعرفها تميل إلى إحداث أضرار، وتحطيم، وتدمير ما حولها. لذلك فإنّنا إذا علمنا أنّه وعلى عكس ذلك فإنّ الانفجار الكبير أنتج نظاماً دقيقاً جدّاً يسير وفق قوانين محكمة وحركة أزليّة منتظمة فإنّه لا بدّ من أن نستنتج عندها أنّ هناك “أمراً خارقاً للعادة” تدخّل في هذا الانفجار، وأنّ جميع القطع المتناثرة جَرّاء هذا الانفجار قد تمّت السّيطرة عليها وتمّ إدماجها وتركيبها وتشغيلها بطريقة مُحكمة للغاية.
السّير فريد هويل، الذي اضطُر إلى قبول نظريّة الانفجار الكبير بعد سنوات طويلة من معارضتها، عبّر عن هذا الموقف بشكل جيّد للغاية عندما قال:
“إنّ نظريّة الانفجار الكبير تذهب إلى أنّ الكون قد بدأ بانفجار واحد، ولكن كما يمكننا أن نرى، فإنّ أي انفجار سيجعل الموادّ تتناثر في كلّ مكان، في حين أنّ الانفجار الكبير قد أوجد بصورة غامضة ظروفاً معاكسة لذلك، حيث تكتّلت المادّة معاً في شكل المجرّات، ومما لا شكّ فيه، أنه إذا نشأ نظام مُحكم للغاية بواسطة انفجار، فعلى الجميع أن يعترف بأنّ كلّ لحظة تمرّ تُنبئ عن وجود إبداع من عقل أسمى، وبعبارة أخرى فهذا هو عمل الله.
أمرٌ آخرُ حصل في هذا النّظام الرّائع الموجود في الكون بعد الانفجار الكبير، هو خلق “كون صالح للعيش”. إنّ خلق كوكب صالح للحياة يحتاج إلى اجتماع مئات بل ألوف العوامل المعقّدة والمتداخلة لدرجة تجعل من المستحيل الاعتقاد أنّ هذا التّشكيل يمكن أن يتمّ بفعل الصّدفة.
وذكر بول ديفيز – وهو أستاذ مشهورٌ للفيزياء النّظرية – في نهاية الحسابات التي قام بها لحساب معدّل توسّع الكون، أن هذا المعدّل دقيق بشكل لا يُصدّق. فقال:
“معدّل تمدّد الكون يخضع لقياسات دقيقة للغاية، فهي ذات قيمة حرجة والتي بسبّبها حافظ الكون على جاذبيته الخاصّة ممّا جعله يتمدّد إلى الأبد، ولو كان الكون أبطأ قليلًا في تمدده فإنّه كان سينهار على ذاته كما أنّه لو كان أسرع قليلاً في تمدّده فإنّ المادّة الكونيّة كانت ستتبدّد تماماً منذ زمن طويل، فلم يكن الانفجار الكبير مُجرّد انفجار قديم عاديٍّ، لكنّه كان انفجاراً مُرتبًا ذا قيمة مُحدّدة بدقّة”.
عالم الفيزياء الشّهير البروفيسور ستيفن هوكينج يقول في كتابه تاريخ موجز للزّمن، إنّ الكون مُحكم بحسابات وموازينَ مضبوطة بدقّة أكثر ممّا يمكننا أن نتصوّر، ويُشير هوكينج إلى معدّل تمدّد الكون فيقول:
“لو كان معدّل التمدّد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أصغر بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء، لكان الكون قد انهار على نفسه قبل أن يصل لحجمه الحاليّ”.
كما يوضح بول ديفيز التّبعات الحتميّة النّاتجة من هذه الموازين والحسابات الدّقيقة فيقول:
“إنّ من الصّعب مقاومة الانطباع بأنّ الهيكل الحاليّ للكَون، بما فيه من حساسيّة لأيّة تغيرات طفيفة في الأرقام، كان وراءه من يقوم على العناية به. بالإضافة للتّوافق الذي يبدو خارقاً في القِيَم العدديّة الموجودة في الطّبيعة كثوابت أساسيّة، والذي يجب أن يُمثّل أقوى أدلّة دامغة على تواجد عامل التّصميم الكونيّ” (وهو يقصد بذلك:الخلق).
وعن الحقيقة نفسها ، كتب عالم الفلك الأمريكيّ جورج جرينشتاين في كتابه “الكون التّكافلي” يقول: “بينما نقوم بحصر جميع الأدلّة، فإنّ الفكرة الّتي تطرح نفسها بإلحاح هي أنّ قوى خارقة قد شاركت في إنتاج ما نحن فيه”.
حظيت نظريّة الانفجار الكبير لاحقاً بدعم مستمرٍّ جَرّاء دراساتٍ عدة أجريت في أواخر التّسْعينيّات من القرن الماضي، وجاءت أوّل البيانات المؤيّدة لنظريّة الانفجار الكبير من بالون مراقبة يُدعى “بومرانج” عام 2000 على شكل معلومات دقيقة حول إشعاع الخلفيّة الكونيّة، وهو أحد أهم الأسس لنظريّة الانفجار الكبير. وكان تمّ إطلاق هذا البالون عام 1998 ليرتفع 120,000 قدم فوق القارّة القطبيّة الجنوبيّة Antarctica ويقول مايكل تيرنر وهو أحد علماء جامعة شيكاغو الذين حلّلوا تلك البيانات:
“لقد عبرت كلّ من نظريّة الانفجار الكبير والنظريّة النّسبيّة العامّة لأينشتاين اختباراً رئيسياً جديدًا”.
كما أرسل مسبار مُصمّم للتّحقّق من تباين خواص الإشعاع ويلكنسون، والذي أُطلق إلى الفضاء في عام 2001، البيانات للأرض عام 2003، وكشف عن تفاصيل هامّة مطابقة للبيانات التي تمّ الحصول عليها من البالون بومرانج. بعض المعلومات التي أكّدها المسبار تُعتبر أحد أهم الإنجازات في العقد الأوّل من الألفية الثّانية، وهي كما يلي:
• عمر الكون يبلغ 13.73 مليار سنة، هامش الخطأ هنا حوالي 1%، وكان يُقدّر عمر الكون قبل ذلك بفترة تتراوح بين 15 و20 مليار سنة.
• بدأت أولى النّجوم بالسّطوع بعد ما يقارب 400 مليون سنة من الانفجار الكبير، وقد أدهش هذا التّاريخ المبكر العلماء.
• يتكوّن الكون من 4.6% ذرّات عاديّة، و23.3% من المادّة المُظْلِمة و72.1% من الطّاقة المظلمة. وهذه القياسات الجديدة ستمكّننا من الحصول على بيانات هامّة عن طبيعة الطّاقة المظلمة، والتي تُمزّق المجرّات.
أنتجت مجموعتان دراسيّتان منفصلتان تتكونان من علماء بريطانيّين وأستراليّين وأمريكيّين خريطة ثلاثية الأبعاد لما يقارب 266,000 مجرة بعد عدّة سنوات من البحث. قام العلماء بمقارنة البيانات التي تمّ جمعها حول توزيع المجرّات مع البيانات حول إشعاع الخلفية الكونية المنبثّ في جميع أنحاء الكون، وحصلوا على العديد من النّتائج الهامّة عن أصل المجرّات. وخلص الباحثون بتحليل الدّراسات إلى أنّ المجرّات تكوّنت نتيجة تجمّع الموادّ مع بعضها البعض بعد حوالي 350,000 سنة من الانفجار الكبير، واتّخذت هذه الأشكال نتيجة لقوّة الجاذبية، وقدّمت نتائج هذه الدّراسات أدلّة جديدة على صحّة نظريّة الانفجار الكبير.

“العلم أثبت أنّ عمر الكون 13.73 مليار سنة وأنّ أُولى النّجوم بدأت بالسّطوع بعد 400 مليون سنة من حصــول الانفجــار الكبير”

في هذه المساحة من الكون مئات المجرات ومليارات الكواكب وكلها تسير بحركة منتظمة منذ فجر الكون
في هذه المساحة من الكون مئات المجرات ومليارات الكواكب وكلها تسير بحركة منتظمة منذ فجر الكون

راهين جديدة
عزّزت النّتائج التي تمّ الحصول عليها من هذه الدّراسات نظريّة الانفجار الكبير. وأكّد الدّكتور رسل كانون هذا التّأييد في عبارته التّالية:
“لقد عرفنا منذ وقت طويل أنّ أفضل نظريّة عن نشأة الكون هي الانفجار الكبير، حيث بدأ كلّ شيء بانفجار هائل في مساحة صغيرة، وتمدّد الكون منذ ذلك الحين. وفي إمكاننا القول الآن وبدرجة من اليقين تفوق ما كنّا عليه في أي وقت مضى أنّ تلك الفكرة هي الفكرة الأساسيّة الصّحيحة وقد تجمّعت كلّ أجزائها معاً بشكل مقنع للغاية”.
باختصار، فإنّنا عندما ندرس النّظام البديع للكون، نرى أنّ وجود الكون وعمله يقوم على توازن دقيق للغاية، ونظام معقّد جدًّا بحيث لا يمكن تبرير حدوثه بالصّدفة. وكما هو واضح، فليس من الممكن بأيّة طريقة أن يتكوّن هذا التّوازن والنّظام الدّقيقين من تلقاء نفسيهما بالصّدفة بعد انفجار ضخم كهذا. فتشكيل مثل هذا النّظام في أعقاب الانفجار الكبير هو دليل واضح على خلق خارق للطّبيعة.
هذه الخطة التي لا تُضاهى والنّظام الموجود في الكَون بالتأكيد يُثبت وجود خالق ذي معرفة لا نهائيّة، وقوّة، وحكمة، والذي خلق كلّ شيء من العدم، والذي يتحكّم ويُدير ذلك باستمرار، هذا الخالق هو الله ربّ العالمين.

الشيخ أسعد سويد إمام بلدة كفر حمام

الشيخ أسعد سويد

جادة في كفرحمام باسم الإمام أسعد سويد

صورة جامعة لبلدة كفرحمام

الشّيخ أسعد سُوَيد

أنقذَ كثيرين من عَسف المستعمر
وعزز المودّة بين طوائفِ المنطقة

اشتعلت شرارة الحرب العالميّة الثانية في منطقتيّ مرجعيون – حاصبيّا أوائل صيف عام 1941، وهاجم الجيش الإنكليزيّ جيش حكومة فيشي الفرنسيّة المتواجد في ثُكنتيّ مرجعيون والخيام فوق تلال قرى إبل السّقي والفرديس وراشيّا الفخّار ممّا حمل أهالي تلك البلدات إلى النزوح والابتعاد عن ساحات القتال درءاً للأخطار والدّمار .
نصيب منزل الشّيخ أسعد سويد في كفر حمام كان التجاء ثلاث عائلات: آل ظاهر من الخيام وآل الغريب وآل السيّار من بلدة راشيّا الفخار يرافقهم خوري من سوريا كان ضيفاً عند أقاربه في راشيّا …
اشتدّت ضراوة القتال وتطايرت القذائف يميناً وشمالاً حول بلدة كفر حمام. آنذاك بادر الشّيخ أسعد مع ضيوفه إلى الاحتماء بين الكهوف والمغاور خارج البلدة، وكان التجاؤهم إلى مغارة صغيرة لا تتسع لأكثر من ثلاثة رجال، عمل عندها الشّيخ إلى إدخال الخوري وأحد ضيوفه إلى داخلها والبقاء بذاته عند مدخلها..
استعظم الخوري ذلك وقال: لا يجوز يا شيخنا أن تعرّض نفسك للخطر لتقينا منه. أجاب الشّيخ: كُنْ مرتاح البال يا محترم فواجبنا أن نضحّي بأنفسنا ولا نُضحّي بضيوفنا.
ترك جيش حكومة فيشي الفرنسيّة بلدة راشيّا الفخار متقهقراً مخلّفاً العديد من الجرحى والقتلى وجُلّهم من الجنود الشّراكسة، ولكون الحرب كرّ وفرّ، فقد عاود الهجوم الفيشيّ من جديد بعد مدّة إلى راشيّا فتمكّن المهاجمون من استرجاعها ودحر الإنكليز خارجها.
هنا تسرّبت إشاعات لقيادة الجيش المذكور بأن أحد المواطنين في راشيّا خبّأ عدداً من الجنود الشّراكسة في أتون للفخّار كي يبعدهم عن أنظار الجيش الإنكليزي، لكنّه عمدَ بعد ذلك إلى إشعال النّار حيث لاقَوْا حتفهم جميعاً..
قائد الكتيبة الفرنسيّة، والتي خيّمت عند بيادر كفر حمام، وهو شركسيّ يُدعى (باكير) استدعى أهالي البلدة كي يسلّموا أربعين شابّاً من أبناء راشيّا الفخّار المختبئين عندهم، وقصده إلحاق الأذى بهم، انتقاماً لما سمع عن إحراق أبناء جلدته من جنوده، غير أنّ إجابة أبناء البلدة كانت: “إنّ جميع الشّباب والرّجال من بلدة راشيّا قد هربوا خارج كفر حمام ولا نعلم أماكن تواجدهم”. ورغم ذلك أصرّ باكير من قبيل الضّغط النّفسي على جلب نسائهم كي يحقّق في الأمر.
علم الشّيخ أسعد سويد بالموقف فذهب بنفسه إلى القائد المذكور وخاطبه بوقار ورجولة قائلاً : “أيها القائد الكريم، هل يسمحُ دينكم الإسلاميّ وشرفكم العسكريّ أن يؤخذ البريء بجُرم المذنب؟؟ أجابه الضّابط: لا، لكن نريد أن نعرف من قتل جنودنا وكيف كان قتلهم؟؟
قال الشّيخ: صدّقني وثِقْ بكلامي إنّ ما نُقل عن ذلك الرّجل من أهالي بلدته ليس إلا زُور وبهتان وربّما كره وانتقامٌ، وأبناء البلدة المذكورة قد أنكروا جميعهم هذه التّهمة وأقسموا اليمين المعظّم أنّهم أبرياء من دم أيّ جندي فرنسيّ سواء كان شركسيّاً أو مَغرِبيّاً أم سواء ذلك، والآية الكريمة تقول: “ ولا تزر وازرة وزر أخرى” (سورة الزّمر- الآية 7)،
بعد هذا الدّفاع الجريء أجاب القائد العسكريّ الشّركسيّ: لك ما تريد يا شيخنا وعليهم الأمان. نقلتُ هذه المأثرة من مذكّرات الشّيخ أسعد سُويد إلى إمام بلدتنا الفرديس الشّيخ أبو طاهر علي سليقا، وهو شيخ طاعن في السّن جاوز التّسعين من العمر في حينه، فقال: “هذا ليس بمستغرب عن ذاك الرجل الشّريف النّبيل، وقد لمست هذا بنفسي عندما حضر الشّيخ سويد في تموز 1967مأتم أحد شيوخ البيّاضة الكبار المرحوم الشّيخ أبو حسن علم الدّين ذياب وألقى كلمة تأبين أمام المشايخ والمشيّعين كان فيها الكثير من التقدير والاحترام للموحّدين الدّروز” إذ قال: “حضرات المشايخ الأفاضل، يا أهل العقل ويا أهل المعرفة، يا أهل الرّجولة، يا أهل الكرامة، يا أهل الحكمة، اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي المتواضعة هذه بشعرٍ لأمير الشعراء شوقي عن الحكمة:
الكُتْبُ، والرسلُ، والأديانُ قاطبــــةٌ خزائنُ الحكمةِ الكبرى لداعيــها
محبــــــــــّةُ الله أصــلٌ في مراشـــدهـــا وخشـــيــــــــــــــــــة الله أُسٌّ في مبانيــــــــهـــا
وكـلّ خــيرٍ يُــــــــــلَقّــى في أوامــــــرها وكــلّ شــرٍّ يُوَقّــى في نواهيـها
والحقيقة والواقع يا ساداتنا المشايخ والمشيّعين الأكارم نقولها بكلّ خشوع واحترام أمام جثمان هذا الطّاهر والذي سمعنا عنه وعن أمثاله سكّان هذه المعابد المقدّسة والتي تزخر بالعلم والإيمان والمعرفة، وإنّنا وإيّاكم لمسلمين مؤمنين، نفاخر بديننا الإسلاميّ الحنيف، ومهما حاول البعض بثّ عوامل التّفرقة والتّباعد ونشر البغضاء بين المذاهب الإسلاميّة.

“قضاء حاصبيا هو المنطقة الأولى في لبنان من حيث تعدد طوائفه ومن حيث تعايشهم في المــــودّة على مدى الدهور”

الشيخ أسعد سويد
الشيخ أسعد سويد

وفي النّهاية، حقّاً وصدقاً إنّنا نفاخر بكم، وبمصداقيّتكم وتفانيكم ورجولتكم التي ليس من بعدها رجولة وإقدامٌ وشجاعة. والواقع إنّكم أسياف العروبة الحقّة وتُرسها ودرعها وقائدكم سلطان باشا الأطرش عاقد لواءها”
كان للشّيخ أسعد سويد مواقف شهامة وإغاثة للملهوفين شملت جميع الفئات مثل دروز راشيّا الفخار وآل الغريب الشّيعة من أبناء بلدة الخيام، بالإضافة إلى مواقفه الاجتماعيّة مع الجميع خصوصاً جيرانه أبناء الطائفة الدّرزية إذ كان مقرّراً ومُنصفاً وعاملاً نشيطاً للتّواصل والتوادّ معهم، وهذا ما نذكره له بالخير نحن أبناء منطقة حاصبيّا في وادي التّيم ذات العائلات الرّوحيّة المتعدّدة والمتماسكة، وفي بقعة جغرافيّة لا تتجاوز مساحتها مساحة مدينة كبرى كبيروت.
وهنا لا بدّ من استعراض تنوّع تلك القرى من حيث المذاهب والطّوائف، فمثلاً لنبدأ من بلدة الدلّافة، فسكّانها من الطّائفة الشّيعية تقابلها وتجاورها بلدة كوكبا من الطائفة المارونيّة. وتقابل كوكبا بلدة أبو قمحة من الطّائفة الأرثوذكسيّة، وتجاور بلدة أبو قمحة بلدة الفرديس من الطّائفة الدّرزية التّوحيديّة وتتلاصق الفرديس بيوتاً ومنازل مع بلدة الهبّاريّة السّنيّة شرقاً ومع بلدة راشيّا الفخّار جنوباً ذات الطّوائف المسيحيّة المتعدّدة. أمّا قاعدة القضاء حاصبيّا فإنّها البلدة الوحيدة في لبنان التي تتواجد فيها شتّى دور العبادة لشتى المذاهب والطّوائف، ففي داخلها سبعة كنائس للطّوائف المسيحيّة بأكملها، كذلك بقايا كنيس للطائفة الموسويّة، وجامع أثري بديع للطّائفة السّنّيّة، وأربع خلوات للطّائفة التّوحيديّة وهذا ما يزيد من اللُّحمة والمحبّة والتّواصل بين شتى أهل هذه المعابد والأديان. وهنا نعود بالذّاكرة إلى الحرب الأهليّة المشؤومة التي عصفت بلبنان منذ العام 1975 ولغاية 1989، والتي لم تجد من ينغمس في نيرانها وأحقادها من أهل حاصبيّا وقضائها، فالجميع بَقوا في قراهم وبلداتهم ولم يحصل أيّ تهجير طائفيّ أو مذهبيّ بل حصلت هجرات طوعيّة لأسباب معيشيّة لا غير، بل على العكس فإن البعض من أبناء راشيّا الفخّار وكوكبا وأبو قمحة من أخوتنا المسيحيّين بعدما عصفت واشتدّت رياح الحرب الطائفيّة في بيروت وضواحيها، وسواء ذلك كان نزوحهم إلى حاصبيّا وضواحيها ليركنوا ويرتاح بالهم مع أخوتهم وجيرانهم الدّروز، ومثال على ذلك التّرابط فقد توفي في حاصبيّا طبيب قضائها الدّكتور الأرثوذكسي رشيد حدّاد، وحيث إنّه لا يوجد موقف للطّائفة الأرثوذكسيّة آنذاك في البلدة عمد المشايخ من أبناء حاصبيّا لإقامة مأتم حاشد وحافل للفقيد في موقف مذهبهم الخاصّ.
لقد أكرم الله المرحوم الشيخ أحمد سويد بمجموعة من الأبناء كانت فريدة في نبوغها وثقافتها والإسهامات الكبيرة التي قدمتها للوطن فنجله الكبير محمّد كان قاضياً شرعياً، ونجله الثّاني طه أستاذاً تربويّاً في إحدى الجامعات، ونجله الثّالث أحمد النّائب المحامي والأديب الكبير، ونجله الرابع اللواء ياسين المؤرّخ وصاحب الخمسين مؤلّفاً في التّاريخ المدنيّ والعسكريّ، ونجله الخامس محمود رئيس مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة في الشّرق الأوسط.
كما أكرمه الله بالتّقدير الواسع لسيرته العَطِرة من قبل أبناء بلدته ومن أهل المنطقة، وفي كفر حمام بالذّات بحث أهل البلدة عن سبيل لتكريم إمام بلدتهم وداعية الوئام والتّسامح الدّيني والاحترام المتبادل بين الدّيانات والمذاهب فقرّروا إطلاق اسمه على الشّارع الرّئيسي للبلدة وليس هذا بالكثير.

