الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, أيار 11, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

بطلات موحدات

1. خسرف باشا:والي بلاد الشام
2. الطواب:جمع طوب وهو المدفع الثقيل المستخدم للتدمير
3. الكبشة: وعاء من نحاس له يد نحاسية طولها نحو (50) سم يستخدمها المضيف لسكب السمن على الزّاد.
4. قفَّرت: أي سكبت السمن فوق الزاد.
5. بتاريخ 31/10/1926.

يا اْمّ اْلْوَحِيْد اِبكي عليه

بطلات معروفيّات

في التّاريخ الكفاحي لجبل العرب

الكولونيل الفرنسيّ أندريا دُهِش لشجاعة بستان شلغين
فاعتمر قُبّعته ثمّ تأهّب وأدّى لها التّحيّة العسكريّة

اختلط جهاد الرّجال والأبطال في جبل العرب عبر الأجيال بجهاد النّساء اللّواتي رفضن في أيّ وقت أن يعتبرن موضوع الدّفاع عن الأرض والعِرض محصورًا بالأزواج والأبناء والأقارب من الشّباب، بل نهضنَ إلى جانب إخوانهنّ وأقاربهنّ ليقمن بدور مؤثّر في قلب الميدان أو خلفه من أجل نصرة المقاتلين وشدّ عزائمهم.
من هؤلاء النّسوة اللّواتي سجّلن مآثر في التّضحية والصّبر على خسارة الأقربين أو اللواتي قُمْنَ بدور مباشر في المعارك؛ حفظ لنا التاريخ أسماء بطلات كثيرات نتوقف هنا عند سيرة بعضهنّ في هذا المقال.

المجاهدة “مُرَّةْ” قَصّوعَة
بدايةً لابدّ لنا من معرفةِ الأسبابِ الحقيقيّة للحملة، ليعرفَ الجميع بأنّهُ منذ أن سكنَ أجدادُنا هذا الجبل كانوا مسالمينَ غيرَ معتدين وهم يردّونَ للمعتدي الصاعَ صاعين، إنّهم مقاومون مدافعون وليسوا مهاجمين إرهابيين كالصّهاينةِ الّذين جاءوا من أنحاءِ العالمِ ليحتلّوا أرضَ فلسطينَ ويشرّدوا شعبَها، فعندما استولى إبراهيم باشا المصري على سوريّة من العثمانيين، أصدر أوامِرَهُ بالتجنيد الإجباري في كافّةِ انحاء سوريّة، وبما أنّ جبل حوران كان قد أصبح ملاذاً للفارّينَ من جيشهِ، ولهذا فقد قرَّرَ إخضاع الجَبَلِ، فأوعزَ إلى والي الشام( شريف باشا ) أن يطلُبَ من أهالي جبل حوران (مُجنّدينَ لجيشه) فاستدعى آنذاك شيخ الجبل الطاعن بالسِّنّ (الشيخ يحيى الحمدان) لدمشق؛ وطلبَ منهُ تأديةَ الضرائب وتقديم المجنّدين، ولم يُقدِّر الوالي وضع الجبل وقلّة عدد سكانه وحاجتهم الماسّة لتأمين المدافعين عنهُم من الشبّان، بسبب غياب سلطة الدّولة على تخوم البادية التي تسودها فوضى الغزو البدويّ..
عندما ألحَّ الشيخ الحمدان على شريف باشا، الوالي المتصلّب برأيه في طلب الإعفاء من تقديم المجنّدين؛ صفعه الوالي على وجهه، فقَرَّرَ الحمدان أن يردَّ الإهانة مضاعفة، قال للوالي: “ابعث قوّة عسكريّة من عندَك وخذ عسكر مجنّدين قَدّْ ما بَدَّك..؟!”.
بعد ذلك بأيّام جَهَّزَ والي دمشق قُوَّةْ عسكريّة مؤلفة من أكثر من 400 عسكري بقيادة علي آغا البصيلي الذي تقدّم بعسكره باتّجاه الجبل ومن ثمّ تمركز في قرية الثّعلة، وتظاهر البصيلي برغبته في التفاوض مع مشايخ بني معروف من جانب وبالتهويل من جانب آخر، غير أنهم أدركوا أنه سيغدر بهم، فبادروه بالضّربة الأولى إذ هاجموه عند حلول الظّلام، وقَتَلوا مُعْظَمَ عساكره، وهَرَبَ الباقون وعددهم ثلاثون عسكريّاً، ولكنّ البصيلي الذي هرب من النّافذة نجا بجلده، ليُبلغ الوالي شريف باشا في دمشق بما حدث لعسكره، وقد أكَّدَ تلك الواقعة قسطنطين بازيلّي الذي كان قنصلًا لدولة روسيا في يافا حينذاك؛ في كتابه “سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني”، ص157.
وكانَ متسلّم حوران عبد القادر آغا أبي حبيب من بين القتلى، فيما استُشْهِدَ من فرسان جبل حوران أحد زعمائه الأبطال وهو إبراهيم الأطرش بن إسماعيل الأول، أثناء مطاردته ما تبقّى من العساكر الهاربين باتّجاه قرية اُزرع.
على أثر ذلك أرسلَ والي دمشقَ شريف باشا حملة ثانية في أوائل عام 1838 مُجَهَّزَةْ بالمدافع عدد أفرادها 8000 جندي وضابط بقيادة محمّد باشا، مُفَتِّشْ الجيش العام يعاوِنُهُ علي آغا البصيلي الهارب من موقعة الثّعلة، وكان عدد المقاتلين من أهالي الجبل لا يتجاوز الـ 1600 مقاتل.
ولكي يتمكّنَ أهالي الجبل من الصمود نقلوا نساءَهُم وأطفالَهُم إلى كهوفِ اللّجاه بعيداً عن أرض المعركة. وعندما بدأ القتال، أبدى فُرسانُ بني معروف من البأسِ والشّجاعة ما أذهل قائدَ الحملة، لاسيما أَنهم أسروا للمهاجمين 50 جنديّاً وقُتل مع القتلى علي آغا البصيلي، لذلك أمر قائد الحملة أحدَ أركانهِ أن يأسُرَ ما يجده في القرى المجاورة من النّساء والأطفال ليُقايض بهم أسراهُ، وعندما عاد إليه القائد المكلّف بأسر النساء والأطفالِ قال له: “لم أجد أحداً في القرى لأنَّها خالية تماماً من السّكان” فأدركَ قائدُ الحملة بحسِّهِ العسكري أنّ أهالي الجبل الذينَ يقاتلونهُ بهذه الشّجاعة والرّوح المعنويّة العالية، قد أمّنوا على نسائِهم وأطفالِهم في الكهوف بعيداً عن ساحات المعارك، لذلكَ أمرَ معاونه أن يُتابع مُهمتَهُ من جديد ويأسُرَ النساء والأطفال من الكهوف التي يختبئون بها.
بدأ القائدُ المكلّفُ بالبحث في غياهب اللّجاه عن الكهوف التي تختبئُ بها نساءُ المجاهدينَ وأطفالُهم؛ وقد وضع بقرب تلك الكهوف بعض المقاتلين ليؤمّنوا لها الحماية اللازمة لدى أيّ طارئ، فجعلوا متاريسهم مخفيّة حول كل كهفِ في أماكن مشرفة تبعد عن مدخله نحو 500م ليتمكنوا من كشف قدوم أيّة قوة معادية قد تقترب من المكان، ومشاغلتها عند اللزوم واستجرارها بعيداً عن مدخله.
فوجئ حُراس أحد الكهوف بقوةٍ من جنودِ إبراهيم باشا تفتشُ المنطقة، وفي تلك اللّحظات الحرجة كانت السيّدة مُرَّهْ قَصّوعَه واحدة من بين لاجئي ذلك الكهف تحتضن طفلها الوحيد الذي كان عمرُه لا يتجاوز الثّلاث سنوات. كان الصغير مريضاً وجائعاً، ولسوء حظّه أخذ الطفل يبكي والأمُّ تحاولُ دون جدوى إرضاءهُ ليكفّ عن البُكاء، عندها تقدّم منها أحد القائمين على الحماية عند مدخل الكهف وقال لها “ لاتفضحوا مخبأنا، سَكّتي ابنك يا بنت الأكارم … لأنّ عساكر إبراهيم باشا عمَ بيدوّروا علينا..” فقالت لهُ مُرَّهْ “ارجع إلى َ متراسك واتّكلْ على الله” لكنّ الصّغير استمرّ في بكائه، فعاد المجاهد من جديد إلى والدة الطّفل ورجاها: “سَكّتي ابنك يا حُرمة… صوتو بدّو يدلّ العسكر علينا، وساعتها بتعرفي شو بدّو يصير فيكي وبالحريم اَللي حولك “ فأجابته بيأس وأسى: “ ارجع لمتراسك، لابد ما لاقي طريقة سكّت فيها ها الطفل”.
كان السكون القهري الرّاعب يخيم على من الكهف من النّسوة والصّغار، وكان الخوف من افتضاح أمر المخبأ يبعث الهلع في نفوس الجميع، حتّى أولئك الرّجال الذين في عراء اللجاة وبين صخورها المسننة كأسنان أسماك القرش يقاتلون بأسلحتهم البدائية جيش ابراهيم باشا المدجّج بأحدث أسلحة عصره… لكنّ الأم المسكينة لم تفلح في إسكات الصّغير، فوضعت اللّحاف فوقه وشدّت عليه قليلاً ليكتم من صوته، غير أنّ الطفل مات خنقاً.
كان عسكر ابراهيم باشا قد وصلوا إلى مسافة نحو 1000م عن مدخل الكهف الذي يمتدّ سرداباً تحت الأرض التي يصولون متغطرسين فوقها، استراحوا قليلاً، كانت الدقائق تتطاول كدهور مديدة بالنسبة لرجال الحراسة، أمّا عسكر ابراهيم باشا الأرناؤوطي فقد تابعوا طريقهم مبتعدين دون أن يهتدوا إلى مكان الكهف لأن مدخله ومتاريس حُماتِه كانت خفيّة بشكل جيد.
بعد زوال الخطر، أخذت الأمّ تبكي ابنها بحرقة، وفوجئ الجميع بأن والدة الطفل الباكي أسكتته إلى الأبد؛ فبكى الجميع لبُكائها، وقالت لها إحداهن: “كيف بتضّحي بابنك الوحيد يا مُرَّهْ؟” تماسكت الأم وهدّأت من روع نفسها، وقالت: “ابني مش أغلى من الشّباب اللّي استشهدوا..يموت ابني ألف موتي ولا ينكشف ستر وحدي منكن..؟!”.
كانت تضحية تلك الأم تضحية جسيمة قلّما عرف التاريخ لها نظيراً وقد وردت حكايتها في كتاب “طفولتي” للكاتب سلامة بن المجاهد علي عبيد كقصّة قصيرة بعنوان :(سَكّتي ابنك يا حرمي) ولم تُشِرْ تلك القصة إلى اسم المعركة أو اسم الوالدة، لكنّني تمكّنت من توثيق تفاصيلها مستعيناً بعدد من مُعَمّري قرى اللجاة، فتبين لي بأنّ والدة الطفل هي بالفعل “مُرَّه قصّوعة” من قرية “وَقْمْ” أمّا والده فهو المجاهد حمّود نَوْفل من قرية “عَمْرَة” شمالي شهبا القريبة من اللجاة

مدينة-شهبا-في-القرن-التاسع-عشر
مدينة-شهبا-في-القرن-التاسع-عشر

“تحت صبيب الرّصاص سقت سعدى ملاعب المقاتليــن ماءً، وألهبت حماسهم للاستبســـــال في المعركة ودحر المعتدين”

المرأة في معركة عُرْمان عام 1896
السّيّدتان المجاهدتان سعدى ملاعب
ودلّة حمزة

أصبحت بلدة “عرمان” في الفترة المتأخّرة من العهد العثماني ملجأ للهاربين من الجنديّة التي كانت تأخذ شبانها للقتال في جبهات الحروب العثمانيّة في البلقان الأوربّيّة، ولهذا فقد لجأ إليها العديد من الرّجال الذين هربوا من التّجنيد ومن ظلم الولاة العثمانيين. وخشية أن يوحي مثال عرمان بالتمرّد على الدّولة من قبل بلدات أُخرى في الجبل قرّرت السّلطات العثمانية احتلال تلك القرية وتحويلها إلى عِبرة لأهل القرى من حولها. وبتأثير المتطلّبات العثمانية تلك أرسل والي الشام خسرف باشا إلى عبده أفندي الجبولي حاكم السويداء في حينه بأن يهيِّئ الأسباب لحملة عثمانية لإخضاعها. وبذلك بدأ عبده أفندي الخطّة بأن أوعز إلى بدو من عشيرة “الصّْفيَّان” باستباحة مزروعات عرمان بأغنامهم، فاضطرّ نواطير عرمان لتنحيتهم عن مزروعاتهم، ووقعت بين الرّعاة ونواطير القرية عدة اشتباكات قُتل خلالها اثنان من الرّعاة، فشكا البدو أهل عرمان إلى حاكم السّويداء عبده أفندي.
هنا أرسل عبده أفندي بطلب وجهاء من عرمان، ومن بينهم ابراهيم الجرمقاني وهلال العطواني وصالح الحلبي ومحمود صيموعة لمقابلته في مكتبه بسرايا السويداء.
حضر وفد الوجهاء إلى السويداء قبل المقابلة بيوم لأنه لايمكنهم في ظروف مواصلات ذلك العصر السّفر من عرمان إلى السويداء ومقابلة المسؤول العثماني في النهار نفسه، ولما كانوا يتشكّكون بنوايا السّلطة تجاههم فقد كان عليهم أن يستشيروا أهل خاصّتهم في السّويداء، ومنهم محمود جربوع مختار المدينة الذي نصحهم بعدم مقابلة عبده أفندي لأنّه سيعتَقلُهم كرهائن لينفّذ أغراضه في عرمان، لذلك عادوا من فورهم إلى قريتهم واجتمعوا مع وجهاء من قرى ملح وامتان، وتعاهدوا جميعاً على مواجهة أيّة حملة قد يجرّدها عبده أفندي ضدّهم.
كان وجهاء عرمان قد تجنّبوا مقابلة الحاكم ، عبده أفندي، الذي رأى في ذلك فرصته للانتقام من أهالي عرمان. لذا فقد ذهب بنفسه إليها على رأس قوّة عسكرية مؤلّفة من خمسين جنديّاً يساعده في قيادتها مشرف آغا بحُجَّةْ البحث عن هاربين من الجنديّة العثمانيّة، ومن بين أولئك شابّان من نبلاء بني معروف هما فارس وقبلان الحمّود الأطرش، وكان يتعمّد القبض على النواطير الذين قتلوا الرّاعيين البدويّين اللّذين اعتديا على مزروعات أهالي عرمان بتحريض منه شخصيّاً.
دخلت القوّة العثمانيّة التي يقودها الجبولي إلى عرمان بدون قتال، كان الأهالي يريدون تسوية وسلامًا مع الدولة، إذ كانوا يأملون أن تنصفهم فتحميهم من تعدّي البدو على مزروعاتهم. نزلوا جميعاً في مضافة الوجيه محمود أبوخير؛ الذي أولم لهم حسب عادات أهل الجبل، ولكن عبده أفندي أرسل مساعدهُ (مُشرف آغا) مع جنديين لإلقاء القبض على النّاطور عبد الله ياغي؛ فأحضراه وهما يشدّانه من ثيابه، ولدى مرورهم أمام مضافة المضيف محمود أبو خير، قال لمشرف آغا: “تفضَّل يا آغا لتناول الغداء ولاحِقْ تاخد زُلُم”. فأجابه مشرف بلهجة تركية هجينة: “أنا بياخد زُلُمْ.. وبياخد راسك كمان”.
غضب محمود أبو خير من وقاحة مشرف، فاستلّ سيفه وهجمَ عليه ليقتله؛ وفي تلك اللحظات تمكّن عبد الله ياغي من الإفلات والهرب من الجنديين فأطلق الرّصاص.
عليه أحدهما، لكنّه أخطأه.
عندما سمع الجنود داخل المضافة صوت إطلاق الرّصاص، خرجوا لاستطلاع الأمر فشاهدوا محمود أبو خير هاجمًا على مشرف آغا لقتله، عندها أطلق أحد الجنود النار على محمود أبو خير فقتله، وفي تلك اللّحظات هجم علي الدّبيسي على مشرف آغا وضربه بالسيف، فأرداه قتيلًا، واشتبك الأهالي مع الجنود.
وهكذا غَيّب الدّم الوليمة!، فانهزمَ عبده أفندي مع من بقيَ حيّاً من جنوده واحتموا داخل مضافة الوجيه ابراهيم الجرمقاني القريبة وأوصدوا بابها من الداخل، وبدأوا بإطلاق الرّصاص من نوافذها باتّجاه الأهالي فقتلوا رجلاً وأردوا أيضًا امرأة كانت مارَّة بالصّدفة.
أثناء انتقال الجنود من مضافة أبو خير لمضافة الجرمقاني، تمكَّن أحد الجنود من الوصول لفرسه، فامتطاها وهرب ليخبر السّلطة في السويداء بما حلَّ بجنودها.
استمر حصار الجنود في مضافة الجرمقاني من قبل أهالي عرمان، بقية نهار ذلك اليوم حتى مغيب الشّمس.
بعدَها صَعَدَ شبّان من البلدة إلى سطحِ المضافةِ، وفتحوا فيهِ ثغرةً تمكنوا خلالها من القفز إلى داخل المضافة والقضاء عليهم مع قائدِهِم عبده أفندي، ولا زالتْ آثارُ تلكَ المعركةِ ماثلة على بابِ مضافةِ إبراهيم الجرمقاني شاهدًا حيًّا على تلكَ الحادثةِ حتى يومنا هذا.
وعلى أثرما جرى في عرمان جَهَّزَ ممدوح باشا القائد العسكري لحاميةِ حورانَ حملةً عسكريّة مؤلفةً من أربعِ كتائبَ من المشاة معززةً بمدفعين جبليين بقيادة غالب بيك و رضا بيك وكتيبة خيّالة بقيادة محمّد بك الجيرودي وأمرهم باحتلال عرمان ليلًا وحرقِها. ولكنَ دليلَ الجيشِ المقدّم سليم الجاري من أهالي السويداء المتطوّعَ معالعثمانيينَ، تمكّنَ من تضليل الجيشَ بينَ كرومِ عرمانَ طوالَ الليلِ حتى بزوغِ الفجرِ، كانتْ حينها عرمانُ تبعُد عنهم مسيرَ ساعة، ولما شاهدهم بعضُ فلّاحيها الذاهبينَ باكراً الى حرث حقولِهم رجعوا وأخبروا الأهالَي بما شاهدوه، فهبّ مقاتلو عرمان لمواجهةِ الحملةِ الزّاحفة إليهم. كان عدد المقاتلينَ في عرمانَ حينها لا يتجاوز المئة مقاتل، لكنّهم قرروا مهاجمة الجيشَ من جهةِ الغربِ ليبعدوهُ عن بيوتِ القريةِ قدرَ الإمكانِ وأرسلوا المفازيعَ (أي الرّسل) لاستنفار أهالي القُرى المجاورةِ للمشاركةِ في المعركةِ وكان لمبادرةِ المجاهدِ المسيحي طحيمر الصّيقيلي شأن في استنفار أهل صلخد ليسارعوا بنجدة عرمان، وقد تمكّنَ أهلُ عرمانَ منَ الصمودِ في مواجهةِ الجيشِ، إذ كانَ عليهم أن يثبتوا بضع ساعات ريثما تصلُ النَجدات من القرى المجاورةِ، وقد دفعوا ثمنَ صمودِهم استشهاد العديد من أبطالِهم، وفي تلك المعركة شاركت نساء عرمانَ رجالهنّ في القتال، إذ هبّت كلٌّ منهنّ وأخذَن يحِثُّثن المقاتلين على الصمودِ، وكان من أبرزهنّ السّيّدة المجاهدةُ سعدى ملاعب التي كانتْ تنتقلُ من متراسٍ إلى متراسٍ غيرَ مكترثةٍ بالرّصاصِ الموجّهِ نحوَها لتؤمِنَ الماءَ للمقاتلينَ في متاريسهم، ثم أخذتْ تحثّهُم على الصّمودِ قائلةً لهم:” يا نشامى . الشّجاعة صبر ساعة، اصمدوا لحتى تصل بيارق امتان مَلَــح فالنّصر قريب بإذن الله … قولوا يا غيرة العرض والدّين، واتكلوا على الله” واقتدتْ بسعدى ملاعب المجاهدة دَلّة حمزة واخذتْ تبثّ الحماس في المقاتلينَ قائلةً لهم “اليومَ ولا كلّ يوم يا نشامى … قولوا يا ناصر السّتِّي على السّتّين، انتوا المنتصرين بإذن الله لأنكم على حقّ”، وقد أخذتْ تزغردُ لهم ولصمودِهم حتى وصول بيارق ملح وامتان.
ولدى وصول بيرق صلخدْ التي استبسلَ فرسانها استبسالًا أسطوريًّا حيث قدّموا في تلك المعركةِ 72 شهيدًا، وعلى أثر ذلك تواصلتْ النّجداتُ من بقية قرى المقرنِ القبلي فارتفعت معنوياتُ المدافعينَ، وتراجعَ الجيشُ قليلاً ممّا زاد في معنوياتِ المجاهدين فهاجموهُ من ثلاثِ جهاتٍ وتركوا لهُ الجهةَ الغربيةَ ليهربَ منها، واشتبكوا معهُ أخيراً بالسلاحِ الأبيضِ إلى أن هزموه وبذلك انتصَر أصحابُ الحقِّ رُغمَ قِلةَ عددِهِم وتواضِعِ سِلاحِهِمْ.
لكنَ ممدوح باشا زجّ بكتيبة الخيّالة التي كانت في مؤخرةِ الحملةِ بقيادةِ محمّد بك الجيرودي، وعندما وصلَ الأخير الى تلول الأشاعر قرب عيون فوجئ بجيشِ الدّولة مدحوراً والمجاهدونَ يطاردونَهم، عندها أدار الجيرودي رأسَ فرسِهِ الصّفراءِ غرباً وهربَ مع الهاربينَ من كتيبتهِ، وتابع المجاهدونَ مطاردتَهم له ولمن معه وهُم يردّدونَ:
صَــــــــــــــفْـــــــــــــــــــــــرة جيـــــــــــــــــــــــرودي غـــــــــــــــــــــــرّبـــــــــــــــــــــــت قـُـــــوطـــــــــــــــــــــــر يحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــثّ ركـــــــــــــــــــــــابـــــــــــــــــــــــها
يـــــــــــــــــــــــا خُسْـــــــــــــــــــــــرُف1 خِبّـــــــــــــــــــــر دولتـــــــــــــــــــــــك حِنّـــــــــــــــــــــــا ولينـــــــــــــــــــــــــا طوابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهــــــا2
وقد غنم المجاهدون من تلك الحملة سلاحًا كثيرًا، كما غنموا المدفعين الجبليين، أكَّدَ ذلك المؤرّخ محمّد كرد علي في كتابه “خطط الشام” ـ الجزء الثالث الصّفحة 109، وقد استُشهِدَ من المجاهدين في تلك المعركة نحو مئتي شهيد، بينما قتل من العثمانيين نحو ألفي قتيل، وجرح أكثر من ألفين حسبما كتبت جريدة (المقتبس) آنذاك.
وأخيراً عاد المجاهدون يردّدون حُداء النصر، ويشيدون بدور النّساء المجاهدات فيقولون:
لعيونـــــــــــــــــــــــك سعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدى ملاعــــــــــــــــــــــــــــــــــب نِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفنـــــــــــــــــــــــي كـــــــــــــــــــــــلّ الكتـــــــــــــــــــــــايـــــــــــــــــــــــــــــب
مـــــــــــــــــــــــا بيرجـــــــــــــــــــــــع لـَ غمدو الســــــــــــــــــــــــــــــيف غيـــــــــــــــــــــــر يْـــــــــــسَـــــــــــــــــــــــوِّي العجـــــــــــــــــايـــــــــــــــــــــــــــــب

صورة-قديمة-لمدينة-السويداء
صورة-قديمة-لمدينة-السويداء

السّيّدة أم عجاج الجرمقاني
بمناسبة الحديث عن معركة عرمانَ لا يمكن أن ننسى مأثرة السّيّدة أمّْ عجاج الجرمقاني التي لا تقلّ روعة عن مأثرتي السّيّدتين سعدى ملاعب ودلّه حمزة.
كان ابنها عجاج شابًّا وسيمًا، بَهيّ الطّلعة، وكان وحيدها لأربع بنات، وليس لَهُنَّ من مُعيل سواه، حيث استُشهد زوجها في معركةٍ سابقة مدافعاً عن أرضه.
كان عجاج على خُلُقٍ كريم وهِمّةٍ عالية، متميزًا بالشّجاعة والفروسيّة، محبوبًا من الجميع، وله خمسة أصدقاء من شباب عرمان يماثلونه في مزاياه.
وعندما انطلق أبناء عرمان للدّفاع عن حِماهم ضدّ حملة ممدوح باشا التي سبق وتحدثنا عنها، فاشتبكوا مع جنودها وقاتلوهم بكلّ شجاعة، كان الشّاب عجاج من الأبطال الذين اشتبكوا مع قوّات مقدَّمة الحملة بالسّلاح الأبيض، فقَتَل أحد الجنود بالسيف وغنم بندقيته، وتابع القتال حتى استُشهد.
اضطُرّ رفاق عجاج الخمسة الذين كانوا إلى جانبه في تلك المعركة، إلى دفنه في المكان الذي تضمَّخَ بدمه الطّاهر، واحتفظوا بسيفه وفرسه والبندقيّة التي غنهما ، إلى أن انتهت المعركة.
عاد رفاق عجاج الخمسة بفرسه وسيفه وبندقيّتة إلى عرمان، ولما التقوا بالنّسوة المنتظرات عودة الأبناء والرّجال غربيّ البلدة، وبينهنّ كانت أمّ عجاج تسأل العائدين عن وحيدها، قائلةً لهم: “ الحمد للّه على سلامتكم يا نشامى.. مبروك عليكم نصركم .. مين منكم شاف لي عجاج الوحيّد؟ خواتو (شقيقاته) الأربعة عبيستنّوه، ليفرحوا بعرسو! يامين عَيّن لي عجاج بأيّا أرض؟”وما أن سمعها أحد رفاقه الخمسة حتى أجهش بالبكاء، وقال لرفاقه:” شو بدنا نقول لأمّ عجاج .. وشو بدنا نقول لـَ خواتو الأربعة ..؟!!” أجابه أحدهم واسمه فندي المتني: “رُدُّوا بعدي يا نشامى”:
يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا امّ الوحيد اِبكــــــــــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــــــــــــه ألمـــــوت مـــــــــــــــــــــــــــــــــا يـــــــــــــــــــــــــــــــــرحم حـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
لابُـــــــــــــــــــــــــــــــــد مـــــــــــــــــــــــــــــــــا تنــــــــــــــــــــــعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــــــــــــه اِن كان اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم ولّا غـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
بـــــــــــــــــــــــــــــــــالرّوحِ مـــــــــــــــــــــــــــــــــا بخِلنـــــــــــــــــــــــــــــــــا عليــــــــــــــــــــــــــــه نِفديــــــــــــــــــــــــــــــهْ لَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوْ صـــــــــــــحّ الفـِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــِدا
والثّـــــــــــــــــــــــــــــــــار مـــــــــــــــــــــــــــــــــا نِمـــــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــــــــــــا عليــــــــــــــــــــــــــــه خَذينــــــــــــــــــــــــــا ثــــــــــــارو مـــــــــــــن العِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
وعــــــــــــــــــــــــــــــــدوّنــــــــــــــــــــــــــــــــا راحــــــــــــــــــــــــــــــــــت عليــــــــــــــــــــــــــــه حَدينـــــــــــــا مـــــــــــــن خَلفــــــــــــــــــــــــــــــه حـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
وما إن سمعت أم عجاج حِداء رفاقه حتى أيقنت أنّ وحيدها قد استُشهد بطلاً في ساحة الجهاد، وعندما دَنَوْا منها، وشاهدت فرس عجاج وسيفه والبندقية التي غنمها، قالت لرفاقه:
“ألف اللّحمد لله على سلامتكم يا حبايبي، انتو عواضي عن عجاج، أني كان عندي ولد وحيّد صار عندي اليوم خمسة.. صرتو كّلكم أولادي الله يفرّحني فيكم، وشوفكم عرسان قبل ما موت”
وأخذت تزغرد لهم، حتى أغميَ عليها من شدة الحُزنِ والانفعال، ولم تَصْحُ إلّا في دارها ومن حولها بناتها الأربع، ونساء الأهل والجيران، يواسونها، ويطيّبون خاطرها إذ قالت لها إحدى جاراتها: “اللّي بيقدم شهيد للوطن مْقدَّر عند ألله وعند البشر يا أُم عجاج”.
أما رفاق عجاج، فقد دخلوا عرمان وهم يردّدون مع فندي المتني الأبيات السابقة، بقلوب يعتصرها الأسى على رفيقهم الغالي.
لقد كَرَّمَ الله أمّ عجاج وأمَدَّ في عمرها لترى رفاقه الخمسة “عرساناً”، كما تَمَنَّتْ، لكنها أصبحت مُقعدة بعد عامٍ واحدٍ من استشهادِ وحيدِها عجاج.
أما رفاق عجاج، فكلّما تزوّج أحدهم، كان أوّل ما يقوم به بعد انتهاء مراسم عرسه، هو زيارة والدة عجاج، فيذهب مع عروسه لزيارتها لتفرح بهما، وتدعو لهما بالتوفيق من قلبها المحبّ المخلص.
ومع وصول العريس وعروسه لزيارتها تقول لهما: “ يا حيّا الله بعجاج وعروستو ..؟!” وتزغرد لهما فرَحًا بهما، وتفتحُ ذراعيها لتضمّ العريس لصدرها وتُقبّله وتقول له: “يا حيّا الله بريحة عجاج، بوستك فيها طعمة بوستو .. ألف اللّحمد لله يا بنيّي إللّي عشت وشفتك عريس. ألله يهنّيك ويسعدك ويرزقك الولد الصّالح ويوسِّع عليك الرزق ويحميك من مكايد الخلق!”.
وبعد أن زارها آخر رفيق من رفاق عجاج الخمسة مع عروسه، ونيله تهانيها ومباركتَها، لم تمضِ على تلك الزّيارة إلّا نحو ثلاثة أشهر حتّى انتقلت بعدها السّيّدَة أم عجاج الى رحمة بارئها، فما كان من رفاق وحيدها الخمسة إلّا أن بادروا بحمل جثمانها إلىالمأتم للصلاة على الجنازة وهم يرددون مع فندي المتني: “يا امّ الوحيد ابكي عليه…” ليذكِّروا الجميع بمأساتها. فترحَّم عليها كلّ من حضر، وأخيراً ضمّها تراب عرمان المعطَّر بدَم ابنها الوحيد ودماء الشّهداء الآخرين، وعانقت روحها الطّاهرة روح وحيدها عجاج في جنان الخُلد. رحمهما الله.