حاصبيّا- الفرديس

الصفحة الأخيرة

الصفحة الأخيرة

الحياة هبة الموت

في جسد الإنسان تعاقب لا ينقطع بين موت وحياة جديدة. تعاقب يشبه إلى حد كبير شعلة الشمعة التي تنحل في الأثير لكنها تستمر ملتهبة بسبب ما يردها من قاعدة اللهيب من وقود جديد. بنفس المعنى فإن جسدنا الذي يبدو ثابتا ومستقرا على السطح هو في موت وحياة مستمرين، وحسب العلماء فإن كل ذرات أو جزيئات جسدك التي تعد بالمليارات بل الترليونات ستكون قد ماتت كلها وحلت مكانها ذرات جديدة كل 7 إلى 10 سنوات من عمرك.

بهذا المعنى فإن الحياة هي فعلا هبة الموت، لأنها لم تكن لتستمر لولا قانون التجدد عبر موت الخلايا التي تنسحب بهدوء مخلية الطريق لنشوءالخلايا الجديدة ، كما لو أن الحياة تستمر فقط بقوة ودفع غريزة العطاء وامحاء الجزء في سبيل استمرار الكل، مثل مياه نهر يتدفق نحو مصبه في بحر الحياة اللانهائية.

لكن يحدث أحيانا أن ترفض بعض الخلايا الموت وتقرر بدل من ذلك أن تتكاثر على هواها دون أي تنسيق أو ضبط لأهدافها مع أهداف ترليونات الخلايا التي تكوِّن جسدنا الشديد التعقيد. عند ذلك يحصل خلل وجودي في حياتنا نسميه: «السرطان». رغم أنه يصعب أن ننسب إلى خلية أو بضعة خلايا «إرادة» أو «قصد» معين فإن سلوك الخلايا الخبيثة التي تبدأ بالتوسع في جسدنا دون أي حساب للنتائج يمكن اعتباره تصرفا «أنانيا» وبسبب وجود هذه الظاهرة نعيش في حال خوف من أن تحدث في نظام جسدنا وتقلب حياتنا رأسا على عقب، وهذا شبيه بما يحصل لمجتمعنا المريض أيضا نتيجة تفشي الأنانية وانهيار قوى التضامن والتراحم والتعاون بين الناس.

والمقارنة قائمة لذلك بين جسد الإنسان الفرد وما يعتريه من أمراض وسقم نتيجة «الأنانية» التي تظهرها بعض خلاياه وبين جسد البشرية التي تعاني أيضا من سرطانات لا تحصى نتيجة تفشي الأنانية بين الأفراد والجماعات والقوميات والأديان والمذاهب. وقد بلغت الأنانية حدا يبدو معه النسيج البشري اليوم مثل هشيم من أجزاء متناثرة لا يربط بينها رابط كأن سرطاناً تفشى في أنحاء الجسد المجتمعي وانتشر في مختلف الأطراف، ولن يمضي وقت حتى يصيب القلب أو الرأس وعندها فإن البناء كله سيتداعى، كما يتهاوى جسد المريض الذي هاجت فيه أنانية بعض الخلايا المارقة أو الخارجة عن قانون الطبيعة.

كان المعلم كمال جنبلاط يعتبر أن الكون يمرّ في مراحل تحكمها قوانين تشبه القوانين التي نراها اليوم فاعلة في أجسادنا السقيمة أو مجتمعاتنا المبتلاة بشتى أنواع الصراعات وأشكال الدمار والموت. وكان يقول أنه في فترات السعادة والسلام تكون قوى الجذب نحو المركز Centripetal هي الأقوى، وهوما يؤدي إلى تماسك الكتلة أو الجُزَيئات حول النواة، وهوما يشبه في المجتمع البشري غلبة قوى التضامن والتماسك والفضيلة والمحبّة والسلام. أما في مراحلها الأخيرة فإن قوى الطرد إلى الخارج Centrifugal تصبح هي الأقوى في الحياة وهو ما يؤدي إلى تلاشي قوى الجذب إلى المركز لصالح قوى الطرد والتفكيك وتطبيق ذلك على عالمنا هو ما نشهده في كل تلك الظواهر الكونية من صراعات واقتتال شاملين بين البشر وزوال قيم الإخلاص والرحمة والشرف وانهيار البيئة الحاضنة للحياة البشرية في الجو وفي المحيطات وعلى اليابسة وتردي نوعية الغذاء الذي أصبح موبوءا ومختلطا بكل أنواع السموم، وتردّي نوعية المياه التي نتجرعها والهواء الذي نستنشقه، بل أننا نرى تفكك مكونات الحياة في تلك الأسقام التي عمّت وأصابت البشر حتى لم يعد هناك أصِحَّاء إلا في بعض القِفار المجهولة والأدغال البعيدة كل البعد عن حضارة البشر.

مساهمات حرة

فريد الأطرش 21 نيسان 1910- 26 كانون الثّاني 1974

عالميــة فريـــد الأطــرش فــي ذكـراه الثّانية والأربعين

بعيداً عن عَشَرات الكتب وآلاف الصّفحات التي كُتِبَتْ عن الموسيقار فريد الأطرش، يشرّفني أن أسلّط الضّوء على موضوعٍ لم يتطرّق إليه أحد سابقاً وهو عالميّة الفنّان فريد الأطرش. وهناك حقائق تؤكّد يوماً بعد يوم أنّ هذا الفنّان نَهَدَ إلى العالمية في إبداعه الفنّيّ وكان له ما أراد…وسأذكرُ بعض الأحداث التي كان فريد محورَها وتشير بوضوح إلى البُعد العالميّ الذي اتّخذه فنّه وشخصه
1. منظّمة اليونسكو الدّولية أعلنت العام 2015 عام مئوية ثلاثة عمالقة عالميين في مجال الفن وهم فرانك سيناترا، أديت بياف وفريد الأطرش ودعت العالم أجمع لتكريمهم.
2. عام 1975 أي بعد وفاة فريد الأطرش بعامٍ واحد، منحته فرنسا وسام الخلود الفني الفرنسي والسبب هو أنّ فريد كان أوّل من قدّم كونشيرتو منفرد على البيانو.وممّا يجدر ذكره أنّ الوحيدَيْن اللّذَيْن نالا هذا الوسام الفرنسيّ هما بيتهوفن وشوبان
3. شارل أزنافور المغني الفرنسيّ العالميّ الذي زار القاهرة عام 2008 وقدّم فيها حفلَيْن الأوّل في أوبّرا القاهرة والثّاني في الإسكندرية، وأُقيمت له مناسبات تكريميّة عدّة، عَقدَ مؤتمرا صُحُفيّاً غصّ بممثليّ الصّحافة المصريّة والعالميّة ولمّا سأله أحد الصّحفيّين العرب: لمن تسمع من الفنّانين العرب؟ أجاب أزنافور وسط دهشة الحاضرين: “إنّ عبد الوهّاب وأمّ كلثوم من أصدقائي وقد كنتُ شخصياً السّبب في مجيء أمّ كلثوم إلى الأولمبيا في باريس، ولكن اسمحوا لي أن أقولَ إنّ محبوبي بامتياز وبالمطلق هو فريد الأطرش وإنني مؤمنٌ بموسيقاه وعبقريّته! “ صحفي مصري آخر سأله عندئذ: “لماذا فريد الأطرش بالذّات؟؟” وكان جواب أزنافور: “لأنّه بكلّ بساطة نجح في أن يطوّر الموسيقى الشّرقيّة بطريقة إبداعيّة مازجاً بين أصالته كشرقيٍّ وتأثّره بموسيقى الغرب، ممّا خلق مزيجاً نستطيع القول بأنّه عالميّ، والدّليل على ذلك أنّنا نجد تطبيق التّوزيع الأوركسترالي ممكناً لأغلبيّة أغاني فريد الأطرش.
4. عندما قدّم البيتلز أسطوانتهم الأشهر REVOLUTION قالوا في مؤتمر صُحفي:جزءٌ من هذه الأسطوانة مأخوذٌ من أغنية “أوّل همسة” للموسيقار العربي فريد الأطرش.
5. بتاريخ 7 أيلول عام 2009، وفي مجلّة فرنسية MIX MONDO، ريبورتاج على عشر صفحات عن أشهر المطربين-الممثلين في العالم. وقد أورد الكاتب لائحة الأسماء على الشكل التالي: تينوروسي- فريد أستير- ألفيس برسلي- فريد الأطرش- بيتر ألكسندر- كلوديو فيلا- أنطونيو مولينا- وأخيراً كاريل غوت. ومُرفق مع هذه اللّائحة دراسة مستفيضة عن كلّ نجم منهم وتبرير وضع اسم فريد الأطرش بين هذه الأسماء كان باختصار شديد أنّه مثّل 31 فيلماً موسيقيّاً سينمائيّاً، ممّا يعادل مجموع ما مثّله كافّة المطربين الآخرين.
6. في مؤتمر صُحفي عقده المطرب الشّاب خالد بعد حفلته في أولمبيا باريس بإدارة برونو كوكاتريس، وعندما تهافت عليه الصّحافيون الأجانب وبعد نجاحه الكبير، سألوه السّؤال التّقليديّ:بمَن تأثّرت من الفنّانين العرب؟ أجاب بجرأة: في بداية رحلتي الفنّيّة في الجزائر تأثّرت بشكل خاص بالموسيقار فريد الأطرش، وكان بالنسبة لي النّموذج والمثال.
7. في الفيلم الفرنسيّ EMMA VILLE استعمل المخرج في مُقَدَّمته أغنية “قلبي ومفتاحه” لفريد الأطرش كاملةً باللّغة الفرنسيّة بعنوان “ELLe est d`ailleurs” وغنّاها المطرب الفرنسيّ Pierre Bachelet .
8. في مجلّة Magazine GQ الفرنسيّة والتي لها فروع في بلجيكا وإسبانيا وإنكلترا، نشرت بتاريخ 4 شباط عام 2011 ريبورتاجاً بعنوان”الأيقونات الخمسةَ عشْرَة لمصر في العالم أورد بين السيّاسيين ذُكر أسم جمال عبد الناصر وبين المطربين اسم فريد الأطرش.
أختم بما قاله الأديب المصريّ الكبير إحسان عبد القدّوس:”لقد ظُلم فريد الأطرش في المَرئي والمَقروء والمسموع، كما ظُلم المتنبّي في كتاب أبي فرج الأصفهاني (الأغاني)، ولكن بقي المتنبّي أميراً للشّعراء وبقي فريد الأطرش أميراً للفنّ”.
المهندس محمود الأحمدية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكراً للمهندس محمود الأحمديّة على هذا التّوثيق السّهل الممتنع وشكراً للأستاذ رئيس التحرير على هذ الاهتمام

دكان بقـّال في دمشق في مطلع القرن العشرين
دكان بقـّال في دمشق في مطلع القرن العشرين

الصنوبر

صَنوبرَةُ لبنانَ أميرةُ الجبالِ

ثـــروةٌ للمــزارعِ وللبيئــةِ والسّياحــةِ

تُزرع في كلّ مكــان لكنــها تحبّ المناطــــق المرتفعــة وتعيــش 250 عامــــاً وقــــد يصـل ارتفاعهــا إلى 40 متراً

2800 دولار مردود الدّونم من أشجار الصّنوبر، لكنّ التّقليم العشوائيّ والقطاف المبكّر يُخفض الإنتاج

لا توجد مبالغة في القول بأنّ شجرة الصَّنوبر ربّما هي الشّجرة الثّمريّة الأكثر شعبيّة وربّما أيضاً الأكثر انتشاراً في لبنان من ساحله إلى أعالي قممه. إنّها شجرة جميلة ومفيدة ترتفع فوقَ معظم الأشجار بمظلّتها الزّاهية الدّائمة الاخضرار وهي في بعض الأحراج تمتدّ لمسافات طويلة مشكّلة عند النّظر إليها من مرتفع بساطًا أخضر يزيّن السّفوح والوديان الجبليّة. الدّليل على شعبيّة الصّنوبر أنّك نادرًا ما تجد بيوتًا لبنانيّة جبليّة من دون أشجار صنوبر في محيطها أو في حديقتها. وهذه الشّعبيّة التّقليديّة لشجرة الصّنوبر زادت كثيراً في السّنوات الأخيرة لسبب اقتصادي هو الارتفاع المستمرّ في أسعار الصنوبر الحب حيث قاربت الأنواع الجيّدة منه الـ 90,000 ليرة لبنانيّة للكليوغرام الواحد. وقد ولّدت فورة أسعار الصّنوبر “نهضة صنوبريّة” إذ بدأ أكثر المزارعين يزرعونها ويستصلحون الأراضي والسّفوح الجبليّة بغية تحويلها إلى أحراج صنوبر مثمر. وهذه الموجة المباركة مُرحّب بها بالتأكيد لأنّها تساهم في تشجير أراضٍ جديدة غير مزروعة ومهملة من جبال لبنان.
وبما أنّ الاهتمام يزداد يومًا بعد يوم بهذه الشّجرة وبمردودها الاقتصاديّ تعرض مجلّة “الضّحى” في ما يلي لأهمّ المعلومات عنها ولأهمّيتها الاقتصاديّة وأسلوب زراعتها وتكثيرها وتقليمها وقطافها ومعالجة إنتاجها مع بعض التّوقّف عند الصّنوبر البرّي (اليرز) وما تعانيه غابته من آفة دودة الصّندل والطّريقة المثلى للمكافحة.

تنتمي أشجار الصّنوبر المثمر إلى مجموعة الأشجار الدائمة الخضرة، وتتبع جنس الصّنوبريات والتي تضمّ الأرز والشّوح والشّربين والسّرو واللّيلندي والتّويا واللّزاب وغيرها إضافة للصّنوبر البرّي (اليرز) والجوّيّ المثمر.
تنمو أشجار الصّنوبر بشكل عاموديّ مكوّنة ساقاً عاموديّاً مخروطيّاً نوعاً ما وهذا السّاق يحمل الأغصان والفروع المورقة والثّمرية التي تأخذ شكل المظلّة. وتعدّ أشجار الصّنوبر المثمر من مجموعة الأشجار الاقتصاديّة المهمّة، إذ تقدم للمزارع مردودًا ماليّاً جيِّداً من حيث تعدّد منتجاتها، وأهمّها:
1. ثمرة الصّنوبر التي تحتوي على مواد غذائية هامّة لجسم الإنسان بالإضافة إلى ارتفاع أسعارها حتى أنّ البعض بات يسمّيها “الذّهب الأبيض”.
2. الأكواز (الكنافش) تستخدم في التّدفئة والزّينة وبعض الصّناعات اليدويّة.
3. كِسَرُ ثمار الصّنوبر وهذه تستخدم أيضاً للتّدفئة في فصل الشّتاء إذ تؤمّن الحرارة اللّازمة لسكّان المناطق المرتفعة.
4. خشب أشجار الصّنوبر يعتبر من أهم أنواع الأخشاب لأنّه يتمتع بصلابة وقدرة على التحمّل في صناعة الأثاث والخزائن المطبخيّة بالإضافة إلى مقاومته للحشرات الضارّة بالخشب.
5. الحطب الذي يؤخذ من التّقليم الدّوري للأغصان ويُقطع إلى أجزاء صغيرة بأطوال مختلفة حسب المواقد أي نحو 40 سم ثم تجفف طبيعيّاً وتوضّب في غرف أو أقبية مؤونة لتدفئة الشّتاء. إنّ خشب الصّنوبر سريع الاشتعال لأنّه يحتوي على مادّة زيتية.
6. أوراق الصّنوبر الإبرية (السنبل، السميسمة) تستعمل لإشعال النار تحت مواقد خبز الصّاج في القرى التي يعتمد سكّانها في غذائهم على هذا الخبز ويستعمل أيضًا في إشعال المواقد (الشّعلة الصّباحية) في (وجاقات الحطب).
تتّصف أشجار الصَّنوبر بفوائدها العديدة ومنها:
• منظرها الجميل وارتفاعها الشّاهق الذي قد يصل إلى 40 متراً تقريبا وهي مكوّن أساسي مُفضَّل من مكوّنات الحدائق العامّة والخاصّة.
• تلعب دوراً كبيراً في تثبيت التّربة وعدم انجرافها من جرّاء الأمطار الغزيرة لتكوين أشجار الصّنوبر مجموع جذري كبير يشبه إلى حد ما شبكة العنكبوت إضافة إلى أنها تكافح التّصحّر.
• تلعب أشجار الصّنوبر دوراً مهمّاً في تعديل درجات الحرارة إذ تخفضها قليلا عندما تكون مرتفعة وترفعها إلى حدٍّ ما عندما تنخفض كثيراً.
تنمو أشجار الصّنوبر في غالبيّة الأراضي اللّبنانية بدءاً من السّاحل حتّى المناطق الجبليّة المرتفعة، لكنّ نوعيّة وكميّة إنتاجها تختلف حسب المناطق والارتفاعات عن سطح البحر. ففي المناطق التي يزيد ارتفاعها عن 800 متر عن سطح البحر تعطي أشجار الصّنوبر كميّة أكبر من الإنتاج ليس بعدد الأكواز التي تنتجها لكن بعدد حبوب الصّنوبر لأنّها تنتج تحت كلّ “حرشفة” أو قشرة من الكوز حبّتان وليس حبّة واحدة كما في الأكواز التي تنمو على الأشجار المزروعة على السّواحل. إضافة إلى جَوْدَة الثّمار من حيث الصّلابة والفيتامينات والزّيت التي تحتويه حبّات الصّنوبر.

نبتة الصنوبر كما تخرج من البذرة
نبتة الصنوبر كما تخرج من البذرة

الأهميّة الإقتصاديّة
يُعَدُّ الصّنوبر من أهمّ الأشجار المثمرة الاقتصاديّة، إذ يلعب دوراً كبيراً وأساسياً من حيث المردود المالي الذي يؤمّنه للمزارع اللّبناني. إنّما يرى بعض المستهلكين أنّ الصّنوبر البلدي مرتفع الثّمن فيلجأون إلى الصنوبر المستورد الأقلّ جَوْدة بكثير عن الصّنوبر البلدي. وبسبب تلك الجَودة فإنّ الصّنوبر البلدي يحتلّ المركز الأول من حيث السّعر، وهذا رغم ارتفاع الضّريبة على الصّنوبر الأجنبي المستورد. ويعود ارتفاع أسعار الصّنوبر البلدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج في لبنان مقارنة ببعض الدّول المنتجة للصّنوبر مما يعني أن المنتجين اللّبنانيين غير قادرين على المنافسه لأسباب عديدةٍ منها:
• زراعة الأشجار قريبة من بعضها بحيث تتزاحم على الغذاء والضّوء والماء… فأشجار الصّنوبر تحتاج الى مساحة لا يستهان بها للحصول على الغذاء.
• طرق التّقليم غير المدروسة والعشوائيّة وبالمعدّات التي تُحْدِث أضراراً للأشجار مثل الفأس والمنجل.
• ارتفاع الأشجار الشّاهق الذي يتطلب معدّات وسلالم خاصّة وأشخاصاً قادرين على التّسلّق لمسافة عالية، وهؤلاء يتقاضَوْن أجوراً مرتفعة بسبب صعوبة مهنتهم وعدم وجود عمّال كثيرين مستعدّين للقيام بهذا العمل.

ثمرة الصّنوبر كنزٌ من المعادن والفيتامينات والزّيوت المستـــــورد منها أرخص لكنّه أقلّ جودةً وطعماً وغذاء

كرز صنوبر مقطوف في أوانه - لاحظ لونه البني وهو الإشارة إلى نضجه
كرز صنوبر مقطوف في أوانه – لاحظ لونه البني وهو الإشارة إلى نضجه

الفوائد البيئية والمناخية
تلعب أشجار الصّنوبر دوراً لا يقلّ أهميّة على المردود المالي من حيث تلطيف الجوّ وتعديل درجات الحرارة والرّطوبة وامتصاص الملوّثات الجوّية مع الرّطوبة التي تحملها، فضلاً عن تثبيت التّربة ومنعها من الانجراف مع مياه الأمطار الغزيرة.

الفوائد الصّحّيّة والاجتماعيّة
إنّ غابات أشجار الصّنوبر من أهم الغابات الذي يقصدها النّاس الّذين يعانون من حالات مَرَضيّة خاصّة الرّبو والحساسيّة بالإضافة إلى الهرب من أجواء المدن الملوّثة من ازدحام السيّارات والمصانع التي تعمل على البترول والكيميائيّات الضّارة. كما تلعب غابات الصّنوبر دوراً اجتماعيّاً مهمّاً لأنّها تصبح الملاذ والمقصد المهمّ للكُتّاب والباحثين عن بيئة أكثر صحّة ونقاء وهدوءاً بعيداً عن الضّجيج، إضافة إلى عامل مهمٍّ جدّاً هو ما يحدث عند التقاء العائلات اللّبنانيّة من جميع أطيافها ومناطقها مع بعضهم البعض تحت أشجار الصّنوبر وفي ظلّها المنعش الذي ينتج الإلفة والصّداقة والمحبّة بين المجتمعات الأهلية.
القيمة السّياحيّة
تلعب أشجار الصّنوبر دوراً في تنمية السّياحة وجذب السّائحين لتمضية أيام العطلة والابتعاد عن هموم العمل والرّوتين الوظيفيّ، إضافة إلى السّياحة في فصليّ الشّتاء والرّبيع بدءاً من قطاف الأكواز وجمعها بحيث يشارك بعض السياح في المساعدة كنوع من السّياحة البيئيّة المستحدثة (eco-tourism) ثم تنقل الأكواز إلى أسطح المنازل ويتم نشرها لتشميسها حتى تتفتح قشرة الكوز وتسمح لحبّات الصّنوبر الصّلبة بالسّقوط منها، ثم تنقل تلك الحبّات بعد ذلك إلى مراكز التّكسير المعروفة بـ “كسارات الصّنوبر” وذلك بهدف تكسير “الحصوص” وفصل الصّنوبر عن القشرة الخشبيّة السوداء ونحصل عندها على حبّات الصّنوبر العاجيّة البيضاء اللّون وهي جاهزة للأكل الطّازج أو في الطّبخ.