أول-هاجس-لمحاهدي-جبل-العرب-كان-دوما-حماية-النساء-والأطفال
أول-هاجس-لمحاهدي-جبل-العرب-كان-دوما-حماية-النساء-والأطفال
معركة المزرعة والمجاهدة خولة أبو عاصي
بعد معركة الكفر في 21 تموز 1925 والتي كانت فاتحة الانتصارات في معارك الثّورة السّوريّة الكبرى، حاصر الثوّار قلعة السّويداء التي لجأَ إليها الفرنسيّون وعائلاتهم، لذلكَ جَهَّزَ الجنرال (ساراي) حملةً من فرقتين معزّزتين بالمدرّعات والمدفعيّة الثّقيلة والرّشاشات وثلاثة أسراب من الطّائرات الحربيّة، وقد قاد تلك الحملة جنرالٌ اعتبرته قيادته من أكفأ جنرالات فرنسا، هو الجنرال ميشو.
 تحرّكت تلك الحملة من أزرع باتّجاه السّويداء لفكّ الحصارِ عن قلعتها، عند ذلك بدأت المدفعيّة تقصفُ قرية (الدّور) و (نبع قرّاصة) فتصدّى لها الثوّار بهجماتٍ عنيفةٍ حالت دون تقدّمها، ولذا أخذت المدفعيّة الثّقيلة تقصفُ قرية (الدّور) و (نبع قرّاصة) تمهيداً لتقدّم المصفّحات وعناصر الاستطلاع فعمل الثوّار على سدّ الطريقَ أمامها بالحجارة الضّخمة متخذين من جدران الكرومِ متاريسَ لهم، وفي حين كانت الطّائرات تقصفُ القُرى المجاورة، وقع فريق من طليعة الثّوّار في كمين مُحكمٍ دبّره الفرنسيّون في موقعة “تل الخروف” استشهد فيه من الثوار30 مجاهداً بينهم حمد البربور أبرز رفاق سلطان باشا، وقد تسبّب ذلك بحالة يأس دفعت بالعديد من مجاهدي القرى إلى طيّ بيارقِهِم والعودة إلى قُراهُمْ لتنظيمِ صفوفِهم وإعادة الهجوم من جديد…
ومن المعروف عندنا في الجبل أنّهُ في أيّ مكان تحصل فيه المعركة كان أهل القرى المجاورة يبادرون لإعداد الطعامِ في كلِّ دار قادرة لإطعام المقاتلين العائدين من المعركة في حالة النّصر أو الهزيمة، وبذلك يقومونَ مقام وحدات التّموين في الجيوش الحديثة.
في بلدة نجران القريبة من منطقة اقتحام الجيش الفرنسي إلى قرى الجبل الثائرة على الاحتلال أعدّ  المجاهد عبّاس أبو عاصي غداءً ودعا اليه أعداداً من الثوّار بينهم كثيرون من أولئك الذين لم يحالفهم الحظّ بالنّصر في موقعة “تلّ الخروف”.  اعتذروا بادئ الأمر عن قبول دعوته لعزوفهم عن تناولِ الطعامِ بسبب هولِ ما واجههم من آلة الحرب الحديثة التي يملُكها الجيش الفرنسيّ، وللخسارة الفادحة التي لحقت بهم، فألحَّ عليهم الرّجل وأجبرهم على قبول دعوتَه.
كان قد التأم جمّعَ الثوار في المضافة، وقبل تقديم الزاد لهم، وفي مكان إعداده، دار الحديث التالي بين المجاهدة خَولة أبو عاصي وزوجها:
قالت السّيّدة:  يا ابن عمّي بدّي اطلب منّك ها الطلب
– وشو هوّ طلبك؟
– من بعد خاطرك بدّي قَفِّرْ(أي تصبّ السّمن على المناسف حسب المألوف من تقاليد الجبل) على الزّاد بالمضافة بدالك لأنّو عندي كلمتين لَـ هالنّشامى.
– والله بيحقلّك يا خولة، إنتِ بنت رجال وأخُت رجال، تِكرَمي
(وحملَ لها “سَطل” السّمن وامسكت هيَ بـ “الكبشة”3 ودخلت المضافة مع زوجها.  ألقت التّحيّة على المجاهدين، ثم قفَّرت4على الزّاد، ذُهِل الجميع ممّا يرَوْنَه أمامهم خلافًا للمألوف (لأنَّ “القُفرة” على الزّاد من شأن الرّجل فقط).
 بعد أن صَبّت السّمن على الزّاد؛ توجّهت خولة للمجاهدين وقالت:
– يا نَشامى … ياحاميين الأرض والعرض  .. زادنا هذا مَيْسور ما هو واجب( أي هذا الممكن عندنا، وأنتم تستحقّون طعاماً أفضل)، واللّي بدّو ياكل من زادنا اليوم لازم يهجم بكره على متراس العُرضي(5) واللّي ما بيقدر يهجم بكره على متراس العُرضي . زادنا اليوم حرام عليه”  وبدأت تزغرد لهم … فَهَبَّ الجميع يهتفون “لَـ عيونك يا بنت الأجواد … لَـ عيونك يا بنت الأكارم” وأكلَ كُلُّ منهم نصيبه من الزّاد ثم نشروا بيارقهم وعادوا باتّجاه تجمّع العدوّ الزّاحف إلى نبع عين المزرعة التي تمركز عندها الجيش الفرنسيّ، وهم يهزجون:
تُربــــــــــة وطنّــــــــا مــــــــا نبيعهــــــــــــا بــــــــالذهــــــــب         دَمّ الأعـــــــــــــــــــــــــــــــادي نــــــــجبــــــــلــــــــه بــــــــترابــــــــها.
كان اللّيل قد خيّم مع جيش العدوّ على تلك الأماكن ومع انبلاج الفجر أطبق الثوّار على جيش ميشو من كلّ حدبٍ وصوب، حتى تحقّق النّصر المبين في تلك المعركة التي حملت في كتب التّاريخ اسم “معركة المزرعة” وقد قال فيها سلطان باشا الأطرش “إنّها كانت ثأراً لمعركة ميسلون” وقد اعترف الجنرال ديغول في مذكراته بأنّ “أضخمُ كارثةٍ تعرّض لها الجيش الفرنسيّ على يد جيشٍ غيرَ نظاميّ كانت في معركة المزرعة بجنوب سوريّة عام 1925”، وأكّد هذه المعلومة المرحوم الأستاذ عيسى عصفور في معرض تعليقه على قراءاته في مذكرات ديغول بالفرنسيّة.
لقد كان ذلك الموقف الرّائع لتلك المرأة المجاهدة، ولِما لكلماتها من أثرٍ فَعّال في تحفيز الرّوح المعنويّة للمجاهدين، بالإضافة إلى شجاعة الثوّار وتصميمهم على تحرير بلادهم من الاحتلال الأجنبيّ من بين أبرز أسباب النّصر الذي تحقّق في معركة المزرعة التاريخية تلك.
إيراهيم-باشا-قائد-الحملة-المصرية-على-سوريا
إيراهيم-باشا-قائد-الحملة-المصرية-على-سوريا

معركة صْمَيد 5 ومأثرة المجاهدة
بستان شلغين
كانت اللّجاه وما زالت مقبرة للغزاة كما سلف، ولقد لجأ إليها الثّوّار بعد أن ضيّق الفرنسيّون عليهم كافة السُبُل، كانت تضاريسها الخشنة الملجأَ الأمينَ والحصينَ في وجه المعتدين على الجبل، لذلك وجّهَ الفرنسيونَ إليها حملةً مؤلّفةً منْ أربعةِ ألافِ جنديٍ تساندُها الطائراتُ والمدفعيةُ بقيادةِ الكولونيل “اندريا”.
لقد كان عددُ الثوّارِ الذينَ تصدَّوْا لتلك الحملةِ بحدودِ ثلاثمائةِ مجاهدٍ، وقد جرتْ معركةٌ عنيفةٌ استمرّتْ حتّى حلولِ الظلامِ، حيث أسقطَ الثوّارُ ببنادِقِهِم طائرتينَ، وكبّدوا الفرنسيينَ العديدَ منَ القتلى والجرحى بينما استُشهد من المجاهدين عشرة أبطال كان من بينهم جبر شلغين ومزعل شلغين، وهذا شقيق المجاهدة بستان درّة ذاكرتنا في الجبل…
بنتيجة انسحاب الثوّار أمام الجيش الفرنسيّ؛ قرّر أندريا الانتقامَ منْ ثوارِ قريةِ صميد لما أبدَوْه في هذه المعركةِ من بسالةٍ نادرةٍ فأمرَ بتهديمِ بيوتِ المجاهدينَ المعروفينَ. وكان مِنْ بين تلك البيوت التي جرى هدمها بيتُ المجاهد الشهيدِ هايل شلغين الذي سبق أن استشهد في معركة سابقة، لكنّ زوجته السّيّدة بستان ظلّت تواظب بعد استشهاده على تزويد الثّوّارِ بالذّخيرةَ والمؤونةَ بعد أن باعَتْ مصاغَها الذّهبي ( أي حُليّها) وأغنامَها، واشترَتْ بأثمانها سِلاحاً للثّوارِ الذينَ قدموا منْ لبنانَ للمشاركةِ في الثورةِ. كان ذلك قد زادَ منْ حقدِ الفرنسيينِ عليها لخشيتهم أن تُصبِحَ السّيّدة بستان قدوةً لغيرِها. وقد قال أندريا فيها عبارته المشهورة:” يجب أن نقمع ظاهرة بستان شلغين بأيّ شكل؛ وإلّا فسيتحوَّل ذهب الزّينة لنساء الدّروز إلى رصاص يمزّق صدورنا”.
بعد احتلال صْميد طلبَ الكولونيل أندريا التعرّفَ على السّيّدة المجاهدة أم حمد بستان شلغين بعد أن هَدَّمَ دارَها، فرفَضَتْ أن تقابلَهُ في بيتِهَا، وعندما ألحَّ في طَلَبها جاءَتْ إليهِ مع ولديها حمد وعُمره خمس سنوات وهايل، ثلاث سنوات، وبعض أقارِبِها وأهالي قريتها… قالَ لها أندريا بواسطةِ مُتَرجمهِ: “إذا تراجعتِ عن موقِفِكِ بدعمِ هؤلاءِ الخارجينَ عنِ القانونِ (يقصد الثّوّار) فسوفَ نعوِّضُ عليكِ بمبلغٍ يُعيدُ لكِ داركِ أحسنَ ممّا كانَتْ عليهِ، فهل تتراجعينَ عن موقِفِكِ) ومَدَّ يَدَهُ لمصافحتها ظَناً منهُ أنّها لو صافحتهُ لكانت علامةُ إذعانِها وتراجُعِها عن موقِفِها، فما كانَ منها إلا أنْ جعلت يَدَيها خلفَ ظهرِها وقالتْ للمترجم: “قول لسيدكَ ما وقفت هالموقف، حتى اتراجع عنّه ..؟!!”.
بعد ذلك أرادَ أندريا أن يخفّفَ من حِدّةِ عدائِها، فأشار لولديها ثمّ قالَ: “سأكلمُ سيّدي الجنرال ليرأفَ بحالِ هذينِ الطّفلينِ بما يعوضُهما عن معاناتِهما من فقرٍ وحرمانٍ”، فأجابتهُ بأنَفةٍ وشموخٍ: (ما بقبل مساعدة من عدوّي اللي قتل بَيّيْ وولادي وقتل خيّي وقرايبي وأهل بلدي وهَدَّمْ داري).
وعندما تَرْجَمَ المترجمُ ما قالتهُ المجاهدةُ أم حمد بستان، صُعقَ الكولونيل أندريا لصلابَةِ هذهِ المجاهدةِ وعنفوانِها وقال: “لاشَكّْ أنَّكِ (جان دارك العربيّة) أيتُها البطلة” ثم اعتمر قُبَّعته وأدّى لها التّحية العسكرية تكريمًا لأنَفَتها.
هذا وقد حَظيتْ المجاهدةُ أم حمد بستان شلغين باحترامِ القائدِ العامِ للثورةِ السوريّةِ الكبرى سلطان باشا الأطرش، وتقديرهِ، كما كرّمتَها الدولةُ السوريّة وأطلقت اسمها الميمونَ على إحدى المدارِسِ الرّسميّة في مدينة صلخد بجوار قلعتها الشّامخة، فلتفتخر الأجيال القادمة ولتعتزّ بهذه المجاهدة، لتبقى قدوة خالدة لأمّهات بني معروف الموحّدين.

“خولة أبو عاصي:
ياالْلّي بياكل من زادنا لازم يهجم بكرة على متراس العدوّ ويااْلْلّي ما بيهجم بكرة زادنا هذا حَـــرام عليـــــه”

 

سعيد الاطرش

أنجز أعمالاً بطوليّة يعجز عن مثلها عَشَرات الرّجال

سعيد الأطرش: بطل من الجبل

أصــــــــاب في العفــــو عن رجــــــــل أُرسِــــل لقتلــــه
لكنّــــه أخطأ فــــي حــــقّ قاتــــل “سوّد وجه” الدروز

في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كان سعيد بن اسماعيل الأطرش ذراع شقيقه شبلي الذي كان سياسيّاً بعيد النّظر، وهو الذي كان يُشّبّه جبل حَوْران بعباءة يُخشى عليها الاهتراءُ من أطرافها؛ ذلك الجبل الذي جعل بنو معروف الموحّدون منه وطناً لهم بعد هجرة معظمهم إليه من لبنان وعمرانهم له بعد أن كان قفرا خربا. ومن هنا كان شبلي مصيباً في إرساله لأخيه سعيد القويّ إلى ذيبين، القرية التي تشكّل الزاوية الجنوبيّة الغربيّة لجبل حوران لحمايتها من التَّعدّيات التي كانت تأتيها من الغزوات البدويّة ومن اللصوص الذين كانوا يسرقون مواشي الفلّاحين وكذلك من تجاوزات قرى الجوار عليها.
ويروي الشّاعر الشّعبي فَوْزات غَبْرَة روايات عديدة في هذا الشأن كان بطلها الشّيخ سعيد الأطرش، وهي روايات متداولة بين الكثيرين من مُعمري ذيبين وأهاليها، منها أنّه كان مُرابِطاً ذات ليلة مع بعض رجاله جنوب القرية، فاشتبكوا مع جماعة من اللّصوص القادمين من مناطق غور الأردن بينهم شقيقان قُتِل أحدهما، وهرب الآخرون، وعَظُمت المُصيبة على الأب الذي فَقَد ابنه في ديار بعيدة، فأعلن أنّه سَيزوِّج ابنته الجميلة هِبَةً لمن يأتيه برأس سعيد، وتطوّع أحد الرّجال الأشدّاء لهذه المهمّة، فأتى إلى ذيبين بعد أن تسرّب بين الرّعاة في ليلة تأخّر بزوغ قمرها، وكان سعيد قد صرف عبده المسمّى بـ”سعيد”، وبقي وحده في المضافة التي يفتح بابها لجهة الشّرق قبالة القمر البازغ. رأى سعيدٌ الحَذِر خَيالاً لِرأسٍ آدمية تلوح على الجدار الداخلي المقابل لجهة الشرق، تتحرّك خلف صخرة قبالة باب المضافة، كان الخيال يظهر لحظة ثمّ يلطو خلف الصّخرة، فأدرك أنّ محذوراً ما يتطلّب منه الحذر والاستعداد.
استغلّ سعيد لحظة لَطْو ما اشتبه به خلف الصّخرة وتسلّل على عجَلٍ من المَضافة إلى أن أتاه من خلفه، فتناوله من جدائل شعره الطويلة (كان الرّجال في ذلك الزّمن يطلقون شعور رؤوسهم ويضفرونها جدائل يتباهَوْن بها)، وجَرَزَه بقوّته التي كان يهابها أشدّ رجال عصره فأفقده القدرة على المقاومة، صرخ الرّجل “ دْخَلَكْ لا تريني لسعيد”.
أُخِذَ المُتَلصّص بالمفاجأة، وتعرقلت قواه. شدّ سعيد يديه إلى خلف ظهره وفتّشه فوجد معه خنجراً انتزعه منه، ثمّ أدخله إلى غرفة في الدّار وقيّده وأقفل عليه بابها، وفي اليوم التّالي أمر بذبيحة ودعا رجال ذيبين إلى الوليمة. حضر المدعوّون، وسألوا ما المناسبة؟، فقال لهم: “أمس جاءنا ضَيفُ لَيْل، وهو مستعجل يريد الانصراف لهذا دعوتكم.
بعد تقديم القهوة أمَرَ سعيد عبده سعيداً بجلب الرّجل مقيّداً، كان المقيّد يرجوه ألّا يجعل سعيداً يراه، لكنّ العبد الممتثل لأمر سيّده دفع به إلى المضافة حيث اجتمع المدعوّون. أمرَ سعيد العبد أن يفكّ قيده ففعل، وبعدها قال له:
أخبرني حكايتك؟
ــ اِن كَنّك سعيد الأطرش أنا جاي أقتلك.
ــ شو جايب معك؟
ــ شِبريّة. (أي خِنْجَر)
ــ أتقتل سعيد بشبريّة!، الآنَ كُلْ مع ها الغانمين وبعدها رُح خَبّر أهلك بما جرى لك، وخُذ هذه شبريّتك التي بمثلها لن تقتل سعيد، وسيكون لي حساب مع من بعث بك إليّ.
وبالفعل فقد أكل الرجل من طعام وليمة سعيد الذي انتدب فارسين رافقاه مسافة بعيدة من ذيبين ثمّ تركاه ليمضي عائداً إلى أهله.
وصل ذلك الرّجل إلى دياره، واتّضح لذويه ما جرى له، وقد أدهشَهم عفوَ سعيد عمّن كان يستعدّ لقتله، وخشَوْا أن تطالهم يده وهو الذي كانت قبيلة الرّوّاله من قبيلة عَنَزَة الكبرى تتهيب حماه والتعدي على ذيبين بعد نزوله فيها وتركِه قرية عِرى. وكانت تلك القبائل القويّة تجتاح بوادي شمال شبه جزيرة العرب وحوران برجالها وجمالها وخيولها تتجنّب التَّعَدّي على ذيبين بعد أن نزل بها واتّخذها له موطناً لهُ، وقد نظّم سعيد الأطرش الدفاع عن البلدة بكوكبة من خيّالة بني مَعروف وكانت إنجازاته الكبيرة موضوعا دائما لمدح الشعراء كما قال أحمد العْلَيّان شيخ قرية مْعَرْبَهْ، شاعر سهل حوران مادحاً لسعيد:
رِيْف لَلعِيّان الاْعْمى والـْ عَرَج واِن لَفَتْ عَنّازْ ما ثِقل الحِجاج
بسبب خوفهم من بأس سعيد الأطرش اجتمع القوم، وقرّروا عَقْد راية الأخ القتيل والسّير بها مرفوعة عبر الطّريق الطّويلة إلى ديار سعيد في ذيبين والتّصالح معه لكونه عَفا عن الرّجُل المُرسل لقتله، وجاؤوا بِقَوْدٍ من البغال والثيران قدّموها هديّة لسعيد دلالة على حُسْن نيّتهم تِجاهه.
وفي حادثة أخرى تَجاوز قوم من قرى مجاورة على حقوقٍ لسعيد عندهم، وقيل أنَّهم صاروا يعتدون بمواشيهم على المراعي من حِمى ذيبين ، فما كان من سعيد إلّا أن اشتبك مع المعتدين واحتجز مواشيهم التي هم بحاجة إليها، واستعصى عليهم حلّ مشكلتهم معه، فذهبوا إلى أخيه شِبلي شّيخ دارة عرى، لكنّ شبلي اعتذر عن التدخّل في الأمر، وحار القوم في أمرهم، فلم يجدوا بُدّاً من توسيط أحمد العْلَيّان شاعر حوران الشّهير وهو الذي كان نصيراً لآل الحمدان ضدّ آل الأطرش عندما سيطر هؤلاء على زعامة بني معروف في السّويداء وسائر الجبل بدلاً من آل الحمدان، وفي أسفِه على ذهاب دولة الحمدان في الجبل يقول العْلَيّان:
يبلاكِ يا دار السّوِيدا بْطوبٍ يْهدّكْ ويصبــــــــــــــــغ اْحْجــــــــارك بنيــــــــل وجــــــــــاز1
عَزَلْتِ إبــــــن حــــــمدان قُـــــدْوِة بلادنــــــــــــا غــــــــاب الملــــــــك وتْنَــــــــــــــــــــــــصَّــــــــب المعّــــــــاز2

جانب من دارة الشيخ سعيد الأطرش وتظهر فيها العلالي، عمران بنّائين من ظهور الشوير في لبنان قبل نحو قرن ونصف القرن
جانب من دارة الشيخ سعيد الأطرش وتظهر فيها العلالي، عمران بنّائين من ظهور الشوير في لبنان قبل نحو قرن ونصف القرن

قصيد عصماء في مدح سعيد
وهكذا تطوّع الشّيخ الشاعر أحمد العليّان مُضطرّاً بالتوَسّط لأصحاب المواشي لدى سعيد، وذهب معهم في وفد إلى ديوانه في ذيبين.
عند وصولهم أمر سعيد بتهيئة وليمة كبيرة لهم، وفي الديوان الذي غُصّ بالوافدين لم ينبس أحدٌ ببنت شفة بادئ الأمر، قال سعيد للعْلَيّان يريد أن يكسر الصّمت الذي ران على الحاضرين:
اُهرج يا أحمد، ما بك تعبان؟!، المقعد اللّي فيه العليّان ما يسكت، اُهرج، واللّي انت تريده يصير.
نَهضَ العْلَيّان واقفاً وتوسّط الدّيوان وصفّق بكفّيه وقال: العيون غرّافات الحكي يابك. (يريد من الحضور تركيز الانتباه)، ومدح سعيداً بقصيدة مُطَوّلة نقتطف منها هذه الأبيات:
عاش أخو بَنْدَرْ سعيد اللي فَحَجْ عَ النّمُــــــــرْ وِسْبــــــــاع خــــــــــــــــلاّهـــُم نعــــاجْ3
بــــــــالبَـــــــــــذِل والجُــــــــــــود كَـــــــنْــــــــــزٍ لَـلْــــــــخَلِــــــــــج شـــــــــاع صِــيتَه من بْــــــــراجٍ لَبِــــــــــــراجْ4
عَمّـــــــــر الــدّيـــــــــــــوان عَ جــال الطُّــــــــــرج لَجَبــــل حوران ســــوّاهــــــن ســــيـــــــــاجْ5
شمعة الدِّيــــــــــوان غـَطّـــــــت عَ السُّـــــرُجْ بالبَنادر علّقـــــــــوا اْسْـمَه بــــــــــــالسَّــواجْ6
بــــــــــالمَـــلازم مثـــــــل عَنـتــــــــر لَــــــــــوْ وَهـــــــــــَجْ بالصَّرف زايد على اْجْوَدْ بالعِراجْ7
لِيــْـهْ شـــَـلْفَــهْ تِـقُــــــــــلْ بـــــــــرقٍ لَــــــــــوْ لَعَــــــــجْ سَيفُهُ شِنْع المَهاوي مــن العِتــــــاجْ8
واِنْ مشى بْوَجْهوْ الفتى كَاْنّه بَرِجْ وَيْــــــــنْ مــــا نشّـــــــــر نـَجــــاجيبــــــــــه وَدَاجْ9
خِلْـــــفَــــة اســـــــمــــاعيـــل ضِــــــــــــــــدٍّ لَـــــــلْعِـــــــــــوَجْ مْنِ الضّيَــاغم نــاخبينـــه بْلا عِـــــلاج10
المُعــادي لــــــــــو ســِمـــــــــــــع حِسّوْ اْنْخَلَــــــــــجْ مِنْ وَحِيف الخيـل كَنْ طَبَّه هَجاج11
اَلِخْريشـــــــــــَه ْواِبـــــــــــن ماضــــــــــي والكَنـِــــــــــجْ للّـــــــــــــذي يظـــــــــــهــــــــــر جَـــــــــــــوادَه للحَــــــــــــراج12
مـــــن حَلــــــــــَب لَصُــــــــــور لَحــــــــــدِّ المَـــــرِجْ لَلْكَـركْ لَلْجـَـوْف خــــلّاها دجاج13
فوق نوطَهْ لَاْعْتَلى ظَهــــــــر السَّــــرِج كَـ ذياب الخيل الْاطْرش حين لاج14
رِيْف لَلْعِيّــــــــــــــــــان الاَعْمَى والعَـــــــــــــــــرَجْ واِن لَفَـتْ عَنَّــــاز ما ثِقْل الحِجاج15
اْخْتُم صلاتي عَ النّبي خير الخّلِج لَلمَدينَـــهْ زارَتَـهْ ســَبـــــــْع الحِجـــــاج16

الحاج مْسَلّم الغوثاني سليل إحدى عائلات ذيبين السّنة الذين استقدها الشيخ سعيد الأطرش إلى ذيبين
الحاج مْسَلّم الغوثاني سليل إحدى عائلات ذيبين السّنة الذين استقدها الشيخ سعيد الأطرش إلى ذيبين

جريمة أغضبت سعيد
في تلك الفترة من القرن التّاسع عَشَر كان يأتي إلى ذيبين زمن سعيد رجال من التّجار يبيعون الأقمشة ينقلونها على ظهور الدّواب أو على ظهورهم يحزمونها ويتجوّلون بها بين قرى الجبل على شكل (كشّة)، ولم يكن على هؤلاء من محظور إذْ كانوا يتجوّلون بحرّية وليس لأحد أنْ يعترضهم فهم يُعتبرون في حِمى بني معروف، وكان هؤلاء في أعمالهم يوفّرون على الأهالي مَشَقّات السّفر الذي كان يستغرق أيّاماً مُرْهِقة على ظهور الدّواب إلى دمشق أو القدس لشراء حاجياتهم، ناهيك عن مشاكل اللّصوص وقُطّاع الطُّرق لانعدام الأمن وغياب هيبة الدّولة في تلك الأماكن البعيدة عن الحواضر الكبرى، هذا بالإضافة إلى الضّرائب الجائرة التي كان يفرضها الولاة العثمانيّون ودوريّات الجندرمة على المسافرين إلى المناطق التي تحت سلطانهم، ومن هنا كان الاعتداء على أولئك الباعة الجوّالين وأمثالهم جريمة بحقّ المجتمع الذي كان في تلك الفترة يمرّ بحالة شبه حصار ولم يزل في طور النشوء.
ويذكر المُعْمر الشاعر نعمة العاقل أنّه بينما كان رجلان غريبان من خارج الجبل يبيعان أقمشة تصدّى لهما أحد أهالي ذيبين من الدّروز، وأقدم ورفيق له على قتل بائعي الكشّة ونهبا ما معهما من مال وقماش بعد خروجهما من ذيبين باتجاه قرية سِمْج الحَوْرانية. وهناك من يقول إنّ الضّحيّة كان بائع زيت من جبل لبنان، ومن قرية بشامون!، وقد تمّ قتله على طريق قرية “سِمْج”.

غطلة الشاطر
على أية حال فإنَّ القاتل وصاحبه خَرَقا العُرْفَ الذي توافق عليه الموحّدون من حيث حمايتهم للداخل بِرِضاهم إلى ديارهم. وبعد أن اكتشف أمرهما الشيخ الشّاب سعيد، عَلِق أحدهما، أمّا رفيقه فقد اختفى هارباً. قَيّدَ الشّيخ سعيد الجاني وأرسله إلى قرية عِرى، حيث فيها يُتّخذ القرار الفصل بناء على وصية الأب المؤسّس اسماعيل في القضايا الهامة التي تواجه بني معروف. وفي عرى اجتمع عدد من أعيان بني معروف من عدّة قرى من الجبل، وبحثوا في أمر إصدار حكم على القاتل، ويذكر الرّواة أنّ المجتمعين اعتبروا أنّ الجاني يستحقّ العقوبة بالموت حرقاً لأنه حسب العُرفَ العشائري “قطعَ وجهَ الدّروز”، أي خان بالعهد الذي اتّفقوا عليه فيما بينهم وأهان من دخل حِماهم. ونشأت مشكلة عند تنفيذ الحكم، إذ لم يجد أحد في نفسه الجرأة على تنفيذ عقوبة بهذه القسوة أي عقوبة حرق الرّجل، وبالطبع كان على سعيد أن يرى في ذلك أن حكم الحرق غير سليم بدليل أنه لم يوجد رجل في عِرى مستعد لتنفيذه بنفسه. لكنه اعتبر الحكم نافذا وقرر أن لا بد للعدل العشائري أن يأخذ مجراه. لذلك تقدّم من الجاني وقال له “ قُلْ: “أنا بوجه سعيد لأحميك من الحَرْق”، لكنّ الرّجل قال لسعيد بكبرياء: “فِيْ اَلله فوق سعيد”، وأبى عَرض الشّيخ بإنقاذ حياته. عندها أمر سعيد عبده المدعو”سعيد” بإعداد النار ثم تقدّم منه وأشعل النّار بنفسه، فما كان من الضَّحيّة إلّا أن قطّع الحبال وانطلق يعدو على حيطان البيادر، تاركاً ما وراءه خَراباً هَديماً إلى أن سقط كَوْمَةً هامدة… ويُروى عن المُعْمرين في الجبل أنّ السلطان العثماني عبد الحميد عندما وصلته الأنباء بحرق ذلك الجاني تمنّى على الله تعالى أن يُكَثّر من عدد زعماء الدّروز!

الشاعر فوزات غبرة والعميد نبيه الحسنية أمام العلالي الأثيرة لدى السيخ سعيد الأطرش
الشاعر فوزات غبرة والعميد نبيه الحسنية أمام العلالي الأثيرة لدى السيخ سعيد الأطرش

القدَر بالمرصاد
ومرّت فترة من الزّمن قليلة، كان موقد الكيروسين، أو “بابور السبيرتو” كما كان يُدعى في ذلك الزّمن من عام 1886، مقياس وجاهة يقتنيه عِلْيَةُ القَوْم، كان الناس حينها يقولون مُتَعجّبين” إنك تستطيع أن تُشْعِل النار وتطبخ على السّجّادة دون أن تُصاب سّجّادتك بأذًى.
كان سعيد يغلي القهوة بقصد تجديدها ذات مساء مع أوّل اللّيل على موقده الأثير، إذْ كان الوجهاء في ذلك الزمن يقصدون دار الشّيخ الذي فرض هيبة الأمن في القرية وجوارها، وعنده يتسامرون ويستمعون القصائد المُغَنّاة على الرّباب، وإلى مرويّات سوالف الماضي وأحداثه، وبينما هو يضغط الهواء في المَوْقد (البابور)، انفَجَر به، ونثرَ ما بجوفه من الكيروسين الذي لوّثه بالسائل المشتعل، كان سعيد في العلالي على ارتفاع نحو ستّين درجة سلم عن مستوى الأرض في دارته الفَسيحة العامرة، فسارع من العلالي إلى الدّرج، يريد أن يصل بنفسه إلى البركة القريبة ليطفئ النّار المشتعلة التي أحاقت به وصارت تنهش بجسده، وهُرِع الجوار يلفّونه باللّباد العجمي والبُسْط. لم يمت الشيخ سعيد ساعة اشتعال النار بجسده، بل ظلّ حيّاً لنحو ساعتين. ومن قرية أم الرّمّان التي تقع شرق ذيبين بنحو ستة كيلومترات وفي دغوش ذلك المساء شوهدت النار التي أحاقت به وهو يعدو على سطوح دارته الفسيحة أمام العلالي التي لم تزل ماثلة بعمرانها الأنيق إلى يومنا هذا ، فهُرِع الرّجال على خيولهم ظنّاً منهم أنّ غزواً أو حرباً ما نشبت في المكان، إذْ على مثل هذا سبق أن اصطلح بنو معروف، ويروي الشاعر المُعْمر نعمة العاقل أنّ جدّه كان من بين الذين وصلوا والشيخ لم يمت بعد، وإنّما كان يئن ويتأوّه من شدّة الألم وهو ملفوف باللّباد العجمي الذي يكاد أن يكون حِكْراً على وجهاء ذلك العصر، وعندما سأله عن حاله “كيفك يا أبو فارس”، سمعه يقول مُتَنَدّماً على ما فعله بـذلك الرّجل وهو يردد آسفاً “ياخَيِّيْ شْربنا الخَمر وعصينا الأمر، يا ليتني ما حرقت هذاك الزّلمة”.
لكنّ تلك الحادثة كانت نهاية ذلك الرّجل البطل، الذي لم يلبث أن فارق الحياة على أثرها سريعاً، ودُفن في مكانه الذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة، ويُروى أنّ جثمانه وُضع آنذاك في تابوت من البلّور. ويذكر معمرو ذيبين أنّ الشيخ سعيد مات شابّاً عن عمر لم يتجاوز خمسة وثلاثين عاماً، وبعضهم قال ستة وثلاثين، لكنّه وبشهاداتهم به، أنجز أعمالاً بطوليّة يعجز عن مثلها عَشَرات الرّجال
ويقول الشّاعر الشعبي فَوزات غبرة: لسعيد الأطرش فَضل على كل طفل في ذيبين، حماها من التعدّي وضَبَط حدودها، بعد أن كانت حدود بكّا تصل إلى البلديّة في وسط ذيبين، فما كان منه إلّا أن وضع الحدّ شمالاً عند وادي بكّا، وثبّت حق ذيبين في قناة الماء التي حملت اسمه إلى يومنا هذا. لكن غلطة الشاطر بالف فقد اختصر الشيخ سعيد حياة حافلة بالمجد بسبب عمل متسرع وافتقاده عند المقدرة لحس العفو أو الحنكة في التعامل مع الناس خيارهم وأشرارهم على حد سواء.

شهادة المجاهد منير الرّيِّس في رباطة جأش الدروز مع الموت

حسن حاطوم يولم لضيوفه وفي بيته جنازتان
لإثنين من أبنائه سقطا في معركة المسيفرة

يروي الصّحافي المجاهد منير الرّيس في الكتاب الذّهبيّ للثَّورات الوطنيّة في المشرق العربي “الثورة السورية” في معرض تأريخه لِما شهده وشارك فيه من وقائع الثّورة السّوريّة عام 1925، يقول “إنّ معركة المسيفرة معركة فذّة، تُعَدُّ من أعظم المعارك فخراً لأبناء معروف، وفي تلك المعركة استُشهد شابان من أبناء حاطوم (نَسِيَ الرّيس اسم الأب وهو حسن حاطوم) ويضيف: “أنّنا في يوم وصولنا من شرق الأردن رأينا المضافة مكتظَّة بالدُّروز وأخيراً عرفنا منهم أنهم جاؤوا لتعزية حاطوم صاحب الدّار الشّيخ بسقوط اثنين من أولاده، شهيدين في المسيفرة فتأثّرنا لذلك واستغربنا ألاّ نسمع صوت نحيب أو عويل في الدّار وشابّان من أهله يسقطان في المعركة وتُحْمَل جثّتاهما على جَمَل إليها ونحن فيها فلا نسمع أيضاً أيَّ صوت لنحيب أو عويل ثمّ يدخل علينا مُضيفنا والد الشّهيدين مرحّباً ولا نرى في عينيه أثراً للدّمع حُزناً على فِلذتين من كَبِدِه افتقدهما أمس في المعركة وجِئ بهما اليوم إلى داره جثتين داميتين. لقد ذُهلنا لرباطة جأش صاحب الدَّار وأهله ولكنّنا بعد أن خالطنا الدّروز وعرفنا مزاياهم أدركنا أنَّهم لا يُجيزون في الحديث الرَّحمة على مَيْتٍ مات حَتْف أنفه فالرّحمة في عُرفهم تجوز على القتيل في مواقف البطولة، وهذا المشهد الذي رأيناه يذكّرنا في صدر الإسلام بقول الفاتح العربي الكبير خالد بن الوليد وهو على فراش الموت :”إنّ في جسمي كذا طعنة رمح وكذا ضربة سيف وها أنا أموت على فراشي كالعَيْر فلا نامت أعين الجبناء” إنَّه الإيمان بأنّ الشَّهيد في معارك البطولة حيّ، وأنّ من العيب أنْ تُذرَف على من نال مرتبة الشهادة الدّموع. إنّهم يكتمون أحزانهم في قلوبهم ويبدون في المصائب غَيرَ هَلعين ولا وَجِلين فجديرٌ بنا أن نقتدي ببطولتهم ومآثرهم فهم عرب أقحاح يحافظون على المُثُل العربيّة ويتميّزون على غيرهم بكثير من الصّفات والمآثر الكريمة. ومن مآثرهم العربيّة الكرم والشجاعة والإباء وحماية الجار وهم لا يخضعون لزعمائهم خضوعاً أعمى فالزّعيم المُحتَرم لابدّ له من أن يكون مُبرِّزاً على أقرانه بالكَرَم أو الشّجاعة أو المروءة وهم شديدو الحرص على السّمعة الطيّبة والثّناء العاطر فقد ثاروا مرّات على الدَّولة العثمانية وتحدّوْا جيوشها لأسباب تمسّ على الأكثر إباءهم حتّى أصبحت حروبهم مع تلك الدّولة مبدأً لتاريخهم فيقولون سنة ممدوح باشا وسنة سامي باشا أو بعد ممدوح بسنة وقبل سامي باشا بعامين جرى كذا ووقع كذا أو وُلِد فلان وهم يحبّون الشِّعر وينظمون الشِّعر الشَّعبي بلهجتهم العاميّة وفيهم شعراء أذكياء سجّلوا أيامهم ووقائعهم ومعاركهم بقصائد لاتزال تُحفَظ وتروى، وتؤلّف المادة في حدائهم وأهازيجهم، وأظنُّ أنَّنا نذكر الشّعر الشّعبي الذي لحّنته المطربة “أسمهان” وغنّته بلحن الموّال وحفظناه إعجاباً بِرَوْعته ووطنيّته، إذْ يقول:
ياديرتي مالك علينا لوم لا تعتبي لومك على من خان

المناضل فؤاد جبور

المناضل فؤاد جبور يتذكَّر

استفزتني سياسة الحرتقات فقررت تحدي مختار البلدة

اعتقلت في السويداء بسبب بيان عنيف ضد الفرنسيين
طالبهم بحماية بلادهم من الألمان بدل استعمار الآخرين

قلت للمعلم بأن مشروع مياه البلدة متعثر بسبب الحرب
فأجابني : بدك تترك الناس بلا شرب حتى تنتهي الحرب؟!

“الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم لا للضّعفاء وأنت من الأقوياء، وعربون تقدير ووفاء أقدّم لك ميدالية المعلّم كمال جنبلاط”. بهذه الكلمات القليلة، المعبّرة، اختصر رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مسيرة المناضل الشّيخ أبو كمال فؤاد ملحم جبور خطّار (92 عاما) في الحفل التّكريمي الذي أُقيم له برعايته في بلدته باتر بحضور أهالي البلدة وفعاليّات شوفيّة، وأصدقاء المُكرّم وحشد من المدعوّين، بوصفه الصّديق الصّدوق لـِ “دار المختارة” منذ عهد السّتّ نظيرة جنبلاط، مرورًا بالمعلّم الشّهيد كمال جنبلاط، وصولًا إلى وليد بك جنبلاط، ونجله تيمور بك جنبلاط.
حفل التّكريم هذا دلَّ بالدّرجة الأولى على وفاء الزّعامة الجنبلاطية للمناضلين وتقديرها للرّجال الرّجال، وقد حرص وليد بك على أن يحضر بنفسه حفل التّكريم ويقدم الميداليّة، على سبيل إعطاء المثال للجميع بضرورة تقدير النّضال والتّضحيات وتكريم المبادئ والشّجاعة والصّدق والأمانة في الخدمة، وكلّ تلك الصّفات اجتمعَت في شخص هذا المناضل الصّادق والمتواضع أبو كمال فؤاد جبور خطّار.
لكنّ حفل التّكريم كان أيضًا عنوانًا لمسيرة عمر كامل من العمل والخدمة الصّادقة أنفق فؤاد جبور فيها حياته وشبابه ووقته وقدّم خلالها مثالاً على الثّبات في الالتزام والقدرة على تحمّل المسؤوليّات والاضطلاع بالمهمّات الدّقيقة فكان بذلك موضع ثقة المعلّم وكذلك ثقة الزّعيم وليد جنبلاط ونجله تيمور بك.
وفي هذا الحوار اللّطيف والحافل بالذّكريات والعِبَر وخصوصًا الحافل بشهادات ثمينة عن حياة المعلّم الشّهيد وحكمته وخصاله الرّفيعة تقوم مجلّة “الضّحى” بواجب الوفاء للمناضل أبو كمال فتعرِّف بالمحطّات الرّئيسة في حياته ونضاله
وهنا الحوار:

> أبو كمال فؤاد جبور، أين بدأت مسيرتك؟
كنت في التّاسعة من عمري، يوم أبلغنا والدي العائد من السّفر، نِيّته الانتقال إلى السّويداء للعيش هناك. أمّي لم تتقبّل الفكرة بادىء الأمر، لكنّها ونزولًا عند إصراره قبلت على مضض. وفي اليوم المحدّد للسّفر، انتقلنا من البلدة بسيّارة خاصّة لمحمود سلمان زين الدِّين إلى بيروت، ومن هناك توجّهنا إلى السّويداء حيث التحقت بإحدى المدارس. في تلك الفترة كان الجبل يعيش مخاض الاستقلال في ظلّ الحكم الفرنسي بعد تقسيم سورية إلى أربع دويلات هي: دويلة جبل الدّروز ودويلة الشام ودويلة حلب ودويلة العلويين. كان معظم سكّان الجبل وعلى رأسهم سلطان باشا الأطرش ورفاقه يرفضون فكرة الدّويلة الطّائفيّة، ويدافعون عن فكرة الوحدة السّورية وهم الذين خاضوا ثورة عارمة تكلّلت بالانتصارات في عدة مواقع ضدّ الفرنسيّين من أجل تحرير سوريا ووحدتها في العام 1925.
في العام 1936 ازداد عديد المطالبين بالوحدة، وعمّت التّظاهرات كلّ السّويداء للمطالبة بسورية موحدة. في ذلك الوقت كنت قد بلغت الثّانية عشرة من عمري، فشاركت لأوّل مرّة مع رفاق لي في تلك التّظاهرات. وأذكر أنّني عندما ذهبت لأقفل أبواب المحالّ التّجارية التي يملكها أبي لبيع موادّ البناء، صرخَ بي أحد الرّفاق بصوت عالٍ، قائلًا: هيّا أسرع، ولشدّة تأثّري ارتطم وجهي بباب المحلّ فجُرحت شَفَتي، وتحطّم زجاج الواجهة. هذه الحادثة استعيدها بفخر لأنّني اعتبرتها بداية مسيرة جهاد طويلة أعتزّ بها.

> كيف تعرّفت إلى الشّيخة أمّ كمال؟
كان ذلك في العام 1942، وكنت قد بلغت الثّامنة عشرة من عمري. في تلك السّنة أصرّ والدي أن يزوّجني، كي أرزق بالأولاد في حياته، وكأنّه كان يدرك أنّ أجله يقترب. كيف لا وأنا ابنه الوحيد، فلا أشقّاء لي ولا شقيقات، ولقد أوكل إلى عمّي مهمّة تدبير الأمر. أمّا أنا فلم أكن أعرف من أمور الزّواج شيئًا. بعد فترة طلب عمّي منّي مرافقته إلى قرية عِرى في الجبل من أجل التعرّف الى إحدى الصّبايا التي تمّ إرشاده إليها، قلت له أذهب معك لكن بشرط عدم الموافقة على أيّة فتاة قبل أن يتسنّى لي رؤيتها، فقال: اتّفقنا، فتوجّهنا إلى عِرى ولمّا رأيتها، قلت لعمّي الآن بإمكانك أن تفاتح أهلها رسميًّا بموضوع الزّواج. وهكذا كان وقد تزوّجت في تلك السّنة، بناءً لرغبة والدي، والحمد لله، رُزِقنا شبابًا وصبايا “بيفتحوا العَين”، وحسب نواياكم تُرزقون. وما زلنا حتى السّاعة نعيش أسعد أيّامنا، نحن وأولادنا وأحفادنا أنا والسّت أم كمال.

فؤاد-جبور
فؤاد-جبور

“أمضيت في سجن المزة أربعة أشهر بأمر الفرنسيين وكان سجنا مخيفا ثمأخلي سبيلنا واستقبلنا في جبل العرب استقبال الأبطال”

العودة الى باتر
> متى عدت إلى باتر؟ ولماذا ترشّحت لمنصب المُختار ضدّ آل حمدان؟
عدت مع أسرتي إلى باتر في أوائل العام 1947، وبسبب تربيتي في جبل العرب حيث لا يوجد أيّ تفريق أو حتى اهتمام بطائفة الشّخص (بل فقط بمبادئه ومواقفه) لم أكن أعرف يومها بوجود تفريق طائفي: هذا درزي وهذا مسيحي وذاك سنّي… وقد أخذ الأمر منّي بالفعل بعض الوقت في لبنان حتى أصبحت أُميِّز طائفة هذا أو ذاك.
في العام 1948، توفّي والدي، وكان وقْع المُصاب صادمًا بالنّسبة لي باعتباري ابنه الوحيد. وقد نشأت في كنَفه فأحسن تربيتي وغمرني بعطفه وحنانه، ولم ننسلخ عن بعضنا أبدًا ولم يفرّق بيننا إلّا الموت الحقّ، رحمه الله. وكانت تلك الفترة وتلك الرّفقة كافية كي أستكشف حياة قريتي بكلّ متطلّباتها ومتاعبها، وأدركت يومها ما يعانيه أهالي بلدتي من العوَز والإهمال، بسبب تسلّط إحدى الأسر الإقطاعية عليهم. وبحلول العام 1949 حدّدت الدّولة موعدًا لإجراء الانتخابات البلديّة والاختياريّة، فانشغل النّاس بهذا الاستحقاق، وراح البعض يروّج للمختار وهو الشيخ عارف حمدان داعيًا منحه ولاية جديدة. حيال ذلك الواقع رحت أسأل نفسي، لماذا تستمرّ الأمور على هذا النّحو؟ وما الذي يمنع تداول المسؤوليات وبالتّالي تغيير الواقع؟ وقرّرت بالفعل أن أقدّم ترشيحي منافسًا للمختار رغم أنّهُ كان قويًّا بعلاقاته وسطوته في القرية. وكان من أسباب قراري الترشّح ضدّه كونه لعب دورًا مباشرًا في إعاقة إيصال الهاتف إلى القرية. كان والدي قد سعى جاهدًا من أجل تأمين وصوله قبل وفاته مستفيدًا من صداقة وثيقة كانت تربطه بالشّيخين بهيج ومنير تقيّ الدّين. وقد استفزّني من المختار ذلك الموقف الذي يرفض الخير للبلدة لكونه سيتم عن غير طريقه، ورأيت في موقفه ذاك قمّة التّصرّف غير المناسب لروح العصر إذ تدخّل الشيخ عادل حمدان قريبه وصديق الرّئيس كميل شمعون من جانب آخر لعرقلة المشروع وتمكّن بالفعل من إيقافه.
أبلغت عمّي بنيّتي منافسة المختار فأجابني بالقول: “شو بدّك بـها الشّغلة” أمّا خالي، فقال مُعلّقاً: من أين أتى ابن شقيقتي بكل هذه الثّقة بالنفس؟ وعلى ماذا يعتمد؟ لكنّني تابعت ترشيحي وخضت الانتخابات ونلت سبعة أصوات زيادة عن المختار السّابق رغم التدخّل الشّخصي من قبل عادل حمدان ضدّي.

“ذهبت بعد فوزي مختارا لأخذ بركة الست نظيرة فتأملتني مليا (وكنت في سن الـ 25) ثم قـــــالت:»مْبَكِّر يا بعدي!”

> كيف نظرت إلى تلك النتيجة؟
كانت مفاجأة إيجابية لأنّها كسرت قيودًا وحرّرت نفوسًا وأظهرت للنّاس أنّ بإمكانهم أن يغيّروا، لكن عليهم أن يتضامنوا، كما أظهرَت أنّك إن كنت مؤمنًا بشيء ما فإنّ من الممكن أن تحقّقه، لكن عليك أوّلًا أن تثق بنفسك. وأودّ الإشارة هنا إلى أنّ أجواء البلد بعد الاستقلال كانت قد بدأت تتغيّر وكانت هناك أفكار تحرّرية بدأت تنتشر.
كان الزّعيم كمال جنبلاط في تلك السّنة يُعدُّ لإطلاق الحزب التقدّمي الاشتراكي وكان قد اشتُهر أصلًا كزعيم يمتلك من صفات التّواضع ومناصرة الفقراء ما جعل النّاس تفكّر فعلًا في التّغيير. وقد حصل ذلك… ولوعلى نطاق قرية من خلال مثال باتر.
> كيف توطدت علاقتك مع الست نظيرة جنبلاط، ومع كمال بك، وماذا كان موقفهم منك بعدانتخابك مختاراٌ؟
في الحقيقة، لم أشعر بأنّ “المختارة” وقفت ضدّي في الانتخابات. ولكن في أوّل زيارة قمنا بها إلى “الدّار” أنا والأعضاء الذين نجحوا معي، وفي لقائنا بالسّتّ (نظيرة) نظرت إليّ نظرة تأمّل، وتساؤل، وقالت: (مبكِّر يا بَعدي)، قلت لها: المعركة فُرضت عليّ، ونحن هنا لأخذ البرَكة. هذه الزّيارة كانت فاتحة لزيارات عديدة فيما بعد. ساعدتني في بناء علاقة وطيدة جدًّا مع كمال بك. وبالمناسبة أعترف أن أفضاله كثيرة عليّ، لا يمكن أن أنساها، وقد ساعدني على تنفيذ العديد من المشاريع التي كانت بلدتي في حاجة لها.
لقد وضعت نصب عينيَّ منذ لحظة انتخابي مختارًا، حاجة البلدة لمشاريع إنمائية مُلحّة كان أوّلها تجميع مياه الشّفَة وتوزيعها على الأهالي، بعد ما كانت مصادرة من قبل بعضهم. وكنت عرضت الأمر على كمال بك، فقال لي: ابدأ بالعمل وأنا معك.
في البداية حدّدنا قيمة المساهمة لكلّ بيت بـ 50 ليرة، ثمّ ضاعفنا المبلغ ليصبح مئة ليرة. لكنّنا لم نتمكّن من إنجاز المشروع بإمكاناتنا المحدودة. وكنت في كلّ مرّة ألتقي فيها المعلّم، يسألني: أين أصبح “مشروع المَيّ”؟ في ذلك الوقت كانت رياح الثّورة الشّعبيّة في العام 1958 قد بدأت تهبّ على لبنان، وبالأخصّ منطقة الجبل، فقلت له: يا بيك، كيف يمكننا العمل والبلاد بحالة حرب، فأجابني: بدّك تترك النّاس بلا شرب حتى تنتهي الحرب؟. بعد مدّة سألني عن المشروع، فأخبرته باستناف العمل، فانفرجت أساريره وقال لي: سأرسل لك جوزف سركيس، فهو صاحب خبرة في هذا المجال. حينذاك كنّا قد انتهينا من بناء الخزّان، ولم يعد ينقصنا إلّا مولِّد يعمل على البنزين أو الدّيزل لضغط المياه صعودًا حتى تصل إلى الخزّان الموجود في أعلى البلدة ، فتبرّع سركيس بتقديمه لنا بناءً على توجيهات الـمعلِّم. وهذا واحد من عدّة مشاريع نفّذناها بمساعدته.
بعد نهاية الثّورة وانتخاب قائد الجيش اللّواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهوريّة. تقرّر إجراء الانتخابات النّيابية، فاتّفقنا على مقاطعتها، وتقدّمنا بعريضة علّلنا فيها سبب المقاطعة، باعتبار أنّنا لم نتلقَّ أيّة مساعدة من الدّولة، لا بموضوع المياه، ولا بخصوص الهاتف. وعلى الأثر تمّ استدعاؤنا بطلب من العقيد غابي لحّود، فذهبت إليه مع اثنين من الأعضاء هما: الياس سبع الحدّاد، والشّيخ أبو حسن سليمان عوده. وقبل الاجتماع به اقترحت على رفيقيّ استشارة الشّيخ منير تقيّ الدّين بالأمر، وكان يومها مديرًا للدّفاع فطمأننا بأنّ ما فعلناه هو عين الصّواب، ولن يحصل ما يكدّر خاطرنا لأنّنا أصحاب حقّ. ولما اجتمعنا به، سألنا عن الدّوافع التي تجعلنا نقاطع الانتخابات. فشرحنا له مانعانيه من حرمان وإهمال، فتفهّم موقفنا ووعدنا بأنّه سينقل ملاحظاتنا إلى الرّئيس شهاب.

المعلم-كمال-جنبلاط-مع-المجاهدين-في-ثورة-العام-1958
المعلم-كمال-جنبلاط-مع-المجاهدين-في-ثورة-العام-1958

“المعلم كمال جنبلاط هب إلى نجدة منكوبي زلزال 1956 ومواساتهم وشارك بنفسه في رفع الأنقـــــاض ثم في ترميم البيوت المهـــدّمة”

> كيف أخذت طريقك إلى رئاسة البلديّة؟
كان قرار إنشاء البلدية في باتر قد صدر أثناء تولّي كمال بيك وزارة الدّاخلية، وأنا كنت حينها مختارًا، فانتُخب يومها ملحم رفاعة صافي رئيسًا للبلدية. لكنّه استقال بعد فترة وجيزة، وعلى الأثر حصل توافق في البلدة تمّ بموجبه انتخابي رئيسًا للبلديّة، والشّيخ أبو حسن سليمان عودة مختارًا. ربّما كان ذلك وفاءً لنا على الإنجازات التي حقّقناها في تلك الفترة بمجهود فرديّ وشخصيّ في غالب الأحيان.
> كيف أخذت طريقك إلى رئاسة البلدية؟
قرار إنشاء البلدية قي باتر، صدر أثناء تولي كمال بيك وزارة الداخلية، وأنا كنت لا زلت مختاراً فانتخب يومها ملحم رفاعة صافي رئيساً للبلدية. لكنه استقال بعد فترة وجيزة، وعلى الأثر حصل توافق قي البلدة تم بموجبه إنتخابي رئيساً للبلدية، والشيخ أبو حسن سليمان عودة مختاراً. ربما كان ذلك وفاء لنا على الإنجازات التي حققناها في تلك الفترة بمجهود فردي وشخصي في غالب الأحيان.

> ماذا عن زلزال 1956 ودوركم في مساعدة المنكوبين؟
الزّلزال الذي ضرب لبنان سنة 1956، لم تسلم منه باتر، وأدّى ذلك إلى تهدّم عدد من المنازل وتشرُّد أصحابها. وأوّل عمل قمت به بصفتي مختارًا كان تشكيل لجنة لإحصاء الأضرار وتنظيم المساعدات، وتأمين السّكن العاجل للعائلات التي تشرّدت، حتى لايتحكّم بنا بعض المتنفّذين. فاضطررنا لإيوائهم عند أقاربهم في بداية الأمر حتى وصلتنا مساعدة ماليّة من الأستاذ أسعد النجار، أمَّنّا بموجبها بعض الخِيَم التي استعملناها لإيواء المنكوبين إلى أن تتم إزالة الأنقاض والبيوت المهدّمة.
المعلم كمال جنبلاط هبّ إلى نجدة منكوبيّ زلزال 1956 ومواساتهم وشارك بنفسه في رفع الأنقـــــاض ثمّ في ترميم البيوت المهـــدّمة، وكان أوّل الذين مدّوا لنا يد المساعدة، ولم يكتفِ بإرسال المساعدات بل حضر شخصيًّا لتفقُّد المنكوبين وتقديم ما يلزم من احتياجات، وعمل معنا في بناء البيوت المهدّمة، وكان ذلك تواضعًا منه، كما كان يتابع ما كنّا نقوم به خطوة خطوة.
ذات مرّة، كنا قد وُعدنا بمساعدة هي عبارة عن موادَّ للبناء، لكنّهم تأخّروا بإرسالها وأرسلوا بدلًا منها سيارة بيك آب محمّلّةً بالطّحين فرفضنا استلام الشّحنة، وأمرنا السّائق أن يعيدها من حيث أتى بها لأنّنا بحاجة إلى موادّ بناء لإعادة إعمار ما تهدّم، ولسنا جائعين حتى يرسلوا لنا طحينًا. هذه الحادثة تركت أثرًا إيجابيًا لدى الـمعلِّم فقال لبعض من طالبوه أن يساعدهم في أمرٍ لم يكن مقتنعًا به: “إذهبوا وتعلّموا عزّة النّفس من أهالي باتر”!.

“أعتز بأن المعلِّم منحني ثقة لم يمنحها إلا لقليل من الناس، حتى أنه عرض عليّ التواجد الدائم في القصر أثناء غيابه لمدة شــــهر في أميركا”

> كيف توجز لنا علاقتك الشخصية مع المعلم
ايمكنني بكلمات قليلة أن أصف علاقتي بزعيم كبير بقامة المعلّم الشّهيد كمال جنبلاط. كما ذكرت في بداية هذا الحوار، فمنذ لحظة انتخابي مختارًا ذهبت بزيارة تعارُف إلى “المُختارة”، ومنذ ذلك الحين لم تنقطع لقاءاتي به إلى حين استشهاده. مرّة في الأسبوع أو كلّ أسبوعين على أبعد تقدير، وقد استمرّت تلك العلاقة من بعده مع وليد بك، ولولا التقدّم بالسّن لما تردّدت في زيارة “المختارة” على الدّوام. وهنا لابدّ لي من الاعتراف أن أفضال المعلّم عليّ لا عَدّ لها ولا حَصْر.
وأهمّ ما في هذه العلاقة كانت الثّقة الكبيرة التي منحني إيّاها، وأعتقد أنّه لم يمحضها إلّا لقلّة من النّاس. وأذكر على سبيل المثال أنّه في العام 1955 أوفد سائقه سامي نمور بطلبي، يومها لم يكن عندي سيّارة فاستمهلته بعض الوقت حتى أجهّز نفسي ثم ذهبت برفقته إلى “المختارة”، وعندما أبلغوا المعلم بقدومي أمر بدخولي إليه في الحال، ولمّا رآني قال لي: أرسلت بطلبك لأنّني مضطرّ للسفر إلى أميركا وقد يستغرق غيابي نحو شهر. أريد منك التّواجد في القصر طوال فترة سفري. شكرتُه على هذه الثّقة واعتذرت منه لعدم تمكّني من تلبية رغبته لأسباب خاصّة. فتفهّم عُذري، وقال لي: ما رأيك لو نذهب سويًّا إلى بيت الدّين لنبلغ القائمّقام بموضوع السّفر، وأنت تأتي إلى المختارة مرّةً كلّ أسبوع وإذا احتجت لأيّ شيء يكون لديه عِلم على الأقلّ، ثمّ أردف: “أتعرف يا فؤاد أنّ بلاط هذا القصر فيه سرّ كبير، والمشي كتير عليه بينزع الإنسان”.
أيضًا، مرّة أُخرى، طلب مِنّي مرافقته “لمعايدة” الإخوان المسيحيين في المختارة، وكان كلّما قدّموا له الضّيافة يناولني إياها ويقول لي: لاتنزعج منّي فأنا لا أحبّذ هذه الأمور. أمّا المشوار الأهمّ فكان لحاقنا به، أنا وفؤاد أبو شقرا وشخص آخر من بيت رسلان إلى منتجع (الحِمّة) في منطقة الجولان السّورية، و قد كان سابقًا تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ( ملاحظة من المدقّق: لم يكن حينها احتلال في الجولان يرجى التأكّد من المعلومة أخي أبا هاني) وينخفض ذلك المنتَجع عن سطح البحر نحو 300 متر. كان برفقته يومها الزّعيم شوكت شقير، وكنّا لانعرف مكان الحمّة بالتّحديد، ولما بلغنا القنيطرة أخبرت رفاقي بأنّ لي ضابط صديق يدعى جادو عزّ الدين، وهو سيرشدنا إلى ذلك المكان، لكنّنا للأسف لم نجده، ولمّا بلغنا (الحِمّة) حاولنا الدّخول فمُنعنا من قبل الجنود المكلّفين حراسة المنتجع. قلنا لهم إنّنا من رفاق المعلّم، وفي تلك اللّحظات رأينا المعلّم يهم بالخروج وإلى جانبه مزيد عزّالدّين يقوم بوداعه، فعندما رآني صرخ بي أهلًا فؤاد عندها قال المعلّم: “شو يا عمي واصل نفوذك إلى هَوْن”.
من الميّزات المهمّة عنده أيضًا أنّه كان يرفض أيَّ شكوى ضدّي، ولكن يبدو أنّ أحدهم قد شكاني عنده لأمر يخصّه، وعلى أثر الشكوى تلك قال المعلّم لي: “معليش ها الجماعة ركّبلن لمبة ولو كانوا ضدّنا بالسياسة خليهن يقشعوا مثل غَيْرُن”.