خصائص شجرة الصّنوبر
تعيش أشجار الصّنوبر حتى 250 سنة أمّا إنتاجها فيبدأ في التّراجع بشكل ملحوظ وغير محبّذ بعد 150 سنة من عمرها، يكون شكل الأشجار هرميّ في السّنوات الأولى من عمرها ثم تبدأ بالتحوّل إلى الشكل الكرويّ في بداية إنتاجها ثمّ يصبح شكلها يشبه المظلّة خاصة عند وصول الأشجار إلى مرحلة النّضج الأقصى، قشرة أشجار الصّنوبر مشققة حرشفية، وبراعم الصّنوبر تأخذ شكلاً اسطوانياً تعطي بعد نموّها (فقسها) ورقتان منطلقتان من قاعدة واحدة. الأزهار صفراء مرصّعة بالبنّي أحاديّة المسكن أي تحمل أعضاء التّذكير والبراعم الثّمَرية وتحملُ أعضاء التأنيث. تتفتح أزهارها خلال فصل الرّبيع، أمّا الأكواز المخروطيّة الشّكل والكبيرة الحجم فيصل طولها إلى 15 سم، وهي تنضج خلال ثلاث سنوات ويتم جمعها في نهاية فصل الخريف وخلال الشّتاء حسب الارتفاع عن سطح البحر وعندما يصبح لون (الكرز) بنيّاً.
تأخذ أشجار الصّنوبر الشّكل العمودي وقد يصل ارتفاعها الى 40 مترا خاصّة الأشجار المعمرة التي يزيد عمرها عن 70 سنة والقريبة من بعضها البعض. أمّا في وقتنا الحاضر وبعد تقدّم علم زراعة الصّنوبر، يعتمد بعض الزّارعين المهتمّين بزراعة هذه الأشجار على عدم ارتفاعها بل على إنتاج أغصان كبيرة. أوراق الصنوبر إبرية الشّكل ويتراوح طولها بين 8 الى 15 سم وهي صلبة غير ملتوية، أمّا لون الأشجار فهو أخضر قاتم.

الصنوبر ة الجميلة شموخ وقدم 2
الصنوبر ة الجميلة شموخ وقدم 2

المتطلّبات البيئية
تنمو أشجار الصّنوبر في جميع المناطق اللّبنانية من السّاحل حتى إرتفاع 1400 متر عن سطح البحر، لكنّ أكثرية غابات الصّنوبر تتواجد في المناطق الجبليّة من محافظة جبل لبنان حيث تحتلّ مساحة تزيد عن 1500 هكتار خاصة في مناطق المتن وبعبدا وعاليه والشّوف وصولاً إلى جزين كما توجد غابات صنوبر في الشمال والبقاع والجنوب. تنجح زراعة الصنوبر في الأراضي القليلة الأمطار (أكثر من 400 ملم) والمتوسطة العمق، وتتحمل الحرارة المرتفعة في فصل الصّيف والحرارة المنخفضة في فصل الشّتاء، كما تتحمّل الأراضي الجافّة.
الحرارة: تتأقلم أشجار الصّنوبر مع درجات الحرارة المتفاوتة خاصّة بين السّاحل والجبل لذا ينجح وينمو في جميع مناطقه تقريبا.
الرطوبة: ينمو الصّنوبر بعلياً في المناطق التي لا ينخفض معدّل أمطارها عن 400 ملّم لكنّه يستجيب ويتحسّن بشكل سريع إذا رُوِي في فصل الصّيف لكن من الأفضل ألّا يستمر ري الأشجار بعد عمر 10 سنوات وعندما يصبح حجمها جيّدا لأنّه يقلل من نسبة الإنتاج.
ملاحظة: أشجار الصّنوبر من الأشجار القليلة التي تقاوم الجفاف لأنّ أوراقها إبرية الشّكل ورفيعة ومغلفة بمادة شمعية مما يؤدّي إلى عدم تبخّر إلّا نسبة ضئيلة جدّاً من رطوبة الأشجار.
التّسميد: لا يعتمد الصّنوبر على التّسميد في نموّه وإنتاجه بل يستجيب بشكل ملحوظ إلى التّسميد العضوي الذي يؤمّن للأشجار عنصر الآزوت لمساعدته على النّمو الجيّد ويحسّن من خواصّ التّربة التي تصبح غنيّة بالبكتيريا والفطريات المفيدة للأشجار والتي تساعد في الاحتفاظ برطوبة التّربة.

تقليم أشجار الصّنوبر
توجد أخطاء شائعة في طرق تقليم أشجار الصّنوبر من قبل المزارعين أنفسهم أو عمّال القطاف والتّقليم ونحن نرى أنّ هذه الطّرق في التّقليم تؤدّي إلى تخفيض الإنتاج بشكل ملحوظ. إنّ تقليم الصّنوبر يبدأ في السّنة الثّالثة بعد الزّرع في الأرض الدّائمة، وفي هذه الحال تُقطع الفروع اليابسة والمكسورة جرّاء عمليّة الزّرع على أن يترك لكلّ شجرة 4 طبقات من الأغصان المتقابلة والمنطلقة من نفس المستوى على الجذع، وتستمرّ هذه الطريقة في التّقليم حتى عمر 10 سنوات للأشجار، ومن السّنة 11 يبقى الخيار للمزارع لاعتماد الارتفاع الذي يراه مناسبا، لكن في تقليم الأغصان يفضل اعتماد تطويلها ومن الضّروري ألّا تعرى في التّقليم كما نشاهد في الكثير من الأشجار، وتقتصر عملية تقليم الصنوبر على إزالة الفروع والأغصان المتشابكة والمكسورة جرَّاء العواصف والثّلوج بشكل عام، وتقطع أيضا الفروع التي تنشأ على الأغصان باتجاه الدّاخل وتأخذ زاوية مثلّث أو زاوية قائمة، والفروع التي تتّجه نحو الأسفل.

“قِطاف الصّنوبر يجب أن يتمّ في الشّتاء بعد تحوّل لون الكرز إلى بنّي والقطاف المبكّر يضــرّ بالإنتاج ويؤدّي إلى ضمـــور الثّمرة”

إكثار الصّنوبر
يتكاثر نبات الصّنوبر بطريقة واحدة هي البذرة، إنّما يجب الانتباه لعدّة مواصفات أهمّها:
• أن تؤخذ البذور من الأشجار التي تتّصف بمميزات جيّدة بدءاً من كمّية إنتاجها وحجم الثّمار.
• أن يكون النّوع مقاوماً للآفات والجفاف والرّطوبة الزّائدة.
• ألّا تؤخذ الثّمار من أكواز مقطوفة قبل مرحلة النّضج النّهائي.
أمّا الأعمال المتوجّب إنجازها وتحضيرها لزراعة بذور الصّنوبر وبالطّرق السّهلة جدّاً والتي تسمح لأيّ مزارع باستخدامها فهي:
1. تهيئة الخلطة التّرابية المؤلّفة من العناصر الثّلاثة بالتّساوي تراب أحمر، رمل خشن نوعا ما وسماد عضوي مخمّر أي ثلث تراب، ثلث رمل وثلث سماد.
2. تنقع ثمار الصنوبر المختارة في الماء لمدّة نحو 30 ساعة على حرارة 5 درجات مئوية.
3. تزرع البذور المنقوعة مباشرة في أوان خاصّة أو أكياس نايلون بعد تعبئتها من الخلطة التّرابية وخلال شهري كانون الأوّل والثّاني.

4. تروى الأكياس الحاوية للخلطة التّرابيّة بعد الزّرع مباشرة.
5. من الضّروري أن تحمى البذور المزروعة من الحيوانات الصّغيرة وبعض الطّيور التي تأكلها قبل وبعد الإنبات.
6. تبقى شتول الصّنوبر في المشتل لمدّة عام أو عامين حسب نموّها ثم تنقل إلى الأرض الدّائمة.

زراعة شجيرات الصنوبر
تُزرع شُجيرات الصّنوبر في الأرض الدّائمة خلال شهري كانون الثاني وشباط بعد حفر الجُوَر على عمق 40 × 40 سم، ينزع الكيس عن الشّتلة مع الإنتباه التام الى التّراب الحاضن لجذورها لزيادة نجاح عمليّة الزرع ونموّ الشتلة، بعد وضع النّبتة في الحفرة يطمر حول جذورها من تراب الحفرة نفسها ويرص هذا التّراب بواسطة القدمين جيّدا لطرد الهواء من حول الجذور. إذا كانت التّربة جافّة يجب ريّها مباشرة، كما أنّ من المهمّ جدّاً عدم زرع الشّجيرات بشكل عام في الأرض إذا كانت التّربة رطبة جدّاً. أمّا في الزّراعة الحديثة لأشجار الصّنوبر فإنّ من الضّروري أن يُبقِي المزارع على مسافة كافية بين الشّجرة والشّجرة على الأقل 8 أمتار وأن يعتمد طريقة الارتفاع المتوسّط في طول الأشجار 10 أمتار كحدّ أقصى لتسهيل أعمال تسَلُّقِها لقطافها وتقليمها.

صنوبر باكستاني- المستورد أرخص ثمنا لكنه أقل جودة من البلدي
صنوبر باكستاني- المستورد أرخص ثمنا لكنه أقل جودة من البلدي

جني أو قطاف ثمار الصّنوبر
تقطف أكواز الصّنوبر عندما يصبح لونها بنّيّاً وليس أخضر غامق أو زيتيّ، أي في نهاية فصل الخريف وخلال فصل الشّتاء بدءاً من الساحل وصعوداً إلى المرتفعات، عند اكتمال تحوّل كافّة المواد البكتينيّة (العفصية) إلى بروتينات وفيتامينات وسكريّات ودهون مفيدة لجسم الإنسان، تجنّبا لضمور الثّمار بعد تقشيرها عند قطافها قبل النّضج لأنّه في لبنان يتسابق المزارعون على قطاف إنتاجهم قبل الأوان مثلما يفعل العديد من مزارعي الأشجار المثمرة كما في الزّيتون والإجّاص والعنب وغيرها.
في لبنان، إن معدّل الدونم الواحد المغروس بأشجار الصّنوبر المثمر يقدر بـ 35 شجرة، علماً أنّه من المفضّل اقتصاديّاً ألّا يزيد عدد الأشجار عن 20 شجرة في الدّونم الواحد بحيث يزيد الإنتاج مئة بالمئة. ويقدّر إنتاج الدّونم بـ 1750 كلغ من الأكواز سنويّاً أي 50 كلغ للشّجرة الواحدة، ما يعادل تقريبا 70 كلغ من حبّ الصّنوبر المقشّر للدّونم الواحد. يباع الكيلوغرام الواحد من حَبّ الصّنوبر بمعدّل وسطيٍّ بـ 40 دولار، ممّا يعني أنّ الدّخل من إنتاج الدّونم من الحَبّ يقارب الـ 2800 دولار ويضاف إلى هذا المبلغ ثمن الأكواز وقشر الحصّ والتي تستعمل في التّدفئة.

آفات الصّنوبر
حتى تاريخه لم تتعرّض غابات الصّنوبر المثمر في لبنان لآفات أو حشرات مضرّة تحدّ من إنتاجها أو تؤثر عليها اقتصاديّاً، وهذا الوضع قد يستمرّ إذا بقي الإنسان بعيداً عنها فلا يتدخّل في بيئتها الطّبيعيّة عبر استخدام المبيدات الكيميائيّة، كما تفعل بعض البلديّات أو المزارعين في رشّ المبيدات السّامة على الأشجار الحرجيّة القريبة من الطرق العامّة والخاصّة والأشجار القريبة من المنازل، إذ تؤدّي هذه المكافحة إلى قتل جميع الحشرات وخاصة النافعة منها التي تتطفّل وتأكل الحشرات الضارّة كما تقتل الطّيور التي تقتات عليها. إضافة الى إضعاف مناعة الأشجار وتقليص قدرتها على مقاومة الآفات التي تعتريها.

ملاحظة هامّة
شهد لبنان فوضى عارمة خلال الأحداث ولاسيّما انتشار الصّيد العشوائيّ، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض عدد الطّيور المحلّيّة وإبادة نسبة كبيرة من الطّيور العابرة والمهاجرة الأمر الذي يهدّد حياة عدد من أنواع الطّيور المهمّة للتّوازن البيئي ويعرّضها للانقراض مثل الهدهد والسّفراية وغيرها من الطيور التي تحتاج إلى أعداد هائلة من الحشرات لتعيش ولإطعام فراخها في فصل الرّبيع في وقت انتشار الديدان. على سبيل المثال فإنّ الهدهد والسّفراية وطيور أخرى تعتمد في غذائها على دودة الصّندل أو الزياح مما يؤدي إلى الحدّ من انتشارها، لكن بعد تقلّص أعداد الهدهد الذي أصبح وجوده نادراً وغياب السّفراية منذ عدة سنوات انتشرت دودة الصّندل بشكل هائل ممّا دعا خبراء البيئة ووزارة الزّراعة للتدخّل بهدف مكافحتها. ولكن نتيجة التدخّل عبر استخدام المبيدات الحشريّة بشكل عام ازداد ظهور دود الصّندل عاماً بعد عام وباتت تشكّل تحدّياً كبيراً وتهديداً حقيقياً لأحراج الصّنوبر البرّيّ.
لذا، أوَدّ أن أعرض هنا لتجربة قمنا بها في المدرسة الزّراعية في بعقلين. إذ اصطحبنا طلّاب المدرسة برحلة علميّة وعمليّة إلى غابة حرجيّة وأكثر أشجارها كانت الصّنوبر البرّي في منطقة المناصف في نهاية التّسعينيّات، وشهدنا أنّ دودة الصّندل بدأت بالانتشار بشكل كبير. بعد عودتنا إلى المدرسة، تناقشنا حتى وجدنا حلّا للحدّ من انتشار هذه الآفة واتّفقنا أن نعرض هذا المشهد والحلّ على وليد بك جنبلاط الذي يعطي وقتاً واهتماماً كبيرين للبيئة وخصوصاً بيئة الجبل. وفي يوم من أيّام استقباله الشّعبي في قصر المختارة، ذهبت برفقة الأستاذ أديب غنام بعد التّنسيق مع وكيل داخليّة الحزب آنذاك الدّكتور ناصر زيدان الذي حدّد لنا موعداً، وعندما وصلنا إلى القصر استقبلنا الأستاذ وليد وعرضنا له المشاكل والحلّ، فباشر تلقائيّاً دون تردّد إلى صرف مبلغ من المال لشراء المعدّات اللّازمة لقطع الفروع التي تحمل أعشاش ديدان الصّندل وحرقها مباشرة إضافة إلى أجور العمّال، واستمرت هذه العمليّة لخمس سنوات متتاليةْ وبإشراف بعض موظّفي المدرسة الزراعيّة حتى أصبح انتشار دودة الصّندل ضئيلاً. ثم أهمل موعد القطع والمكافحة الطّبيعية من قبل الإدارات المحلّية واعتمدت هذه بدلاً من ذلك على البكتيريا المتطفّلة على هذه الحشرة. وفي السّنوات الأخيرة، تفاقمت وانتشرت دودة الصّندل حتى أصبحنا نرى في أحراج الصّنوبر البرّي أشجاراً عارية من الأوراق.
ملاحظة: نادراً ما نرى أعشاش دودة الصّندل على الصّنوبر المثمر.

جني أو قطاف ثمار الصّنوبر
تقطف أكواز الصّنوبر عندما يصبح لونها بنّيّاً وليس أخضر غامق أو زيتيّ، أي في نهاية فصل الخريف وخلال فصل الشّتاء بدءاً من الساحل وصعوداً إلى المرتفعات، عند اكتمال تحوّل كافّة المواد البكتينيّة (العفصية) إلى بروتينات وفيتامينات وسكريّات ودهون مفيدة لجسم الإنسان، تجنّبا لضمور الثّمار بعد تقشيرها عند قطافها قبل النّضج لأنّه في لبنان يتسابق المزارعون على قطاف إنتاجهم قبل الأوان مثلما يفعل العديد من مزارعي الأشجار المثمرة كما في الزّيتون والإجّاص والعنب وغيرها.
في لبنان، إن معدّل الدونم الواحد المغروس بأشجار الصّنوبر المثمر يقدر بـ 35 شجرة، علماً أنّه من المفضّل اقتصاديّاً ألّا يزيد عدد الأشجار عن 20 شجرة في الدّونم الواحد بحيث يزيد الإنتاج مئة بالمئة. ويقدّر إنتاج الدّونم بـ 1750 كلغ من الأكواز سنويّاً أي 50 كلغ للشّجرة الواحدة، ما يعادل تقريبا 70 كلغ من حبّ الصّنوبر المقشّر للدّونم الواحد. يباع الكيلوغرام الواحد من حَبّ الصّنوبر بمعدّل وسطيٍّ بـ 40 دولار، ممّا يعني أنّ الدّخل من إنتاج الدّونم من الحَبّ يقارب الـ 2800 دولار ويضاف إلى هذا المبلغ ثمن الأكواز وقشر الحصّ والتي تستعمل في التّدفئة.

آفات الصّنوبر
حتى تاريخه لم تتعرّض غابات الصّنوبر المثمر في لبنان لآفات أو حشرات مضرّة تحدّ من إنتاجها أو تؤثر عليها اقتصاديّاً، وهذا الوضع قد يستمرّ إذا بقي الإنسان بعيداً عنها فلا يتدخّل في بيئتها الطّبيعيّة عبر استخدام المبيدات الكيميائيّة، كما تفعل بعض البلديّات أو المزارعين في رشّ المبيدات السّامة على الأشجار الحرجيّة القريبة من الطرق العامّة والخاصّة والأشجار القريبة من المنازل، إذ تؤدّي هذه المكافحة إلى قتل جميع الحشرات وخاصة النافعة منها التي تتطفّل وتأكل الحشرات الضارّة كما تقتل الطّيور التي تقتات عليها. إضافة الى إضعاف مناعة الأشجار وتقليص قدرتها على مقاومة الآفات التي تعتريها.

ملاحظة هامّة
شهد لبنان فوضى عارمة خلال الأحداث ولاسيّما انتشار الصّيد العشوائيّ، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض عدد الطّيور الم

بشارة الموسم
بشارة الموسم

التّفتيح الحراري ومحاذيره

بهدف استغلال ذروة الموسم وطرح إنتاجهم بصورة مبكرة يلجأ بعض منتجي الصّنوبر إلى عدّة طرق “حرارية” لتسريع تفتّح أكواز الصّنوبر وبالتالي استخراج الحبّات الخشبيّة التي يتم كسرها لاستخراج الثّمار وطرحها في السوق. ومن هذه الطّرق المستخدمة البيوت الزّجاجيّة والافران الخاصّة. لكن على منتج الصنوبر تجنّب الحرارة التي تزيد على 45 درجة فوق الصفر، لأنّ الحرارة المرتفعة لها تأثير سلبي على مكونات ثمرة الصنوبر خاصة الزّيت والفيتامينات المفيدة.

لحلول الناجعة لآفة دودة الصندل
1. إيقاف الصّيد بالقرب من أحراج الصّنوبر أو داخلها.
2. عدم إطلاق النار على أعشاش دودة الصّندل لأنه لا يقتل إلّا نسبة ضئيلة من الديدان ويطرد الطّيور.
3. وقف رشّ البكتيريا المتطفّلة على الديدان لأنّه يؤذي الطّيور التي تقتات على هذه الديدان الميتة المليئة بالبكتيريا بحيث تؤدي إلى التخمّرات في معدة الطّيور وتقتل نسبة كبيرة من فراخها.
4. إنّ الحلّ الأمثل لهذه المشكلة هو قطع الفروع التي تحمل الأعشاش وحرقها مباشرة خلال شهر كانون الثاني عندما تكون الديدان لا زالت داخل الأعشاش وهي في مرحلة الرّاحة.

فوائد الصّنوبر الغذائيّة والطّبّيّة
سمّي الصّنوبر بالذّهب الأبيض منذ آلاف السّنين لفوائده العلاجيّة والغذائيّة والاقتصاديّة. فهو يمتاز باحتوائه على الموادّ المضادة للأكسدة والأحماض الدّهنيّة الأحاديّة غير المشبعة والفيتامينات، ونظراً لتواجد حمض البينولينك في الصّنوبر فهو من الأغذية التي تساهم بعمليّة فقدان الوزن، نظراً لما يقوم به هذا الحمض من إفراز للأنزيمات التي تحول دون شعور الشّخص بالجوع ممّا يفقده الشّهيّة. ويحتوي الصّنوبر على الكالسيوم والحديد والزّنك والسيلينيوم والبوتاسيوم والألياف والبروتينات والفوسفور والماغنيزيوم والمنجنيز.
يقي الصّنوبر من أمراض القلب وامراض العين والانيميا،.كما يعمل كمضادّ للشيخوخة ومرطّب للبشرة. يدخل قشر أخشاب الصّنوبر وصمغه في العلاجات الطّبيّة كمرهم أو لصقات، ويستعمل في صناعة الصّابون والعطور والشّمع.