> ما هي أبرز المهام التي كلفت بها من قبل المعلم؟
عندما اندلعت الثّورة في العام 1958، كنّا مجموعة أشخاص قريبين جدًّا من “المختارة”، وكنّا على استعداد لتنفيذ كلّ ما يطلب منّا. كانت المهام كثيرة ومتشعّبة، ولم نكن نتوانى عن أيِّ عمل. وأذكر أنني رافقت المعلّم للقاء العميد جميل لَحُّود في محلّة “ساقية فلقة” الكائنة تحت قلعة نيحا، على طريق باتر- جِزّين. ومن شدّة البرد القارس أصبت منذ ذلك التّاريخ بألم في المعدة، وما زال يلازمني حتى اليوم. وغالباً ما كنت أُكلَّف من قبله بمهامّ سياسيّة ذات طابع عسكري، وبالأخصّ في الحرب الأهليّة عام 1975. كان عليّ المحافظة على علاقة حسن الجوار مع أهالي جِزّين وجوارها. وفي العام 1976 كنت مسؤولاً عن القاطع 20 الممتدّ من مزرعة الشّوف إلى باتر.
في الانتخابات النّيابية التي كانت تُجرى في السّتّينيات والسبعينيّات كان المعلّم يطلب منّي الذّهاب إلى جبل العرب لاستنهاض الهمم والطّلب من الأهالي الذين لايزالون مسجّلين في لبنان ضرورة المشاركة بالانتخابات والتّعبير عن آرائهم، وكانوا مجموعة لا بأس بها. كذلك رافقته في زيارات لكبار الشّخصيّات، من بينهم شيخ العقل محمّد أبو شقرا في دارته في بعذران. يومها اشتكى سماحته للمعلّم من شدة الأرق الذي يصيبه بسبب ظروف البلد، فضحك المعلّم وقال له: “أنا من هذه النّاحية مختلف عنك، إذ لو كنت أحمل هموم الدّنيا كلَّها فإنني أضعها جانباً وأخلد إلى النّوم”

“كلفني وليد بك مع توفيق بركات بحماية متروكات المسيحيين وإحدى المهمات التي أعتز بها كانت تنظيم العلاقة مع أهالي «جزين»”

مع وليد بك جنبلاط
مع وليد بك جنبلاط

“اشتكى الشيخ محمد أبو شقرا من شدة الأرق بسبب الأحداث فضحك المعلم وقال له لو أنني كنت أحمل هموم الدنيــا كلها فإنني أضعها جانبا وأخلد إلى النوم”

> كيف تصف علاقتك مع وليد بك؟
كان وليد بك يعرف عمق العلاقة التي كانت تربطني بوالده، وهو يعرف كلّ أصدقاء الدّار، ولقد كلَّفني بمهامّ عدّة منها التّواصل مع عدد من المرجعيّات في القرى والبلدات، وإجراء المصالحات وحلحلة المشاكل. وكان يرافقني في هذه المهمّة مختار عمّاطور السّابق المرحوم نجيب أبو شقرا، والمرحوم فوزي عابد، والسّيد فوزي زين الدّين، وشخص من آل خضر. ومن المهام التي وكَّلني بها وليد بك: ترتيب العلاقة مع أهالي جِزّين، والمحافظة على متروكات الأخوة المسيحيّين وقمت بذلك أنا والمرحوم توفيق بركات، واستمرّينا في هذه المهمّة حتى تأسيس الإدارة المدنية. ولما احتدم الخلاف مع الشّيخ بهجت غيث أوفدني إلى جبل العرب لشرح موقفه من مشيخة العقل.

> كلمة أخيرة ؟
أثّرت فيّ كثيرًا بادرة الزّعيم وليد بك جنبلاط وهي ليست غريبة أبدًا عن هذه الأسرة النّبيلة التي خدمت الموحّدين والطّوائف اللّبنانية كلّها دون تمييز، وحافظت على الوطن وعلى القِيَم النّضالية في أحلك الظّروف بل ودفع الكثير من رجالاتها حياتهم ثمنًا لمواقفهم ولنضالاتهم، وها نحن سنحتفل بعد أيام بذكرى استشهاد المعلّم كمال جنبلاط وهي ذكرى لها رمزيّتها الكبرى بالنّسبة لجميع المناضلين الشّرفاء. وأهمّ شيءٍ أنّ الله أعانني على أن أمضي حياتي منسجمًا مع مبادئي، وأنا فخور بأنّ لي رفاقًا كثيرين من المناضلين والشّهداء عملت وإيّاهم في سبيل تلك المبادئ. وأنا مرتاح الضّمير لما قمت به والحمد لله.

محمود دلال

مجلّــــــةُ «الضُّحـــى» تفقـــــدُ أحـــدَ أمنائِهــــــا المؤسّسيــــن

رجلُ الأعمال والمُحسن
محمـــود سَلمـــان دَلال
صَرْح نجاحــات وريــــادة في العمل الاجتماعــيّ

كفاءته فـي التّنفيــذ والمواعيـــد قرّبــاه من الحكومــة السّعوديّــة
فصُنِّفت شَرِكتُه في الفئة الأولى ومُنِحت المشاريــــع

“الضُّحى”: راشيّا
فقدت بلدة راشيّا والوطن ومجلّة “الضّحى” ركناً من أركان العمل الاقتصاديّ والخّيْريّ في لبنان هو رجل الأعمال المهندس المرحوم محمود سلمان دلال أحد مؤسسي عمليّة إعادة إطلاق المجلّة في العام 2010 وعضو مجلس الأمناء فيها. كما أنه أحد أبرز المغتربين اللبنانيين في المملكة العربيّة السّعوديّة في حقل المقاولات وصناعة الألومنيوم وله مشاريع عقاريّة وأعمال واسعة في لبنان كما أنّه من أبرزالنّاشطين في العمل الخَيري والاجتماعي.
انتقل الفقيد إلى جوار ربّه بتاريخ 4 شباط من العام 2016 عن عمر ناهز 66 عاما مُخَلّفاً أسرة كريمة تضمّ زوجته السيدة ليلى مكارم وأولاده كريم وريّان ونادين وناتاشا وتانيا الذين يتابعون إدارة أعماله ورسالته الاجتماعيّة على أتمِّ وجه ليكونوا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف. وقد أقيم للفقيد مأتمٌ مهيب في بلدته راشيّا وتقاطرت الوفود والشّخصيّات للتّعزية بفَقْده في راشيّا وفي دار طائفة الموحّدين الدروز في بيروت.
والد الفقيد هو المرحوم سلمان دَلال، أحد المهاجرين الأوائل إلى فنزويلّا حيث تمكّن بجهاده وصيته الحسن من جمع ثروة عاد بها إلى لبنان ليستثمرها في شراء العقارات والأبنية في منطقة الحمرا بيروت خصوصا في شارع المكحول إضافة إلى منطقة مارمخايل حيث أُطلق على أحد الشّوارع اسم شارع دلال نسبة إلى المغترب سلمان دلال نظراً لما يمتلكه من عقارات وأبنية في تلك المنطقة. وبعد عودته من المهجر عمل سلمان دلال في مجال المقاولات وشراء العقارات وتشييد الأبنية التي كان يقوم بتأجيرها أو بيعها. وقد رُزِق سلمان دلال بعشرة أولاد هم محمود وتوفيق ومنير وزياد وبسام ورجا وسمير وأحلام وأميرة وسميرة التي توفّيت منذ زمن سَهِرَ على تعليمهم وحَرِص على متابعتهم حتى تخرّجوا من الجامعة الأمريكيّة كما توفّيَ أحدُ الأخوة وهو رجا في حادث أليم في بيروت قبل سنوات.
محمود هو الابن البكر لسلمان دلال وُلِد في بلدة راشيّا في 12 تشرين الثّاني من العام 1949 لتنتقل العائلة في ما بعد إلى بيروت. درس في مدرسة المنصف ثمّ في ثانوية الـ “ آي سي “ (IC) حيث تابع دراسته الثّانويّة لينهي هذه المرحلة بتفوّق، ولينتقل بعدها إلى الجامعة الأمريكيّة ليتخرّج منها مهندساً مَدنيّاً
بعد تخرجه من الجامعة الأمريكية انتقل محمود الى المملكة العربية السعودية فعمل أولا في “شركة الحافظ للمقاولات” وارتقى سُلم النجاح ليحظى بمكانة مرموقة داخل الشّركة بسبب تفانيه في العمل وحسن تعامله مع الجميع. بعد ذلك انتقل محمود إلى العمل الخاصّ فأسّس أولى شركاته وكانت شركة المقاولات التخصّصية المحدودة في مجال البناء والتعهّدات في مدينة جدّة السّعودية إلّا أنّ أعمال الشّركة توسّعت في ما بعد لتشمل كافّة أنحاء المملكة.

طلاب كثيرون استفادوا من برنامج محمود دلال للمنح الجامعية
طلاب كثيرون استفادوا من برنامج محمود دلال للمنح الجامعية

كفاءة عالية وأخلاق
وبسبب كفاءته والتزامه بأعلى مواصفات العمل والتّسليم على الوقت حظي محمود دلال باهتمام الحكومة السّعودية التي بدأت تكلّفه بتنفيذ المشاريع الحكوميّة مثل المستشفيات والمدارس والأبنية الحكوميّة فنالت شركته تصنيف الدّرجة الأولى بين شركات المقاولات وكان المرحوم يعمل على تشييد جامعة “ أبحُر “ عندما هاجمه المرض وأدّى إلى وفاته بعد فترة قصيرة. وأسس محمود أيضاً مصنعاً للألومنيوم في مدينة جدّة أصبح أحد أكبر المصانع في المملكة من حيث الطّاقة الإنتاجيّة.
في لبنان أسّس محمود دلال شركة “مجموعة دلال للاستثمار العقاريّ” التي تستثمر في تشييد الأبنية ومركزها بيروت وهي تمتلك فندق سكاي سويت “ sky suit“ إضافة إلى محفظة عقارات وأبنية في بيروت وضواحيها.
وكان لمحمود دلال دور كبير في الاهتمام بأخوته نظراً لأنّه كان كبيرهم وتسلّم أكثر الأعمال من والده وتدرّج في الأعمال الحرّة وأسّس أعمالا جديدة وتمكّن كلٌّ من أشقّائه بذلك من شقِّ طريقه وتأسيس أعماله. كما أنّه وفّر لشباب المنطقة والخرّيجين اللّبنانيين العديد من فرص العمل في شركاته في المملكة العربيّة السّعوديّة وفي لبنان.

رائد في رعاية الشباب
يُعتَبّرُ محمود دلال رائداً في رعاية الشّباب وتقديم المنح الدّراسيّة لأبناء منطقته راشيّا، وهو الذي تبنّى تعليم عدد كبير من الطّلبَة في الجامعة الأميركيّة وغيرها، كما أنّه من بين المتبرّعين الدّائمين للجامعة الأميركيّة وللعديد من المؤسّسات التّعليميّة في منطقة راشيّا، ومن أبرز أعماله تقديم مساعدات السّكن للطلّاب الذين لا تسمح ظروفهم بالسّكن في بيروت.
على الصّعيد الاجتماعيّ اضطلع محمود دلال بدور بارز في دعم جهود التّنمية في منطقة راشيّا بما في ذلك إنشاء عدد من القاعات العامّة في بعض قرى وبلدات القضاء كما اهتمّ بالمحتاجين خصوصاً في فصل الشّتاء وقدم المعونات الماليّة للكثير من العائلات.

توفيق عساف

تَوْفيق عّساف

قِصّةُ رجلِ أعمــــــالٍ أحــــبَّ النّــــاسَ
فأحبّـــــوه وحفــــــــظ ودَّ الوطــــــــن

غسّان عسّاف:

آمنَ باقتصادٍ حُرٍّ لكنْ ليس للأغنياءِ وحدَهم
وكان رائدًا في الاهتمام بالمؤسّسات الصّغيرة

ربطتهُ صداقةٌ فكريّةٌ بالشّهيد كمال جُنْبُلاط
وذات يوم سأله: لماذا لا تترشّحُ نائبًا عن عاليه؟

يُقدّم المرحوم الشّيخ تَوْفيق عسّاف في الكثير من جوانب مَسيرة حياته الحافلة نموذجًا لحياة الكفاح التي تميّزت بها حياة المهاجرين اللّبنانين في كلّ البلاد التي ذهبوا إليها، فهي حياة البدايات الصّعبة والتّرحال والكفاح والسّهر لكنّها في الوقت نفسه المهارة اللّبنانية في أخذ الفرص واقتناص اللّحظة، وقد نجح توفيق عسّاف بتوفيقٍ من الله في إنشاء مؤسّسة كبرى ماليّة صناعيّة لكنّ نجاحه لم يغيّر فيه على الإطلاق طبيعته الإنسانيّة وشخصيّته الدّمِثة المهتمّة بقضايا النّاس، وهو الذي اعتبر نفسه على الدّوام واحدًا منهم وتعلّم من تجربة كفاحه الصّعب احترام كفاحهم والسّعي بكلّ وسيله لمساعدة ضعفائهم. لكنّ توفيق عسّاف كان أيضًا رجل مواقف وصاحب شخصيّة طيّبة، لكن صريحة فكان بالتّالي صادقًا صدوقًا في مواقفه العامّة، وعلى هذه الصّداقة بُنِيَت في ما بعد صداقاته مع زعامات البلد مثل المعلّم الشّهيد كمال جنبلاط والمغفور له الأمير مجيد أرسلان وغيرهم. ولقد أصبح الرّجل في وقت معيّن نقطة التّلاقي بين القطبين الدّرزيّين ورجل المواقف الذي يعتمد عليه في الدّفاع عن حقوق العشيرة والوطن في آن. كما قَيِّض القدر للشّيخ توفيق عسّاف أنْ يلعبَ دورًا مهمًّا في تمثيل الموحّدين الدّروز في اتّفاق الطّائف بتنسيق مع القيادة السّياسيّة للطّائفة، وقد لعب دوره كاملًا خصوصًا في الدّفع باتّجاه تأسيس مجلس للشّيوخ يكون برئاسة شخصيّة درزيّة. فماذا نعرف عن تَوفيق عسّاف وعن إنجازاته العمليّة والدّور المهمّ الذي لعبه في الاقتصاد الوطنيّ وفي الحقل العامّ؟

بيتُ فَضيلةٍ وكفاح
وُلِدَ تَوفيق عسّاف في العام 1915 في بلدة عَيتات قضاء عاليه لـ “عائلة أجاويد مُتَواضعة” كما يصفها ابنه الأستاذ غسّان الذي يَتولى منصب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيروت والبلاد العربية، افتقد منذ وقت مبكّر حنان الأب عندما اضطُرّ والده، وسط ظروف الضّنك والفَقر التي نجمت عن الحرب العالميّة الأولى وكوارث أخرى مثل الجراد للهجرة إلى أميركا الجنوبية، وكان توفيق الثّالث بين خمسة أطفال تحتّمَ على والدتهم أن تهتمّ بأمر تربيتهم ومعيشتهم. ويبدو أن تَوفيق الشّابّ تأثّر كثيرًا بأمّه التي ربّته على حُبّ النّاس والأخلاق الرّفيعة منذ نعومة أظفاره، إذ كان توفيق ما زال صغيرًا عندما توفّي والده فعاش فترةً من حياته يتيم الأب، لكنّه تلقّى رعاية تامّة من والدته القديرة والتي اعتبر دومًا أنّها لعبت أكبر دور في حياته. ومع دخوله مرحلة الشّباب استشعر توفيق القوة والبأس في جسده فمال إلى الرّياضة ولاسيّما لعبة الملاكمة وصعد في صفوف أبطالها ووصل به الأمر إلى منافسة بطل لبنان في الملاكمة في ذلك الوقت إدمون زعنّي.

“شنَّت «كوكا كولا» حربَ أسعارٍ على تَوفيق عسّاف فردّ بـ «حرب جوائزَ» فوريّة زادت شعبيّة الببسي ومكّنتها من أخذ نصــــف السّـــــوق في 15 عامًا”

الأستاذ غسان توفيق عساف رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيروت والبلاد العربية
الأستاذ غسان توفيق عساف رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيروت والبلاد العربية

في أرضِ الله الواسعة
مع وفاة والده واجه توفيق الشّاب وضعًا جديدًا ودقيقًا إذ إنّه كان مازال فتًى يافعًا عندما اضطُرّ إلى تحمّل المسؤوليّة رغم صِغَر سنّه، وقد مارست والدته ضغطًا قويًّا عليه لتَرْك لعبة الملاكمة والبحث عن مهنة يستطيع من خلالها أنْ يساهم في تَكلفة معيشة الأسرة وأشقّائه الأصغر سنًّا. تقلّب توفيق الشّاب في عدد من الأعمال لكنّه قرّر في العام 1935 (وكان في العشرين من العمر) الهجرة الى أفريقيا وتوجّه إلى ليبيريا، لكنّه لم يمكث هناك أكثر من سنة إذ شجّعه أخوه الكبير يوسف، الذي كان بمثابة والده،على الانتقال إلى فنزويلّا حيث كان يعمل في تجارة الأقمشة.
كانت فنزويلّا وقتها من أكبر الدّول المنتجة والمصدِّرة للنّفط في العالم وتعوم على ثرَوات كبيرة كما أنّ نظامها الاقتصاديّ كان ليبراليًا ومفتوحًا لمختلف أنواع الهجرة من الخارج

“نجاحُهُ العمليُّ وسمعتُه الطّيِّبةُ جعلاهُ المرشّحَ المفضّلَ للمشاركةِ في تأسيس بنك لبنانَ والبلادِالعربيّة و80% من أسهم البنك أصبحت ملكًا لآلِ عســـــاف”

الثّروةُ الأولى
كان لتوفيق عسّاف بُعْد نظر تجاريٍّ، فلاحظ أنّ السّوق في حاجة لأنواع وكميات محدّدة من الأقمشة، لكنّه لم يكن يملك رأسمالًا كافيًا لتوسيع تجارته، وبسبب موهبته في بناء العلاقات وشخصيّته الموثوقة وجد من يقبل بتسليمه البضائع على الحساب، إذ إنَّه عرف كيف يلبّي طلبيّات السوق، ولمسَ بعض التّجار مهارته تلك فأمدّوه بكلّ ما يحتاج، وعلى أثر ذلك نمت تجارته بسرعة وبات من اللّاعبين الكبار في السّوق، كان ذلك النّجاح المصدر الأوّل لبناء ثروته الاغترابيّة. لكنّه بينما كان يحصد ثمار عمله وثقة النّاس لم ينشغل عن المهنة الأهمِّ التي يحبها وهي: خدمة النّاس، إذ حفَّزه نجاحه للاهتمام بشؤون الجالية اللّبنانية ومساعدة أبنائها، كما أنّه وجد نفسه أيضًا في بؤرة الضّوء عندما انبرى للردِّ على حمَلاتٍ أرادت تشويه صورة العرب واللّبنانيّين، حينها كان قد أصبح شخصيّة عامّة بين المهاجرين من بلاد الشّام بوجه الإجمال.
هل كان نجاح توفيق عساف في فنزويلّا نتيجة عمله فحسب أم حالفه الحظُّ أيضًا؟
هذا هو السّؤال الذي يطرحه البعض عادة في محاولة تفسير بعض النّجاحات ، وهم يشيرون مثلا إلى أن كثير من الناس يبذلون الجُهد ويكافحون لكنّ النّتائج لا تأتي متساوية، كما أنّ النّجاح والشّهرة لا يكونان إلّا نصيب قلّة.
يَعتبر الأستاذ غسان عسّاف أنّ من الصّعب الفصل بين ما يُسمّى عامل الحظّ وبين عامل الموهبة أو الجهد الشّخصيّ. فتوفيق عسّاف كان شخصًا مكافحًا وطموحًا لكنّه أوتيَ زيادة على ذلك شخصيّة محبّبة وأخلاقًا رجوليّة طيِّبة تجتذب النّاس إليه وتجعله يستحقُّ ثقتهم، وربّما يعتبر البعض هذه الصّفات بمثابة عامل “الحظِّ” وهذا قد يكون صحيحًا بشرط امتلاك موهبة المبادرة والفاعليّة الشّخصيّة والتّميُّز بين الآخرين.
جميع المهاجرين كانوا مكافحين فعلًا لكنّ معظمهم حصر اهتمامه بتأمين لُقمة العيش أوبناء ثروة صغيرة ولم تكن لهم موهبة بناء العلاقات الشّخصيّة وكسب ثقة النّاس كما فعل “الوالد الذي توسّعت علاقاته إلى أن عقد صداقة مع أكبر رجال الأعمال في فنزويلّا”. ويَعتبر غسّان عسّاف أنّ “هذا النّجاح في بناء شبكة العلاقات والصّداقات والسّمعة الطيّبة التي بناها الوالد ساعداه كثيرًا في تنمية أعماله، لأنّ الثّقة مع الموهبة هي أهمّ أسباب النّجاح. وكلّ شخص يضع نفسه في المكان المناسب يجذب الحظَّ إلى ذلك المكان”.

مع-الرئيس-الأميركي-ريتشارد-نيكسون
مع-الرئيس-الأميركي-ريتشارد-نيكسون

العَوْدةُ إلى الوطن
على عكس ما يتوقّع المرء فإنّ جَمْعَ تَوفيق عسّاف لثروة مُحترمة في المهجر لم يجعله يتعلّق بالاغتراب أو يستبدل وطنه الذي ترعرع فيه بالمُغْتَرَب البعيد. بالعكس، فقد تحولت ثروة توفيق عسّاف إلى حافز قويٍّ له للعودة به إلى البلاد التي يعرفها جيّدا ويحبّها ويعلم أيضًا أنّها بلد الفرص والأُلفة والعيش الأصيل. ورغم أنّ فنزويلّا كانت يومذاك تعوم على ثروة النّفط فإنّ توفيق عسّاف قرّر يومًا أنّ الوقت قد حان للعودة إلى الوطن
حدث أمرٌ جعلَ المغتربَ النّاجحَ يحزم قراره في عودة عَجْلى إلى الوطن، إذ انفتحت أمامه فجأةً فرصة الحصول على اميتاز شركة الببسي كولا للسّوق اللبنانية. كان ذلك بفضل علاقته الوثيقة بعائلة “سيسنيرو” الذين كانوا من أثرياء فنزويلّا وكانوا وكلاء البيبسي كولا في تلك البلاد.
كانت الببسي آنذاك في طَوْر توسيع انتشارها في العالم، وكانت السّوق اللّبنانية سوقًا واعدة بسبب الازدهار اللّبناني، والحركة السّياحيّة آنذاك ، لكن السّوق كانت حينها حِكرًا على شركة كوكا كولا، الأقدم والأعرق تاريخيًّا والمهيمنة عالميًّا. لكنّ توفيق عسّاف لم يتردّد لحظةً في السّعي لنيل ذلك الامتياز، فسافر إلى نيويورك برفقة بعض أصدقائه من أسرة سيسنيرو الذين دعموه مباشرة لدى الشّركة الأمّ، وكانت النّتيجة أن عاد من سَفرته الموفّقة تلك بعقد امتياز البيبسي كولا في السّوق اللّبنانيّة. كان ذلك في العام 1949 وفي ذلك العام عاد توفيق عسّاف إلى لبنان لتأسيس شركة الببسي، وإطلاق أعمالها.
لكنْ بمجرّد تأسيس الشّركة وإنشاء مصانعها في الحازميّة شنَّت شركة كوكا كولا على الشّركة النّاشئة حربًا قاسية لأنَّها كانت تريد حماية حِصّتها الضّخمة في السّوق، وكان ردّ فعل كوكاكولا جزءاً من سياستها ضمن الصّراع الذي بات عالميًّا مع شركة بيبسي كولا، ولأنّ شركة كوكا كولا كانت قد تأسَّست قبل عَشْرِ سنواتٍ في لبنان فإنّها كانت تستحوذُ على معظم السّوق وجميع نقاط البيع والتّوزيع. وفي سبيل توجيه ضربة قاضية إلى شركة بيبسي كولا النّاشئة قامت كوكاكولا بخفض أسعارها بشكل كبير ممَّا أدّى إلى هبوط مبيعات الشّركة المنافسة التي مُنِيَت بخسائر كبيرة، لكنَّ توفيق عسّاف صاحب العزيمة قرّر الرّدّ على الحرب بحرب مماثلة وأثبت في وقت قصير أنّه نَدٌّ قويٌّ بل خصم متفوّقٌ على منافسيه. لقد قرّر وبدعم من الشّركة الأمّ في نيويورك شنَّ حملة تسويقٍ كبرى في لبنان استخدمت إغراء “الرّبح الفوريّ” وذلك من خلال الهدايا الموجودة تحت الغلاف الدّاخليِّ لسِدَادة زجاجة البيبسي، وكانت الهدايا مهمّة مثل الكاميرات أو السّاعات أو الأدوات المنزليّة أو السّيارة أو حتّى الشّقة السّكنيّة، وغير ذلك، وبدأت عناوين الصّحف اللّبنانية تنشر الأنباء المثيرة عن جوائز الببسي كولا والرّابحين، وتهافت النّاس على زجاجات البيبسي وارتفعت مبيعات الشّرِكة، وفي أقلّ من خمسةَ عشَرَ عامًا كانت الشركة قد حصلت على نِصف السّوق اللّبنانيّة من المرطِّبات. ولفتت تلك النّجاحات الصّحافة اللّبنانيّة فكتبت عن تَوفيق عسّاف،”رجل الأعمال النّاجح ذي الأخلاق الحسَنة والسّمعة الطّيّبة”.
وبفضل تلك السّمعة الطّيّبة، ولا سيّما الموثوقيّة والصّدق في المعاملة التي يتمتّع بها توفيق عسّاف فقد ارتقى به سعيُه إلى مهنة تقوم على قيم من الثقة والمصداقيّة، ألا وهي مهنةُ العمل المصرفيّ. ورغم أنّه لم يكن يمتلك خلفيّة مصرفيّة فإنّ بروزه كرجل أعمال وصناعيٍّ ناجح جعل منه شريكًا مناسبًا لمجموعة من رجال الأعمال كانوا يعملون على تأسيس “بنك بيروتَ والبلاد العربيّة” ومن أفراد تلك المجموعة نَشْأتْ شيخ الأرض وهو سعوديٍّ من أصل سوريٍّ وجمال شحيبر وهو لبنانيّ من أصل فِلَسطينيّ. تردّد توفيق عسّاف بادئ الأمر، انطلاقًا من كَوْنه لا يمتلك خبرة في الصّناعة الماليّة، لكنّه اقتنع في ما بعد، وقَبِلَ في العام 1954 المشاركةَ في تأسيس البنك الذي انتُخِبَ ألفرد نقّاش أوّل رئيس مجلس إدارة له. وفي العام نفسه تزوّج توفيق عسّاف من عايدة ابنة شاكر صعب، التي وفّرت له سندًا قويًّا في حياته العائليّة والاجتماعية. يقول الأستاذ غسّان عسّاف في ذلك: “والدتي لم تكن تشبهه بل كانت تُكَمّله، وفيما فُرِض على رجل بمكانته أن يكون صارمًا وقاسيًا عائليًّا، كانت هي الوجه اللّيّن ومصدر الحنان كما حملت عنه بعض الأعباء الاجتماعيّة التي لم يكن بمقدوره تلبيتها خصوصًا بعدما تطوّرت أعماله وانخرط في السّياسة”.

الصّناعة والمؤسّسات
بعدما أخذت السّياسة ألفرد نقّاش، طلب من تَوفيق عسّاف تَرَؤس البنك نظرًا لمكانته في المجتمع ولثقة النّاس به، فقبل المهمة لكن على أن يكون له في الوقت نفسه الاستعانة برجل يثق به للإدارة الفعليّة. في ذلك يقول الأستاذ غسّان: “كان والدي متواضعًا ولا يدّعي أنّه يعرف كلَّ شيء، وهو رأى أنّ تَرَؤس إدارة مصرِف يجب أن يعهد به إلى شخص متخصّص ولديه الخبرة في الشؤون المالية،لذلك، قبل بتسلّم المنصب، لكنّه استقدم الشّيخ أمين علامة الذي كان موظفا كبيرا في البيبسي كولا نظرًا لثقته به، وأرسله إلى أميركا حيث تدرّب لمدّة سنة، وكان مثابرًا أحبّ عمله، وعند عودته كلّفه بالإدارة العامّة – وكان البنك وقتها صغيرًا – لكن أمين علامة تطور ورافق تطور البنك وكان من المصرفيين الذين يحظون باحترام في أوساط الصناعة المالية. ونتيجة النّجاحات التي حقّقها بنكُ بيروتَ والبلاد العربيّة بقي توفيق عسّاف رئيسَ مجلس الإدارة إلى حين وفاته”.
أمّا على صعيد المساهمة فقد زادت حِصّة توفيق عسّاف مع الوقت أوّلًا إذ قرّر آل شحيبر بيعه حِصَّتهم ممّا جعل منه المساهم الأكبرَ في المؤسّسة، ولا زال نشأتْ شيخُ الأرضِ شريكًا مساهمًا لغاية اليوم رغم أنّ أولادَ توفيق عسّاف اشترَوْا مزيدٍا من الأسهم وهم يملكون حاليًّا 80 في المئة من بنك بيروت والبلاد العربية.
دعمَ الشيخ توفيق على صعيد الصّناعة أيضًا أكثر من شركة كما شارك في تأسيسها، وكانت هذه الشّركات متخصّصة في صناعات عديدة بعضها يعتمد على شركة البيبسي كولا، مثل صناعة الزّجاجات وسِداداتها الحديديّة والبلاستيكيّة وغيرها. كما دخل الشّيخ توفيق مجال التّأمين كمساهم أساسيٍّ في شَركة SNA التي بيعت في ما بعد.
ولم يقتصر عمل ونشاط توفيق عسّاف على قِطاع الصّناعة والأعمال المصرِفيّة إذ امتدَّ ليشمل الإعلام، فكان مساهمًا رئيسًا في تأسيس “تِلِفزيون لبنانَ والمشرق” وقدّم الأرض في الحازميّة لإقامة مبنى التِّلِفِزيونَ. كما كان من مؤسّسيّ نادي الصَّفا الرَّياضيِّ ورئيسه الفخريّ لسنوات عدّة.