البكتيريا

كيف خَسرنا الحرب

المضادّاتُ الحيويّةُ هدمت نظامَ المناعةِ البشريّ
وفَشلت كبديل في الوقاية من هجمات البكتيريا

10 ملايين أميركيّ سيموتون سنويّاً في العام 2050
بسبب مقاومة البكتيريا لمُعظم المضادّات الحيويّة

مُعظم المضادّات جرى تطويرُها بين عاميّ 1962 و 2000
ورخص أثمانها أفقد الشّركات الرّغبة في تطوير مضادّات جديدة

اعتُبِرَ اكتشاف المضادّات الحيويّة في أربعينيّات القرن الماضي معجزة الطبّ الحديث، إذ اعتقد الأطبّاء أنّه لم يعد هناك مرض بكتيريّ إلّا ويمكن شفاؤه بهذه المضادّات، وبالنّظر لرخص تكلفة إنتاجها فقد انتشر استخدام المضادّات الحيويّة وأنتج العديد منها ثم انتقل استخدامها إلى القطاع الزّراعي لتصبح مكوّناً أساسيّاً من علف المواشي التي تتمّ تربيتها في المزارع الكبرى ثم في مزارع الدّجاج وتقريبا مختلف المزارع المخصّصة لإنتاج اللّحوم.
لكنّ الأمر لم يطُل حتى اتّضح أنّ ما ظنّت الأوساط الطِّبيَّة أنّه معجرة العلاجات الحديثة بدأ يفقد مفعوله بسبب تعوّد البكتيريا على احتواء مفاعيله وتطويرها لآليات بَيولوجية تعطّل تأثيره. بذلك بدأ سباق محموم بين إنتاج المضادّات الجديدة وبين البكتيريات التي تتوصّل في كلّ مرة إلى إنتاج آليّات تعطّل مفعولها، وبات من الطبيعيّ أن تسمع عن وفاة مرضى في المستشفيات بتأثير التهاب بكتيريّ عاديّ لأنّ كلّ المضادّات التي استُخْدمت لم تستطع قتل الجراثيم المقاومة، وفي أكثر الحالات بات الأطبّاء يستخدمون “كوكتيلاً” من عدّة مضادّات حيويّة مع تبديل “الخلطة” أكثر من مرّة في محاولة للتغلّب على البكتيريا المقاومة. لكن كلما ازداد استخدام مضادّات أقوى وأفعل كلّما تمّ إضعاف جهاز المناعة أكثر فأكثر وتراجعت قدرة الجسم على شفاء نفسه، وبات الأمل كلّه معلَّق على آخر نوع من المضادّات يتمّ إنتاجه. ولمّا كانت المضادّات الحيويّة رخيصة الثّمن فإنّ شركات تصنيع الأدوية لم تعد مهتمّة بإجراء الأبحاث المكلفة من أجل تطوير أجيال جديدة منها. هنا بالفعل وصلنا إلى عنق الزّجاجة. فالمضادّات تفقد مفعولها يوميّاً على محاربة الهجمات البكتيريّة حتى من بكتيريات بسيطة في الظّاهر وكان جهاز المناعة يتدبّر أمرها بسهولة (راجع معجزة نظام المناعة في العدد السابق من المجلّة). والبدائل التي يمكن أن تعوّض عن خسارة المضادّات لفعاليّتها غير موجودة ونظام المناعة يتراجع يوماً بعد يوم بتأثير المضاعفات الجانبيّة للأدوية الكثيرة التي نتناولها أو بتأثير تدهور بيئة الحياة ومئات بل ربّما ألوف الملوّثات التي نتعرّض لها، والنّتيجة أنّنا أصبحنا كجنس بشريّ في خطر لأنّنا خسرنا جهاز المناعة ثمّ ها نحن نخسر المضادّات الحيويّة التي اعتمدنا عليها. فما العمل؟ وما الذي ينتظرنا وينتظر أطفالنا في المستقبل غير البعيد؟
“الضّحى”

اليوم الذي كان الأطبّاءُ وأخصّائيّو الرّعاية الصِّحِّية والعلماء يخشَوْن حلولَه ويُحذِّرون من حدوثه طلعت شمسه… من الصّين، فهناك في أحد مراكز الأبحاث الصّينيّة اكتُشِفَت لأوّل مرّة في البشر والمواشي على حدٍّ سواء طفرة جينيّة(Mutation) تجعل البكتيريا “الذّكيّة” تُقاوِم جميع أنواع المضادّات الحيويّة، بما في ذلك عقاقير “هذه الطّفرة أطلق عليها علماء الصّين مصطلح جين MCR-1، وهي تسمح للبكتيريا بمقاومة مجموعة من المضادّات الحيويّة القويّة تُعرَف بتسمية “البوليميكسينات” (Polymyxins)، وعلى الأخصّ المضادّ الحيويّ “كوليستين” (Colistin)، الذي بات بمثابة خطّ الدّفاع الأخير ضدّ البكتيريا عندما تفشل جميع أنواع المضادّات الحيوية. ويخشى العلماء من أنّ جينات MCR-1 هي عصيّة على التدخُّل الطبّي وربّما تؤثّر، من النّاحية النظريّة، في جميع أنواع مسبِّبات الأمراض (Pathogens) المُعدِيَة الأخرى.

زحف جرثومي
ونقلت مجلة “تايم” الأميركيّة عن تقريرٍ للعلماء الصّينيّين نشرته دورية “لانسيت للأمراض المُعدِيَة” (عن اكتشاف مقاومة للمضادّات الحيويّة في 20% من الحيوانات التي أُخضِعَت للاختبار، و في 15 بالمئة من عيِّنات اللّحم النّيّئ، وكذلك لدى 16 مريضاً. وأوضحت أنّ هذه المقاومة انتشرت بين مجموعة من السُّلالات البكتيريّة، وثمّة دلائل على أنّ هذه الطّفرة انتشرت أيضاً إلى لاوس وماليزيا.
وأوضح البروفسور تيموثي والش من “جامعة كارديف” الذي شارك في هذه الدراسة، أنّ جميع العناصر التي يمكن أن تؤدّي إلى نهاية المضادّات الحيويّة كخيار علاجيّ باتت موجودة فعلاً. مضيفاً إنّ جين MCR-1 أصبح عالميّاً ويمكن أن يتآلف مع جينات أخرى مقاوِمة للمضادّات الحيويّة وهذا في حال حدوثه سيسدّد ضربة نهائيّة للمضادّات الحيويّة، وعندها، إذا ما أصيب إنسان ببكتيريا، على غرار E coli، عندها لا شيء يمكن القيام به لإنقاذ حياته.
في الوقت نفسه حذّرت مجلّة “لانسيت” العلميّة الشّهيرة من أنّه ما لم يتحقّق نجاح كبير في تطوير المضادّات الحيويّة، فإنّ الأطبّاءَ قد يصلون إلى حالة يشهدون فيها أعداداً متزايدة من المرضى الذين قد يُضطرّون إلى القول لهم: “نحن آسفون، ما من شيء يمكننا القيام به لشفاء إلتهاباتكم!”.
وكانت “منظّمة الصِّحّة العالميّة” (WHO) قد حذّرت العام 2012 من أنّ المضادّ الحيويّ “كوليستين” هو في غاية الأهميّة لصَحَّة الإنسان. وعلى الرّغم من تصنيف “منظّمة الصحّة العالميّة” فإنّ المزارعين في أنحاء العالم واصلوا تغذية المواشي بالمضادّات الحيويّة بكميّات كبيرة من أجل “تسمينها” وضمان إنتاجها. واستخدام المضادّ الحيويّ “كوليستين”، وكذلك “البوليميكسين”

(Polymyxin) بشكلٍ خاص، واسع الانتشار لا سيّما في الصّين، حيث يقوم المزارعون بحقنه في المواشي والدواجن.
ويقول الخبراء إنّ الجين MCR-1 ينتقل بسهولة بين سلاسل بكتيريا “إيكولاي” (E. coli) وأنواع أخرى من البكتيريا الشّائعة، بما في ذلك بكتيريا “الالتهابات الرّئويّة” Klebsiella pneumoniae، وبكتيريا Pseudomonas aeruginosa، التي تُسبِّب العديد من الالتهابات في الدّم، والمسالك البوليّة والأمعاء.
وقال البروفسور ليو جيان هوا من جامعة Southern Agricultural University الصينيّة إنّ “ النتائج ستكون مرعبة فعلا”. محذّرا من أنّه في حين يبدو من المُجدي الحدّ من استخدام “كوليستين” خصوصاً في تربية الحيوانات فإنّ الخَشْية هي من الوصول إلى مرحلة يتبيّن لنا فيها أنّ الأوان فات فعلاً لأيّ حلول إنقاذيّة.
وفي الولايات المتّحدة ربّما لا يُستخدم المضادّ الحيويّ “كوليستين” في المواشي على نطاقٍ كبير، لكن يُقدَّر أنّ 70 بالمئة من المضادّات الحيويّة التي تُعتبر في غاية الأهمّية لصِحّة البشر تُستخدم في مزارع الحيوانات، وثمّة احتمالٌ بالوصول إلى مرحلة يُضطرّ بها إلى استخدام “كوليستين” في المزارع لمكافحة الجراثيم التي كانت تسهُل معالجتها سابقاً بالمضادّات التقليديّة.

انتظروا العام 2050
جديرٌ بالذّكر أنّ مقاومة المضادّات الحيويّة تُودِي بحياة نحو 700,000 شخص في أنحاء العالم سنويّاً، ومن المتوقّع أن يرتفع هذا الرّقم إلى 10 ملايين بحلول العام 2050، وعندها يبدأ الرّعب فعلاً. وتُظهِر بعض الأبحاث أنّ حالات بكتيريا المقاوِمة للمضادّات الحيويّة ارتفعت بنسبة 12,000%، في غضون 7 أعوام فحسب، وذلك بسبب الاستخدام العشوائيّ للمضادّات الحيويّة على نطاقٍ واسع لدى البشر والحيوانات على حدٍّ سواء، ممّا يُدمِّر مجموع البكتيريا المفيدة في الأمعاء.
وكان “المركز الأميركيّ للتحكُّم بالأمراض والوقاية منها” (U.S. Centers for Disease Control and Prevention) قد أقرَّ بأنّ عصر المضادّات الحيويّة قد وصل إلى نهاية سادت فيها “السّوبر بكتيريا” Superbug أيّ المقاوِمة لكلّ أنواع المضادّات. في غضون ذلك، أعلنت مستشفيات في إنكلترا عن ارتفاع أعداد المَرْضى المصابين بأعراض مقاوِمة للمضادّات الحيويّة، وارتفعت الحالات المؤكّدة مخبريّاً لبكتيريا مقاوِمة للمضادّات الحيويّة في الأمعاء من 5 حالات إلى أكثر من 600 سنويّاً في غضون 7 سنوات فحسب.

كيف نتدارك الكارثة
استجابةً لذلك الخطر الدّاهم، يعكف الباحثون في الدّول المتقدّمة على مدار السّاعة لحلّ إحدى أكبر المشكلات المستقبليّة التي تُواجه الجنس البشريّ، أي تغلُّب البكتيريا الذكية على المضادّات الحيويّة وإبطالها لمفعول الأخيرة. وهذا التطوّر اعتبرته “منظّمة الصحة العالمية” من بين المخاطر الصحية الأكثر جدّية في العالم. فمن دون مضاد حيوي فعّال يُعتَمد عليه في المستقبل، فإن الوضع سيكون كارثياً. إذ أن العمليات الجراحية وحتى عمليات الولادة ستنطوي على مخاطر كبيرة.
يقول الباحث ماتي إرديلي وهو عالِم كيمياء عضوية يسعى فريقه البحثيّ إلى إيجاد وسائل لمنع البكتيريا من إحباط عمل المضادّات الحيويّة الحاليّة، أنّ الدّول النّامية ولاسيّما في آسيا تستخدم المضادّات الحيويّة للحيوانات منذ ولادتها وطوال فترة حياتها. وينتهي المطاف بكميّات كبيرة من تلك المضادّات في البيئة من خلال مخلّفات وفضلات الحيوانات، لذا تعتاد البكتيريا على تلك المضادّات الحيويّة. وعندما نلجأ إلى استخدامها مجدّداً، تكون البكتيريا قد أصبحت مقاوِمة لها بالفعل”.
لذلك، فإنّ أحد الأسباب الرّئيسة وراء مقاومة المضادّات الحيويّة هو معالجة المواشي بشكلٍ وقائي بالمضادّات الحيويّة لمنع تعرُّضها للمرض. وهذا على سبيل المثال محظور في السّويد، لكنّه شائع في دولٍ كبيرة مثل الصّين والولايات المتّحدة الأميركيّة. وبالتّالي، قد يكون لتجنُّب المعالجة الوقائيّة للحيوانات تأثيرٌ إيجابي كبير في منع تطوّر مقاومة البكتيريا للمضادّات الحيويّة.
عالِمة الكيمياء الأحيائيّة روزماري فريمان تلفت إلى أنّ البكتيريا “بارعة جداً في تمويه وجودها داخل الجسم”، لذا يُركِّز فريقها البحثيّ على عمليّة التّمويه هذه. وتقول في هذا الصّدد: “إذا ما تمكّنا من إحباط عمليّة التّمويه هذه فإنّ بُنية سطح البكتيريا ستتغيّر وسيصبح بإمكان الجهاز المناعيّ في الجسم التعرّف عليها والتّعامل معها”.
لكنّ المشكلة هي أنّ الأطبّاء لا يُحسنون تحرّي أيّ نوعٍ من البكتيريا يُسبِّب أيّ صنف من الالتهابات، إذ لو تمّ لهم ذلك فإنّه سيُحَسِّن الوضع نسبيّاً. لكنّ ما يحدث هو أنّ الأطبّاء للتّعويض عن ذلك يستخدمون “كوكتيلاً” من عدّة مضادّات حيويّة لمعالجة صنف معيّن من البكتيريا.

حسابات صناعة الأدوية
المشكلة الإضافية هي أنّ الصّناعة لم توجد فئات جديدة من المضادّات الحيويّة، إذ كلُّ ما يتوافر منها هو أنواع من المضادّات الحيويّة التي جرى تطويرها بين عامي 1962 و 2000. ومنذ ذلك التاريخ لم تُطوِّر شركات صناعة الأدوية سوى قلّة قليلة من الفئات الجديدة، فمعظم الأنواع الجديدة هي مجرّد تعديل للمضادّات المتوافرة. وفي ظل تواصُل مشكلة مقاومة المضادّات الحيويّة ستكون هناك حاجة دائمة لتطوير أنواعٍ جديدة من تلك العقاقير.
لكن المشكلة هنا تكمن في أنّ الاستثمار في تطوير مضادات حيوية جديدة ليس مُربِحاً لتلك الشّركات الصّيدلانيّة. أمّا المشكلة الأكبر فهي المهارة المتزايدة للبكتيريا في مقاومة وتعطيل مفعول المضادات، فما أن يُطلَق مضادٌ حيويّ جديد في الصّين حتى تصبح البكتيريا مقاوِمةً له في غضون أشهر قليلة. وهذا بالطّبع ما يجعل الشّركات الصّيدلانيّة تتردّد في إنفاق مبالغ كبيرة لتطوير مضادّاتٍ حيويّة جديدة طالما أنها ستصبح غير ذات جدوى كلّيّاً في غضون سنوات معدودة.

خطوةٌ في الاتّجاه الصّحيح
إنّ إحدى المشكلات الأساسيّة هي المواقف المُمالئة لـ “اللّوبي الزراعي” التي تتّخذها الحكومة الأميركيّة والتي تتمثّل في تأخّر “إدارة الغذاء والدّواء” (FDA) الأميركية لسنوات عن الإقرار بمخاطر الاستخدام الواسع للمضادّات الحيويّة في العلف الحيوانيّ من قبل كبريات الشّركات العاملة في قطاعات اللّحوم والألبان والدّواجن. إلّا أنّ هذه الإدارة، ونتيجة لضغوط الأوساط العلميّة والرّأي العامّ قامت في العام 2013 بالإعلان عن “برنامج تطوُّعي غير مُلزِم” يرمي إلى خفض كمية المضادّات الحيويّة المستخدمة في المواشي والأبقار والدّواجن اللّاحمة”، ويحثُّ البرنامج الصّناعة والشّركات الصّيدلانيّة الكبيرة على الالتزام بالمعايير الجديدة المُوصى بها، وتُحذِّر الإدارة المذكورة المزارعين من أنّ استخدام المضادّات الحيويّة لتسمين حيواناتهم في أسرع وقت قد يؤدّي بهم إلى المحاكمة الجنائية.
وفيما يعتبر برنامج “إدارة الغذاء والدّواء” هذا خطوة في الاتّجاه الصّحيح، فهو بالطّبع ليس كافياً. أوّلاً لأنّه تطوُّعي وغير ملزم، وهذا يعني أنّ الشّركات الصّيدلانيّة المُصنِّعة للعقاقير ليست ملزَمة به، وفي حال وجدَ المزارعون على علبة المضادّ الحيويّ عبارة: “يمكن استخدامه لتعزيز النّمو” فبإمكانهم استخدامه على هذا النحو.
ثانياً، حتى ولو امتثلت تلك الشّركات الصّيدلانيّة المختصّة، فثمّة وسائل يعتمدها المزارعون للتّحايل على البرنامج. فمع جرعات منخفضة، يمكنهم استخدام تلك العقاقير بحجّة الوقاية من المرض. لكن ثمّة وجهٍ إيجابيّ للبرنامج يتمثّل في أنّ استخدام تلك المضادّات الحيويّة بات اليوم يتطلّب وصفة بيطريّة، بينما كانت المضادّات في الماضي تتوافر على رفوف متاجر المواد الزّراعية. والمهمّ أنّ رفع الصّوت عالياً في مثل هذه البرامج قد يأتي ببعض النّتائج الإيجابيّة، ولو لم يكن كافياً ويتطلّب تدابير أكثر صرامة. وفي “لقاء قمّة” علميّ حول استخدام المضادّات الحيويّة، عُقِدَ مؤخّراً في البيت الأبيض، تعهَّدت نحو 150 شركة مُصنِّعة للطّعام، ومطاعم ومستشفيات وشركات صنع عقاقير، بإنهاء استخدام لحوم من حيوانات عُولِجت بالمضادّات الحيويّة، وهومن شأنه أن يبدأ بإحداث تغيير في هذا التقليد السيّيء.

ألكسندر فلمنع الذي ينسب إليه اكتشاف البنيسيلين في العام 1928
ألكسندر فلمنع الذي ينسب إليه اكتشاف البنيسيلين في العام 1928

مخاطر الاستخدام العشوائيّ
من بين المشكلات الكثيرة التي يُسبّبها فرط استخدام المضادّات الحيويّة حدوث حالات إسهال مميت لدى الأطفال، وهم ذوو أمعاء أكثر حساسية، حيث إنّ الجهاز المناعي للأطفال لا يزال في طور النمو. كما أن المضادات الحيوية تخرّب التّوازن الدّقيق في بكتيريا الأمعاء والذي يُبقي كائنات مجهريّة حيّة مثل فطريات “الكانديدا” (Candida) في حالة توازن، إذ إنّ المضادّات، حتى عند استخدامها بنِسَبٍ ملائمة للتّخلُّص من البكتيريا، لا تُميِّز بين المفيدة منها والسّيِّئة، وتقضي على الأولى بجريرة الثّانية، وهو ما يُحدِث اختلالاً في توازن بكتيريا الأمعاء ويؤدّي إلى مشكلات صحية كثيرة. وتقف المضادّات الحيويّة وراء تزايد حالات مرض “السّيلان” (Gonorrhea) العَصِيِّة على المعالجة، وأمراضٍ جدّية أخرى.

كيفَ نُعزِّز نظام المناعة
(كبديلٍ عن الأدوية ومُضاعفاتها)

هل تلتقط فيروسَ الرّشحِ مرّةً تلو الأخرى خلال فصل الشّتاء فيما صَحْبُكَ ينعمون بالعافية؟ ربّما تحتاج إلى التّفكير جدّياً بتعزيز جهازِكَ المناعيّ.
لقد حَبَانا الخالقُ بجهازٍ مناعي مُذهل وظيفته أنْ يُبقينا في صِحّةٍ جيّدة، ليس فقط خلال فصل الشّتاء بل طوال فترة العام، مُتَصدِّياً لكلِّ أنواع الجراثيم والفيروسات والسّموم والملوّثات. والجهاز المناعيّ ليس مهمّاً فحسب للشّفاء من الأمراض بل أيضاً للحفاظ على صِحّةٍ جيّدة.

ما هو الجهاز المناعيّ؟
الجهازُ المناعيّ هو النّظام الدّفاعيّ الطّبيعيّ للجسم، ويتألّف من تريليونات خلايا الدّم البيضاء، والأجسام المضادّة (Antibodies)، ونخاع العظام، والغُدَّة الصّعتريّة (Thymus)، التي تعمل جميعها على التعرُّف إلى ملايين من الميكروبات (مثل البكتيريا، والفيروسات، والفطريّات، والشّوائب السّموميّة) التي تتسلّل إلى أجسامنا كلّ يوم، وتحرص على تدميرها، فضلاً عن التّخلُّص من الخلايا الشّاذة.
ولا يقلّ الجهازُ المناعيّ تعقيداً عن الجهاز العصبيّ، فهو ليس قادراً على إنتاج مضادّ حيويّ طبيعيّ لكلّ نوعٍ من ملايين الجراثيم والعوامل المُسبِّبة للعدوى فحسب، بل هو أيضاً قادرٌ على تذكُّر كيفية إنتاج تلك “المضادّات” Antigens بعد عقودٍ لاحقة. وتُشكِّل خلايا الدّم البيضاء بأنواعها العمود الفِقْري للجهاز المناعيّ.
ويقوم الجهاز المناعيّ السّليم بحمايتنا عبر استحداثه في البداية حاجزاً يمنع دخول تلك الجراثيم الغازية المُسبِّبة للمرض إلى الجسم. وفي حال تسلُّل بعضها، يُنتِج الجهازُ المناعي خلايا الدّم البيضاء وكيميائيّات وبروتينات أخرى تهاجم هذه الكائنات الغريبة وتُدمِّرها، وذلك قبل أن تبدأ بالتّكاثر.
وخيرُ مؤشّرٍ على مستوى سلامة الجهاز المناعيّ هو مدى الحيويّة التي نشعرُ بها. فإذا ما شعرنا بالضّعف أو بالإرهاق أو بالاكتئاب فلعلّ جهازنا المناعيّ يكون ضعيفاً. وغالباً ما نسعى إلى التّعويض عن هذا الشعور باحتساء مشروباتٍ غنيّة بالكافيين، أو تناول أطعمة مُتخَمَة بالسكر، وهنا تتفاقم المشكلة. لقد تكيَّفَ الجهازُ المناعي بأسلوب حياةٍ غير صِحّي. لذا يبدو في غاية الأهمّيّة لسلامة الجسم والعقل الحفاظ على جهازٍ مناعيّ سليمٍ وصِحّي.

كيف يَضعف الجهاز المناعيّ؟
ثمّة عوامل عديدة تُضعِف قوّة الجهاز المناعيّ، أبرزها:
1. سوء التّغذية
النّظام الغذائيّ المعاصر يفتقد إلى العديد من الفيتامينات، والأملاح المعدنيّة، ومضادّات الأكسدة (Antioxidants) وعناصر غذائية أخرى ضروريّة لكي يحافظ الجسم على جهاز مناعيّ صِحّيّ وسليم. فالفواكه في السوبرماركت، على سبيل المثال، غالباً ما تكون قد قُطِفَت قبل النّضج وقبل أن يتسنَّى للعناصر الغذائية فرصة النّمو، وغالباً ما تُزرع الخضروات في تربة ناضبة مستنفدة الخصوبة، وبالتّالي تنمو وهي تفتقر إلى العديد من المكوّنات الغذائية. أمّا اللّحم فيُنتَج من مواشٍ وأبقار ودواجن تُطعَم أعلافاً مستنفدة القيمة الغذائية، وغالباً ما تُحقن بهرمونات وستيرويدات (Steroids). والأطعمةُ المعلّبة غالباً ما تُعالَج صناعياً لإطالة عمرها على رفوف المتاجر والسوبرماركت بما يحرمها من أن تكون مصدراً للغذاء السّليم. فالجهاز المناعي يحتاج إلى تغذية مُثلى عبر نظامنا الغذائيّ لكي يستطيع العمل بفعالية في حمايتنا، وبمجرّد فقدان عددٍ قليل من الفيتامينات أو الأملاح المعدِنيّة الضّروريّة لعمله بكميّاتٍ كافية، يصبح هذا الجهاز ضعيفاً ويمكن للبكتيريا عندها مهاجمته.
2. البيئة الملوّثة
فيما تصبح بيئتنا أكثر تلوّثاً، يُضطر الجسمُ لمجاراة عبءٍ أكبر من السّموم، التي تنساب إليه من الأطعمة، ومن خلال الرّئتين والجلد، وكذلك بسبب التّعرُّض للأشعّة الكهرومغناطيسية الصّادرة عن المعدّات الكهربائية والإلكترونية. فمع ارتفاع نسبة السّموم يعمل الجهاز المناعيّ بجهدٍ أكبر لتحديد تلك الملوّثات وإزالة سمومها، وهو ما يُرهِقه، وهذا ما يحدث كلّ يوم.
3. التوتُّر والإجهاد
عندما نشكو توتُّراً أو إجهاداً، يردّ الجسم بتحويل جميع موارده إلى العضلات. فوظائف الجسم الأخرى التي تُعتبر غير ضروريّة في الحالات الطّارئة تُعَطَّل موقّتاً، ومن بينها الهضم، وآليات ترميم الخلايا، ووظيفة الجهاز المناعي. والمشكلة هي أنّ الحياة المعاصرة غالباً ما تشهد حالاتٍ من التوتُّر المتواصل والإجهاد المزمن، وهذا يعني أنّ آلية إصلاح الخلايا والأنسجة والاستجابة المناعيّة تشهد اختلالاً متواصلاً
وممّا يُفاقِم ذلك الافتقار إلى النّوم الكافي، وهو الفرصة الرّئيسة للجسم كي يُرمِّم ويُشفي نفسه، وذلك يجعل من الإنسان ميّالاً للإصابة بالأمراض والشّيخوخة المبكّرة.
4. العقاقير
يمكن للعقاقير الطبّيّة أن تُضعِف الجهاز المناعيّ بشكلٍ كبير. فعلى سبيل المثال، تُدمِّر المضادّات الحيويّة (Antibiotics) البكتيريا المفيدة في المعدة والأمعاء، وهي في غاية الأهمّية لسلامة الجهاز الهضميّ. وثمّة علاجات حديثة تخلّ بوظيفة الجهاز المناعيّ، لا سيّما تلك المستخدمة لفترةٍ طويلة وهي تؤذي النّظام الدفاعيّ الطبيعيّ للجسم.

كيف نُقوِّي الجهازَ المناعيّ؟
في ظلّ هذه الحقائق ماذا يَسَعُنا القيامُ به لتعزيز الجهاز المناعيّ؟
• تحسين مستوى التّغذية
من أجل مضاعفة ما نتناوله من مُغذِّيات يتعيّن اختيار الأغذية الصِّحيّة ما استطعنا ويُفضَّل أن تكون فواكه وخضروات عضويّة أو بلديّة. ذلك ناهيك عن الإكثار من شرب المياه النقيّة وتجنُّب ما يُسمَّى بـ “مضادّات المغذَّيات” (Anti-nutrients) وعلى رأسها السكر المكرّر، والخبز الأبيض، والأرز الأبيض، والحلويات الغنية بالسّكر، والمشروبات الغازية، والأطعمة السّريعة وما شابهها.
إنّ نظاماً غذائيّاً غنياً بالفيتامينات المضادّة للأكسدة يُعزِّز مقاومة الالتهابات. فكلّ الخضار والفواكه ذات الألوان الأخضر والأحمر والأصفر والبرتقالي تزخر بمضادّات الأكسدة، كالحمضيّات وأنواع التّوت والعنّبيّات، والكيوي والتّفاح والأعناب، والجزر والبصل وغيرها. ومن بين الأطعمة المقوّية للمناعة، الثّوم الذي يتمتّع بخصائص مضادّة للجراثيم والفيروسات، وكذلك حساء الدّجاج، كما يُنصَح بتناول الفطر بأنواعه.
وهنا يُنصح بإضافة مُكمِّلات غذائيّة ومعدنيّة إلى نظامنا الغذائيّ، لا سيّما مضادّات الأكسدة التي تُسهِم في القضاء على الجذور الحُرَّة (Free Radicals) وإيقاف تلف الخلايا. ومن بين تلك فيتامين “سي” (C)، ومجموع فيتامينات “بي” (B)، وكذلك “أ” (A) و”إي” (E)، فضلاً عن “السيلينيوم” (Selenium) والزّنك (Zinc) والمغنيزيوم (Magnesium). إنّها ضرورية لتساعد الجسم على التّعامل مع بيئةٍ تختلف جدّاً عمّا كانت عليه في أيام الآباء والأجداد.
• الحدّ من الملوّثات
بدايةً يُنصَح بتناول طعامٍ عضويّ لتجنُّب تلك الموادّ الكيميائيّة المستخدمة في التّخصيب الزّراعي والتي كثُرَ الحديث عنها في الآونة الأخيرة. ومن ثمّ وجبَ الإقلاع عن التّدخين. فثمة أطبّاء في الولايات المتّحدة، على سبيل المثال، لا يتابعون مريضاً يرفض التوقُّف عن التّدخين باعتبار ذلك دلالة على أنّه لا ينشد التّمتُّع بالعافية حقاًّ. وبات لزاماً الإكثار من شرب الماء (أقلّه 1,5 ليتر في اليوم) من أجل تنظيف الجسم من السّموم المتراكمة فيه وطردها خارجاً. ويُنصَح هنا بالصّوم بين الحين والآخر لإزالة سموم الجسم وبالتّالي تحسين المناعة. ويتعيّن الابتعاد قدر الإمكان عن مصادر الأشعّة الكهرومغناطيسيّة، مثل شاشات التّلفاز والكومبيوتر.
• تخفيف التوتُّر والإجهاد
كم نجد أنفسنا أكثرَ حيويّة بعد التّمتُّع بعطلة أو نقاهة أو استجمام! فالتوتُّر أو الإجهاد يصبح عادةً مُخيفة تُسبِّب مشكلات صِحيّة جدّيّة على المدى الطّويل. وهناك العديد من القصص عن أناسٍ كان يعانون حالاتٍ صِحيّة خطرة استطاعوا الشّفاء منها بأعجوبة عندما بدأوا ينعمون بالرّاحة والاسترخاء والابتعاد عن مصادر التوتُّر والإجهاد. والخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي عبر التنعُّم بقسطٍ وافٍ من النوم (أقلّه 7 ساعات لمعظمنا)، وتجنُّب حالات تُثير غضبنا، أو تقودنا إلى الاكتئاب والإحباط، والأفضل من ذلك هو القيام بتمارين رياضيّة معتدلة تساعدنا على الاسترخاء. ولا ريبَ أنّ الصلاة، والتأمُّل، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة والوجدانية تُضاعِف مستويات الاسترخاء والتحرُّر من التوتُّر، وتبثُّ إحساساً بالثقة والتدبُّر.
• الحدّ من العقاقير
في حال وجود مُنتَجٍ طبيعي فعّال يُغنينا عن العقار الصّيدلاني، فعلينا بذلك البديل، ومن الأفضل استشارة الطّبيب بالطّبع. لكنّ معظم الأطبّاء يميلون إلى تطبيق علاجات صيدلانيّة تعطي مفعولاً سريعا لكنّهم قليلاً ما يهتمّون بنصح المريض بتبديل نمط حياته أو غذائه، والسّبب هو أنّ قلّة من بينهم يضيفون إلى تخصّصهم العلميّ معرفة كافية بأنظمة الغذاء أو العلاجات المكمِّلة أو البديلة عن الأدوية الكيميائيّة. هذا مع العلم أنّ العلاج يبدأ بتبديل نمط الحياة، وتحسين نظام الغذاء، واعتماد التّمارين الرّياضية، وعندها فإنّ اللّجوء إلى العقاقير الطبيّة يصبح جزءاً من نهج علاجيّ متكامل مع إمكان دعمه أيضاً بمُكمِّلاتٍ غذائيّة (Supplements ومُغذِّيات ضروريّة لتقوية الجهاز المناعي.

أهم أسباب تزايد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هي استخدام المضادات على نطاق واسع في المزارع الكثيفة سواء للوقاية من ال
أهم أسباب تزايد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هي استخدام المضادات على نطاق واسع في المزارع الكثيفة سواء للوقاية من ال

• ممارسة المشي والرّياضة
القعودُ لفترةٍ طويلة لا يجعلك تشعر بالكسل فحسب بل يجعل جهازك المناعيّ يتكاسل أيضاً، في حين أنّ التمارين تساعد على تعزيز المناعة، حتى تلك المعتدلة منها كالمشي، أو المشي السّريع الذي يزيد سرعة دقّات القلب ولو لمدة 20 دقيقة ثلاث مرّات في الأسبوع. وترتبط التمارين بإطلاق هرمونات “الإندورفين” (Endorphins)، وهي هرمونات طبيعية تؤثّر في الدّماغ بطرقٍ إيجابيّة. إنّها تُخفِّف الألم وتبثُّ إحساساً بالاسترخاء والعافية بما يُخفِّض التوتُّر ويُحسِّن النّوم، وبالتّالي يُعزِّز المناعة.
• التّمتُّعُ بنومٍ وافٍ
التعرُّض للأرق لا يترك المرء مُتْعَباً طوالَ النّهار فحسب بل يجعله أيضاً عرضةً للأمراض، بما في ذلك الزّكام والأنفلونزا والتهاباتٍ أخرى. كما أنّ النّوم لساعاتٍ قليلة على المدى الطّويل يُضاعِف مخاطر الإصابة بمشكلات صِحّيّة جديّة أخرى من بينها البدانة والسّكري.
ويقول الخبراء إنّ الجسم يستخدم النّوم كوسيلةٍ لشفاء نفسه. وحينما لا ينعم المرء بقسطٍ وافٍ من النّوم، أو بالأحرى المراحل العميقة من النوم، تختلّ عملية الشّفاء هذه. وفيما يصعب قياس التأثير الوقائيّ للنّوم على الجهاز المناعيّ بشكلٍ دقيق، فإنّ النّوم يمكنه، كشأن مضادات الأكسدة، أنْ يُخفِّض التّوتُّر المسبِّب للأكسدة، وهو ما يُوقِف تعرُّض الخلايا للضّعف والتّلف. ويؤكّد الباحثون أنّ النّوم لِمَا لا يقل عن 7 ساعات ليلاً يرتبط بمقاومة متزايدة للأمراض المُعدِيَة.
• إدارة التوتُّر
حينما يكون الجسمُ تحت وطأة إجهادٍ أو توتُّرٍ متواصِل يغدو أكثر عرضةً للأمراض مهما تفاوتت جدّيتها، ذلك أنّ الجسم في ظل توتُّرٍ مستمرّ يفرز مجموعة من هرمونات التوتُّر، مثل “الكورتيزول” (Cortisol) و”الأدرينالين” (Adrenaline)، التي تُضعِف الجهاز المناعي. كما أنّ التوتُّر المُزمِن يرتبط بأمراض القلب وضغط الدّم العالي، وربّما يكون له تأثير أيضاً في وظيفة خلايا الدّم البيضاء. وينصح الأطباءُ بتغييرٍ جذريٍّ في نمط الحياة، والقيام بكلّ ما يساعد المرء على إدارة توتُّره، سواء كان ذلك نوعاً من التأمُّل، أو التّمارين الرّياضيّة، أو الاهتمامات الرُّوحيّة.
• بناء علاقات:
أظهرت الأبحاث أنّ أولئك الذين يرسون علاقات صداقة وثيقة ويحظَوْن بدعمٍ قويّ في حياتهم يميلون إلى التمتُّع بصِحّةٍ أفضل من أولئك الذين يفتقدون إلى دعمٍ اجتماعيّ وعلاقاتٍ مماثلة.

العسل

قاهر البكتيريا

العسل الطبيعي أثبت امتلاكه لخصائص قاتلة للبكتيريا بما في ذلك تلك المقاومة للمضادات الحيوية
العسل الطبيعي أثبت امتلاكه لخصائص قاتلة للبكتيريا بما في ذلك تلك المقاومة للمضادات الحيوية

العَسل، هو الدّواء الطّبيعيّ المستخدم منذ آلاف السّنين لمكافحة الجراثيم وتنظيف الجروح، لكنْ قلَّ مَنْ أدركَ قدرته الكبيرة كمضادٍّ حيويّ حتى الآونة الأخيرة. فالعسلُ قد يُشكِّل العلاج النّاجع لمكافحة التّهديد الطّبّي الأخطر الذي يتمثَّل في الجراثيم المقاوِمة للمضادّات الحيوية.
فالعسل مضافٌ إليه أعشاب أو نباتات طِبيّة مثل الزّنجبيل، كبحَ نموَ جراثيم خطرة مثل بكتيريا Staphylococcus aureus (التي تنتشر في المستشفيات) المقاوِمة لـ “الميثيسيلين”، وبكتيريا الـ E-coli، والبكتيريا المسبّبة للالتهاب الرّئوي وهي من بين الجراثيم الأكثر خطورة وفتكاً.
وقام الباحثون بإجراء اختباراتٍ منفصلة على العسل، ومسحوق الزّنجبيل، وتوليفةٍ من هاتين المادتَين مقابل ثلاثة مضادّات حيويّة مختلفة، هي: “ميثيسيلين” Methicillin، و”أموكسيسيلين” Amoxicillin، و”البنيسيلين” Penicillin، وهي ثلاثة من بين المضادّات الحيويّة الأكثر نجاحاً في التّرسانة الصّيدلانيّة.
وأجرى الباحثون خمسة اختبارات لكلٍّ من هاتين المادّتَين الطّبيعيّتَين العلاجيّتين في مكافحة أنواع البكتيريا الآنفة الذّكر. ووجدوا أنّ كلاًّ من العسل ومستخلص الزّنجبيل اتّسمَ على نحو منفصل بمستويات كَبْحٍ للبكتيريا أعلى من أيٍّ من المضادّات الحيويّة المنوَّه بها.
والنتائج الطّبّيّة لهذه الدّراسة كبيرة، إذ إنّها تكشف أنّ العسل والزّنجبيل يقضيان على الجراثيم الخطرة أكثر من معظم المضادّات الحيويّة القويّة المتوافرة صيدلانيّاً. فتلك الجراثيم قد تهيَّأت لإبطال مفعول تلك المضادّات الحيويّة التي أُفرِطَ في استخدامها على مدى عقود. لكنّ البعض قد يسأل: أليسَ باستطاعة تلك البكتيريا أن تُقاوِم أيضاً مفعول العسل أو الزّنجبيل؟ والإجابة هي أنّ الطبيعة تعمل بآلياتٍ مختلفة كلّيّاً عن تلك العقاقير المُصنَّعة. ذلك أنّ البكتيريا تتكاثر دائماً داخل خلايا النّحل. كما أنّها موجودة دائماً حول جذور نبتة الزّنجبيل، وفي التّربة من حولها. فالتربة تحتفظ بأعلى مستويات من البكتيريا، ولكون الكائنات المجهرية الحيّة تبقى في حركةٍ متواصلة، فإنّها لا ثباتَ في حالها. فنبتة الزّنجيل على سبيل المثال تُنتِج باستمرار آليات حيويّة لطرد البكتيريا، بما في ذلك فرز أحماض تُفكِّك خلايا الجراثيم المؤذية عند التماس، فضلاً عن كائناتٍ حيّة في التّربة تلعب هي أيضاً دوراً في كبح غزو البكتيريا. وهذه التّدابير المضادّة للبكتيريا التي تُوظِّفها النباتات تصل إلى الأزهار وغبار طلعها Pollen. ومن ثمّ يقوم النّحل بجمع غبار الطّلع وإحضاره إلى الخليّة. كما أنّ النّحل بدوره يتّبِع تدابير مضادّة للبكتيريا أيضاً وذلك لمنع حدوث أي التهاب داخل الخليّة أو القفير، بما في ذلك إنتاج المضادّات الحيويّة الخاصّة بالنّحل التي تقوم هذه الحشرة بإفرازها لُعاباً. ومُرَكَّب الـ “بروبوليس” (Propolis) هو العنصر الفعّال في لُعاب النّحل وكذلك في صَمْغ العديد من النّباتات، وقد أثبتَ هذا المُرَكَّب نجاحه كمضادٍّ حيويّ فعّال.
إذاً، لماذا تفلح هذه العلاجات الطّبيعيّة في التّغلُّب على مضادّات حيويّة شهيرة مثل “الميثيسيلين”، و”الأموكسيسيلين”، و”البنيسيلين”؟ السّبب هو أنّ المضادّات الحيويّة الصّيدلانيّة ثابتة الأداء، أي تعمل بالطّريقة ذاتها طوال الوقت.
ويعني ذلك أنّ جراثيم خطرة مثل الستافيلوكوكس والـ E-coli وجرثومة الالتهاب الرِّئوي يمكنها أنْ تَكتشف كيف تعمل تلك المضادّات الحيويّة وتُطوِّر تدابير لمقاومتها والتغلُّب عليها. ومن ثم تُمرِّر تلك المقدرة إلى بكتيريا أخرى عبر بُنى إحيائيّة جينيّة التّركيب نقّالة تُعرَف بـ “البلازميدات” (Plasmids).بينما دفاع النّحل أوالنّبات وكذلك نظام المناعة البشريّ في مواجهة الجراثيم عمليّة طبيعيّة تتمتّع بقدرة كبيرة على التّكيّف وتعديل الأسلحة والحلول ولهذا لا يمكن للجراثيم تطوير دفاعات فعّالة ضدّ أنظمة المناعة الطّبيعيّة.
وممّا يدعم هذه النتائج، ما توصّلت إليه دراسة أجرتها “جامعة سيدني للتّكنولوجيا” على العسل النيوزيلندي الذي يجنيه النّحلُ من أشجار شاي المانوكا. ووجدت الدّراسة أنّ هذا العسل كافحَ الجراثيم على جبهتين. فهو لم يتمكّن فحسب من قتل جرثومة Staphylococcus المقاوِمة لـ “الميثيسيلين” وبكتيريا أخرى، بل إنّه منعَ أيضاً تلك البكتيريا من أن تصبح مقاوِمةً للمضادّات الحيويّة. وأثبتَ هذا العسل مستوى مضادّاً للبكتيريا هو أكبر بأربعة أضعاف من المضادّات الحيويّة التّقليديّة. ولطالما استخدمت شعوب نيوزيلندا هذا العسل لتنظيف الجروح، وشفاء قرحات المعدة، ومعالجة الأكزيما، وحَبّ الشباب، ولدغات الحشرات. كما أنّ الكتيريا فشلت في تطوير أيّ مقاومة للمفعول العلاجيّ للعسل.
والمكوِّن الفعّال في العسل النيوزيلندي هو الـ “ميثيل غليوكسال” Methylglyoxal (MG)، وهو مكوَّنٌ موجود في مُعظم أنواع العسل ولو بكميَّاتٍ متفاوتة.
كما تبيّن أنّ هذا العسل كمضادٍّ حيويّ، ومضادٍّ للفطريات، فعّالٌ في معالجة إلتهاب الحلق والحَنْجرَة، والزّكام، والتهاب الجيوب الأنفيّة، والتهاب الجلد، ومُلتَحِمة جِفن العين، وكذلك في حَرْقة المعدة والحموضة، وارتجاع العُصارات الهضميّة Reflux.