رجلُ المواقف
بسبب مساهماته الكثيرة ومشاركته المتزايدة في الحقل العامّ اختير توفيق عسّاف رئيسًا للجنة تأسيس دار الطّائفة الدّرزيّة في فردان، وتسنّى له بعد ذلك التعرُّف على القيادات الدّرزيّة، فبنى صداقة مهمَّة مع المرحوم كمال جُنْبُلاط الذي رأى فيه رجل مواقف إنسانيّة ووطنيّة قبل أنْ يراه رجل أعمال. أمّا بالنِّسبة لتوفيق عسّاف فإنَّ كمال جنبلاط كان الصّديق الذي يتشارك معه في التأمُّل والتّصوُّف بعيدًا عن أجواء الحياة اليوميّة والأعمال.
نتيجةً لتلك الصّداقة اقترح كمال جنبلاط على الشّيخ توفيق في العام 1960 التّرشّحَ للانتخابات فلم يتحمّس بدايةً للفكرة، لكنّه عاد وقبل من منظار رغبته في مساندة الزّعيم كمال جنبلاط في نضاله السّياسيّ، وقال يومها في شرح قبوله بفكرة دخول النّدوة النّيابيّة “لم أفكّر يومًا في الانتقال من المَيْدان الصِّناعيّ والتِّجاريّ إلى العمل السّياسيّ، غير أنّ الصّداقة التي تربطني بكمال حنبلاط والمحبّة المتبادلة بيننا دفعتا بي إلى دخول المعترك السّياسيِّ”. هذه الصّداقة ترافقت في الوقت نفسه مع رابطة وثيقةٍ بالمرحوم الأمير مجيد أرسلان، والمفارقة أنّ توفيق عسّاف لم يكن مجرّد نائب عن دائرة عاليه، بل كان في العام 1972 المرشح التوافقيّ بين الرّاحلين كمال جنبلاط والأمير مجيد. وهكذا أمضى عشرين عامًا في النّيابة، كما أصبح وزيرًا للاقتصاد والنّفط ، فأهّل الوزارة وسنّ تشريعات من أجل تطويرها.
خلال الحرب الأهليّة كانت زوجته والأبناء في الخارج لكنّه لم يترك لبنان سوى لزيارة العائلة ولم يَغِبْ عن وطنه أكثرَ من شهرٍ واحد.
وبعد اغتيال كمال جنبلاط بقي توفيق عسّاف على تنسيق تامٍّ مع النّائب وليد جنبلاط وفي العام 1989 كان توفيق عساف النّائب الدّرزيّ الوحيد الذي بقي على قيد الحياة والممثّل الوحيد للطّائفة التي دافع بشدّة عن حقوقها في اجتماعات الطّائف وكان لوجوده ومشاركته الفاعلة أثر مهمٌّ في الموافقة على إصلاح دستوريّ أساسيّ هو إنشاء مجلس للشّيوخ في لبنان برئاسة درزيّ.

مع الشهيد كمال جنبلاط وسماحة شيخ العقل الشيخ محمد أبو شقرا والأمير مجيد أرسلان
مع الشهيد كمال جنبلاط وسماحة شيخ العقل الشيخ محمد أبو شقرا والأمير مجيد أرسلان

“بسبب شخصيّته الموثوقة اقترحه كمال جنبلاط نائبًا عن عاليه ثم أصبح نائبًا بتوافق جنبلاطيٍّ أرسلانيّ لمدّة 20 عامًا”

بَصمات ذهبيّة
كانت لمدينة عاليه مكانةٌ خاصّة في قلبه، كما كان له بدوره في كيانها بصمات ذهبيّة، وكان البنك في عاليه الواسطة التي من خلالها تمّ توفير التّمويل للعديد من الشّرِكات الصّغيرة والمشاريع الفرديّة سواء للبدء في الأعمال أم لعمليّات التوسّع والاستمرار. يقول الأستاذ غسّان :”آمن والدي بأنَّ النّظام الحرَّ ليس لإغناء الأغنياء بل لخلق الفرص والمجالات أمام الأفراد وخصوصًا الفقراء لتطويرهم ورفع مستوى معيشتهم، وتأمين العمل لأكبر عدد ممكن من النّاس… أقصد أنّه كان يؤمن بالرّبح المعقول ويرفض الطّموح المتوحّش، من هنا قضت خطّته بانتشار فروع البّنك في كلّ المناطق والقرى المهمّة خصوصا في الجبل. وفي وقت كانت فيه المصارف تهتمّ بالشّرِكات الكبرى كان همّ توفيق عسّاف مساعدة وتمويل المؤسّسات الصّغيرة والفرديّة، فكان بذلك رائدًا في مجال دعم المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة وفي مجال المسؤوليّة الاجتماعيّة التي باتت اليوم على جدول أعمال كلّ مصرِف. ويتميّز بنك بيروتَ والبلاد العربيّة لغاية اليوم بأنّ جزءًا كبيرًا من موجوداته موزّعًا في المناطق بينما يتركّز 45 في المائة فقط منها في بيروت”.

الصّديق المُنفتح
كما سبق وذكرنا كان توفيق عسّاف رجلًا مُنفتحًا واجتماعيًّا منذ صِغَرِه، ولم ترتبط صداقاته بأهل طائفته أو منطقته بل تخطّت ذلك فكان إدمون كسبار نقيب المحامين آنذاك رفيق دربه، كما صادق فوزي مارون وطلب منه أن يكون عضو مجلس إدارة في البنك، ومن أبرز أصدقائه وزير الماليّة في ذلك الوقت علي الخليل. صاحب البيت المفتوح والمائدة الدّائمة، حافظ على أصدقائه وعلاقاته الاجتماعيّة طوال عمره، ورغم أنّه تعرّض لبعض الخَيبات إلّا أنّه لم يندم قَطُّ على مبادئه وانفتاحه واتّساع دائرة الأصدقاء. ذلك أنّه على العموم قليلًا ما كان يُخطئ في اختيار النّاس المناسبين في كلّ مراحلَ حياته.

رحيلُه ووصيّتُه
في العام 1992 تراجعت صِحّتُه ممّا فرض عليه أن ينكفئ، ويقلّل من التزاماته الاجتماعيّة وفي فجر التّاسع من أيّارَ من العام 1996 رحل توفيق عسّاف إلى دنيا الحّقِّ عندما كان برفقة زوجته ورفيقة عمره في قبرص. وكانت إحدى وصاياه، تحويل أرض منزل والدَيه إلى مبنى للبلديّة ومكتبة عامّة، “نفذنا وصيّتَه وجرى وضعُ الحجر الأساس للمبنى في احتفال الذكرى السّنويّة الأولى لرحيله في العام 1997. وفي الذّكرى الثّانية تمّ تدشين مبنى البلديّة والمكتبة العامّة”، وقد جُهّزت المكتبةُ وفقًا للمواصفات العالميّة. وهي تقدّم لطالبيّ العلم والثّقافة مجموعةً واسعةً وشاملةً من الكتب والمجلّدات. وتضمُّ آلافَ العناوينَ في اللّغات العربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة لكلّ الأعمار. أمّا البلديّة فقد أطلقت على الشّارع الذي يقع وسط البلدة اسم “شارع الشّيخ تَوفيق عسّاف”

دولة لبنان الكبير

العوامـل والحِسابــات الدّوليــة والمحلّيّـة التـي ساهمـت فـي قيــام دولــة لبنــان الكبيــر

الصّهيونيّة أدركت أنّ إنشاء الوطن اليهوديّ غير ممكن
من دون تقسيم بلاد الشّام وإحباط مشروع الدّولة العربيّة

الجنرال «دي بوفور» رسَم الكَيان اللبناني عام 1865
وشَطْحة قلم من كليمنصو كادت تضمّ دمشق إلى لبنان!

البطريرك الحْوَيِّك رفض عرضًا يهوديًّا بالتخلّي عن الجنوب
مقابل مساعدات ماليّة وضمان «أكثريّة مسيحيّة» في لبنان

انت سوريا، أو بلاد الشام، تضمّ المناطق الممتدّة من حدود سوريا الشّماليّة مع تركيا (أو الإمبراطوريّة العثمانيّة)، حتى سيناء، أو الحدود الجنوبيّة لفلسطين، مشكلة ما اصطلح على تسميته بـ “سوريا الطّبيعيّة” بمعناها الجغرافيّ الأصيل، إلّا أنّ أطرافًا أربعة أسهمت في تقسيم بلاد الشام هذه (أو سوريا الطّبيعيّة) إلى دويلات ومناطق نفوذ، وهي :فرنسا، وبريطانيا، والمنظّمة الصّهيونيّة العالميّة، والكنيسة المارونيّة، وسوف نحاول فيما يلي، تحديد دور كلّ من هذه الدّول والمنظّمات في عمليّة التّقسيم هذه، وبالتّالي في عمليّة إنشاء “دولة لبنان الكبير”.

فرنسا: “حقوق تاريخية” في جبل لبنان
كانت فرنسا وبريطانيا قد احتلّتا بلاد الشّام والعراق، بعد انتصارهما في الحرب ضد العثمانيّين عام 1918، ففرضت بريطانيا سيطرتها على كلٍّ من العراق وفلسطين كما وضعت إمارة شرقيّ الأردن تحت سيطرتها، بينما احتلّت الجيوش الفرنسيّة لبنان في 7 تشرين الأوّل عام 1918، وكان “جورج بيكو” أوّل مفوّض للدّولة الفرنسيّة في سوريا ولبنان (وهو الذي أسهم في وضع اتفاقيّة سايكس – بيكو.
وكانت فرنسا تزعم أنّ لها حقوقًا “تاريخيّة وطبيعيّة” في سوريا، وخصوصًا في “جبل لبنان” حيث كان لها، منذ الاحتلال الصّليبيّ لهذه البلاد، علاقات ودٍّ وصداقة بلغت حدَّ “التّبعيّة”. إذ شارك موارنة جبل لبنان في القتال، إلى جانب الصّليبيين، بخمسة وعشرين ألف مقاتل قادهم مقدّمهم إلى عكّا لنصرة الملك “لويس التاسع، ملك فرنسا”، وكانت مكافأتهم على ذلك أن كتب الملك “إلى أمير الموارنة ورؤساء كهنتهم” كتابًا منحهم، بموجبه “حقّ الحماية، من قبله ومن قبل خلفائه، كشعب فرنسا”، وقد اعتبر الموارنة ذلك الكتاب “أوّل وثيقة رسميّة للحماية الفرنسيّة” 1.
واستمرّ ارتباط الموارنة بفرنسا حتى عهد الامبراطور نابليون الثّالث، في منتصف القرن التّاسع عشر، حيث أرسلت فرنسا حملة عسكريّة لحمايتهم إبّان الحرب الطائفيّة التي جرت بينهم وبين الدّروز عام 1860 – 1861م، فكان قائد هذه الحملة “الجنرال دي بوفور دوتبول” أوّل من وضع مشروعًا جديدًا ومتكاملًا لإقامة “كيان لبناني” يتألّف من جبل لبنان وجواره، ويمتدّ من “النّهر الكبير” شمالًا إلى “قمم جبل لبنان الشرقي وجبل الشّيخ” شرقًا”

فحدود الحولة وبلاد بشارة جنوبًا”، “فالبحر المتوسّط” غربًا، وهي الحدود الحاليّة نفسها (باستثناء الجنوبيّة منها) التي عاد “الجنرال غورو” ليرسمها للبنان بعد مرور ستّين عامًا على مشروع “دي بوفور”، والتي شُكّلت، بموجبها “دولة لبنان الكبير” ثمّ “الجمهوريّة اللّبنانيّة” الحاليّة 2.

احتفالات بـ “النّصر الفرنسيّ”
ويذكر المؤرّخ كمال الصّليبي أنّ “فريقًا من المتطوّعين الموارنة قاتلوا، في معركة ميسلون، إلى جانب الفرنسيّين، وجرت، بعد ذلك، احتفالات علنيّة بين موارنة الجبل، بالنّصر الفرنسي، أو بالأحرى، بالهزيمة العربيّة”3. وكانت فرنسا قد أقامت، في سوريا عمومًا وجبل لبنان خصوصًا، العديد من الإرساليّات الدينيّة والمؤسّسات الاجتماعيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة والصّناعيّة، ما جعلها تعزّز دعواها بأنّ لها حقًا تاريخيًا وطبيعيًا” في هذه البلاد.
هذه الرّوابط التّاريخيّة (القائمة، أساسًا، على العاطفة الدّينيّة التي ربطت الموارنة بفرنسا)، خلقت فَيْضًا من الرّوابط الأخرى بين هذه الطّائفة والدّولة الأوروبيّة (التي كانت لقرون خلت دولة استعماريّة كبرى)، وأهمّ هذه الرّوابط، بالنّسبة إلى فرنسا: الرّوابط الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة، حيث خطّطت هذه الأخيرة لأن يكون جبل لبنان بمثابة “رأس جسر” تعبّر بواسطته إلى مختلف أرجاء سوريا والمشرق العربيّ، تمامًا كما خطّطت لاستعمار الجزائر واستخدام تلك البلاد كمنطلق لبسط هيمنتها على بلدان المغرب العربي. ولا ينكر المؤرّخون اللبنانيّون المحدثون أنّ التّحالف الذي قام على مدى قرون بين فرنسا والموارنة إنّما كانت ركيزته بالنّسبة إلى فرنسا المصالح الفرنسيّة أوّلًا، وبالنّسبة إلى الموارنة، شعورهم “القوميّ اللّبنانيّ المميّز”. ويكون الدّكتور حكمت الحدّاد أكثر وضوحًا عندما يقول أنّ فرنسا “ما كانت لتعوّل، كثيرًا، على هذه العلاقة (مع المسيحيّين) إلّا بمقدار ما تتناسب مع مصلحتها الاستعماريّة، ومع مخطّطاتها للاستيلاء على لبنان وسوريا. وقد بقيت هذه المصلحة واضحة حتى بعد إعلان دولة لبنان الكبير”.
وقد ظهر تشبّث فرنسا برغبتها في احتلال سوريا (ولبنان) وتمسّكها بتأمين مصالحها، في هذه البلاد، من خلال المحادثات التي جرت بينها وبين بريطانيا، إبّان مفاوضات هذه الأخيرة مع الشّريف حسين، شريف مكة، ووَعْدَها له بإقامة دولة عربيّة مستقلّة في سوريا، وكذلك إبّان محادثات “سايكس – بيكو” الشّهيرة، ثمّ خلال مفاوضات مؤتمر السَّلم بباريس، وتُظهر مراسلات حسين – مكماهون مدى هذا التّشبّث 4.
ولم يكن الشّريف حسين يعلم أنّه، في الوقت الذي كان فيه مكماهون يتبادل معه المذكّرات بشأن إعلان الثّورة على السّلطنة وحلفائها، كانت الحكومة البريطانيّة تتفاوض مع حليفتها فرنسا على اقتسام بلاد الشّام، وتوقّعان “اتفاقيّة سايكس – بيكو” الشّهيرة (أيار/مايو عام 1916) التي منحت فرنسا السّيطرة على سوريا الدّاخليّة والغربيّة مع لبنان، على أن يكون لبريطانيا سوريا الجنوبيّة (فلسطين وشرق الأردنّ) مع العراق.

بريطانيا والخديعة الكبرى
لعبت بريطانيا الدّور الأساسيّ في تقسيم بلاد الشّام، فهي التي خدعت الشّريف حسينًا من خلال وعدها له بإقامة “المملكة العربيّة السّوريّة” التي تضمّ بلاد الشّام كلّها، لقاء قيادته الثّورة على السّلطنة العثمانيّة (1916)، وذلك خلال مفاوضاته الشّهيرة مع مكماهون، إلّا أنها كانت في الوقت نفسه، وبسرّيّة تامّة، تتفاوض مع فرنسا وروسيا القيصريّة لتقسيم هذه البلاد إلى دويلات ومستعمرات للقوى العظمى. وقد رغبت بريطانيا في الاحتفاظ بفلسطين تحت انتدابها بهدف تحقيق الوعد الذي قطعه وزير خارجيّتها (اللّورد بلفور) للزّعيم الصّهيونيّ (اللّورد روتشايلد) بإنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين، وهو ما سوف نأتي على شرحه بالتّفصيل في الفقرة التّالية.

المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة : مشروع الوطن اليهوديّ
كانت المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة تعمل بصورة حثيثة لإقامة وطن قوميّ لليهود، في بقعة ما من بقاع العالم، ولم تكن فلسطين وحدها محطّ أطماع مؤسّس هذه الحركة العنصريّة “تيودور هرتزل”، إلّا أنّه، في المؤتمر الثّامن لهذه المنظّمة، والذي عقد في لاهاي عام 1907 اتّخذ القرار، فكان وعد بلفور. لذلك، وفي العام 1917، أي في الوقت الذي كان الشّريف حسين يقاتل إلى جانب بريطانيا وفرنسا في حربهما ضد السّلطنة العثمانيّة وحلفائها، فإنّ أقطاب المنظّمة كانوا يدركون أنّه لا مجال لتحقيق حلمهم بوطنٍ قوميّ يهوديّ في فلسطين من دون تقسيم بلاد الشام. لذا، كان تأثيرهم كبيرًا على كلّ من فرنسا وإنكلترا لتنفيذ هذا المطلب، وتعيين اثنين من أنصار قضيّتهم لهذا الغرض.
ما إن تسلّم “لويد جورج” رئاسة الحكومة البريطانيّة (عام 1916) حتى أقرّ تعيين “مارك سايكس” في مهمّة وضع اتّفاقيّة “سايكس – بيكو” لتقسيم سوريا والعراق بين بريطانيا وفرنسا، كما أسند إليه مهمّة التفاوض مع الزّعماء الصّهيونيّين بشأن مستقبل وطنهم، فبدأ “مارك سايكس” مهمّته هذه، في شباط/ فبراير من العام نفسه، حيث بدأ يبحث، معهم، عن الوسائل النّاجعة لإصدار وعد تضمّن بريطانيا، بموجبه، حقّ اليهود في إنشاء وطن قوميّ لهم في فلسطين. وكان قد سبق أن انضمّ “سايكس” (وهو عضو في مجلس العموم البريطانيّ) إلى صفوف مؤيّدي الحركة الصّهيونيّة في بريطانيا، بل إنّه أصبح من أكثر المتحمّسين لهذه الحركة في صفوف البريطانيّين (وكان حوّله إلى هذه الحركة حاخام بريطاني يدعى موسى غاستر). وأمّا فرنسا فقد عيّنت “جورج بيكو” مندوبًا لها في المفاوضات التي أدّت إلى توقيع الاتّفاقيّة المشار إليها، ثمّ أصبح، فيما بعد، مندوبًا ساميًا لبلاده في سوريا.
وُقّعت معاهدة “سايكس – بيكو” في 16 أيار/ مايو عام 1916، ووقَّع “آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطانيّة في وزارة “لويد جورج” (وكانا، كلاهما، صهيونيّين بارزين) في 2 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1917، وعده الشّهير لليهود بأن تسعى بريطانيا لإنشاء وطن قوميّ لهم في فلسطين. وقد ضمنت بريطانيا تنفيذ وعدها هذا بأن أصرّت على أن تكون فلسطين، بعد انتهاء الحرب تحت انتدابها، كما أصرّت على أن يتضمّن صكّ الانتداب بندًا يؤكّد تصميمها على تنفيذ ذلك الوعد (المادّة الثّانية من صكّ الانتداب).
ولا شكّ في أنّ التّزامن واضح، وكذلك التّرابط، بين اتّفاقيّة سايكس – بيكو ووعد بلفور، إلّا أنّ ما يثير الانتباه هو: العلاقة بين تقسيم سوريا، والوعد البريطانيّ بإنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين.
يُخطىء من يظنّ أنّ الاستعمار، في تقسيمه لبلاد الشّام، كان يُراعي مصلحة أيّة طائفة من الطّوائف المقيمة على أرض هذه المنطقة، ذلك أنّ الهدف الأساسيّ للاستعمار، الفرنسيّ والبريطانيّ خصوصًا؛ كان إعداد الأرض لتنفيذ وعد بلفور وإقامة الكيان الصّهيونيّ المُرْتَقب في فلسطين، إذ إنّ إبقاء بلاد الشّام دولة واحدة تمتدّ من جبال طوروس شمالًا إلى خليج العقبة جنوبًا (مرورًا بالسًاحل السّوري واللّبناني والفلسطينيّ) فبادية الشّام شرقًا، لن يسمح إطلاقًا بتحقيق الحلم الصّهيونيّ وإنشاء الدّولة الصّهيونيّة، فكان لا بدّ من تقسيم هذه البلاد إلى دويلات ضعيفة وغير متكاملة لكي يُتاح للاستعمار إقامة إسرائيل على أرضنا وفي قلب وطننا العربي. لذا، كان لا بدّ من القضاء على أيّ أمل بقيام تلك الدّولة، وذلك بضرب قوّتها العسكريّة وزعامتها السّياسيّة، وقد تمّ ذلك في ميسلون عام 1920.
إنّ نِظْرة واحدة إلى خارطة بلاد الشّام أو سوريا الطّبيعية تُرينا أيّ خطر كان يمكن أن يحيق بدولة اليهود في حال قيام دولة الوحدة العربيّة في بلاد الشّام، بحيث لا يكون للدّولة اليهوديّة أيّ منفذ برّي شمالًا وجنوبًا وشرقًا، ولا يبقى لها إلى البحر متنفّسًا. وهذا ما يؤكّد بما لا يقبل الشّكّ أنّ تقسيم بلاد الشّام إلى مناطق نفوذ وفقًا لاتّفاقية سايكس – بيكو، ثمّ إنشاء كيانات صغيرة وعاجزة في هذه البلاد كان في أساسه مطلبًا صهيونيًّا، بالإضافة إلى كونه مطلبًا استعماريًّا.

البطريرك إلياس الحويِّك هدد الفرنسيين بثورة إن هم أبقوا على وحدة سياسية بين سوريا ولبنان
البطريرك إلياس الحويِّك هدد الفرنسيين بثورة إن هم أبقوا على وحدة سياسية بين سوريا ولبنان

“حاخام بريطانيّ حوَّل مارك سايكس إلى مؤيِّد متحمّس لمشروع إسرائيل قبل تعيينه ممثّلًا لبريطانيا في مفاوضات تقاسـم تركة الدّولة العثمانيّة”

الكنيسة المارونيّة: مشروع تكبير الكيان
شكّلت الكنيسة المارونيّة “محور الرّحى” والمرجع الأوّل، بالنّسبة إلى الفئات المطالبة بقيام كيان لبنانيّ مستقلّ ومنفصل عن سوريا، وقد لعب البطريرك الماروني الياس الحْوَيّك الدّور الأساسيّ في هذا المجال، فهو الذي ألهب مشاعر الموارنة في مطالبته بلبنان “بحدوده التاريخيّة والطبيعيّة” كما يراها. وكما رآها من يذهب مذهبه من “اللّبنانيين”، وإن كانت هذه الحدود اختراعًا، أجنبيًا لا يقوم على أسِّ سند تاريخيّ، اخترعه الجنرال “دي بوفور دوتبول” قائد الحملة الفرنسيّة على سوريا عام 1860، واعتمدته الكنيسة ومعها المنادون بكيان لبنانيّ مستقلّ.
بدأت الكنيسة المارونية نشاطها، في هذا المضمار، منذ عهد بعيد، أي منذ الحكم العثماني لبلاد الشام. وساعدها على ذلك إنشاء الدّول الكبرى لمتصرفيّة “جبل لبنان” (في أواسط القرن الميلادي التاسع عشر) التي اعتبرت نواةً أساسيّة لهذا الكيان. وبما أنّ كيان المتصرفيّة لم يكن كافيًا لإنشاء دولة (كما ورد في تقرير النّقيب الفرنسي “فان Fain “ رئيس البعثة الفرنسيّة إلى جبل لبنان، بتاريخ 25 كانون الأوّل/ ديسمبر عام 1865). فقد أضحت المطالبة “بتكبير” هذا الكيان في نظر المطالبين أمراً مشروعًا ورأى هؤلاء، وعلى رأسهم الكنيسة المارونيّة في مشروع الجنرال دي بوفور دوتبول (الذي وضعه بتاريخ 15 شباط/ فبراير عام 1861) مبتغاهم، فاعتمدوه أساسًا لمطالبهم. واستطاعت الكنيسة المارونيّة أن تحرّك الشّارع المسيحيّ في جبل لبنان، كما استطاعت أن تحرّض المجلس الإداريّ للجبل على اتّخاذ القرارات الرّافضة للانضمام إلى سوريا والمطالبة باستقلال لبنان، كما أنّها أوفدت إلى مؤتمر الصّلح بباريس وفوداً ثلاثة ترأّس أحدها (الوفد الثّاني) البطريرك المارونيّ نفسه. وساعدت على ذلك الأحزاب المسيحيّة التي كانت منتشرة في بيروت وجبل لبنان والقاهرة وباريس، والتي تبنّى معظمها مطالب الكنيسة المارونيّة وبطريركها.
وقد لعبت شخصيّة البطريرك المارونيّ الياس الحْوَيّك، القويّة والمؤثّرة والفعّالة، دورًا مهمًّا في تحقيق هذا المطلب (مع ما سبق أن أكّدناه من أنّه كان لفرنسا مصلحة حقيقيّة في تحقيقه)، ويُرى أنّه بينما كان رئيس الوزراء الفرنسيّ (كليمنصو) يرسم على خارطة سوريا حدود لبنان الكبير سائلاً في الوقت نفسه البطريرك الذي كان إلى جانبه: إلى أين تريد أن تصل هذه الحدود؟ إذا بقلم كليمنصو “يشطح” باتجاه دمشق فتصبح هذه ضمن حدود لبنان التي رسمها رئيس الوزراء الفرنسيّ، ممّا أذهل البطريرك الماروني الذي طلب منه تصحيح الخطأ.

الجنرال غورو طرح فكرة الاتحاد السياسي بين لبنان وسوريا
الجنرال غورو طرح فكرة الاتحاد السياسي بين لبنان وسوريا

لقد أطلقت بعض الصّحف على البطريرك الحْوَيِّك ألقاباً تدلّ على مدى تأثيره في إنشاء هذا الكيان، ومنها جريدة “لسان الحال” التي وصفته “بمندوب لبنان الكبير”. ويذكر “يوسف السّودا” أنّه، حين أُطلقت فكرة “الفيدرالية” مع سوريا، وخصوصًا عندما أورد “غورو” جملة مبهمة في خطابه عند إعلان دولة لبنان الكبير (في أوّل أيلول/ سبتمبر 1920)، إذ قال: “ إنّ لبنان الكبير تألّف لفائدة الجميع، ولم يؤلّف ليكون ضدّ أحد، فما هو إلّا اتّحاد سياسيّ إداريّ”، أثار قوله هذا الكثير من الشّكّ حول حتميّة استقلال لبنان عن سوريا، فاغتنم البطريرك المارونيّ فرصة حضور الجنرال غورو إلى حفل غداء أقيم في البطريركيّة المارونيّة (في الدّيمان) على شرفه، وألقى خطابًا، بحضور غورو قال فيه بتحدٍّ شديد: “إذا مُسّت حفنة من تراب لبنان فأنا، خلال أربع وعشرين ساعة، أشعلها ثورة في البلاد”. ويقول “يوسف السّودا” (وكان حاضرًا تلك المأدبة): “وكأن تياراً كهربائيّاً مسّ الجنرال عند سماعه هذه الجملة، فانتصب منتفضًا، وزعق، والزّبد يرغو من فمه، قائلاً: مفاجأة، مفاجأة، يا مونسنيور أتهدّدني بالثّورة، وفي الذي نعتبره بيت فرنسا؟ أنا الذي أعلنت لبنان الكبير، أنا الذي أمّنت لكم الاستقلال والحدود الطّبيعيّة، من النّاقورة إلى النّهر الكبير،. أتهدّدني بالثّورة؟”. ويتابع “السّودا” قائلًا إنّه، عندما رجع الجنرال إلى هدوئه قال للبطريرك: “إنّ المشروع لا ينفّذ إلّا إذا وافق عليه اللّبنانيون، ولغبطتكم الرّأي الأوّل، وما دام اللّبنانيون غير موافقين، فلن تنشأ فيديراسيون”.
وهكذا، برهن البطريرك المارونيّ “الياس الحْوَيِّك”، بمواقفه الصّلبة هذه، أنّه الرّجل الأوّل في لبنان، وأنّه الوحيد الذي التفّ حوله المتشبّثون باستقلال لبنان، من مسيحيّين موارنة وسواهم، لكي يضمنوا تحقيق حلمهم بهذا الاستقلال.
وقد أدركت المنظّمة الصّهيونية العالميّة، خلال انعقاد مؤتمر السّلم وبعده، أهمّيّة الدّور الذي تلعبه الكنيسة المارونيّة في السّعي لإنشاء كيان لبنانيّ مستقل، فحاولت الاتّصال بهذه الكنيسة للتّنسيق معها. وقد تمّ لقاء بين كل من “دايفيد بن غوريون وحاييم وايزمن” وبين البطريرك الماروني الحْوَيّك، على هامش مؤتمر السَّلم بباريس (وكان البطريرك يرأس الوفد اللُّبنانيّ الثّاني لهذا المؤتمر)، وخلال اللّقاء، حاول الزّعيمان الصّهيونيّان إقناع البطريرك “بالتخلّي عن جنوب لبنان والجليل الأعلى، لقاء وعد بتقديم مساعدات ماليّة لتطوير لبنان، بحيث يصبح أكثريّة مسيحيّة”، فأجابهما البطريرك “بأنّ الموضوع خارج عن إرادته، وأنّ القرار بيد فرنسا”. والجدير بالذّكر أنّ البطريرك المارونيّ تشبّث بموقفه عند تفاوضه مع “كليمنصو” رئيس الحكومة الفرنسيّة حول الحدود الجنوبيّة للبنان، ولم يُعِر اهتمامًا لعرض الزّعيمين الصّهيونيّين.
وفي اليوم الأوّل من أيلول عام 1920، وفي قصر الصّنوبر ببيروت، أعلن الجنرال غورو في خطابٍ له قيام “دولة لبنان الكبير”، وذلك وفقًا للمشروع الذي وضعه “الجنرال دي بوفور دوتبول” قائد القوّات الفرنسيّة في سوريا Corps Exéditionnaire de Syrie عام
1860 – 1861 ورفعه إلى وزارة الحرب الفرنسيّة، بتاريخ 15 شباط عام 1861، وكان مجموع عدد سكان لبنان في ذلك التاريخ 487,950 نسمة. وقد تبنّى دعاة الكيان اللّبنانيّ في ذلك الحين هذا المشروع باعتبار أنَّ حدود لبنان كما رسمت فيه هي “الحدود التّاريخيّة والطّبيعيّة للبنان الذي يريدونه”، وبالفعل فقد كان لهم ما أرادوه5.