قصص الامثال

قصص الامثال

تُطْلَقُ هذه العبارة للتّأكيد على القناعة، وعدم الإسراف في الملّذات، وبخاصّة الطّعام والشّراب، إذ يعتبرون الطّعام والشّراب وسيلة للعيش لا غاية بحدّ ذاتها، متمثلين بالأثر الذي جاء فيه: « نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لانشبع « .
والحكاية أنّ بَدَوِيّاً وُصف له العِنَب، وأفاض المتحدّث بالكلام عن العنب وأنواعه وألوانه وطعمه اللّذيذ وفوائده، والبَدوي لم يرَ العنب في حياته كلّها، فوقع حُبُّ العنب في نفسه، واشتهى أن يتذوّقَه، وقرّر الارتحال إلى الشّام ليأكلَ عِنَباً.
وهكذا كان؛ فبعد أن قطع المسافات على جَمَلِه، وأصبح على مشارف الشّام إذ شاهد رجلاً يجلس تحت شجرة، فقرّر أن يستريحَ قليلاً بالقرب من الرّجل، وكان الرّجل يحمل شيئاً من العِنَب، أتى على أكثرِه، ولم يبقَ لديه إلّا بضع حبّات، فدفعها إلى البدويّ قائلاً :
ـ تفضل، الفَضْلةُ للفَضيل .
فسأل البدويّ :
ـ وِاِشْ هَذا ؟
فقال له :
ـ عِنَب.
فتناول البدويّ حبّات العِنب، وأكلها، ثمّ قام إلى جَمَله، فَركبَه، وقفل راجعاً إلى دياره وهو يقول:
« شهوَة، وقضيناها».
ولكلام البدويّ فائدة في وصف طبيعة أهل البادية المعتادة على التقشّف وقوّة الاحتمال وفي الوقت نفسه اعتدال المزاج في الطّعام لأنّهم اعتادوا على أصناف قليلة وأخذوا كفايتهم منها. وقد اكتفى البدويّ البسيط بتذوّق حبّات دفعتها الصّدفة في طريقه واعتبر أنّه بذلك تذوّق العِنب ولم يَعُد أمامه شيء آخر يفعله مثل أن يسعى إلى شراء عنقود كامل فيشبع من تلك الفاكهة التي قطع الفيافي والقفار من أجل أن يتذوّقَها. بل إنّه اعتبر اندفاعه في البحث عن العنب بمثابة «شَهْوة» وحالة ضعف في النَّفس وهو شُفِي من إلحاحها وأصبح حرّاً في العَوْدة إلى الحمى.

قَوْمٌ بلا عُقّال راحوا قطايع قَوْمٌ بلا جُهّال ضاعت حقوقها
يُضْرَب هذا المثل للموازنة بين اللّين والحَزم، وبين استخدام القوّة أو التفاوض في الدّفاع عن الحقوق. وإذا كان الناس بحاجة إلى عقّال تَسوس أمورهم وتحميهم، فهم بحاجة إلى جُهّال تحمي حقوقهم من الضّياع . وقد عبّر الأمير شكيب أرسلان عن هذه الحالة بقوله :
إذا كان دفع الشّرّ بالرأيِ حازماً فما زال دفعُ الشّرِّ بالشرِّ أَحْزَما
وحكاية هذا المثل كما يرويها سلام الراسي نقلاً عن عبد الله النّجار أنّه هبط على دمشق شيخ جليل من مشايخ وادي التّيْم، وبات في أحد خانات المدينة، وكان يتمنطق بِكَمَر(حزام من جلد متين فيه جيوب عديدة لحفظ الأوراق والنّقود) فيه خَرجيّة السّفر. وَضعه تحت وِسادته في أثناء اللّيل، وعند الصّباح خرج في حاجة نفسه،، وعاد فلم يجد الكَمر، فراجع صاحب الخان في الموضوع، فقال له هذا: اذهب فتّش عن كَمرِك حيث وضعتَه، إذ كان يجب عليك أن تستودعَني إيّاه، فأكون مسؤولاً عنه.
ورغم أن الاحتمال كان قويّاً في أنّ صاحب الخان له يدٌ في ضياع كَمرالشّيخ فإنّ الأخير كان حَسَن الطّويّة حَسن الظّنَّ بالناس فاكتفى بالقول: «لا حَوْل ولا قوّةَ إلّا بالله». وقرّر أنْ يعود توّاً إلى قريته، فاعترضه صاحب الخان وطالبه بكراء الخان. وإذ لم يبقَ مع الشّيخ ما يبرِّئ به ذمّته، فإنّه فكّر قليلاً، وحك جبينه، ثمّ أخذ شعرة من لحيته، وقال لصاحب الخان: “هذه شعرة من لحيتي، أجعلها رَهْناً عندك، حتى أرسل إليك كِراء الخان”.
ورجعَ الشّيخ إلى قريته،، وبعد يومين حَظِي برجل ذاهب إلى دمشق، فقال له: “يا مْعَوّدْ! خذ هذه البَشالِك الثّلاثة (جمع بشلك وهو عملة عثمانيّة كانت مُتداولة في ذلك الوقت) واذهب إلى الخان الفلاني، وحاسب صاحبه، واطلب منه أنْ يبرِّئَ ذمّتي، وأن يسلّمَك شعرة من لحيتي، تركتُها رَهناً عنده.”
ومضى الرّجل إلى الخان، وقال لصاحبه: هذا كِراء الخان من الشّيخ فلان، أَبْرِئ ذِمّته مَعك، واعطني شعرتَه المرهونة عندك.”
فَضَحك صاحب الخان، وقال: “ما أقلّ من عقلك إلّا عقل الشّيخ الذي أرسلك، سلّم على صاحبك الشّيخ، وقلْ له أن يأتي ويفتّش عن شعرة لحيته في أزقة المدينة. لقد زاد صاحب الخان إلى فعلته في اغتصاب مال الشّيخ قلة الأدب مع شيخ جليل.
وعاد الرجل إلى القرية، وروى ما حدث له مع صاحب الخان. وتسبب ذلك بألم للشيخ الذي انتفض وبات مثل أسد هصور وأقسم بلحيته على الثأر لكرامته ولكرامة الصالحين جميعا.
انتشر خبر الحادثة ونِيّة الشّيخ الثأر للإهانة التي وجهها صاحب الخان، فجاء عقلاء القرية يطيّبون خاطره، لأنّه لم يَرُقْ لهم أن يعود هذا الشيخ المحترم ويوقع نفسه في أمر لا تُحمد عُقباه في بلد بعيد. وبعد الكثير من التّشاور وتبادل الرّأي في التّدبير المناسب لحفظ كرامة الشّيخ قالوا: “نتقدّم بشكوى إلى أحد قضاة الشّام: وقال بعضهم لا بل نرفع عريضة إلى الوالي. ونادى البعض بأنّه “لا بدّ لنا من أن نُطلع زعماءنا على ما حصل” .
ودامت اجتماعات ومشاورات العقلاء عدّة أيام. بدون جدوى.
أخيراً وبعد منتصف إحدى الليالي، قُرِع باب الشّيخ، فنهض وفَتح، بصعوبة شاهد في العتمة ثلاثة شبّان مُلثّمين، ناولوه جِراباً، وتواروا بِسرعة… لا سلام، ولا كلام…
أضاء الشّيخ السّراج، وفتح الجراب، وإذ برأس غريمه صاحب الخان داخل الجراب…
واتّضحَ فيما بعد أنّ بعضَ شبّان القرية عندما شعروا بعجز عقلائهم عن ردّ اعتبارهم تسلّلوا سِرّاً إلى دمشق، وفَتكوا بصاحب الخان، وجاؤوا برأسه .
وقبل هذه الحادثة كان العامّة يردّدون القول المأثور: “ قومٌ بلا عُقّال راحوا قطايع” (قطايع: بمعنى قطعان متفرّقة) لأنّ العُقّال يعملون دائماً على جمع كَلِمة قومهم، فلا يتفرّق رأيهم. وبعد الحادثة صار القول المأثور:
قومٌ بِلا عُقّال راحوا قَطايع قومٌ بِلا جُهّال ضاعت حقوقها1.

شهوة وقضيناها
شهوة وقضيناها

شور سويلم على العَرَب، بَيعوا الخيل واشتروا حمير

يُضرَب المَثل في الرّأي الأخرق الذي يعود بالنّكد على من يعمل به. والمثل معروف في أنحاء الجبل.
وسويلم هذا بدويّ أشار على قومه أن يبيعوا خيلهم، ويشتروا بثمنها حميراً فبثمن فرس واحدة يشترون عدداً كبيراً من الحمير، وبذلك يتوفّر لَديهم عددٌ وافر من الحمير لنقل الماء وحمل الأمتعة، مُتناسياً حاجة البدويّ الملحّة للخيل خصوصاً في الشدائد والبدو أقوام وقبائل قد تقع بينهم غزوات وحروب وهذه النّوائب لا يمكن صدّها إلّا بالفرسان وخيلهم الأصيلة.
وقد أورد الأستاذ سلامة عبيد هذا المثل بصيغة أخرى؛ إذ جاء عنده: “شور حصيرم عَ العرب: بيعوا الحمير واشتروا قِرَب2، وكان يقصد بذلك أن يبيعوا حميرهم وهي وسيلة ّ الأساسيّة لديهم وأن يشتروا بها الكثير من القِرب التي يمكن ملؤها بالماء وتحقيق الاكتفاء منه. وأضاف الأستاذ عبيد في شرح استخدام المثل: “بمعنى بئسَ الرّأي، لأنّهم إذا باعوا حميرَهم فسوف يُضطرّون إلى حمل قِرَبهم الكثيرة على ظهورِهم “

صِهري يا قدّوسَ الله

وهو مثل يُضرب في المَرأة التي تفضّل صِهرَها على ولدها. وحكاية المثل تتداولها النّسوة أحياناً في مجالِسهنّ يتندّرن بمن تتعلّق كثيراً بصِهرها وتفضّله حتى على ابنها. والمثل متداول أيضاً في محافظة درعا.
أصلُ حكاية المثل أنّه كان لامرأة ولد اسمه عازَر، وصِهر اسمه عازَر أيضاً . وكانت المرأة تحبّ صِهرها أكثرَ من ولدها، وكان الابن يشعر بذلك من خلال تعاملها مع الاثنين. لكنّه كان يسمعها في الليل وهي تنهض من عزّ نومها، فترفع يديها إلى ربّها، وتناجيه: “ يارب! تخلّي لي عازَر، واولاد عازَر، ومَرْتْ عازَر … يارب ترزق عازَر، وما تبخل على عازَر”.
كان عازر الابن يحتار عندما يسمع هذا الدّعاء لكنّه لم يكن على ثقة إذا كان المقصود بالدّعاء الحارّ هو أم الصّهر وسند الظّهر. وكاد أن يلوم نفسه كيف أنّه يشكّ في حبّ أمّه له. لكنّ تعاملَها في النّهار كان يختلف عن دعائها في اللّيل، ولذلك قرّر أن يقطعَ الشّكّ باليقين، ويعرف هُوّيّة عازر هذا الذي تدعو له كلّ ليلة ؟ .
صعدَ ليلاً إلى الطّاقة التي فوق الباب. وجلس ينتظر، وعلى الموعد نهضت العجوز وأخذت تدعو كعادتها:
“ يا رب تخلِّي لي عازر، وولاد عازَر ومَرْتْ عازَر … يارب ترزق عازر وما تبخل عليه”.
فتكلّم الولد من الطّاقة مُخَشِّناً صوتَه كي يبدو وكأنّه يأتي من السّماء:
ـ أنو عازَر فيهم ؟!.
ارتعدت العجوز وظنّت أنّ أحد القدّيسين قد سمعها وهو بصدد أن يلبّي دعاءها بعد أن يعرف مقصدها، وأيّ العازَرين تقصد بدعائها، فصاحت هذه ملهوفة:
ـ صهري يا قدوس الله … صهري .
فنزل الولد عندها من فوق الطّاقة وقال لها:
كل هذا الدّعاء لعازر صِهرك ؟!. يالله روحي على بيت صِهرك عازر3.

على عينك يا تاجر

تُطْلَق هذه العبارة للتّعبير عن عدم إخلاص النّيَّة، وذلك حين يفعل أحدهم فعلاً ما لغاية في نفسه، أو يظهر بغير مما هو فيه، فيقولون: يفعل هكذا “على عينك يا تاجر”.
والحكاية أوردها أحمد أبو سعد وقال إنّها من قول أحد شعراء المماليك شعراً .
فقد مرّ أحدهم بدكّان، فَلَفت انتباهه ازدحام النّاس في هذا الدكّان، فظنّ أنّ في الدّكّان بضاعة نادرة. لكنّه حين اقترب لم يجد ما هو غير عادي، بَيْدَ أنّ البائع كان فتاة فاتنة اجتمع الزّبائن لرؤيتها لا للشّراء. فأنشد:
ازدحمَ النّاس على تاجــــــــــــــــــرٍ من غَمزِ لَحْظ طَرْفِه فاتـــــــــــــرُ
قالوا عَلامَ ازدحموا هَكذا قلتُ على عينك يا تاجـرُ4
والواضح هنا أنّ المعنى المقصود بالمثال هنا تمّ تحويره مع الوقت فأصبح المقصود به أن يفعلّ المرءُ أمراً شائناً أو غير محمود دون استحياء من النّاس فهو يقوم به غير مهتمّ بما يمكن أن يناله من نقد أو ملامة. أمّا معنى المثل هنا فهو القيام بأمر ما لغير الغاية الظّاهرة بل لغرض آخر يتّضح عند التّدقيق في واقع الأمر.

عَمِلَ من الحبّة قُبّة

مع أنّ هذا المثل يُساق في معرض التّهكم ممّن لا يرى الأمور على حقيقتها، ويتزيّد في نقل الأخبار ووصف الحوادث، إلا أنّ قِصّته الأصليّة تحمل معاني إيجابيّة كثيرة عن البَرَكة التي تحلّ في الصّدَقَة والبَذل وتعاون أفراد الجماعة. حكاية هذا المثل أوردها سلام الرّاسي على النّحو التالي:
يُحكى أنّ أحدَ رجال الدّين الأفاضل، أراد أن يبني معبداً لله في قريته. فراح يستنهض همم أبناء القرية ليجودوا على الله ببعض ما جاد عليهم من حبوب أرضهم، فقال أحد المشكّكين:
وهل تصير الحَبّة قُبّة ؟.
ولكنّ ذلك لم يَفتَّ في عَضُد رجل الله، وثابر على جمع الحبوب، وبيعها وإنفاق ثمنها حتى أتمّ المعبد فقيل عندها: عمل من الحبّة قبّة والمقصود بالقبّة هنا المعبد الذي يُزوَّد في أحيان كثيرة بقُــبّة.

فقيه الخُنْفُشار

يُخاطَب بهذه العبارة من بان كَذِبُه وادّعاؤه، فيقولون له “فَشَرْت” . وحكاية هذه العبارة أوردها أحمد أبو سعد فقال: و “فَشَرَ” المرء أصلها من “فَشار”، وهي مختصرة من “خنفشار. وعلى ما يروون أنّ “فقيهاً” كان يدّعي المعرفة بكلّ علم، فلا يُسأل عن أمر إلّا أجاب مُستشهداً بكتب العلماء، فذاع صيتُه، وأُعْجِب بعلمه الناس، ودَأبوا يتردّدون عليه، حتى ارتابوا في صحّة ما يدّعيه، وشَكّوا في أمره، واتّفقوا على أن يكتب كلّ واحد حرفاً في قِرطاس، ثم جمعوا هذه الحروف فكانت “ خنفشار”. وهي كلمة لا معنى لها ولا وجود في اللّغة أو الاصطلاح. ذهبوا بها إلى الفقيه يسألونه عن معناها فإن أنكرها، وصرّح بجهله بها كان علمُه صحيحاً، ووثقوا به، وإن تصدّى لها بجواب كان كاذباً. فجاؤوه وسألوه عنها، فقال: من فوره:
“هو نبات ينبت في مشارق اليَمن، وهو سَبِط السّاق، دقيق الأوراق، مستدير الزّهر، يضرِب بياضُه إلى حُمرة. قال ابن البيطار إنّه حارّ في الدّرجة الثّانية، رطب في الأولى. وقال داود البصير إنّه يذهب بالخَفقان، ويجلو آلام النّفس، وقد جرّبته العرب في إدرار اللّبن فقال شاعرهم :
لقد جذبتْ محبّتكم فؤادي كما جذبَ الحليبُ الخنفشارَ
ثم قال : وقد ورد في الحديث الشريف … وكاد يذكره، فقاطعوه وقالوا:
ـ كفى! فقد كذبت على الأطبّاء، والعرب، والشّعراء، فلا تكذب على الرّسول أيضاً . وأخبروه بما فعلوا، فخجِل وانقطعوا عنه5.
وفي كتب الأدب حكاية مشابهة تتحدّث عن رجل يدّعي المعرفة في غرائب اللّغة، فما يُسأل عن كلمة إلّا وياتي بشاهد شعريٍّ أو حديث، أو قول مأثور يدعم فيه ما يذهب إليه.
وحدث أنّ جماعة كانوا يشتغلون بتقطيع بيت من الشّعر عَروضياً، فوقعوا على تفعيلة تتكوّن من أخر حرف من كلمة آخرها قاف، وكلمة “بعض”، فكانت التفعيلة “قبعضُ، فعولُ”. فذهبوا بالكلمة إلى الرّجل، وهم يعلمون أنّها لا معنى لها، فما كان منه إلّا أنْ قال:
القُبعضُ: القطنُ، قال الشّاعر واصفاً ناقته:
كأنّ سنامَها حشو القُبَعضا
فقالوا له:
ـ إنّها مجرّد تفعيلة عروضيّة يا شيخَنا.
فخجل، ولم ينطِق بكلمة .

فول يا نَوَرْ

يروي المثل حكاية من يفتح عيون الآخرين على أمر لم يكن بحسبانهم لولا أن ذكره لهم. والحكاية مُفادُها أنّ رجلاً لديه حقل فول بعيد عن القرية، وحين نزل الغجر (النّوَر) في القرية ذهب ليحذّرهم من الاقتراب من حقل الفول الذي يملكه، فسألوه أين الحقل؟ فدلّهم عليه مشيراً “أنّه في المكان الفُلاني”. فذهبوا إلى الحقل وسَطَوْا عليه، ولم يكونوا قبل ذلك ليعلموا بوجود الحقل!.

قتيلُ العار لا دِية له ولا ثار

قتيل العار هو السّارق، وثالم العِرض، وخائن الوطن، فإذا قُتِل الرّجل بإحدى هذه الأسباب فلا يحقّ لأهلِه المطالبة بديتِه، كما لا يحقّ لهم إدارك ثأره .
وحكاية المثل أنّ أحد اللّصوص حاول السّطو على حَظيرة ماعز، فنبحه الكلب، واستيقظ صاحب الحظيرة، فقفز ليراه وجهاً لوجه. وحاول اللّص أن يدفع صاحب الحظيرة عنه، كي لا يمسك به، فيفتَضَح أمرُه، غير أن الرّجل بادَرَه بضربةٍ من عصا غليظة، كان قد امتشقها، فكانت الضّربه قاضية. وإذْ السارق واحدٌ من أبناء القرية.
وحينما شاع خبرُ قتل السّارق، تداعى أهله للأخذ بثأر ابنهم. وبعد أخذ وردٍّ اتّفق الطّرفان على المثول أمام القاضي العرفي.
وحين استمع القاضي إلى رواية الفريقين قال: “هذا قتيل عار. وقتيل العار لا ديةَ له ولا ثار” فذهب قولُ القاضي مثلاً .