الملك فيصل راهن على وفاء البريطانيين بوعدهم إنشاء الدولة العربية وهو يبدو في الصورة مع بعض قادة الثورة العربية
الملك فيصل راهن على وفاء البريطانيين بوعدهم إنشاء الدولة العربية وهو يبدو في الصورة مع بعض قادة الثورة العربية

“البطريرك الحْوَيِّك هدّد الفرنسيّين بـ «إشعال الثــّـورة» إنْ فكّروا بالإبقاء على الوحدة السّياسيّة لسـوريا ولبنان”

الشيخ بشير جنبلاط

عَمود السّماء

الشّيــخ بشيــر جُنبـلاط

الشّيخ بشير جنبلاط (1775-1825) هو أهمُّ المشايخ المقاطعجيِّين في جبل لبنان في العهد الشِّهابيّ، وهو القائم بِدَور كبير زمن الأمير بشير الثّاني، والمُشكِّل معه ثُنائيَّة في الحُكم استمرَّت طوال ثلاثة عقود، كانا خلالها قُطبَي العمل السِّياسيّ، ومِحور معظم الأحداث. ونظرًا لأهمِّيَّته تلك لا يُكتَب تاريخ الإمارة الشِّهابِيَّة إلاَّ ويُذكَر فيه بصفحات كثيرة، ولا يُكتَب تاريخ الأمير بشير إلاَّ ويُشكِّل جزءاً كبيراً منه، ولا يُكتَب تاريخ الموحِّدين (الدّروز) إلاَّ ويبرز فيه أحد أعلامِه الكبار.

الزَّعامَة المُبكِّرة
الشيخ بشير جنبلاط المكنَّى بـ (أبو علي)، والملقَّب بـ(عمود السَّماء)، هو ابن قاسم بن علي بن رباح بن جنبلاط. وُلِد في سنة 1775 في بلدة بعذران، في القصر الذي بناه جدُّه الشيخ علي، الذي عايَشَه ثلاث سنوات. وإذا كانت المراجع التاريخيَّة لم تذكُر شيئًا عن نشأته، ولا عن تحصيله العِلميّ، فإنَّ الاستنتاج يسمح لنا بالقول: إنَّ ما تلقَّاه من علوم كان محدودًا، شأنُه في ذلك شأنُ الأكثرِيَّة السَّاحقة من أبناء زمانه. أمَّا ما تلقَّاه من خبرة في الشُّؤون السِّياسيَّة والحياتِيَّة فهو وافِرٌ جدًّا، ذلك أنه ابن بيت عريق في التّعاطي السّياسي والاجتماعي، يُضافُ إليها وَفْرة ما تلقَّاه من خبرة عسكريَّة من خلال تعلُّم فُنون الفُروسيَّة والقتال في الميدان القائم أمام قَصْر جدِّه في بعذران. وكلاهما لا يزالان موجودَيْن إلى اليوم.
إنَّ أُولَى التجارب السياسيَّة والعسكريَّة للشّيخ بشير جنبلاط، هي اتِّخاذه وهو في سن السابعة عشرة موقفًا سياسيًّا، وموقعًا عسكريًّا، مُتعارضَيْن مع موقف وموقع والده قاسم، ذلك أنَّه كان في مواقع الكرِّ والفرِّ، التي دارَت في نهاية سنة 1791، وأوائل سنة 1792، في نهر الحمَّام، وعِينبال، وإقليم الخَرُّوب، مع عسكر البلاد، الذي يقوده الأميران الشِّهابيَّان (حَيدَر ملحم وقعدان) ضدَّ عسكر والي صيدا (أحمد باشا الجَزَّار)، الذي قَدِم مع الأمير بشير الشِّهابيّ الثاني لإعادته إلى الحُكم، وكان هذا العَسكر يضمُّ والدَ الشيخ بشير قاسم ، وتجدر الإشارة إلى أنّ الجزّار، الذي تسلّم ولاية صيدا سنة 1776، أقام في عكّا وجعلها مقرّاً للولاية حتى وفاته سنة 1804. وهكذا فعل من تسلّم هذه الولاية بعده.
وهنا يجدر التَّساؤُل: هل كان تعارُض الشيخ بشير مع والده في الموقف والموقع المذكورَيْن، من قَبِيل التعدُّد الطبيعي للميول والاتِّجاهات، أم مِن قَبِيل توزيع الأدوار بينهما، حتى إذا انتصَر فريق أحدهما يكون فيه خيرٌ للاثنَيْن معًا؟ وما يجعلُنا نطرح هذا التَّساؤُل ما ذكَرَه حنانيَّا المنيّر، وهو التّالي: “وكان الشيخ قاسم جنبلاط في كبسة شحيم مع عسكر البلاد، فلمَّا وصل إلى هناك خان واعتزل عن العسكر، وانحاز إلى الأمير بشير في عانوت. لمَّا رَكبت الدَّولة هذه المرَّة على الدَّير(دَيْر القمَر)، كان الشيخ بشير ابن الشيخ قاسم جنبلاط في نبع الحمَّام، ومعه جماعة من رجال الشُّوف، فترك أباه ومضى برجاله إلى نصرة البلاد”1.
ساهم الشيخ بشير مساهمة فعَّالة في دحْر عسكر الجَزَّار في موقعة عانوت، وظلَّ يتعقَّبه حتى دخل صيدا “وغنم عسكرُ البلاد جميعَ ما معهم حتى بِيع الفَرَس بقِرْش لكثرة الغنيمة”2.
تراجَع عسكر الجَزَّار مهزومًا إلى صَيْدا، ومنها قفل راجعًا إلى عكَّا ومعه الأمير بشير والشيخ قاسم جنبلاط. فسمح الجزَّار بِعَودة الأمير بشير، وأبقَى الشيخ قاسم مسجونًا في عكَّا إلى أن تُوُفِّي في أواخِر سنة 1793، “فأرسل الجَزَّار يطلب من الأمير بشير أن يرسل إليه الشيخ بشيرًا عِوَض والده الشيخ قاسم”3. وفي أحد المراجع التّاريخيَّة أنَّ الجَزَّار “دسَّ له سمًّا ومات ودُفِن في عكَّا، وقام ولده بشير عِوَضه”4.

إنَّ ما جرَى لِقاسم جنبلاط، مضافًا إليه عجز الأميرَين الشِّهابيَّيْن (حيدر، وقعدان) عن الاستمرار في الحُكم، وعَودة الأمير بشير إليه، كان له تأثيرٌ في تغيير موقف الشّيخ بشير، إذ إِنَّه تحوَّل إلى جانب الأمير بشير، حيث سيبدأ معه مسيرة طويلة معظمها صداقة وتحالُف، ونهايتها عَداء قاتل.

توحيد الزَّعامَة الجُنبلاطيَّة
إنَّ توحِيد الشّيخ بشير للزَّعامة الجُنبلاطِيَّة، هو، بعبارة موجِزة، إعادتها مُوَحَّدة بشخصِه، كما كانت في عهد جَدِّه الشّيخ علي المُؤَسِّس الفِعلي لهذه الزَّعامة، التي لم تتوفَّر مُعطَياتها في وراثتِه لِزَعامة والدِه رباح، وجدِّه جنبلاط، بقَدْر ما توفَّرَت في وراثته لزعامة عمِّه الشيخ قبلان القاضي، الذي كان له الشُّوف الحَيْطي، والشُّوف الشُّويزاني (السويجاني)، وبعض مقاطعة جِزِّين. كما أنَّ زَعامة الشيخ علي جنبلاط كانت مطلب أهالي الشُّوفَيْن المذكورَيْن وسِوَاهم، لأنَّهم اعتبَرُوها زعامتهم، ودفعُوا 25 ألف غرش ترْضِيَةً للأمير حَيدر الشِّهابي، كي يقبل بانتقال معظم ممتلكات الشّيخ قبلان القاضي إلى صِهره الشّيخ علي جنبلاط، فعُرِفُوا بـ(أهل السميّة) أو بـ(السميّة الجنبلاطيَّة). وعُرِف المال الَّذِي دفَعُوه بـ(مال السميّة). وقد ظلَّ الشّيخ بشير حريصاً على هذه (السميّة) ومصالحها، إذْ إنَّه في وصيَّته الوَقفِيَّة التي كتبَها سنة 1808، أوصَى الوُكَلاء بمَصالِح (السميّة الجُنبلاطِيَّة) 5.
إذن، إنَّ أهالِي الشُّوفَين كانوا يتطلَّعُون إلى زَعامة قويَّة تخلُف الشّيخ قبلان القاضي، يستَقْوُون بها، ويستظِلُّون بحمايتها في عهد سِيادة الإِقطاع، فوَجدُوها في الشّيخ علي جنبلاط الذي كان جديرًا بتحمُّل أعبائها، مُمتلِكًا صفاتِها، وقد جمع إلى جانب القيادة السِّياسيَّة، قِيادة دِينيَّة ممثَّلة بالاتفاق عليه شيخًا لِلعُقَّال، أي شيخ عَقْل6.
تجَزَّأَت أملاك الشّيخ علي جنبلاط ومعها زَعامته بين أبنائه وأحفاده، وبعد أن كان لها مَقرٌّ واحد هو دار بعذران التي بناها، تعدَّدَت الدُّور، فصار هناك دارٌ أُخرى بِقُربها بناها ابنه حُسَين، ودار في بلدة الخرَيْبة المُجاوِرة بناها ابنه يُونس، ودار المختارة التي استقَرَّ فيها ابنه نجم، وهي موروثة من الشيخ قبلان القاضي. وتوزَّعَت السميّة الجُنبلاطِيَّة على هذه الدُّور الأرْبع التي كان لِمَواقعها تأثير في التَّوزُّع، إذْ كان معظم أنصار قاسم، ويونس، وحسين، من الشُّوف الحيطي، ومعظم أنصار نجم من الشُّوف السّويجاني، وفي حين لم تبرُز المُنافَسات والنِّزاعات بين أبناء الشيخ علي، برزَت بِقوَّة بين أحفاده، وتحديدًا بين ثُنائيّة الزَّعامَتَين الرئيسَّتَين المُستقِرَّتَين في دارَي بَعذَران، والمُختارة، أي بين ابنَي قاسم (بشير، وحسن) في دار بَعذَران، وأبناء نجم (أبو قاسم حمد، وسيّد أحمد، وبشير) في دار المُختارة.
إنَّ توَزُّع المُلكيَّة العِقاريَّة، التي هي مصْدر لِلسُّلطة، على أبناء وأحفاد الشيخ علي جنبلاط، جَعل كُلاًّ منهم ذا ثَروة بسيطة، قياسًا على ثَروة الشّيخ علي الأصليّة، وإنَّ توَزُّع مَقارِّهم صعَّب اتِّخاذ القَرار المُشترَك، أو غيَّبَه، وجعلهم يذهبون في أكثر من اتِّجاه، وحتى في الاتِّجاهات المُتعارِضة، جرَّاء تدخُّلهم في صِراعات الأُمَراء الشِّهابيِّين المُتنافِسين على الإمارة، بِدعمٍ من الوالي العُثماني الذي كان يُناصِر فريقًا ضِدَّ آخَر.
برَز الشيخ بشير منذ أن اشترك في مواقع الكرِّ والفرِّ، والكبسات التي حصلَت بين عسكر البلاد وعسكر الجزَّار، والتي ورد ذِكرها، ومُنذُ أنِ استطاع تثبيت حُكم الأميرَين الشِّهابيَّيْن (حيدر، وقعدان) حوالي السنتَين، فغدا أقوَى الزُّعَماء الجُنبلاطِيِّين “وتقَدَّم على الجميع، فضادَّه بعض أقاربه حَسداً” حسبَما يَذكر المؤرِّخ طنُّوس الشِّدياق7. وأقاربه الذين ضادُّوه وحسدُوه هم أبناء عمِّه نجم في دار المُختارة، الَّذين كانوا ينافِسونه على الزَّعامة، ويتطلَّعُون إلى القيام بِدور مهمّ على مسرح الأحداث، ويرفضون تفوُّق زعامته على زعامتهم.
لا يَذكر المُؤَرِّخان حيدر الشِّهابي، وطنُّوس الشِّدياق عن صراع الشّيخ بشير وأخيه حسن، مع أبناء عمِّهما نجم، سِوَى القول إنه في نيسان 1793 كبس الشّيخ بشير وأخوه حسن أبناء عمِّهما في المختارة، وقتلوا الشّيخ حمد، والشّيخ أحمد، ولم يكن لهما عقب8. أمَّا المؤرِّخ يوسف أبو شقرا، فيَذكُر الأسباب ويقول “إنّ التَّنافُس بين الفريقَين مَوروث عن الآباء”، ويُعيد سبب كبسة الشّيخ بشير وأخيه حسن لأبناء عمِّهما إلى عِلمهما بمؤامرتهم عليهما، دبَّرُوها بالاتِّفاق مع بعض أهالي الشُّوف، فقاما بضربةٍ استباقيَّة، وهاجماهم قبل أن يهاجموهما، وفتَكا بِهم قبل أن يفتكوا بهما. وحين رأى الشّيخ بشير المتآمِرِين من الشّوف السّويجاني قادمِين إلى المختارة ليلاً، حاملِين مشاعلهم، أمَر رِجاله أن يُحَورِبوا بحسب عادة ذلك الزَّمان، فحَوْرَبوا، وأنهَوا حَوْروبتهم بالعبارات التالية مرفقة بإطلاق زخَّة من الرصاص: “راعي الدَّار الشيخ حسن، ذبَّاح الخَيل بو علي”9، أي الشّيخ بشير.
كان ما قام به الشّيخ بشير ذا نتائج سلبيَّة عليه في البداية، إذْ أثار القوَى المُناوِئة له والحليفة لِلأخوَين المقتولَين، وفي طليعتها الأُمَراء الحاكمون: أبناء الأمير يوسف الشِّهابي (حسين، وسعد الدين، وسلمان)، الَّذين طلَبُوا الشيخ بشير وأخاه، واسْتدعَوا قوَّات الجزَّار للقبض عليهما، الأمر الَّذي اضطرَّهما إلى ترك المختارة، وبَعذران. كما عُيِّن أبو دعيبس علاء الدين عبد الصمد مُتوَلِّيًا أمور الشُّوفَين بدلاً من آل جنبلاط، فأقام في قصر المختارة لسبعة أشهر، ممَّا أدخله وعائلته في نزاع مع الشيخ بشير وأخيه، عمد الشيخ حسن خلاله إلى الانتقام منهما ومن بعض أفراد عائلتهما، مع الإشارة إلى أنَّ بعض وجوهها كانوا من جملة المتآمِرِين عليهما مع أبناء عمِّهما نجم.
لكن ما قام به الشّيخ بشير أعطى النَّتائج الإِيجابيَّة التي توقَّعَها، وكانت بدايتها مع المُشترِكين في المُؤَامرة ضِدَّه وضِدّ أخيه، وهم من قرى مزرعة الشُّوف، وغرِيفه، وبعَقْلِين، وسِوَاها، إذْ إِنَّهم حين سمِعوا حَوْروبة رجاله الَّتي أنبَأَت بانتصاره، عادُوا أدراجهم قبل أنْ يصِلوا إلى المختارة، ثم ما لبِثوا أنْ تحوَّلُوا إلى نُصَراء له، ذلك أنَّ الأجْدَى لهم هو التَّعامُل مع الأحياء، لا العيش على ذِكْرَى الأموات، والأجدى لهم أيضاً إتباع الأقوِياء الَّذين كان من رُموزهم في تلك الفترة الشيخ بشير المشهور بدهائه وحنكته السياسية ومواقفه الصلبة، وأخوه حسن المشهور بِفُرُوسيَّته وشجاعته. وقدِ استقرَّ الشّيخ بشير في دار المختارة، واستقرَّ أخوه في دار بعذرَان. وهو، أي الشيخ بشير، لم يُبقِ الجرح الدَّاخلي مفتوحًا، ولم يترُك مجالاً لأحدٍ أنْ ينكَأَه، بل بلْسَمه نهائيًّا بتزويجه ابنته لنجم بن علي بن بشير.
إنَّ تَوحِيد الشيخ بشير للقَرار الجُنبلاطِيّ، ومَرْكزته بشخصه وبدار المختارة، كانا منطلق زعامته السِّياسيَّة التي استمرَّت مُتألِّقة، فاعلة، مؤَثِّرة في تاريخ لبنان حتَّى نهايته في سنة 1825. وأصبح توحيد القرار ووحدانية الزعامة نهجًا سار عليه آل جنبلاط-ولا يزالون-، زاد من قوَّة زعامتهم بصيغتها التَّقليدِيَّة، أو بصيغتها الحديثة المتطوِّرَة، وأبرَزَها بين سائر القِيادات والزَّعامات، حتى إنَّه عندما اغْتِيل فؤاد بن نجيب بن سعيد بن بشير في 30 تمُّوز 1921، وكان نجْله الوحيد كمال صغيرًا، تسلَّمَت زوجته الست نظيرة جنبلاط مقاليد الزَّعامة، حتى كبر ابنهما كمال فتسلَّمَها في سنة 1943، بعد وفاة ابن عمِّه حكمت علي نجيب جنبلاط في السَّنَة نفسِها.

مشايخ الموحدين الدروز في قصر بيت الدين - صورة تعود إلى مطلع القرن الماضي
مشايخ الموحدين الدروز في قصر بيت الدين – صورة تعود إلى مطلع القرن الماضي

الإِمساك بالقَرار الدُّرزِي
حِين تُوُفِّي آخِر الحكّام المَعنِيِّين (الأمير أحمد) بدون عقب، في سنة 1697، فضّل أعيان القيسِيِّين أميرًا شِهابيًّا سُنِّيًّا من خارج جبل لبنان، هو بشير الشِّهابِيّ، على أمير درزي يمنِيّ من الجبل. وحِين حاول أُمراء آل علم الدين اليمنيِّين استعادة الإمارة الدُّرزيَّة بمساعدة محمود باشا أبو هرموش، قضَى عليهم الأمير حيدر الشِّهابي بمُساعدة القيسيِّين في موقعة عَين داره سنة 1711، حيث انتهى بها الحزب اليمنِيّ، وفشلت محاولة الدُّروز استعادة الإمارة.
ثَبَّت الأمير حيدر الشِّهابي أقدامه، وغدا أميراً على الدُّروز في (جبل الدُّروز)، وخلَفَه أبناؤه وأحفاده، ومنهم الأمير بشير الثاني زمن الشيخ بشير، وخسر الدُّروز الإمارة، لكنَّهم حافظوا على إقطاعاتهم في جبل لبنان، وعلى السُّلطة المُتأتِّيَة منها. فكانت معظم أراضي الجبل بِيَد أُسَرهم المقاطعجيّة، ومنها أمراء آل أبو اللمع في المَتن الذين تنصَّرُوا تباعاً، والأمراء الأرسلانيُّون اليمنيُّون في الغرب الأسفل، الذين التزَمُوا الحياد، والذين تراجَع شأنهم ودَورهم. أمَّا الأُسَر المقاطعجيّة الأُخرى التي برزَت بِصفة المشايخ الكبار، فهي آل جنبلاط في الشُّوفَين، وآل العماد في العرقوب، وآل نكد في المناصِف والشَّحَّار، وآل تلحوق في الغرب الأعلى، وآل عبد الملك في الجرد.

كان من المُمكن للأُسَر الدُّرزيَّة المقاطعجيَّة أنْ تعوِّض عن فقدان الإمارة باتِّحادها، إلاَّ أنَّ المصالح السِّياسيَّة والاقتصاديَّة كانت تُباعد بينها، إذْ قَلَّما اتَّحدَت كلُّها حول شأنٍ واحد، إذا استثنينا الخطر المباشر المشترك الذي يتهدَّدُها جميعها. فلقد تفسَّخَت الوَحدة القَيسيَّة، بعد زوال الغرضِيَّة اليمنيَّة، إلى غرضِيَّات انشغل الدُّروز في صراعاتها، وشغلوا أحيانا مُساكنِيهم بها، فكانت تعويضًا تافهًا عمَّا فقدُوه من نُفوذ.
إنَّ الغرضِيَّات الرئِيسة التي خلفَت الغرضيَّتَين (القيسيَّة، واليمنيَّة) ثلاث: اثنتان منها هما الغرَضِيَّتان (الجنبلاطيَّة، واليَزبكِيَّة) اللَّتان تعُود جُذورهما إلى نزاع الشيخ جنبلاط، والشيخ يَزْبك بن عبد العفيف العماد، اللَّذين عاشا في زمن الأمير فخر الدين. وإنَّ شُيوخ آل جنبلاط هم زعماء الغرَضِيَّة الجنبلاطيَّة، وشُيوخ آل العماد هم زُعماء الغرضِيَّة اليزْبَكيَّة، وقد انضمَّ إليهم آل تلحوق وآل عبد الملك لإيجاد نَوع من التَّوازن مع الغرضِيَّة الجنبلاطيَّة القويّة. أمَّا الغرضيَّة الثالثة فهي الغرضيَّة النَّكدِيَّة، وزُعماؤها المشايخ النَّكَدِيُّون. وكان الصِّراع على النُّفوذ بين مشايخ هذه الغرضِيَّات الثلاث يَتلاقَى غالبًا مع صِراع الأُمراء الشِّهابيِّين على الإمارة، فيُناصر فريق منهم أميرًا ضِدَّ أمير، فيما يَتوَسَّل الأمراء الشِّهابيُّون هؤلاء المشايخ لإزاحة خصومهم، ولتسلُّم الإمارة، ويعمد الأمير الحاكم منهم إلى سياسة “فرِّق تسُد” إِزاء المشايخ المقاطعجيِّين الدُّروز، من أجل إنفاذ قراراته، والثَّبات في مَرْكزه، وهذا ما أضعَف هؤلاء المشايخ وشتَّت قراراتهم.
كان القرار الدرزي في الجبل بيد مشايخ الأسر الخمس المذكورة، لكن آل تلحوق وآل عبد الملك كانوا أضعفهم تأثيراً فيه، لأنهم في المرتبتين: الرّابعة والخامسة، ولأن منطقتي نفوذهم هما خارج جبل الشوف، وبعيدتان عن مركز الإمارة (دير القمر)، فيما كان التأثير القوي في القرار الدرزي هو لمشايخ آل جنبلاط وآل العماد وآل نكد، الذين أمسكوا فعلياً به، لأنهم الأقوى من ناحية، ولأنهم من ناحية أخرى موجودون في جبل الشوف الذي غدا مركز الإمارة بعد انتقالها إلى المعنيين، والذي، نظراً لأهمّيته، توسَّع مدلوله فأصبح يشمل، إضافة إلى الشوف الحيطي والشوف السّويجاني واقليم الخروب والمناصف والعرقوب، الجرد والغرب والشحّار والمتن.
بعد أن لمَس الشّيخ بشير فوائد مَرْكزَة القرار الجنبلاطي بِيَده، عمد إلى الإمساك بالقرار الدُّرزي من خلال وسيلتَين، أُولاهما: تقوية حزبه، أي السميّة الجنبلاطيّة، بزيادة المُلكيَّة العَقاريَّة، ومُراكمة ثرَواتها، لأنَّها مصْدر السُّلطة. وثانيتهما: إضعاف المشايخ النَّكَدِيِّين الذين هم أشدُّ مُنافسِيه على النُّفوذ. وهذا ما جعله يلتقي مع آل عماد، ويشترك وإيَّاهم في المؤَامرة الَّتي دبَّرَها الأمير بشير للفتْك بالنَّكديِّين. وقد تمَّ تنفيذ المُؤَامرة في اجتماع بِدَير القمر بتاريخ 23 شباط 1797، دعا إليه الأميرُ بشيرٌ الشيخَ بشير، ومشايخَ آل العماد، والنَّكديِّين، للتَّفاوُض معهم حول بعض الشُّؤُون، ولإجراء الصُّلح مع النَّكديِّين حول خلاف سابق. ولم يكن الأمير بشير بحاجة إلى حجَّة للفتك بالنَّكديِّين، إذْ كانت جاهزة عنده، وأظهرها في بداية الاجتماع بتوجِيه اتِّهاماته إليهم، وأردف قائلاً لسائر المشايخ الحاضرين: “دُونكم هؤلاء…”. عندها بدأ الفتك بهم، وقُتِل من الحاضرين أبناء كليب النكدي الخمسة، وجرَى تعقُّب الغائبين، وقَتل من ظُفِرَ بهم، وجرَت مُصادرة مُمتلكاتهم، أو شراؤها بأسعار بخسة10.
يُمكن إيجاز أسباب الأمير بشير للقيام بمُؤَامرته على النَّكديِّين بحقده عليهم، لأنهم ساهموا في عزله مرَّتين، وبرغبته في التخلُّص من عصبيتهم المشاكِسة القويَّة، ومن هيمنتهم على العاصمة (دَير القمر)، واستِئْثارهم بمعظم عائدات مغالقها، وأسواقها، وصناعاتها، وتمتُّعهم بامتيازات أخرى فيها، تتمثَّل في منع ملاحقة أيِّ مطلوب في حماهم، بِمَن في ذلك من يذنب أمام السَّرَاي ويَعبُر مجرَى (نبع الشَّالوط) إلى حيِّهم. يُضاف إلى ذلك ما يمتلكونه من أراضٍ في خراج دَير القمر، وسائر بلدات وقرى المناصِف المحيطة بها.
ويمكن إيجاز أسباب العماديِّين برغبتهم في حماية إقطاعهم في العرقوب من تمدُّد نفوذ النَّكديِّين إليه، إذِ امتلك هؤلاء منه بعض المزارع على طريق دَير القمر- الباروك، وأكثر خطّار النكدي من إعتداءاته على مزارعهم في كفرنبرخ.
أمَّا الأسباب العائدة للشيخ بشير للاشتراك في ضرب النَّكديِّين، فهي تنحصر في اثنين. أَوَّلهما: دخول الشيخ بشير النَّكدِي قبْله إلى اجتماع في دَير القمر، فيما الأفضليَّة بموجب الأعراف والتقاليد للشيخ بشير جنبلاط ، كَونه أهمَّ المشايخ وله الحقُّ في التَّقدُّم عليهم. وهذا السَّبب ضعيف في رأينا، لأنَّ الشيخ بشير- وهو الأصغر سنًّا بين المشايخ- دعاه إلى الدُّخول بقوله: “ادخُل يا عمَّاه”، كَوْنه الأكبر سنًّا بين المَوجودِين. وثانيهما: -وهو السَّبب الرئيس- رغبة الشيخ بشير جنبلاط في تحجيم النَّكديِّين وكسْر شَوكتهم من أجل التَّوصُّل إلى الإمساك بالقرار الدُّرزي. وطالما ظلُّوا أقوِياء سيحُولُون بينه وبين ذلك. وهو لم يكن يطمَع بأملاكهم، بل كان يطمع بأخذ نفوذهم. فهو لم يأخذ من أملاكهم إلاَّ القليل جدًّا، وما أخذه أخوه حسن أخذه بالشِّراء، فيما كان النَّصيب الأكبر من أملاك النَّكديِّين وامتيازاتهم من نصيب الأمير بشير الذي كان الرَّابح الأوّل، والَّذي وزَّع بعض ما كسَبه على أقربائه.
إنَّ اشتراك الشّيخ بشير في الفتك بالنَّكديِّين كان سيفًا ذا حدَّين، إذْ وفَّر له ثمانِيَ وعشرين سنةً من الهيْمنة على القرار الدُّرزي، وما في ذلك من نفوذ ومنافع. لكنَّه بالمُقابِل كان أحدَ عَوامل نهايته عند دخوله في الصِّراع مع الأمير بشير، ذلك أنَّ الأخير ترَك عن قصدٍ بعض ذكور فرع كليب الذي فُتك به، حتَّى يكونوا أعداء أكيدِين للشّيخ بشير، جاهزِين عند الطَّلب للعمل ضدَّه، لأنَّه، ومِن منطلق خبث سياسته، عاد وحضَن هؤلاء الذُّكور، فإذا بهم بدلاً من أنْ يقتصُّوا منه، كَونه رأس المؤامرة عليهم، وقفُوا معه نكايةً بالشيخ بشير وانتقامًا منه كما سنرى. وحين خطَّطُوا في سنة 1831 للانتقام من الأمير بشير لم يكن لهم أيُّ أمل في النَّجاح، وظلَّ ذلك مُؤَامرة خفيَّة.
أزاح الشيخ بشير، بتغيِيب النَّكديِّين عن المَسرح السِّياسي، الحلقة الدُّرزيَّة الأقوَى من المنافسين له، ولم يَبقَ إلاَّ الحلَقات الدُّرزيَّة الأضعَف، المُمثَّلة بسائر المشايخ الكبار. وبعض هؤلاء تحالَفوا معه، وبعضهم الآخَر أضعَفَه الأمير بشير الذي كان يعمل على مركزة القرار. وتَبعًا لذلك ساد الشيخ بشير في المقاطعات التَّابعة له، وامتدَّ نُفوذه إلى خارجها، وامتدَّ صِيته إلى خارج جبل لبنان. وغدا الزَّعيم الدُّرزيُّ الأقوَى بين زُعماء جميع المناطق المأهُولة بالموحِّدين الدُّروز، تُسمع كلمته، ويُؤخذ برأيه، ويُعوَّل عليه، ويُستنجد به. وهذا الصُّعود السِّياسِي، والنُّفوذ المُتنامِي، سمح له بالتَّدخُّل في شؤون الإمارة السِّياسيَّة، وفي الشُّؤون الاجتماعيَّة.

خلوة الموحدين الدروز في قصر بيت الدين كانت مؤشرا على النفوذ الكبير للشيخ بشير في بلاط الأمير بشير الشهابي
خلوة الموحدين الدروز في قصر بيت الدين كانت مؤشرا على النفوذ الكبير للشيخ بشير في بلاط الأمير بشير الشهابي

الاشتراك في القضاء على جرجس وعبد
الأحد باز
كما تلاقَت مصالح الأمير بشير، والشيخ بشير، وآل العماد، في ضرب النَّكديِّين، هكذا تلاقت مصالحهم ومصالح آل تلحوق، وآل عبد الملك في تصفية الأخوَين جرجس، وعبد الأحد باز، في 15 أيَّار 1807، ذلك أنَّ جرجس باز مدبِّر أبناء الأمير يوسف الشِّهابي، ومهندِس اتِّفاقهم مع الأمير بشير على أن يحكموا بلاد جبيل بالاستقلال عنه، تعاظَمَ أمره، وأخذ دَور النَّكديِّين في دَيْر القمر التي هو أحد ابنائها المَوَارِنة. فتَضرَّر منه جميع مَن وَرد ذِكرهم أعلاه، خصوصًا الأمير بشير، وأخوه الأمير حسن، إذْ بدا منافسًا للأمير بشير على النُّفوذ. وإذا كانت لِكلٍّ منهم أسبابه في ضرب جرجس باز، فإنَّ السَّبب المهمَّ عند الشيخ بشير هو تحدِّي جرجس باز له، على أثر حادثة الدِّبِّيّة والجاهليّة.
أطلق جرجس باز ستّة من نصارى بلدة الدِّبِّيّة دون سؤال الأمير بشير، الذي سبق له أن سجنهم بناءً على طلب الشيخ بشير، لأنَّهم ضربوا أُناسًا من بلدة الجاهليّة، ثم أبلغ الأمير بذلك بحضور الشيخ بشير. وحِين تعرَّض له الشيخ بشير قائلاً: “إنَّه إلى الآن ما جرَى عادة أنّ نصرانيّ الدّبّيّة يمدّ يده إلى دُرزي الجاهليّة”، تحدَّاه جرجس باز بالكلام، وممَّا قاله له: “بينِي وبينَك سهل البقاع، والسالم لسعادة الأمير، أو إني بِجْعَل شيخ عقلك يبُوس إِيد خُورِيي”، وخرج غاضبًا، وكلٌّ في قلبه حزازة ضدَّ الآخَر. ثم كتَب جرجس باز إلى أخيه عبد الأحد في جبيل، وإلى آل الخازن يخبرهم بالحادث، فأجابوه أنَّهم مستعِدُّون لمُناصرته في أيِّ وقت11.
إنَّ الفتك بجرجس باز، وأخيه، وسائر وجوه الفتك والتَّصْفيات الجسديَّة، التي جرَت آنذاك بالأشخاص والأُسَر، هي أساليب مكيافيليّة منافيَة للاعتبارات الإنسانيَّة، لكنَّها مبرَّرَة في عالم السِّياسة بضَرُورات الدِّفاع عن النَّفس، وبتحقيق الطُّموحات والمصالح، وقد اعتمدها الملوك، والخلفاء، والسَّلاطِين، والحُكَّام، والأُمراء، والشُّيوخ، والأعيان. وأكْثَرَ منها الأمراء الشِّهابيُّون، واعتمدوها ضدَّ بعضهم البعض وضدَّ الآخَرين. ومن وُجوه ذلك تصْفِيَة الأمير يوسف الشِّهابي لأخيه أفندي، وخالَيْه بشير، واسماعيل 12. كما من وجوهه ما اعتمده الأمير بشير ضدَّ خصومه، ومنهم الشّيخ بشير نفسه كما سنَرَى.

الأعمال العُمْرانيَّة
كان الشّيخ بشير يأتي في المرتبة الأُولَى بين المقاطعجيِّين بتملُّك الأرض والثَّرْوة، وقد امتلَك في أوْج مجدِه ثُلث أراضي الجبل حسبما جاء في رسالة القنصل الفرنسي في صَيْدا (الكسيس تايبو) في رسالته بتاريخ 18 أيلول 1814 13. وكانت الأموال الطَّائلة تتجمَّع لدَيْه من غلال الأراضي، ومن الضَّرائب المفروضة على الفلاَّحين، فيُسدِّد الأموال الأميرية المطلوبة منه للدَّولة، ويعتمد على الفائض المُتبقِّي لدَيْه في كسْب رضَى الوُلاة العُثمانيِّين، وفي تَوليَة الأمير الشِّهابيّ أو تثبيته في الإمارة، وفي مسائل البِرِّ والإحسان التي أنفَق في مجالها بسنةٍ واحدة 650 ألف غرش على الفقراء جميعا 14. كما أنفَق قدْرًا كبيرًا من الأموال في أعمال البِناء والعِمران.
أحدَثَ الشيخ بشير في قصر المختارة بعض الأجنحة، والإضافات، والنَّوَاحي التَّجميليَّة، وأنجَز بعض الأعمال العِمرانيَّة في قرية المختارة وسِواها، وهي ما يلي:
• التبرع بالمال لبناء ضريح لشيخ العقل حسين ماضي في العبادية سنة 1802.
• تجديد ميدان ملعب الخَيْل أمام قصر المختارة سنة 1806.
• عقْد بناية بوَّابة الدَّار الفَوقانيَّة في قصر المختارة سنة 1807.
• تجديد عَين المختارة، وإنشاء بناءٍ عليها سنة 1807.
• إنشاء مسجد (مجلس) للدُّروز في المختارة سنة 1808.
• جرُّ المِياه إلى قصر المختارة بقناة من نهر البارُوك
سنة 1808.
• إنشاء تربة (ضريح) سنة 1808.
• بناء جِسر على نهر بحنِّين سنة 1809.
• إنشاء مقعد في الدَّار التَّحتاتيَّة بقصر المختارة، مكشوف من جهاته الأربع، وهو على عمود في الوسط، مثمَّن، ودايرُهُ حَوض يستلقِي الماء من ثمانية أنابيب، سنة وذلك سنة 1809.
• إكمال بناء القاعة في الدَّار الفَوْقانيَّة سنة 1810.
• إشادَة إِيوان بِقُبَّة مزخرفة مقابلة للقاعة سنة 1812.
• إنشاء جامع بالقُرب من قصر المختارة، شبِيه بجامع الجزَّار في عكَّا، سنة 1812.
• بناء سبيل في بلدة مرستي سنة 1812.
• بناء دار لولَدَيه (قاسم، وسليم) في المختارة سنة 1813.
• تجديد بناء جسر سنة 1813.
• إنشاء مقصف على جانب القاعة بقصر المختارة للاستراحة الصَّيفِيَّة.
• المساعدة في تجديد بناء دَيْر مشموشة.
• المساعدة في بناء كنيسةٍ في المختارة على أرضٍ قدَّمَها لمَسِيحِيِّي البلدة.
تجدر الإشارة إلى أنَّ جرَّ الأمير بشير مياهَ نبع الصَّفَا بقناة إلى القصر الذي شادَهُ في بيت الدِّين، سنة 1814، جاء تشبُّهًا بالشّيخ بشير الذي سبقَهُ إلى ذلك بستِّ سنوَات حين جرَّ المياه من نهر الباروك إلى قصره في المختارة. كما تجدر الإشارة إلى أنَّ الإنجازات العِمرانيَّة للشّيخ بشير مؤرَّخة بقصائد، أو أبيات للشَّاعر نقولا التّرك، ومُدرَجة في ديوانه 15. وهي بحسب تواريخها حصلَت بين سنتَي 1806 و 1813، أي في سبع سنوات هي المرحلة الذَّهبيَّة من زمَنِه.

نجدة دُروز الجبل الأعلى
بعد قيام الحركة الوهَّابيَّة في الجزيرة العربيَّة، امتدَّ تأثيرها إلى بلاد الشَّام، ووصلَت طلائع قوَّاتها، في تمُّوز 1810، إلى سهل حَوران، وتجاوزَتْه إلى جبل حَوران فبلغَت بلدة عرى. وبعد أن أَوْقَف والي دمشق زَحْف رجال هذه الحركة، عمل إلى الحدِّ من امتدادها الفِكريّ، باعتماد أسلُوب عقائدي هو إِحياء المَظاهر السَّلَفِيَّة المتشدِّدة مع المسيحيِّين، ومع أتباع المذاهب الإسلامية غير السُّنِّيّة، وكان من نتائج ذلك على دُروز الجبل الأعلى، الواقِع إلى الغَرب من حلَب، تعرُّضُهم للضُّغوطات والمُضايَقات من قِبَل جيرانهم السُّنَّة، ومحاولة هؤلاء القضاء عليهم.
كان الشّيخ بشير، آنذاك، أقوَى شخصيَّة دُرزيَّة في بلاد الشَّام كلِّها، فاستغاث به دُروز الجبل الأعلى، وطلبُوا مساعدته العاجلة، فعرَض الأمر على الأمير بشير، فكتَب إلى صديقَيْه: سعيد آغا حاكم أريحا، وطبّل آغا حاكم جسر الشُّغور، لتسهيل مهمّة بعثة أرسلها والشّيخ بشير، قوامها ثمانون رجلاً، وفي مقدَّمها حسُّون وَرْد، وبشير حسن أبو شقرا، وفارس الشِّدياق. وقد تمكَّنَت هذه البعثة من الإتيان بأربعمائة عائلة عن طريق البقاع، فوصلُوا أوَّلاً إلى زحلة، ومنها توزَّعُوا في قرى المتن، والغَرب، والشّوف وحاصبيَّا، وراشيَّا ومدينة بيروت، وعُرِف المُتحدِّرُون منهم باسم الحلبي، نسبة إلى جهات حلَب التي جاؤوا منها16 . وقد خلَّد الشَّاعر نقولا التّرك مأثرة البشيرَيْن، وهذا بعض ما قاله:
مــــــــــن الأعـــــلــــــــــى تــــــــــَرجَّــــــــــتْ فيــــــــــه قــــــــــَومٌ أَراهــــــــــــمْ حــــــــــــادِثُ الأيــــــــــَّامِ فَــــــــــجْـــعــــــــــا
فنـــــــــادَوْا يــــــــــا شِهابَ العَصــــــــــرِ أَشْرِقْ علينــــــــــا وَاقْمَــــــــــعِ الأَخْصَــــــــــامَ قَمْعــــــــــا
فــــــــــَلاَ الشَّـــهْــــبــــــــــاءُ عــــــــــادَتْ مُــــــــــرْتَجــــــــــانــــــــــا وَلاَ الأَعْلَــــــــــى لَنــــــــــا سَكَنًا ومَرْعَى
وجَــــــــــاؤُوا بِــــــــــهِم مِنَ الأَعْلــَى وأَوْلــــــــــَوْا قُــــــــــلــــــــــوبَ الضِّــــــــــدِّ إِنْكــــــــــاءً ولَكْــــــــــعَــــــــــا
تَـــــــــــــــلــــــــــقَّــــــــــاهــــــــــُمْ بَــــــــــشِيــــــــــرُ الْــــــــــعِــــــــــزِّ شَــــــــــيــــــــــْخٌ سَما بَــــــــــيْنَ الشُّيوخِ عُــــــــــلاً ورِفْعَــــــــــا
وأَكْـــمَــــــــــلَ كُـــــــــــــــــلَّمــــــــــا يَــــــــــقْضِــــــــــي اعْــــــــــتَنــــــــــاهُ لِــــــــــرَاحتِهِــــــــــم وَأَحْكَمَ فيـــهِ وَضْعَــــــــــا
فــــــــــَأَمــــــــــْســــــــــَوْا آمِنِــــــــــــــــــــين علَــــــــــى صَـــــــفــــــــــاءٍ بــــــــهِ رَدَعُوا خُطوبَ الدَّهــْرِ رَدْعَــــا71
إنَّ تطلُّع دُروز الجبل الأعلى إلى الشيخ بشير جنبلاط دليلٌ على تجاوُز صِيتِه وشهرته حدود المقاطعات اللبنانيّة إلى سائر المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدُّروز) في بلاد الشَّام. وإتيانه بِدُروز الجبل الأعلى مع ما جاء عند المُؤَرِّخ إبراهيم العورة عن محاولته ضمّ إقليم البلاَّن إلى جبل الدُّروز 18 (جبل لبنان الجنوبي)، أوحى للأستاذ عارف أبو شقرا، محقِّق كتاب “الحركات في لبنان”، أنْ يقول: إنَّ الشَّيخ بشير أراد تكتيل دُروز بلاد الشَّام وجمْعهم في منطقة واحدة “تمتدُّ من البحر إلى جبل حَوران، يكون هو المهيمن عليها، ويكون معظم سكَّانها جنودًا له” 19. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ محاولة الشيخ بشير ضمَّ إقليم البلاَّن لم ترِدْ إلاَّ عند المؤرِّخَين إبراهيم العورة ويوسف خطّار أبو شقرا.

مع البابا بيوس السَّابع
كان سكَن الرُّهبان والرَّاهبات في المقاطعات اللُّبنانيَّة، في دَيرٍ واحد، أمرًا مقبولاً من بعض رجال الدِّين المَوَارنة، ومن بعض مقاطعجيِّيهم كآل الخازن مثلاً، على اعتبار أنَّ الرَّاهبات يساعِدْن في العمل بِحقول الدَّيْر، ويقُمن بخدمة الرُّهبان. وبالمقابل، كان هذا السَّكَن مرفوضًا من البطاركة، ومن بعض المطارنة، لِمعاكسته القوانين الكنسيَّة، ولِما يثير من التَّساؤلات والشُّكُوك، ولِما ينتج عنه من المزالق، لكنَّهم عجزوا عن حلِّ هذه المشكلة التي سبَّبَت أزمةً بلغَت مسامع البابوِيَّة في رُوما.
تدخَّل البابا لحسْم هذا الموضوع الذي يتناقَض مع القوانين المقدَّسة، فكَتَب إلى بطريرك الطَّائفة المارونِيَّة ومَطارنتها، يدعوهم إلى عقْد مَجْمع دِينيّ يلغي العيش المشترك في الأدْيِرة، ويحدِّد أدْيِرَة خاصّة لكلٍّ من الرُّهبان والرَّاهبات، ويحدِّد مكانًا دائمًا لإقامة كلٍّ من البطريرك والأساقِفَة، وينهي النِّزاعات حول الأوقاف. وحِين تأخَّر عقْد هذا المَجْمَع الدِّيني كتَب البابا إلى الشَّيخ بشير جنبلاط رسالةً في 15 شباط 1817 يقول فيها:
“شمِلنا فرَح كبير إذْ بلغَ سمْعنا لأوَّل مرَّة من جملة المزايا الرَّفِيعة التي تتحلَّى بها نفسكم، وعطفكم الخاصّ على الكاثوليك المَوَارنة.. نطلب منكم -والنفس واثقة- أنْ تسهرُوا بحمايتكم واهتمامكم على أولادنا الأعزَّاء، الكاثوليك المَوَارنَة، وتُتابعوا إعارة سُلْطتكم وخدماتكم، فتنفذ أحكامنا المذكورة العائدة بالخير على قوانين الطَّائفة الكنسيَّة. واعلموا أنَّكم بعملكم هذا تحقِّقون أمرًا عزيزًا علينا، وتساهمون في سبيل ازدهار الطَّائفة المارونيَّة الكريمة، وتوطيد السَّلام بين أبنائها”.
عقَدَ البطريرك الماروني والمطارِنة مَجْمع اللُّوَيزة في سنة 1818، وساهَم الشَّيخ بشير، والأمير بشير، في إنجاحه، وفي تحقيق طلب البابا. وأرسل الشَّيخ بشير رسالة إلى البابا بتاريخ 21 رجب سنة 1233هـ =27 أيّار 1818م. هذا بعض ما جاء فيها:
“وما تَقدَّم من فحوى الخطايا صار معلومنا، وحسب المرغوب بسطْنا أعراض الرَّجا لسعادة أفندينا الأمير بشير الأفخم -أطال الله بقاه-، فيما التمسْتُموه من لَدُنْهُ، ومن وُفُور غَيْرَته، ومزيد شهامته، أمَر بإتمام مطلوباتكم إلى حضرة مُحبِّنا البطرك ومُحبِّينا المطارين، وأقاموا مَجْمعهم وانتها [وانتهى] حسبما أمرتموهم به بمُوجب رسوم ديانتكم” 20.
إنَّ جدَّ الشَّيخ بشير جنبلاط (الشيخ علي) تلقَّى رسالة من قَداسة البابا كليمنت الثالث، تاريخها 11 أيلول 1765، يطلب منه أنْ يشمل بعنايته البطريرك الشَّرعي تايودوسيوس، ويمنع البطريرك الدَّخيل اغناطيوس من التَّجاسُر عليه، وبلبلة سلام وهدوء الكاثوليك المتَّحدين مع الكرسي الرَّسولي. وفي رسالته هذه، ورسالة حفيده الشَّيخ بشير، دليل على اهتمامهما بشؤون المسيحيِّين، وعلى رعايتهما لهم، كما فيهما وفي غيرهما من الرَّسائل المُرسَلة من البابَوات إلى سائر مقاطعجيِّي الدُّروز، دليل على أنَّ الموحِّدين (الدُّروز) الذين استقْدَموا المسيحيِّين إلى مناطقهم، أو استقبلوهم فيها، عاملوهم أفضل معاملة، وتسامَحوا معهم، ووهبوهم الأراضي، وساعَدوهم في بناء الأدْيِرَة والكنائس، وفي تنظيم شؤونهم، وسهَّلوا لهم سبل العمل، الأمر الذي أَرْسَى قواعد متينة من العيش المشترك، لم يُزعْزِعها فيما بعد إلاَّ التَّدخُّل الخارجي، ونشوء فكرة قيام الوَطن المسيحِي على حساب الدُّروز، عندما اختلَّ التَّوَازن الديمغرافي لمصلحة المسيحيين بِفضل تكاثُر أعدادهم، وتَنامِي ثرواتهم.

ثُنائيَّة البشِيرَيْن
أمسك الشَّيخ بشير قاسم جنبلاط بالقرار الدُّرزي، وأمسك الأمير بشير قاسم الشِّهابي بحُكم جبل لبنان ما عدا جبيل. ثمّ قويَ موقعه بعد الفتك في العام 1807 بجرجس وعبد الأحد باز، وهذا ما سمح له بانتزاع بلاد جبيل من أبناء الأمير يوسف الشهابي وضمّها إلى الإمارة. ومنذ ذلك التّاريخ شهد تاريخ جبل لبنان ثنائيَّة البشيرَيْن بالاسم، وبالفِعل، والتي يمكن أن نطلق عليها تعبير الحُكم المزدوِج.

ما كان الشَّيخ بشير يطمح إلى توَلِّي الإمارة، لأنَّه ليس أميراً، ولأنَّ مسألة إمارة الجبل حُسِمت في موقعة عَين داره لمصلحة الأسرة الشِّهابيَّة، حتَّى إنَّ المعارضِين للأمير الحاكم كانوا يسيرون في معارضتهم له تحت شعار أميرٍ شهابي أو أكثر، لإيصاله إلى الحُكم. وكان الأمير بشير يعْلم أنَّ الشَّيخ بشير لا ينافسه على منصبه، وإنَّما على النُّفوذ، كما يمكنه أن يُزَعزِع استقرار أوضاعه بتأييد المنافِسِين له من أبناء الأمير يوسف وسِوَاهم. لذا، ما كان بوسعِه إلاَّ أنْ يعطي الشَّيخ بشير المجال الحيَوِي لِدَوره، حتى أنّه كان يعامله معاملة الأمراء اللّمعيِّين والشِّهابيِّين، فيكتب له في نصف طبق، بينما يكتب في ربع طبق لغيره من المشايخ، باستثناء مشايخ آل حماده في بلاد جبيل، لأنَّهم قديمًا كانوا يتولَّون أمْرها، والشَّيخين ناصيف وحمُّود النَّكديَّيْن، “وهو لم يذكُر كنية إلاَّ للشَّيخ بشير جنبلاط لأنَّه كان على جانب عظيم في البلاد” 21. وكنية الشَّيخ بشير هي أبو علي.
وعلى هذا بُنِيَت ثُنائيَّة البشيرَين واستمرَّت، فكانت على الشَّكل التَّالي: سُلطة إداريَّة رسميَّة للأمير، وسُلطة مقاطعجيَّة فعليَّة للشَّيخ بشير، تُوَازي سُلطة الأمير، مع تفوُّق الأمير بامتلاك القَرار الرَّسمي، وتفوُّق الشَّيخ بالرِّجال والثَّروة، بحيث كان يمدُّ الأمير بالرِّجال في المَواقع، وبالأموال لتلبيَة طلبات الوُلاة العثمانيِّين.
كان الأمير بشير أكبر من الشَّيخ بشير بلقَبِه، وبمَوقِعه الذي يمكنه بواسطته انْ ينزع من الشَّيخ ما يشاء من مقاطعات. وقد وَرد الحديث عند المؤرِّخ إبراهيم العورة عن الشَّيخ بشير أنَّه كتخدا الأمير بشير22، أي وكيله وأمينه. وفي حين لُقِّب الأمير بشير بـ(الكبير) لأنَّه أهمُّ الأمراء الشِّهابيِّين، ولِلتَّميِيز بينه وبين الأميرَين: بشير الأوَّل، وبشير الثَّالث، لُقِّب الشَّيخ بشير بـ (عمود السماء). فإذا كان الأمير بشير عمود الإمارة، فإنَّ الشَّيخ بشير هو عمود ما هو أهمُّ من الإمارة، أي السماء.
وهناك مَقُولة تعبِّر عن شأنَي البشيرين وهي: “الصِّيت لأبُو سعدَى، والفِعل لأخُو عدلا”23. وأبو سعدَى هو الأمير بشير، وأخو عدلا هو الشيخ بشير. وكانت اللاَّيدِي استر استنهوب البريطانيَّة المُقِيمة في بلدة جون، تنظر إلى الشَّيخ بشير باحترام كلِّيّ، وقد حافظت على علاقاتها الجيِّدة معه، في حين أنَّ علاقتها بالأمير بشير بدَأَت تسوء منذ سنة 1818، ثم نقمت عليه عند قيام النِّزاع بينه وبين الشَّيخ بشير، وعند اتِّخاذه الإجراءات القاسِيَة ضِدَّه24.
يَصِف المؤرِّخ يوسف خطَّار أبو شقرا علاقة البشيرَين ببعضهما، وكيفيّةَ تصريفهما للشُّؤون، فيقول: إنَّ الأمير بشير حين يصله البريد من عكَّا، كان يُرسله إلى الشَّيخ أوَّلاً ليفضَّه ويطَّلع عليه، وبعد تحرير الأمير للأجوبة، كان يرسلها إلى الشَّيخ ليقف عليها “فينفِي منها ما يريد نفْيه، ويثبت ما يريد إثباته”. ولم يكن الأمير يعيِّن مأمورًا أو يعزل موظَّفًا “إلاَّ بأمر الشَّيخ”. كما أنَّ الرَّاغبين في الاستخدام كانوا يسألون الشَّيخ أوَّلاً قبْل الأمير، وكانوا لا يُكملون الطّريق إلى الأمير إذا لم يَرُقْ طلبهم للشَّيخ 25.
إنَّنا نرى أنّ كلام المؤرِّخ يوسف أبو شقرا ربّما ينطبق على الأمير عبّاس الشهابي الذي تسلّم الإمارة سنة 1822، ولا ينطبق على الأمير بشير، كما أنَّه لا ينطبق على جميع الشُّؤون وينطبق على السَّمِيّة الجنبلاطيّة فقط، إلاَّ أنَّ فيه دلالةً على مدَى تاثير الشَّيخ بشير في قرارات الأمير، وهذا أمرٌ ما كان متيسِّرًا إلاَّ قليلاً جدًّا قبْل الشَّيخ بشير، بين الأمير الشِّهابي ومقاطعجيِّي الجبل، الَّذين كانت تحُول تجاذباتهم وتضارب مصالحهم دون اتِّخاذ القَرار الموَحَّد. وإضافة إلى ما ذكَرَه المؤرِّخ يوسف أبو شقرا عن أهمِّيَّة الشيخ بشير، نرَى في ديوان شاعر الأمير بشير (نقولا التّرك) ما يدلُّ أيضًا على هذه الأهمِّيَّة، إذ فيه عشرات المدائح في الشَّيخ وفي تاريخ مناسباته.
تَعاوَن البشيران في تصريف الشُّؤون وتَسْوِيَة المشكلات، وإجراء التَّسوِيات، ونادرًا ما كان الأمير بشير يرفض طلبًا للشَّيخ، أو حلاًّ لمسألة يطْرحه. ومن وجوه ذلك إصلاح الشَّيخ الأمر بين الأمراء الشِّهابيِّين والأمراء الأرسلانيِّين، بعد خلاف نشبَ بينهم في مأتم الأمير موسى منصور الشِّهابي سنة 1807، وإصلاح الأمور بين الأمير بشير ومشايخ آل الخازن، وإعادة مقاطعة كسروان إليهم، وتَولِية الشَّيخ بشارة جفال عليها. وقد تعمَّقَت جرَّاء ذلك العلاقة بين آل الخازن وآل جنبلاط، ولا تزال مستمرَّة إلى اليوم، مع الإشارة إلى أنَّها تعُود إلى زمن الشَّيخ علي جنبلاط، حيث ساهم آل الخازن في دفْع مال السميّة لإجراء التَّسوِيَة مع الأمير حيدر الشِّهابي على ترِكَة الشَّيخ قبلان القاضي.
ساعَد الشَّيخ بشير الأميرَ بشير في تثبيت دعائم حُكمِه، وأنجدَهُ بالرِّجال للقَضاء على عاميّة لحفد، وخاض معه المَواقع الحربيَّة مع والٍ عثمانيٍّ ضدَّ آخَر، وتحمَّلا نتائج الهزيمة والخسارة، ومن ذلك سجنهما معاً في عكا سنة 1794م ومغادرتهما البلاد بعد عاميّة انطلياس وعزْل الأمير بشير عن الحُكم. كما نَعِما بمنافع الانتصار والرّبح. وقليلاً ما تَعارَض موقفهما، كوُقُوف الأمير بشير موقف المؤيِّد ضمناً للجنرال بونابرت عند بلوغ جيشه عكَّا سنة 1799، وغضِّه النّظر عن المساعدات المُرسَلة إليه، في حِين تخوَّف الشَّيخ بشير من تقدُّم الجيش الفرنسي إلى الجبل. لذا، كان أحد زُعماء الدُّروز المجتمعين في عبيه في مقام الأمير السَّيِّد، حيث تقرَّر التَّصدِّي للفرنسيِّين، وللأمير بشير.
بعد نحو ثلاثة عُقود من التَّحالُف والتَّعاوُن بين البشيرَين، حصلَت أحداث وتحوُّلات سياسيَّة كُبرى فرَّقَت بينهما، ووَجد الأمير بشير فيها فرصة سانحة للتَّخلُّص من مُشاركة الشَّيخ بشير له في القَرار. ناصَرَ الأمير بشير في سنتَي 1821 و1822 والي صيدا عبد الله باشا في قتاله لوالي دمشق درويش باشا، وجاراه الشَّيخ بشير بدايةً وقليلاً في ذلك، لكنَّه حين علِم أنَّ الدَّولة العثمانيَّة تؤيِّد درويش باشا، ضدَّ عبد الله باشا الذي خرج على إرادة السُّلطان محمود الثاني، نصح الأمير بشير بالوُقُوف مع الدَّولة. وقد أسْفَر هذا الصِّراع عن هزيمة عبد الله باشا وتراجُعِه عن دمشق، بعد قدوم مصطفى باشا والي حلَب، مرسَلاً من الدَّولة العثمانيَّة لنصرة درويش باشا. وكان من الطَّبيعي أنْ يتأثَّر وضْع الأمير بشير بذلك، فسعى الشَّيخ بشير لدَى درويش باشا، لإبقائه في الحُكم، لكنَّه رفَض ذلك مفضِّلاً بقاءه إلى جانب عبد الله باشا، وسافَر إلى مصر، وهناك صار مقرَّبًا من واليها محمّد علي باشا الذي كان يقرِّب إليه أمراء ومشايخ العشائر في بلاد الشَّام تمهيداً لأخذها من الدَّولة العثمانيّة.
كان الأميران حسن وسلمان الشِّهابيَّان مرشَّحَي الحزب اليزبكي لتسلُّم إمارة الجبل مكان الأمير بشير، فحال الشَّيخ بشير دون وصولهما، وعمل لدى درويش باشا على تولية الأمير عبَّاس الشِّهابي، فكان له ذلك في آب 1822، وبما أنَّ الفضل في تولية هذا الأمير هو للشّيخ بشير صار الأمير مُسَيّراً كلياً بإرادته بدليل ما صَّرح به لميخائيل الدّمشقي عند مراجعته له في مسألة ماليَّة، إذ قال له: “إنَّك لحدِّ الآن ما عرفْت بأنِّي أمير على طاولة الطَّعام فقط، وأنَّ كلَّ شيء بيد الشَّيخ بشير26”. وبناءً على ذلك يمكن القول إن الشَّيخ بشير صار الحاكم في الجبل بعد عزْل الأمير بشير.