إذا نام الراعي بيرعاها الذيـــــب

حبيب أبو شهلا يروي قصة طريفة
عن معَّاز كفرتبنيت وموكب الرئيس

“إذا نام الراعي بيرعاها الذيـــــب
وإذا قلّت المراعي بيخف الحليب”
هذا ما قاله راعي بلدة كفر تبنيت للوزير حبيب أبو شهلا في لقاء عابر على قارعة الطريق أصبح موضوع تداول وتندُّر في مجلس رئيس الجمهورية والوزراء.
سبب هذا القول أن قطيعاً من الماعز اعترض موكب رئيس الجمهورية آنذاك الشيخ بشارة الخوري وصحبه دولة رئيس الوزراء رياض الصلح والأمير مجيد أرسلان وهم في طريقهم لزيارة الزعيم أحمد الأسعد في دارته بالطيبة أواخر الأربعينات. نزل الأستاذ أبو شهلا من السيارة وصاح بالراعي كي يُسرع بسوق قطيعه من أمام الموكب.
استهجن الرّاعي هذا التصرّف وصاح بوجهه قائلاً: مهلك يا أخي فهذه أرواح ويجب الرفق بها.
أجابه أبو شهلا هذا موكب فخامة الرئيس ولا يليق أن يتوقف. أسرع، أسرع بإبعاد هذه الماعز والأغنام عن الطريق..
ضحك الرّاعي وقال : من هو هذا الرئيس وعلى من؟؟
نرفز أبو شهلا وقال: هو رئيس الجمهورية ورئيسنا ورئيسك ورئيس كل الناس وما عليك سوى فتح الطريق وإفساح المجال!
هزّ الراعي برأسه وأجاب: عليه أن يتوقف قبل غيره لأنه رئيس الكل، وقُل له عن لساني أن مثله معنا ومع شعبه كمثلي مع قطيعي ..
اندهش أبو شهلا لفلسفة الرّاعي هذه وصراحة إجابته بعدما وجد فيها شيئاً من الحكمة، قال للراعي : ماذا تقصد بكلامك هذا؟
قال الراعي: كنت أسمع من جدي وأنا صغير كلاماً يعظني به قبل أن أسرح مع قطيعي فيقول : “إذا نام الراعي بيرعاها الذيب، وإذا قلّت المراعي بيشحّ الحليب.”
كذلك على رئيس البلاد أن يرعى جميع الناس سواسية، وإذا لم يكن ذلك فستفشل الرئاسة، ثم أدار بظهره بعدما نهر قطيعه.
هذا ما رواه الأستاذ أبو شهلا في ما بعد عن بلاغة راعي كفر تبنيت.
وبعد أن عاد الموكب الرئاسي إلى بيروت واجتمع مجلس الوزراء للتداول بشؤون المنطقة التي زارها والمشاريع التي وعدوا بها، توجه أبو شهلا إلى رئيس الجمهورية وسأله: “فخامة الرئيس ما الذي أثار إعجابكم من الخطب والأحاديث التي سمعتها سواء كان في زيارتكم لدار الطيبة أم لسرايا مرجعيون أم لسرايا حاصبيا أم سواها من الأماكن التي توقفتم عندها؟” أجاب الرئيس بصراحة: “إن مَثَل معاز كفر تبنيت الذي قاله لكم، هو الأبلغ والأشمل من جميع الخطب والأقوال، وسيبقى دائماً في البال.”
وتابع أبو شهلا بسؤال آخر: أيضاً ما الذي أعجبكم في طبيعة تلك البلاد؟
أجابه الرئيس، وكان بحقٍ أديب الرؤساء وأقواهم منطقاً وفصاحة، فقال: “في لبنان واديان مقدّسان وادي التيم ووادي قنوبين، وكلاهما متعة للعين ومسكن للنساك الصالحين. ولن أنسى مطلقاً وقفتنا قبالة مجرى نهر الحاصباني في ذلك الوادي الأشيب الأبر، يحرسه من الشرق جبل شاهق يعانق السماء كأنه أسد هصور أمام أكمة خضراء وارفة الظلال أغر”.
الوزير أبو شهلا بعدما أثار إعجابه هذا القول وهذا التشبيه، قال: “أرجو يا فخامة الرئيس أيضاً أن لا يغرُب عن بالكم أنها عرين الأهل والآباء والأجداد وأنه لم يمض على قدومنا إلى بيروت سوى ثمانين عاماً لا غير، ولتاريخه لم يزل العديد من الأعمام والأخوال والأقارب في تلك الديار، إذ أن معظم مسيحيي المصيطبة والمزرعة ومار الياس وبعض سكان الأشرفية هم من بلدات حاصبيا والكفير وميمس وما يجاورها”.
وأضاف أبو شهلا القول: “رجاءنا الوحيد هو مدّ يد العون إليهم وخصوصاً بلدتي ميمس عبر إيصال المياه الجارية إليها لأنها ورغم قربها من نبع الحاصباني يصح فيها قول الشاعر البدوي:
كالعيس في البيــداء يقتلها الظمــا
والمـــاء فــوق ظهورهـــا محمــــــول
وكان للوزير أبو شهلا فيما بعد أن جرت المياه إلى بلدته ولكن من نبع عين جفور وليس من نبع الحاصباني وهو الأقرب والأغزر.
المشهور عن المحامي أبو شهلا أنه سيد من أسياد المنابر وظريف من ظرفائها كونه مستحضراً لجميع القوانين ومصادرها وكذلك للطرائف النادرة وقد كان صاحب بداهة في استحضارها حسب كل موقف.
تسلم رئاسة مجلس النواب وكذلك عمل رئيساً لحكومة الإستقلال في بلدة بشامون لفترة وجيزة مع الرئيس صبري حمادة والأمير مجيد أرسلان، وكان لخطابه المثير الذي ألقاه من شرفة أحد بيوت بشامون، المركز المؤقت لحكومة الاستقلال، الأثر الكبير في اشتعال الثورة الوطنية ضد الإنتداب، والتصدّي للفرقة التي أتت لمحاصرتهم واستشهد آنذاك سعيد بو فخر الدين عند مدخل البلدة المذكورة قبل أن يتم الإفراج عن الحكومة الأصليّة من معتقلها في قلعة راشيا، وكانت تضم الرئيس الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح وكميل شمعون وعبد الحميد كرامي وعادل عسيران وسليم تقلا.
وفي يوم، وبصفته نائباً لرئيس مجلس النوّاب، طلب من أحد زملائه الجنوبيين أن يتكلم فإذا هو يغطّ في نوم عميق، فاستدار نحو الحاضرين وقال: زميلي يعبّر عن واقع حالنا والبلاغة في نومه ..
فضحك الجميع وعلا التصفيق مما جعل النائب الغافل يفيق من نومه مصفقاً مع الجميع دون أن يعلم ما سبب ذلك.
كان أبو شهلا يُصنّف رجال السياسة في لبنان إلى ثلاثة، فسألوه كيف ذلك؟!
قال: كان لأحدهم ثلاثة أبناء.
الأول يصدق دائماً في كل أقواله.
والثاني كاذبٌ دائماً في كل أقواله.
أما الثالث فمتقلبٌ حسب مزاجه ومصالحه.
الأول والثاني كان يعرف كيف يتعامل معهما.
أما الثالث، فكان يحار في كيفية التعامل معه. وكان يقصد أن السياسيين هم من الصنف الثالث الذي يحار المرء كيف يتعامل معهم.
عمل حبيب أبي شهلا محاميا لشركة التابلاين، وقد وصفه الأديب يوسف غانم في كتابه “مشاهير الرجال” بالقول: “الأستاذ أبو شهلا في وجهه معانٍ كثيرة كلها مدعاة للإفتتان والإعجاب، فمن إشراقٍ واستدارة وسعة جبين إلى نظرات حادّة، شوارد يتشطّى منها شرر الذكاء إلى إبتسامات كثيراً ما تتحول إلى الضحك والتطرب، فتُصوِّر لك ما في صاحبها من عذوبة ومرح واغتباط”.
مَثلٌ للثقافة العالية بين السياسيين الأوائل، فقد كان يحمل دكتوراة دولة في الحقوق من باريس، ومحامٍ بارع وخطيب مفوّه، وكاتب وأديب ومُحدّث طريف، وكان إلى أدبه المورق الزّاهر حسنُ التصرف بضروب الكلام، له في المجالس نواصي الحديث بطبعه المنصف فتحلو عنده النكتة، وينقاد إليه البيان فتسمعه وأنت معجب فيه مرتاح إلى نبراته، متعلق بعباراته وربما ازددت غبطة إذا جمعك وإياهُ مجلس للغبوق والإنس حين يصير الحديث لهواً وعبثاً.
وحقيقة الناظر إلى تمثاله أمام باحة الأونسكو، في بيروت، يقر ويلمس الكثير من هذا الوصف الجميل البديع الطروب.

حبيب أبي شهلا
حبيب أبي شهلا

الأمير توفيق أرسلان والشيخ سليم خير الدين
في زيارة موفقة للرئيس شارل دبّاس

“يا ليتكم طالبتم بالجمل كلِّه وليس بأُذُنِه”

ثورة 1925 ضدّ الفرنسيين التي اشتعلت في جبل العرب ما لبثت أن امتدت نيرانُها إلى لبنان مع قدوم مجموعة من قادة الثوّار من جبل العرب إلى جنوب لبنان. كان في طليعة هؤلاء زيد الأطرش شقيق قائد الثّورة سلطان باشا الأطرش وحمزة الدرويش وفؤاد سليم وشكيب وهّاب وسواهم. وقد وصل هؤلاء حاصبيّا بتاريخ السابع من تشرين الثاني سنة 1925، وحال وصولهم عقدوا الاجتماعات مع وجهاء حاصبيّا وخلَصوا إلى توزيع منشور سعى لطمأنة سكان المنطقة ولاسيّما المسيحيّين منهم إذ جاء فيه “إن قدوم الثّوار إلى هذه الدّيار ما هو سوى لإنقاذها من السّيطرة الأجنبية وأنهم قاموا بعملهم هذا باسم الوطن لا باسم طائفة دون أخرى، وأنهم يعتبرون أبناء الوطن جميعهم أخوة في النفس والمال والحرّيّة الشخصيّة، وعلى مبدأ رئيسي واحد: الدّين لله والوطن للجميع”.
لإتمام تلك الأهداف تألّفت لجنة كان الناطق باسمها المحامي نسيب أفندي غبريل المسيحي الأرثوذكسي، وهي بشكل حكومة مُصَغّرة، ثم كان بدء مهامها طرد الحامية الفرنسيّة المتواجدة في محلّة زغلة (محل دار الخليل حالياً) سلميّاً والبالغ عددهم نحو خمسين جنديّاً، وقد أوصلوهم إلى منطقة مناجم الحُمّر قرب الحاصباني بعد أن زوّدوهم بالمأكل والمشرب، ومن هنالك انتقل الجُند إلى مرجعيون بأمان.
بعد ذلك كان الثوار يُوَدّون تعزيز الأمن والأمان في منطقة حاصبيّا وراشَيّا. لكنّ عملاء القوّات المحتلة لجأوا إلى الدّسائس، وبذلك قرّروا طرد الحامية الفرنسيّة من راشيّا ومرجعيون وإبقاء وادي التّيْم بأكمله تحت سيطرتهم، غير أنّ حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فبعد محاولتهم طرد الحامية الفرنسيّة من ثُكْنَة مَرجعيون دون التعرّض لأيِّ فريق من اللبنانيين، دخلت المخابرات الفرنسية على الخطّ، وعملت على افتعال حادثة طائفية كان الهدف منها تخويف المسيحيين من الدّروز بحيث يتعزّز شعورهم بأنّ فرنسا هي الحامية الوحيدة لهم. وبالفعل أرسلت القوات الفرنسيّة ثلاثة من عملائها وهم غطّاس كرم ونايف الحصان وخليل الجِزّيني، وقد أشار إلى تلك الحادثة الأديب سلام الرّاسي في أحد كتبه، وهو الخبير المعاصرُ لتلك الأحداث، إذْ ذَكَر بأنّ الثلاثة كَمَنوا للثوّار الذاهبين إلى مرجعيون في منطقة زيتون المغاريق قرب بلدة كوكبا. يومها كان كاهن البلدة قد دعا المجاهد حمزة الدرويش ورفاقه لاحتساء القهوة في منزله، وكان هدفه إظهار أنّ كوكبا وسكّانها بلدة مسالمة، وكانت أملاك القرية يومها بمجملها ملكاً لآل شمس في حاصبيّا. لكنّ أول عمل قام به عملاء القوّات الفرنسيّة هو إطلاقهم النار على الكاهن فأردَوْه قتيلاً.، ثم وَجّهوا رصاص بنادقهم نحو الثوّار السائرين على الطريق العام نحو مرجعيون فقتلوا ثلاثة منهم، اثنين من آل أبو دهن وآخرَ من آل شرف، وكان ما كان.. اعتقد الثوّار أنّ الرصاص أُطلق من داخل كوكبا، لذا هاجموها وأحرقوا عدداً من بيوتها وقتلوا 31 من شبانها.
بعد ذلك، ووفقا لما خطّطَته المخابرات الفرنسيّة، اعتُبِرَت تلك الحادثةُ مُبرِّراً لتدخُّل الجيش الفرنسي للقضاء على الثّورة بذريعة الدّفاع عن المسيحيين المُهَدّدين. وأرسلت القيادة الفرنسيّة بقوّاتها المتمثلة بجيش الشّرق (إحدى الفرق في الجيش الفرنسي) ومساندة الطّيران الحربيّ المرابط في مطار ريّاق العسكري. وبدأ القصف والهجوم، واستغرقت معارك حاصبيّا عدّة أيام، وبفعل القوّة الحاسمة للقوات الفرنسية وتسليحها الحديث اضطُرّ الثوّار إلى مغادرة بلداتهم، ثم كان دخول الجيش الفرنسيّ وأتباعه، فنُهِبت حاصبيّا وأحرقت، وهكذا كان حال شتّى قرى وادي التّيْم، وتشرّد الأهالي إلى الجليل والجولان وبلاد حوران لأكثر من عشرة أشهر. غير أنّه عند عودتهم إلى ديارهم لم تعمل السّلطات الرّسمية اللّبنانية على مساعدة العائدين لترميم منازلهم وممتلكاتهم، بل عَمَدَت فقط إلى دعم فئة مُعَيّنة بنت القصور والبيوت المسقوفة بالقرميد الأحمر، وهي لم تزل ظاهرة للعيان إلى يومنا هذا في راشيا وحاصبيا ومرجعيون، بالإضافة إلى بناء الكنائس وسواها من دور العبادة، بينما لم يَنَل المواطنون الدّروز الّذين أُصيبوا أكثرَ من غيرهم تعويضات تُذكَر لتساعدَهم على إعادة بناء بيوتهم ودورهم التي احترق الكثير منها على يد الفرنسيين، كانت تلك السّلطات تعمل في حينها بإمرة القوّات الفرنسية.

الرئيس شارل دباس
الرئيس شارل دباس

مع تمادي الدّولة في سياسات التّمييز بين المواطنين طَفح الكيل وقرّر عدد من المُتنوّرين الدروز ووجهائهم التحرّك للطّلب من الدّولة إنصاف الجميع، والكفّ عن التّمييز بين مواطنيها. في تلك الأثناء كانت خلوات البيّاضة قد تعرّضت لعمليات حرق، وهبّ المشايخ وأعلام الطائفة يطالبون بأن تساهم الحكومة في إعادة بنائها وصرف الأموال لهذا الغرض، لأنّ عمليّة التّرميم كانت تتطلّب أموالاً تفوق طاقة النّاس على احتمالها.
الشيخ سليم قاسم خير الدين، الذي كان تاجراً يجلب بضاعته من بيروت كلّ ثلاثة أشهر، قرّر في إحدى رحلاته التجاريّة تلك إلى العاصمة أنْ يزور الأمير توفيق أرسلان، ويعرض عليه وضع المنطقة وخصوصاً خلوات البيّاضة وما آل آليه الأمر، ثم سأله أنْ يسمح له بأن يرافقه لمقابلة الرّئيس اللبناني آنذاك الرّئيس شارل دبّاس قائلاً:” عطوفة الأمير قد دبّت الغَيْرَة والاستغراب في نفوس الجميع، وهالنا أن نرى أنّ الكنائس والجوامع مُدّت يدُ العون إليها من قِبَل الدولة من حيث إعادة بنائها أو ترميمها، وأعتَقِدُ أنّ خزينة الدّولة للجميع!، ولهذا أليس من واجبنا أنْ نطالبها بالمساعدة على ترميم خلوات البيّاضة وسقف بنائها من جديد، إذ إن إمكانياتنا لا تسمح بذلك؟”
أجابه الأمير: “كيف يا شيخ أبو اسماعيل ستطلب من الدّولة ذلك وأنت تعلم أنّ المستشار الفرنسي هو الحاكم الفعلي، وطبعاً ستكون الإجابة سلبية وغير إيجابية، لأنّ المستشار سيرفض متذرِّعا بأنّكم حاربتم الدّولة الفرنسية وألحقتم الأذى بجنودها”
تبسّم الشيخ أبو اسماعيل وأجاب:” عطوفة الأمير، لكلِّ سؤال جواب، وكلّ ما أرجوه منكم أن تقبل عطوفتكم بمرافقتي لكم في زيارة رئيس البلاد، وعلى الله الاتكال”.
قال الأمير: “ ماذا في اعتقادكم أنّكم ستحصلون عليه من أموال؟”
أجاب الشّيخ: “إذا أعطَوْنا من الجمل أُذْنَه فهذا جزء يساعدنا يا عطوفة الأمير”.
وفي الوقت المحدّد من جانب رئاسة الجمهورية لاستقبال الأمير وصحبه، وعند مدخل القاعة في القصر الجمهوري لم يكُنْ من الأمير إلا أن طلب من الشيخ أبو اسماعيل أن يدخل أمامه فرفض الشيخ كُليّاً وأجاب:”عطوفة الأمير هذا لا يجوز والعين لا تعلو فوق الحاجب”.
تبسّم الأمير توفيق وقال:” لاعليك، أنتَ اْدخل كما طلبت منك وسترى القصد من ذلك”، وأخيراً أذعن الشيخ لرغبته ثم دخلا، وحيث أنّ البروتوكول الرّسمي يقضي بأن الداخل أولاً يجلس إلى جانب الرئيس، وبما أنه لا يوجد سوى كرسي واحد فقد أُجلس الشيخ إلى يمين الرئيس وجلس الأمير إلى جانبه.
ابتدأ الأمير بالحديث قائلاً: “ يا فخامة الرّئيس، الشيخ أبو اسماعيل قادم من حاصبيّا وباسمه وباسم مشايخ البيّاضة يطلبون من جانبكم المساعدة على إعادة بنائها لأن ذلك يفوق إمكاناتهم وخصوصاً أنّهم منهكون بتكاليف ترميم منازلهم”.
أجاب الرئيس:” هذا صعب، وربّما مستحيل يا عطوفة الأمير، فكيف ستساعد الدولة من حاربها وقتل جنودها وبعض المواطنين الأبرياء، وفوق هذا تعلمون لمن القرار اليوم، إذ ما من أمر يتمّ إلا بإذن من المستشار الفرنسي، وأعتقد أنّ الموافقة التي ترجونها من المستحيلات”.
آنذاك تَرَحْرَحَ الشيخ أبو اسماعيل في مقعده، ثم استأذن الأمير بالكلام وتوجّه إلى الرئيس شارل دبّاس بالقول:”فخامة الرّئيس، نعترف ونُقِرّ بأنّنا قد حاربنا الدولة المُنتدَبة -وليس دولتنا- وأنتم تعلمون أننا قوم نعشق الحريّة والكرامة، وأنّه لم يمضِ على تحرّرنا من الاستعمار التّركي أكثر من بضع سنوات، أمَا يكفي ذلك لكي نُستعمر من جديد؟ أمّا ما حدث في منطقتنا وخصوصاً حريق بلدة كوكبا وقتل كاهنها فهذا ولا شك من قبل عملاء، وليس للدّروز أيّة علاقة بذلك، كون البلدة المذكورة بحدّ ذاتها هي ملك لآل شمس زعماء المنطقة، والحكومة المنتدبة تعرف من المسبب وكيف تمّ ذلك، وفي النّهاية كنّا نحن الضّحيّة إذ أحرقت جميع بيوتنا وممتلكاتنا وأرزاقنا وعشنا مشرّدين نحو سنة كي يسمح لنا بالعودة. ويا فخامة الرئيس إذا أردتم مساعدتنا فليس ذلك بالمستحيل، وأرجو أنْ تنقل هذه العبارة وبالحرف إلى فخامة المستشار الفرنسي فتبلغه عن لساني ولسان بني معروف: “إن الدّولة هي بمثابة الأمّ لشعبها وإذا أخطأ الولد مع أمّه فهل تبقى حاقدة عليه إلى الأبد أم تصفح وتسامح مع مرور الزمن؟؟”.
ضحك الرئيس دبّاس طويلا ثم أجاب:”خيراً إنْ شاء الله”.
وهكذا، وبعد مدّة اتّصَلت دوائر القصر الجمهوري بالشيخ أبو اسماعيل، وطلبت إليه أن يحضر ويستلم مبلغ ثمانماية ليرة ذهبية وليرتين، وعندما أخبر الأمير توفيق بما حدث ضحك الأخير وقال له: “ياليتكم يا شيخ أبو اسماعيل طالبتم بالجمل كلّه وليس بأُذُنِه!”.
على أثر تلك المساعدة الماليّة الحكوميّة اشترت اللجنة المشرفة على أعمال خلوات البيّاضة بتلك الأموال أرضاً من السّهل، وقرب الطريق العام لصالح الخلوات، ولم تزل تلك الأرض المشتراة حينها تُعرف إلى اليوم بـ “أرض الحرام” لكونها اشتريت بمال الدولة الذي يعتبره المشايخ الملتزمون مالا حراما بسبب ظلم الدولة أو الحاكم، أما القيمة الحالية للأرض فأصبحت ربما توازي ملايين الدولارات، ويبقى الأجر عند الله لمن سعى للخير دون غاية أومِنّة.

ملا نصرالدين

حكاياتُ الحكيم السّاخر
مُــــــلاّ نَصْــــر الدِّيــــن

مقالبُ ومواقفُ طريفة وعِبَرٌ منَ الحياة
لأشهرِ الحكماء السّاخرين عبرَ العُصور

الحلقة الثالثة

في هذه الحلقة الثّالثة من حكايات ملّا نصر الدّين تختارُ «الضّحى» باقةً من حكايا وقصص هذه الشّخصيّة الشّهيرة في الإرث الأخلاقي والشّعبيّ الشّرقيّ وتُترجمها للقارئ العربي عن اللّغة الإنكليزية كما صاغها الفيلسوفُ الصّوفيّ إدريس شاه، نقلاً عن اللّغتين الفارسيّة والتركيّة، وذلك لفائدتها التّعليميّة، أدبيّاً وأخلاقيّاً وفلسفيّاً.

مسألة وقت
كان نَصْرُ الدِّين خُجا يحرثُ قطعةَ أرضٍ له حينما اعترضه صيّادٌ على صَهوة جواده.
قال الصّيّاد: “يا رجل! هل رأيتَ أرنباً يمرّ من هنا؟”
أجابه الخُجا: “نعم”.
فبادره الصيّاد قائلاً: “في أيّ اتّجاه ذهب؟”.
أشار الخُجا إلى الاتّجاه الذي توارى فيه الأرنب.
انطلقَ الرّجلُ بعيداً من دون أنْ ينطقَ بكلمة شكر، لكنّه سُرعان ما قفلَ عائداً بعد دقائق.
وقال: “لا أثرَ له! هل أنتَ متأكّدٌ أنّه ذهبَ في هذا الاتّجاه؟”.
فأجاب الخُجا: “أنا واثقٌ.  لقد ذهبَ في ذلك الاتّجاه منذ عامين”.
حمارُ الخُجا قلَّ نظيره!
أخذَ نَصْرُ الدِّين خُجا حمارَه إلى السّوق وباعه بثلاثين ديناراً.
وسُرعان ما قام الرّجلُ الذي اشتراه بطرحه في مزاد علنيّ.  وصاحَ بالحاضرين: “انظروا إلى هذا الحيوان الرّائع! هل شاهدتم أفضل منه؟ كم هو نظيفٌ، وكم هو قويٌّ!”.
وطفقَ يعُدّ مزايا الحيوان العديدة.  وما أن فرغَ من كلامه، حتى صاح أحدهم ودفع ثمن الحمار 40 ديناراً.  وعرضَ رجلٌ آخر خمسيناً، وثالثٌ خمسة وخمسين ديناراً. أمّا خُجا الذي كان يراقب ما يحدث، فقد ذُهِلَ للاهتمام الذي أبداه الجميع بالحمار.
وفكّر في نفسه:  “كم كنتُ غبياً عندما خِلتُه حيواناً عادياً.  إنّه حمارٌ فريدٌ قلَّ نظيره بين الحمير…”.
وسُرعان ما أدركَ أنّ صاحب الحمار قد تلقَّى عرضاً جيداً وكان على وشك إنهاء المزايدة.
قال ذلك الرّجل: “75 ديناراً “، وكرّرها ثانيةً: “75 ديناراً”.
فقال الخُجا: “80 ديناراً!”.
حتى النّار تخشى زوجة خُجا!
كان نَصْرُ الدِّين خُجا يحاول إشعالَ النّار بنفخِ جَمْرِ فحمٍ كانت على وشك أن تنطفئ في الموقد.
لكنّه لم ينجح سوى في إثارة سحابة كثيفة من الدخان أدمعت عينيه.
فاستعانَ بغطاءِ رأسٍ لزوجته، ووضعه لمنع الدّخان من استثارة عينيه، وأخذَ ينفخُ مجدَّداً.
فتصاعدَ اللهبُ من الفحم هذه المرّة.
فقال خُجا: “آه! إذاً، أنتِ أيضاً تخشين زوجتي”.
حين لا ينفع لا نحوٌ ولا صرفُ!
كان نَصْرُ الدِّين خُجا ينقل عالِمَ نَحْوٍ من ضفةِ نهرٍ إلى أُخرى، فَنَطقَ أمامه بما بدا له يُسيء للصّرف والنحو.
فسأله العالِم:  “ألم تدرس قواعد اللّغة قَطُّ؟”
أجابه خُجا: “لا”.
فقال العالِم وهو يرمقه بشفقة: “إذاً، لقد ضيَّعتَ نِصْفَ عمرك”.
وبعد هُنَيْهة، التفتَ خُجا إلى عالِم النّحو. وسأله: هل تعلّمتَ السّباحة يوماً؟”.
فأجابه العالِم: “لا”.
فقال خُجا: “إذاً، لقد ضيّعت عُمْرَكَ كلّه، إنّنا نَغْرق”.
خُجا .. بين القرنين!
كان لدى نَصْرُ الدِّين خُجا ثورٌ ذو قرنَيْن كبيرَين متباعدَين.
وغالباً ما كانت تتملّكه رغبةٌ مُلِحّة للجلوس على رأس الثّور بين قرنَيه، لكنّه لم يجرؤ على ذلك.
وذات يوم حدَثَ أنّ الثّور جثَمَ بالقرب منه.  وهنا اغتنمَ خُجا الفرصة وتمسَّكَ بقرنَي الثور جالساً بينهما.
وقال متباهياً أمام زوجته: “الآن أشعرُ كأنّي ملكٌ على عرشه!”.
أمّا الثور، الذي استفزّه الاختراق المفاجئ لخصوصيّته فقد استوى على قدمَيه بغضبٍ ونطحَ برأسه إلى الأمام عنيفاً.
فقُذِفَ الخُجا عالياً في الهواء، وسقطَ في حفرة.
وقال لزوجته التي هُرِعَت لنجدته: “لا عليكِ يا امرأة! إنّها ليست المرّة الأولى التي يفقد فيها ملكٌ عرشَه”.
خُجا .. بين القرنين
خُجا .. بين القرنين

القميصُ الورديّ أنقذ الخُجا
ذات يوم، هُرِعَ رجلان إلى منزل المُلّا نَصْرِ الدِّين خُجا.
فسألهما الخُجا: “ما خطبكما؟”.
فأجابا: “لقد دَهست عربةٌ يجرّها حصانٌ رجلاً يُشبهك في السوق. فظنّنا أنّه أنتَ، وجئنا لنُبلغ زوجتك”.
فسألهما خُجا: “هل كان بطولي؟”.
فقال الرّجلان: “نعم”.
ومن ثمّ سأل مجدداً: “هل كان ذا لحيةٍ مثلي؟”.
فأجابا: “نعم!”.
وسألهما أيضاً: “ما كان لونُ قميصهِ؟”.
فأجابا: “وردياً”.
فتنفّس الخُجا الصعداء مُبدِياً ارتياحه، وقال: “ورديّاً! إذاً، إنّه ليس أنا” فأنا لا أملكُ قميصاً وردياً!”.

خطُّ الخُجا
ذات يوم، جاءَ نَصْرَ الدِّين خُجا جارُه طالباً منه أن يكتب له رسالة.
فسأله الخُجا: “لمَنْ تريد أن تُرسِلها؟”.
ردّ الرجل: “إلى صديقي في بغداد”.
فقال الخُجا: “أنا آسف، لا وقتَ لديّ للذهاب إلى بغداد”.
فسأله جارُه مُتعجِّباً: “مَنْ يطلب منك الذّهاب إلى بغداد! كلّ ما أُريده منك هو أن تكتب لي رسالة!”.
فقال الخُجا: “أعلمُ ذلك. لكنّ خطَّ يدي سيِّئٌ جداً، لدرجة أنّ أحداً هناك لن يكون قادراً على قراءة خطي، وفي نهاية المطاف سيُرسِلون في طلبي لكي أقرأ الرّسالة بنفسي. وكما أخبرتك، ليس لديّ وقتٌ للذهاب إلى بغداد”.

ملّا نصر الدين يحلم بالثروة
ذات مساءٍ راودَ نَصْرَ الدِّين خُجا حُلُمٌ… أنّ رجلاً قرعَ بابَه وسأله إذا كان بإمكانه أن يمضي اللّيلَ في منزله. وقال له إنّه سيدفع لقاء ذلك 10 دنانير ذهباً.
وافقَ الخُجا على هذا العرض، واصطحبه إلى غرفته.
وفي الصّباح الباكر، شكرَ الرّجلُ الخُجا وأخذ يَعُدّ له النّقود الذّهبيّة.
فوصلَ إلى تسعة وتوقّف.
فصاح الخُجا: “لقد وعدتني بعشرة”، واستفاق.
فالتفتَ من حوله بحثاً عن الرجل فلم يجده.
فأغمض عينيه سريعاً، وقال: “حسناً، حسناً، أعطني التّسعة!”.

خُجا ومَشْوَرَةُ زوجته
ذات مساء، استيقظت زوجةُ نَصْر الدِّين خُجا فوجدته قلِقاً، يروح جيئةً وذهاباً على الشُّرفة وهو في حالةِ اضطرابٍ شديد.
فسألته: “ما خَطبُكَ؟”.
فأوضح لها الخُجا: “اقترضتُ مئةَ دينارٍ من جاري الشّهر الماضي، ووعدتُه أن أُعيد له المالَ في آخر يوم من هذا الشهر”.
“غداً هو آخر يوم من الشّهر، ولستُ أملك تلك النّقود. ولا أدري ماذا أفعل”.

الحل عند الخجا
الحل عند الخجا

قالت له زوجته: “وما عساكَ تفعل! اِذْهَب واخْبِر الرّجلَ أنّك غير قادرٍ على الدّفع!”.
أخذ خُجا بنصيحة زوجته.
وعندما عادَ من منزلِ جاره، بدا مرتاحاً وسعيداً. فسألته زوجتُه: كيف تقبّل الأمر؟”.
فقال الخُجا: “آه، حسناً، الآن هو الذي يروح جيئةً وذهاباً على شُرفته”.

الحلُّ عند الخُجا
في أحد الأيام التقى ملّا َنصْر الدِّين أحد الأصدقاء في الشّارع.
بدا الرجل قلِقاً، فسأله الخُجا: “ما الذي يُضايقك؟”.
فأجاب الرجل: “ينتابني حُلُمٌ سيّئٌ، فأنا كلّ مساءٍ أحلمُ بوحشٍ يختبئ تحت سريري. وعندما أستيقظ وأنظرُ هناك، لا أجدُ شيئاً. وبعد ذلك يجفوني النّوم. إنّني في طريقي الآن إلى منزل الطبيب. فهو يقول إنّه قادرٌ على شفائي، وذلك لقاء مئة دينار”.
فقال الخُجا متعجِّباً: “مئة دينار! بوسعي أنْ أُخلِّصَكَ من مشكلتك لقاء خمسة دنانير!”.
فالتقط الرّجل على الفور خمسة دنانير ونقَدَها إلى الخُجا.
وقال بلهفة: “الآن أخبرني ما الحلّ”.
قال الخُجا، وهو يضع النقودَ في محفظته: “العلاجُ بسيط، اِنْزع أرْجُلَ سريرك” وتأكّد عندها أنه لن يمكن لأي وحش أن يختبئ تحته.

خُجا الملك!
كان نَصْرُ الدِّين خُجا غارقاً في تفكيره وهو يجتاز طريقاً بالقرب من قصر الملك، حينما اصطدمَ برَجُلٍ.
فاستشاط الرّجلُ غضباً، وبدأ يلعن الخُجا ويصيح بوجهه.
وقال بصوتٍ عالٍ: “هل تعلم مَنْ أنا؟ أنا مستشارُ الملك!”.
فقال الخُجا: “حسناً. أمّا أنا فالملكُ بعينه”.
فسأله الرجل: “ملكٌ؟ وأيُّ بلدٍ تحكُم؟”.
قال الخُجا: “إنّني أحكمُ نفسَي. فأنا أملكُ انفعالاتي. ولن تجدني أفقدُ أعصابي كما فعلتَ أنتَ للتوّ أبداً”.
فاعتذرَ الرّجلُ منه، وذهبَ في طريقه وهو يشعرُ بالخجل لما بدر منه.

جوابٌ كاوٍ كالخَلّ
ذات يوم، قال رجلٌ لنَصْرِ الدِّين خُجا: “سمعتُ أنّ لديكَ خَلّاً عمره أكثر من أربعين عاماً”.
قال الخُجا: “هذا صحيح”.
فسأله الرّجل: “هلَّا أعطيتني شيئاً منه؟”.
قال الخُجا: “لو اَنّني أعطيتُ خلّاً لكلِّ منْ يسألني، لَمَا تجاوزَ عمرُ ها الخَلّ أربعين يوماً”.

شِجارٌ وحَلوى!
تشاجرَ المُلّا نَصْرُ الدِّين ذات يوم مع زوجته. وصاحَ بوجهها حتى لم تعُد تتحمّل، فهربت إلى منزل جارهما.
تبعها المُلّا إلى بيت جاره، لكنّ الجيران تمكّنوا من تهدئة الزّوج الغاضب، وقدّموا له ولزوجته الشّاي وقطع الحلوى، للاحتفاء بالصّلح.
لكن ما أن عاد الخُجا إلى منزله مصطحباً زوجته حتى بادرها إلى الشّجار، ثم بدأ يصيح في وجهها.. عندها فتحَت الزّوجة البابَ مجدّداً وخرجت إلى الطّريق وهي غاضبة. في تلك اللّحظة لحق بها المُلّا ناصحاً إيّاها: “هذه المرّة، اذهَبِي إلى منزل الخبّاز، إنّه يصنعُ كعكاتٍ لذيذة”.

المُلّا أمام السّلطان
تسلَّل فيلُ السلطانِ إلى قرية المُلّا نَصْر الدِّين خُجا وعاثَ فساداً في الحقول.
قرّر سُكّانُ القرية أخيراً تشكيل وفدٍ، والذّهاب إلى السّلطان بغية مطالبته بإبعاد فيله عن القرية.
وحيث إنّ المُلّا نَصْر الدِّين كان معروفاً من السّلطان، فقد سأله وفد الأهالي أن يتقدّمهم ويكون ناطقاً باسمهم.
وعندما وصلوا إلى القصر، أحسَّ القرويّون برهبةٍ من هيبة المكان وخانتهم شجاعتهم. وأخذوا واحداً تلو الآخر بالانسحاب من الوفد والانسلال بعيداً، فوجدَ الخُجا نفسَه في نهاية الأمر وحيداً جَزِعاً في حضرة السلطان.
فسأله السّلطانُ المُتَكدِّر المِزاج وبصوتٍ جَهْوَريّ: “حسناً، ماذا تريد يا نَصْر الدِّين؟”.
فقال المُلّا مُتلَعثِماً: “إنّ فِيلَكَ يسْرَح في قريتنا أيُّها السّلطان”.
فردَّ السلطانُ بصوتٍ هادر: “إذاً؟”.
قال المُلّا وهو يرتجف: “إذاً…، نحن، أقصدُ أنا، جئنا نُخبركَ أنّه يشعر بالوحدة … فرجاءً أرسِل له صاحبة!”.

الفَقرُ يُنقِذ نصرَ الدّين!
استُدعِيَ مُلّا نَصْر الدِّين يوماً أمام القاضي من قِبَل رجلٍ كان قد استدان منه مالاً.
وقال الدّائن للقاضي: “هذا الرّجلُ مَدين لي بـ 500 دينارٍ استحقّ سدادُها منذ فترة طويلة. وأنا أُناشد فَضيلتكم مطالبته بأنْ يدفع لي على الفَوْر، من دون أيّ تأخيرٍ إضافي”.
أقرَّ الخُجا قائلاً: “إنّي بالفعل مَدِينٌ للرّجل بهذا المال، وأعتزم أن أُعيده له. ولهذا فإنّني قرّرت أنْ أبيعَ بقرتي وحصاني إذا اقتضى الأمر، لكنّ ذلك سيستغرق وقتاً”.
قال الرّجلُ: “إنّه يكذب، فهو لا يملك بقرةً أو حصاناً أو أيَّ شيءٍ ذي قيمة. وقد عَلِمتُ أيضاً أنّه لا يملك حتى طعاماً في منزله!”.
فقال مُلّا نصر الدين: “بما أنّه يا فضيلة القاضي يعلم مدى فَقري المُدقِع، فكيف يتوقّع منّي أن أدفع له على الفَور”.
فصرَفَ القاضي النظرَ عن الدعوى.

الفقر ينقذ نصر الدين
الفقر ينقذ نصر الدين

أقاربُ الحمار
كان نَصْرُ الدِّين خُجا في طريقه إلى السّوق مُحمِّلاً حماره سلّة كبيرة ملأى بالخضار.
وفي منتصف الطّريق، توقّف الحمار فجأة. وحاول الخُجا جاهِداً دفْعَهُ قُدُماً لكنّ الحيوانَ لم يتحرّك قَيدَ أنمُلَة.
فأخذَ الخُجا بتأثيرِ الغضبِ واليأسِ يضربُ حمارَه بعصا.
وشرعَ الناسُ يتحلّقون من حوله.
وسأله أحدُهم: “لماذا تضرب هذا المخلوق الضّعيف؟”.
ونَهَرَه ثانٍ: “توقّف عن ضربه حالاً!”.
وقال ثالث: “إنّك رجلٌ غليظ القلب!”.
فرمقَ الخُجا حمارَه بنظرة إعجاب.
وقال: “لو كنتُ أعلمُ أنَّ لديكَ الكثيرَ من الأقارب يُدافِعُون عنك، لمَا كنتُ ضربتك قَطُّ”.
“أرى أنّك متحدِّرٌ من عائلة كبيرة ومتشدِّقة”.
فانسلَّ أولئك الذين وبّخوه بعيداً وهم مُحْبَطُون، فيما انصرفَ الحشدُ تاركاً الخُجا يتعامل مع حماره كما يحلو له.

عَيِّنَةٌ تكفي
سعى نَصْرُ الدِّين خُجا إلى بيع منزله، لكنْ عبثاً.
وفي أحد الأيّام، اقتلعَ حجرَ طُوبٍ من جدارٍ في منزله.
فسألته زوجته مُرتَعِدَة: “لماذا فعلتَ ذلك؟”.
قال نَصْرُ الدِّين: “يا لَحماقتك يا امرأة، وما أدراكِ ماذا أفعل؟ فَكَي يبيع المرءُ شيئاً، لا بُدّ له من أن يعرِض عَيِّنةً منه. وأقترِح أنْ أعرِضَ هذا الحجر كعيِّنة من منزلنا”.

ثورٌ يُسابِق الجياد!
تهيَّأ المُتنَافِسون على صَهواتِ جِيادهم للانطلاق في سباقٍ للخيول.
فجأةً، وصلَ المُلّا نَصْرُ الدِّين خُجا على ظهرِ ثورٍ وطالبَ بالمشاركة في السباق.
فقال له المُنظِّمون: “هل جُنِنتَ؟ فما عسى لِثَورٍ أن يفعل أمام الجياد؟”.
فقال الخُجا: “تتحدّثون كذلك لأنّكم لا تعلمون شيئاً عن ثوري. فحينما كان عِجْلاً صغيراً، كان بإمكانه أن يعدو سريعاً كمُهر. والآن وقد كَبُر فلا بُدَّ أنّه يُضاهي الجيادَ خفةً وسرعة”.

هاتِ وأعطني الحليب!
ذات مساءٍ، أوقفَ رجلٌ يحمل وعاءً من الحليب المُلّا نَصْر الدِّين خُجا وسط الشارع، وكشفَ له أنّه يشكو مشكلةً وطلبَ مشورَته.
فسأله الخُجا: “ما هي مشكلتك؟”.
أوضحَ الرجل: “مشكلتي هي أنّني على الرّغم من عدم احتسائي للخمر، أشعرُ بالثّمَل عندما أستيقظ صباحاً”.
سأله الخُجا وهو يرمقُ وعاءَ الحليبِ في يده: “ما الذي احتسيته ليلة أمس؟”.
أجاب: “حليباً”.
قال الخُجا: “تماماً كما ظننت. إنّه سبب المشكلة”.
فأجابه الرّجل مندهِشاً: “هل الحليبُ يُثمِل (أي هل يتسبب بالسُّكْر؟)”.
فأوضحَ له ملّا نصر الدين المشكلةَ على هذا النّحو: “تحتسي الحليبَ وتخلدُ إلى النّوم. وتتقلّب أثناء نومك. فيَمْخَضُ الحليب، ويتحوّل إلى زُبدة. ومن ثمّ تَمْخَضُ الزبدة، فتتحوّلُ إلى جُبْن. والجُبْن بدوره يتحوّل إلى دهون، ومن ثمّ إلى سُكَّر، والسُّكر يتخمّر ويتحوّل إلى ما يُسكِر. فلذلك تستيقظ في الصّباح ثمِلاً”.
فاحتارَ الرّجلُ وسأله: “ماذا عساي أفعل؟”.
قال الخُجا: “ببساطة، إيّاكَ وشربَ الحليب. هاتِ واعطني إيّاه”.
وانتزعَ نصر الدّين وعاءَ الحليبِ من يد الرّجل وسار بعيداً، تاركاً إيّاهُ وهو يُدمدِم ويهذر.

امتيازٌ من السّلطان!
عادَ نَصْرُ الدِّين خُجا إلى قريته من العاصمة، وتحلّق القرويّون من حوله لمعرفة ماذا حدَثَ معه هناك.
قال الخُجا: “هذه المرّة، أوَدُّ أنْ أقولَ فحسب إنّ السلطانَ تحدّث إليَّ”.
وانطلقَ بعض القرويّين ليُذيعوا هذا الخبر الرّائع.
أمّا منْ بقِيَ فقد سأله: “ماذا قال لك السّلطانُ؟ بالله عليك أخبرنا ماذا قال؟”.
فأجابَ الخُجا بهدوء: “ابتعد عن طريقي!”.
عمّت البُسطاءَ والسُّذجَ فرحةٌ غامرة، لقد سمِعَ الخُجا كلماتٍ نطقَ بها السّلطانُ بنفسه، إنّهم يُشاهِدون الآن الرّجلَ الذي حَظِيَ بهذا الشّرف العظيم..

2016