قلعة عكا من الداخل حيث أعدم الشيخ بشير جنبلاط
قلعة عكا من الداخل حيث أعدم الشيخ بشير جنبلاط

صِراع البَشِيرَيْن
قال الأمير يوسف الشِّهابي لشيخ العقل يوسف أبو شقرا أثناء مناظرتهما الحادَّة حول ضريبة الشَّاشيَّة التي فرضها الأمير: “البلاد لا تتَّسع ليُوسفَين”، فأجابه الشَّيخ يوسف: “المزروك يرحل”. أي المتضايق يرحل. وهذا الأمر نفسه ينطبق على البشيرَين، وخصوصًا على الأمير بشير الذي كان متضايقًا من تعاظُم قوَّة الشّيخ بشير، ويترقَّب الفرصة السَّانحة ليتخلَّص من ازدواجيَّة الحُكم معه، والتي قبِل بها مُكرهًا ليؤمِّن استمراريَّته فيه. إذ بقدر ما كان دعْم الشيخ بشير له ضروريًّا ليثبت في الإمارة، بات عبئًا ثقيلاً عليه يرغب في إزاحته عن كاهله، والتَّحرُّر من قيوده. لذا رفض تولية درويش باشا له، لأنَّها جاءت بوساطة من الشيخ بشير.
وفي حين بدا للشَّيخ بشير انّ هيمنته على الإمارة الشِّهابيَّة ستستمرُّ بوجود الأمير عبَّاس، وأنَّ الأمير بشير ابتعد نهائيًّا عنها، حصل ما لم يكن في الحسبان، وما لم يكن متوقَّعًا حسب تطوُّر الأمور والوقائع، إذ إنَّ تدخُّل محمّد علي مع الدَّولة العثمانيَّة قلَب المَوَازين، وأعاد عبد الله باشا واليًا على صيدا، والأمير بشير أميرًا على الجبل. كما أنَّ عجز درويش باشا عن احتلال عكَّا لِدفاع عبد الله باشا القويّ عنها، آلَ إلى عزْل الدّولة العثمانيَّة له، وتعيين مصطفى باشا والياً على دمشق مكانه.
بعد وصول الأمير بشير إلى عكَّا أواخر سنة 1822، آتياً إليها من القاهرة، ومزوَّدًا بنصائح محمّد علي بضرب أخصامه من المقاطعجيِّين، أرسل إلى أعيان الجبل ينبِّئهم بقدومه، وإلى الشيخ بشير يطلب منه 750 ألف غرش كمساهمة في تأدية المبلغ المقرَّر لقاء العفو عنه، وإعادته إلى الإمارة. فقَبِل الشيخ بشير بذلك، وقدَّم مبلغاً آخَر لعبد الله باشا إرضاءً لخاطره.
انتقل الأمير بشير سنة 1823 من عكَّا إلى صَيدا، فوجد أعيان البلاد في استقباله وبينهم الشّيخ بشير الذي حضر في وفد كبير. فسار الأمير بشير بالموكب الضّخم نحو بيت الدِّين، ولدى الوصول إلى مرج بعقلين نادى الشّيخ بشير قائلاً: “يا شيخ بشير، درب بيتك من هون”27، وهذا يعني في الجغرافيا ألاَّ يكمّل الشّيخ طريقه إلى بيت الدِّين، بل يسلك طريق الصّليّب التي توصله إلى المختارة، ويعني في السِّياسة افتراقًا بينهما، وبداية للصِّراع السِّياسي الذي سينتهي صداماً عسكريًّا.
أظهرت الوقائع والتَّطوُّرات، ولا سيَّما الاجتماعات التي عقَدَها الأمير بشير مع عبد الله باشا، وجود مؤامرة ثلاثيَّة مدبَّرة ضدَّ الشّيخ بشير، عناصرها محمّد علي باشا، وعبد الله باشا، والأمير بشير، وأداتها التَّنفيذيَّة المباشرة هي عبد الله باشا، والأمير بشير، اللَّذان تناوَبا على ابتزاز الشّيخ بشير ماليًّا لإضعافه اقتصاديًّا وسياسيًّا، تمهيداً للقضاء عليه. وقد وعى الشّيخ بشير خلفيَّات ذلك وأهدافه ومخاطره، فعمد إلى إرضاء عبد الله باشا والأمير بشير بالممكن تقديمه لهما من الأموال، لكنَّه لم يتمكَّن من وقْف طلباتهما المتكرِّرة، وإشباع نهمهما إلى المال.
ابتعد الشيخ بشير عن الشُّوف، وأقام في راشيَّا. لكن عبد الله باشا قبل بعودته مقابل دفع أربعمائة كيس، فعاد إلى المختارة وذهب إلى بيت الدِّين لمقابلة الأمير بشير وبرفقته ألْفا رجلٍ من قبيل إظهار القوَّة. استقبله الأمير بحفاوة وخلع عليه، لكنَّه بعد ذلك أرسل من يبلِّغه استياءه من كبر الحشد الذي رافقه إلى بيت الدِّين، فعاد الشّيخ إلى مقابلة الأمير مع وفد صغير، لكنّ هذا لم يغيِّر شيئًا في مجريات الأمور، وفي سير الأمير في مخطَّطه، إذ توالت طلباته الماليَّة ومضايقاته للشّيخ بشير ولأنصاره، الأمر الذي اضطرَّ الشيخ إلى الابتعاد مرَّة ثانية عن البلاد، واللُّجوء إلى حوران، ثم العودة منها إلى عكَّار قاصدًا توسيط والي طرابلس سليمان باشا. وقبْل أن يصل فوجِئ بخبر وفاته، وبهذا فقَد أيّ أمل في تسويَة الموضوع بالسِّياسة وبالتَّوسُّط، وفي تأجيل الصِّدام العسكري مع الأمير بشير، وهو صراع أخطأ في تأخيره وفي المراهنة على الوقت وحصول المستجدّات، لأنَّ معطيات واحتمالات فَوزه فيه كانت في سنة 1823، وبعدها بقليل، أكثر منها في أواخر سنة 1824، ومطلع سنة 1825.
كان من أنصار الأمير بشير آل نكد، وآل تلحوق، وآل عبد الملك، وآل أبو اللمع، وآل الدحداح، وآل حبيش ومعظم الشِّهابيِّين وآل الخازن، وآل حماده، وآل عبد الصَّمد، ومعظم مسيحيِّي دَير القمر. وكان من أنصار الشّيخ بشير فريق كبير من الدُّروز، يضمُّ إضافة إلى الجنبلاطيِّين، آل العماد، وآل أرسلان. وكان معه بعض آل الخازن، وبعض الأمراء الشِّهابيِّين وهم: الأخَوان سلمان وفارس، وحسن أسعد، وعبَّاس الطَّامح إلى تسلُّم الإمارة، كما من أنصار الشّيخ بشير أيضًا الفلاَّحون النَّصَارى العاملون في أراضيه.
كانت الاستعدادات تجري للمعركة الحربيَّة بين البشيرَين، وكان أنصار الأمير يحتشدون في بيت الدِّين، وأنصار الشَّيخ بشير يحتشدون في المختارة. وقَبْل أنْ يأتي الشَّيخ بشير من عكَّار هاجم أنصاره قصر بيت الدِّين، لكنَّهم عجزوا عن احتلاله، لأنَّهم وسائر مقاتلي الجبل آنذاك لا يحسنون تسلُّق الأسوار كما قال القنصل الفرنسي هنري غيز الذي عاصر ذلك28.
وبعد أن ربح الأمير بشير المعركة سياسيًّا بوقوف الوُلاة العثمانيِّين معه، بدأ يربحها عسكريًّا بصدِّ رجاله الهجومَ على قصْره، ثم بِقدوم النَّكديِّين من دَيْر القمر وثنْيه عن الرَّحيل الذي عزَم عليه، وذلك بتقطيعهم حبال الأحمال المحمَّلة على الجِمال، وبِمُداوَمتهم على حراسة قَصْره، إذ إنهم وجَدوا في ما يجري فرصة سانحة للانتقام من الشّيخ بشير الذي ساهم في نكبتهم سنة 1797.
لا مجال هنا للتَّوَسُّع في الحديث عن المَواقع التي دارَت بين البشيرَين، وإنَّما يُمكن القَول إنَّه بعد هجوم رجال الشَّيخ بشير على بيت الدِّين تتالَت مَواقعهم الدِّفاعيَّة في خطٍّ تراجعيّ، وهي السِّمقانيَّة، سهل بقْعاتا وظهور الجدَيْدة، الجدَيْدة، المختارة، إضافة إلى كبسة بعقلين الفاشلة التي قام بها رجال الشَّيخ بشير ضدَّ أنصار الأمير في البلدة. كما يمكن القَول إنَّه كان للنَّجدة العسكريَّة المُرسلة من عبد الله باشا إلى الأمير بشير الدَّور الكبير الفعَّال في تخلِّي بعض أنصار الشَّيخ بشير عنه، وفي هزيمته.
تناوَل العديد من المؤرِّخين صِراع البشيرَيْن، والمواقع التي دارت بينهما29. وإذا كان لنا من رأيٍ خاصّ نُبدِيه، فهو تشبيه هذا الصِّراع بفُصولِه، وعناصِره، ونتائجه، بموقعة عَيْن داره في النواحي التَّاليَة:
1. كان المتقاتلون في عين داره دروزاً مما جعل القتال فيها درزياً درزياً. وكان معظم المتقاتلين في صراع البشيرين دروزاً، لكنّ القتال فيه لم يكن ذا طابع طائفيّ دِينيّ، وإنَّما ذا طابع سياسيّ وصراعٍ على النُّفوذ، بالرّغم من أن رجال الكنيسة المارونية ألّبوا المسيحيين على القتال مع الأمير بشير ضد الشّيخ بشير.
2. لم يتسنَّ لِعسكرِيِّ واليَيْ دمشق وصَيْدا نصرة أمراء آل علم الدِّين، ومحمود باشا أبو هرموش، لأنَّ الأمير حيدر الشِّهابي استطاع حسْم المعركة لمصلحتِه قَبْل وصولهما، في حِين تسنَّى لِعسكر والي صَيْدا (عبد الله باشا) الوصول إلى قلْب الشُّوف، والاشتراك في القِتال والمساهمة في حسْم المعركة لمصلحة الأمير بشير.
3. قضَى الأمير حيدر الشِّهابي، وبمُساعدَة القيسيِّين الدُّروز، على اليمنيِّين في عَيْن داره، وأفشل محاوَلة استرداد الإمارة الدُّرزيَّة. وقضَى الأمير بشير الشِّهابيّ على أكبر زعيم درزي هو الشّيخ بشير، وعلى مرْكزيَّة القَرار الدُّرزي التي تَوصَّل إليها، وجسّدها بشخصه، وذلك بمساعَدة فريق دُرزيّ له، مُمثَّل بالنَّكديِّين، والتَّلاحقة، وآل عبد الملك، وبعض الأُسَر الدُّرزيَّة الأخرى. وما استطاع بعد ذلك أحدٌ من أعيان الدُّروز القِيام بدَور الشَّيخ بشير أو ببَعضه، حيث كان ندًّا بالسُّلطة للأمير بشير، ذلك أنَّ الدُّروز بلَغُوا في الخمس عشرة سنة من أواخِر عهده أقصَى درَجات ضُعفهم، وأسْوَأ مراحل تدنِّي دَورهم في عهد الإمارة الشِّهابيَّة. أما الفراغ الذي تركه الشّيخ بشير. فقد ملأت معظمه الكنيسة المارونيّة.

الأمير بشير الشهابي الثاني - الشراكة المستحيلة
الأمير بشير الشهابي الثاني – الشراكة المستحيلة

تَمادِي الأمير بشير في اقتصاصِه ومظالِمه بعد انتصاره على الشّيخ بشير
بعد انتصاره على الشّيخ بشير انفسح المجال واسعاً أمام الأمير بشير للإمعان في إجراءاته القمعيَّة، والتَّمادِي في مَظالمِه، والاقتصاص بشتَّى الأساليب من أنصار الشَّيخ بشير بِمَن فيهم الأمراء الشِّهابيُّون، فسَمَل أعيُن، وقطع ألسُن الأمراء: عبَّاس، وسلمان، وفارس، لأنَّهم وقَفُوا مع الشَّيخ طمَعاً في تسلُّم الإمارة. وهذا، حسبما جاء عند ميخائيل الدِّمشقي، “قساوَة وحشيَّة، لأنَّ الفتْك أهْوَن من هذا العذاب، وكان النّاقص سكب رصاص في آذانهم ليصبحوا طرشان أيضاً”30.
تتبّع رجالُ الأمير بشير رجالَ الشّيخ بشير وأنصاره، فقتلوا كلّ من ظفروا به ولم ينجُ باختفائه أو بفراره، حتى أنّ الأمير اقتصّ ممّن لم يقفوا إلى جانبه والتزموا الحياد. ومن سَلِم من الاقتصاص بالقتل أو بالسجن، لم تسلم ثروته وأملاكه من المصادرة، كما لم تسلم من الهدم دور كثيرة.
هدَم الأمير بشير قُصور آل جنبلاط في المختارة وبَعْذران، ودكَّ بالبارود جامع المختارة الذي بناه الشَّيخ بشير كأحد الأدلَّة على إسلاميَّة الموحِّدين (الدُّروز)، وجرْياً على عادات أكابرهم منذ مئات السِّنين. إنَّ هدْم هذا الجامع ما كان لِيحصل بتصرُّف ذاتي من الأمير بشير نظراً لدقَّة الموضوع وخطورته، وإنَّما تمَّ بأمرٍ من والي صيدا عبد الله باشا الذي طلب ذلك “لأنَّ الدُّروز غيْر أهلٍ له”، كما جاء عند طنُّوس الشِّدياق31. وهذا يُظهر مدَى تحامُل عبد الله باشا على الشَّيخ بشير وقَومه الدُّروز، كما يُظهر دهاء الأمير بشير ونجاحه في إظهار إسلامه، وإخفاء مسيحيَّته التي عاش ومات عليها، كالعديد من الأمراء الشّهابيِّين، والتي نرجّح أنَّه أخَذها عن والده قاسم عمر حَيْدر الذي يذكُر طنُّوس الشِّدياق أنَّ البطرك اسطفان الغسطاوي نَصَّرَه في سنة 1764 32. لكنَّه حيَّرَ المؤرِّخين بِغموض هُويَّته الدِّينيَّة، إذ كان أميرًا مُعيَّناً من الدَّولة العثمانيَّة المُسلمة على المسلمين الدُّروز في جبل الدُّروز، الذي بات في عهده مكوُّنًا من أكثريَّة مسيحيَّة.

صادَر الأمير بشير ما في بُيوت آل جنبلاط، وخصوصاً دار المختارة، من تُحَف، وأسلحة، وحلَىً، وجواهِر، وما يردُ إليها من غلال الأملاك الواسعة، وصادَر كلَّ إِقطاعات الشَّيخ بشير المُمتدَّة من البقاع الغربي إلى البحر، ووزَّعها على أنصاره، وعلى أبنائه الذين نالُوا الحصَّة الكُبرى منها. فأعطَى الشُّوف وبعض إقليم الخَرُّوب للشَّيخَين حمُّود، وناصيف النَّكدي، وطلب منهما الإقامة في بلدة الشَّيخ بشير (المختارة)، التي وهَبهما إيَّاها أيضًا. وأعطى الغَرب الأسفل لآل تلحوق، باستثناء بلدة الشُّوَيفات التي أعطاها للأمير بشير ملحم شهاب، وأعطى بعض إقليم الخَرُّوب للشَّيخ حسين حماده، وأعطى إقليم جِزِّين وإقليم التُّفَّاح لِوَلده خليل، والعرقوب لولدِه قاسم.
أمعَن الأمير بشير خصوصاً في الاقتصاص من العائلات الجنبلاطيَّة، فعمَد إلى التَّضيِيق على أفرادها والفتك بوجهائها، ومُصادَرة ممتلكاتهم، ممَّا أدَّى إلى إفقارها، وإلى نزوح قسم كبير من أبنائها إلى جبل حوران (جبل العرَب). وكان يختلق السَّبب لِمَن يريد الاقتصاص منهم، ويجبرهم على تحرير صكّ فراغٍ وانتقال إلى أحد أتباعه.
بلَغ إضعاف الأمير بشير للمقاطعجيِّين الدُّروز مداهُ بقضائه على أكبرهم، الشَّيخ بشير. وبعد أن أضعف الموحِّدين (الدُّروز) سياسيًّا بالفتْك بزعمائهم واحدًا بعد آخَر، وتحجيم دَورهم، وأضعفَهم اقتصاديًّا بنهْب ثرَواتهم ومُصادَرة ممتلكاتهم، عمَد إلى إضعافهم اجتماعيًّا بتعيِين رُؤسائهم الدِّينيِّين، بحيث صار لهم منذ سنة 1825، وبِتدخُّل منه، ثلاثة شيوخ عقْل، اثنان منهم على أساس الغرضيَّتَين (اليزبكيَّة والجنبلاطيَّة)33. ثم إنَّ ما قام به خلال الخمس عشرة سنة التي أعقَبَت انتصاره على الشَّيخ بشير يطُول شرحه، ولكن يمكِن إيجازه بأنَّه من أهمِّ نتائج انفراده بالحُكْم، وخلوِّ الجوِّ له بعد تغيِيب أكبر شخصيَّة شارَكَته في الحُكم، وكانت ندًّا له.
في حديثه عن الأمير بشير يذكُر الأمير شكيب أرسلان، أنَّه “لم يَسْلَم بيت من بُيوت الأكابر في جبل لبنان من تغريم الأمير بشير بدلاً من المرَّة مرَّات”، كما يُضيف أنَّ ثروَته تَضاعفَت كثيرًا بِسبب ذلك، وأنَّه بِرغم كلِّ ما كان يُؤَدِّي للوُلاة كانت خزانته يوم صُرِف من وِلاية الجبل سنة 1840، تحوِي ثمانية عشر ألْف كيس، أي نحو سبعين ألف جنيه، عدا الحلى والمجَوهرات34.
يُضاف إلى هذه الثَّروة الطَّائلة، التي ذكَرها الأمير شكيب أرسلان، أملاك واسعة وغنيَّة، آلَت إلى الأمير بشير بلْصاً ومُصادَرة، وأربعة قُصور شادَها في بيت الدّين له ولأبنائه: قاسم، وخليل، وأمين. وأكبرها قَصْره الَّذي عُرف مؤَخَّرًا بـ(قَصْر بيت الدِّين)، وصار مُلكًا للدَّولة، ومقَرًّا صيفيًّا لرئيس الجُمهوريَّة. وإنْ كانت هذه القُصور كسِواها من قُصور أرباب الحُكم والشَّأن، دليلاً على العظَمة والجاه، ونَوعاً من أنواع العُمران، إلاَّ أنَّها بُنيت بأموال الفلاَّحِين والفُقراء، والضَّرائب الباهِظة التي كانت تُفرَض زيادةً عن المطلوب للدَّولة، وتُجبَى أكثر من مرَّة في السَّنَة. وقد بُني بعض أقسام هذه القُصور بما صادَره الأمير بشير بعد انتصاره على الشَّيخ بشير، وبالحجارة والأخشاب والرّخام والبلاط، التي نقلها بعد هدْم قصْر الشَّيخ، وجامِعِه في المختارة. ثم إنّ بيت الدّين كانت ملكاً للموحِّدين (الدّروز) قبل أن“يناكدهم الأمير بشير ويشتري أراضيهم وبيوتهم” حسبما جاء عند ميخائيل الدّمشقي35. لذا تركوها، وانتقلوا إلى بلدتَي كفرنبرخ، وبَعْذران، حيث حمَلوا فيهما شهرة (البتدِّينِي)، نسبة إلى بلدتهم الأصليَّة (بيت الدِّين).

المختارة اليوم
المختارة اليوم

نهاية الشَّيخ بشير
بعد هزيمته في أواخِر كانون الثاني 1825، تَرك الشَّيخ بشير المختارة متنقِّلاً من مكان إلى آخَر أمام قوَّات الأمير بشير التي تُطارده، واتَّجَه نحْو حوْران قاصدًا إمَّا عرب الفحيليَّة والسّلوط، حيث لجأ إليهم في السَّنَة الماضِيَة، وإمَّا المشايخ الحمدانيِّين في جبل حوْران (جبل العَرب)، حيث أمَّن عِياله في سنة1820 عندما غادَر مع الأمير بشير الشوف، إثر عزْل الأمير. ولدَى وُصوله إلى نوى وَجد نفسه ورجاله مُحاطِين بِقوَّات الدَّالاتيَّة بقيادة كنج آغا. فسلَّم لهذا القائد على أمان أُعطِي له، لكن القائد نهب أمواله ثم سلَّمه إلى والي دمشق مصطفى باشا الذي قام بتسليمه إلى والي صيدا عبد الله باشا، بناءً على طلب الأخير.
وَضع عبد الله باشا الشيخ بشير في السِّجن لِمدَّة ثلاثة أشهر، ولم يقتله لطمَعه في مالِه والمساوَمة على إطلاق سراحه. لكنَّ الأمير بشير الذي كان مصِرًّا على تصفِيَة الشّيخ بشير، ويخشى حُصول تحوُّل ما ضدَّه، أو تغييرٌ مفاجئ يُعَرقل مخطَّطه وسياسته، أرسل إلى محمّد علي باشا يُعْلمه بالأمر، ويطلب منه القضاء على الشيخ بشير، فكتَب محمّد علي إلى حليفه عبد الله باشا أنْ يُجْهزَ على الشَّيخ، فأمَر بشنْقه ورفيقه أمين العماد، ونفذ ذلك ليلة الخميس في 9 شوَّال 1240هـ = 27 أيَّار 1825م، حسبما جاء في رسالته إلى الأمير بشير الشِّهابي، وظلَّت جثتاهما معلَّقتَين أمام مدْخل عكَّا لمدَّة ثلاثة أيام. ويذكُر قنصل فرنسا بعكَّا في رسالته إلى رئيسه بتاريخ 26 حزيران 1825 أنَّ الشَّيخ بشير حين بلَّغَه الحَرس بأمر إعدامه “أدَّى الصَّلاة ومات ثابت الجَنان”، وأنَّ الحَبْلة التي عُلِّقَت برقبته انقطعت مرَّتَين، “فقال لجلاَّدِيه بهدوء: أليس عند سيِّدكم حبْلة في سرايَته أمْتن من هذه”36. وبِشنْق الشَّيخ بشير في عكَّا سنة 1825، بعد مَوت والده فيها بالتَّسميم له سنة 1793، تصبِح عكَّا شُؤْمًا على آل جنبلاط.
كَتب الشَّيخ بشير وصيَّته في سنة 1808 تحسُّبًا من المَوت، أو من القتل في إحدى المَوَاقع الحربيَّة، أو من القضاء عليه كما كان يحصل لأكابِر القَوم. وبنَى ضريحًا في سنة كتابة وصيَّته حتَّى يُدفن فيه. لكنَّه قُدِّر له أن ينتهي بعد 17 سنة من كتابة وصيَّته، وألاَّ يُدفَن في الضَّريح الذي بناه، وأن يُدفَن في أرضٍ غير لبنانيَّة، ذلك أنَّ أحد وُجَهاء دُروز فلسطين (مرزوق سعيد معدِّي)، وكان صديقًا لعبد الله باشا، طلب منه السَّماح بِدَفن الشَّيخ بشير ورفيقه، فنقلهما إلى قريته (يرْكا)، ودفنهما فيها خلْف مدفن الشَّيخ أبو سرايا، ولا تزال رفاتهما هناك.
نهاية الشيخ بشير و”المسألة الشرقية”
غالباً ما يجري النِّقاش بين المؤرِّخين حول مدلُول (الحَدث)، و(الحادثة)، ويختلفون حول الأمثلة عنهما لاختلاف زاوية النَّظر إليها، ولأدلجة المواضيع. فلقد اعتَبر بعض المؤرِّخين عزل الأمير بشير في سنة 1840 حدَثًا لِما تلاه من تطوُّرات، ونتائج خطيرة، فيما اعتبروا نهاية الشَّيخ بشير حادثةً لنتائجها المحدودة، في رأيهم. وفي الحقيقة أنَّ نهاية الشَّيخ بشير شنْقًا في عكَّا، بطلب من الأمير بشير المُنتصِر عليه، وبِقَرار من والي صيدا الذي نزَل عند طلب والي مصر (محمّد علي)، هو حدَث يتوالى فصولاً في تاريخ لبنان عُموماً، وتاريخ الموحِّدين (الدُّروز) خصوصًا، ماثل في الذّاكرة الشّعبيّة والأدبيّات، جاء في سلسلة تمهيدات محمَّد علي لاحتلال بلاد الشَّام، وهو من كان بِحروبه وتوسُّعاته جزءاً من المسألة الشَّرقيّة. لذا، يمْكن اعتبار الشّيخ بشير أيضاً إحدى ضحايا هذه المَسألة، وقد كانت لنهايته نتائج كثيرة ورَد ذِكرها، بعضها كارثي، ونتائج أخرى بعيدة لم يتَّسِع المجال لها.
يعتبر المؤرّخ كمال سليمان الصّليبي نهاية الشّيخ بشير على يد الأمير بشير حدثاً مؤثّراً في تاريخ لبنان، فيقول: “كان سقوط بشير جنبلاط حدثاً ذا أثر في تاريخ لبنان. فبقضاء الأمير بشير على منافسه القويّ، الواسع الثّراء، أصبح هو وحده السيّد المطاع في لبنان. لكنّه، في الوقت نفسه، قضى على الزّعامة الدرزيّة الفعّالة الوحيدة التي بقيت في البلاد. وبذلك سدّد ضربة قاضية على مكانة الدّروز فيها، وإذ ضعفوا وصاروا بلا قيادة، أحجموا عن التّعاون الفعلي في شؤون الإمارة، منتظرين فرصة سانحة للثأر. ولئن صحّ القول بأنّ الأمير الشّهابي المسيحيّ إنّما سحق الشّيخ الجنبلاطي الدّرزي، لا لأنه درزي، بل لأنّه كان خصماً سياسيّاً عنيداً، إلّا أن الدّروز حملوا الأمر على غير محمله. وما كانت سياسة الأمير بشير، فيما بعد، إلا لتجعلهم يمعنون في النّظر إليه كعدوّ مسيحي”37.
تمُرُّ السُّنون، ويدُور الزَّمان دَورته، وتتَوالى الأحداث آخذًا بعضها برقاب بعض، وتنسحب أيضًا آثار بعضها على بعض. وتبدأ الحرب الأهليَّة اللُّبنانيَّة في سنة 1975، ويكون من فُصولِها المَأسويَّة والكارثيَّة حرب الجبل، ويكون من أهمِّ محطَّات حرب الجبل صعود الميليشيات المسيحيَّة أو (القوَّات اللُّبنانيَّة) إليه مع الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان سنة 1982، واتِّخاذ بعض قراهُ وبلداته ثكنات عسكريّة لها، ومنها بيت الدِّين، وذلك بقرار مشترك من والي عكَّا مجازًا: الدَّولة اليهوديَّة، ومن حليفها، قائد القوات اللُّبنانيَّة (بشير الجميِّل). ويوضَع الموحِّدون (الدُّروز) أمام خطر التَّهجِير والإخضاع والإذلال، والتَّبعيَّة للمارونيَّة السِّياسيَّة التي يشكِّل عهد الأمير بشير إحدى مراحل نهوضها. لكنهم ينتصرون في حرب الجبل بقيادة حفيد الشّيخ بشير (الزَّعيم وليد جنبلاط).
لقد شاد الأمير بشير أحد أجنحة قصره في بيت الدّين، ولا سيّما واجهته ومدخله، مما نقله من قصر الشّيخ بشير جنبلاط وجامعه، وأنهى بناءه في سنة 1829، فأُرّخ ذلك ببيتين من الشعر يشيران أيضاً إلى انتصاره على الشّيخ بشير، وهما:
شـــــــادهــــــــا المـــــــــــولـــــــى الشّهابـــــــيُّ الـــــــذي جـــــــاء بـــــــــــــالسعـــــــد بـــــــشيـــــــراً لـــــــلأنـــــــام
وعلـــــــــــــــــــــى بـــــــاب الحمـــــــى قـــــــد أرّخـــــــوا دام نَـــــــصراً فـــــــادخلـــــوهــــــا بــــــــــــــسلام
وفي سنة 1983 أهدى الدّروز انتصارهم في حرب الجبل إلى المقاتلين الأبطال، وإلى الشّيخ بشير، وأرّخوا ذلك بثلاثة أبيات من الشّعر، وُضعت ردّا على البيتين المذكورين أعلاه، وهي:
هذا هــــــــــــــــــــــــــــــــــــو القَصْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ انْحَنَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى لِسُيوفِنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
لِمَلاحِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم الأبطالِ لِلنَّصْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِ الْكَبِيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
وأَطَــــــــــــــــــــــــــلَّ فَجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــْرُ الحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقِّ بَعْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد أُفـــــــُولِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ
والدَّهْرُ يَخْشَــى صَوْلــــــــــــــــــــــــــــــــــــةَ الشَّيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــخِ البَشِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــير

كلمة سواء

كلمة سواء

الحَـــــــذَرُ أَوْجَـــــب عــــن العمــــل العــــامّ

لا يوجدُ في اللّغة العربيّة كَلمةٌ تفوق في مطاطيَّتِها وضبابيَّتِها ما تجده في كلمة “حِوار”.

إنها كلمة رائعة فعلاً، لأنّها تعني كلّ شيء ويمكن أن لا تعني شيئاً. بل هي كلمة فيها من السّحر ما يجعلُها في عقيدة بعض سَليمي الطّوِيّة أقرب إلى تعويذة أو طِلسمَ يَقي من كلّ الشّرور. إنْ قَطَع عليك الطّريق خصم عنيد أو وجدت نفسَك وجهاً لِوَجه أمام شخصٍ شَرس الطِّباع ويتطاير الشّرر من عينيه، فإنّ كلّ ما عليك قوله هو: “مَهلاً دَعنا نتحاور” لأنّك ربّما وبمجرد لفظ كلمة “حِوار” ستوقفه في مكانه، وتبدّل سِحنتَه المُكفهِرّة إلى سَلام ووداعة. يمكنك أن تُجرّب! لكنّ النّتيجة على الأرجح ليست مضمونة. عليك إذن أن تفكّر بوسيلة أفضل، على الأقلّ على سبيل الاحتياط وإلّا فإنّك، عند الامتحان وانكشاف المستور، ستكون في مأزق.

في لبنانَ حواراتٌ من كلّ الأصناف، وحلقات وندوات تضمّ الكثير من أهل النّوايا الحسنة، وقد أصبح للحوار حِرفتُه ومفرداته ودبلوماسيّته وهناك من ينفق الجهد في التّحاور ويجاهد بصدق للتّقريب وخفض التّوتّر وإحياء الثّقة المفقودة. لكن في موازاة هذه النّوايا الطّيبة فإن اللّعبة على الأرض مختلفة، وهي لعبة القوّة والازدواجية والعنف العاري، لعبة لا ترحم لأنّها لعبة أمم وصراع جبابرة، والشّرق كلّه مشتعل الآن بحروب دينيّة ومذهبيّة لا تبقي ولا تذر، وهذه الحروب لها تردُّداتِها وتفرّعاتها في بلدنا المنكوب ولا نعرف متى تهبّ رياحها الملتهبة في اتّجاهنا. وقانا الله!

في هذا المَعمعان المخيف ننسى أحياناً أن للحوار شرط أساسيّ هو أن يقوم، ليس بين مواطنين أو أهل نخبة مهما كانت مكانتهم، بل بين أهل الحلّ والعقد، أي أصحاب القرار الآخذين بناصية الأمور، لأن المشكلة عندهم، فإن لم يكن لدى أيٍّ من هؤلاء رغبة في الحوار، أو إذا كانوا عاجزين عن حوار حقيقيّ، لأنّ بعضهم أسير مواقفه أو أسير ارتباطاته، فأين سيقع الحوار وعلى ماذا؟ وهل تذكرون جلسات الحوار الوطني قبل سنوات وفشلها؟
الشّرط الثاني والأهمّ للحوار هو أن يُبنى على الإخلاص في قصد التوصّل إلى نتيجة أو تسوية الخلاف، وهذا يَفترض كما قلنا أنّ أمر الزّعماء في يدهم، فإن لم يكن، فلن يحصل تقدّم أو اتّفاق ما لم يتّفق الكبار الذين يديرون اللّعبة عن بعد، وقد شهدت السّاحة اللّبنانية على مدى خمسةَ عشَر عاما حروباً وجولات كثيرة مدمِّرة فشلت فيها جميع مساعي الحوار والوساطات، إلى أن صدرت كلمة السّرّ والتقت الدّول الكبرى على تسوية للوضع، وتمّ ترتيب انعقاد مؤتمر الطّائف لهذا الغرض. وقد حضر ممثلو الفرقاء اللّبنانيين للتّوقيع على ما كان قد تمّ التوصّل إليه ولم يكن لهم تأثيرٌ كبيرٌ في ما كان قد كُتب وقُدِّر!.

وفي غياب صِدقِ النّوايا والقصد الحقيقيّ للتّفاهم أو التّشارك العادل في الوطن ينصرف الفرقاء المتنازعون عادة إلى تزويق الخلافات أحياناً عبر حوار شكليٍّ كان المعلّم الشهيد كمال جنبلاط يسمّيه “التّكاذُب المُشْترك”. وكان يقصد به أن يكون للسّياسيين نوايا تختلف عمّا يعلنونه، وأن يكون الحوار مجرّد شراء للوقت في انتظار توافر ظروف الغَلَبة. وبهذا الأسلوب يصبح للتّكاذب وجهان: وجه أصليّ حقيقيّ نحو داخل الجماعة الخاصة، حيث الأدبيّات واضحة في قصد قهر الآخر وحيث أحاديث المجالس مختلفة والهمز واللّمز مختلفان والابتسامات العراض عند ذكر مصائب الخصوم. أمّا الوجه الذي لا مانع أن يَطلّ به بعض صادقي النّيّة في صالونات الحوار ومنابره، والتي يعلم أصحاب القرار أنّها (أيّ الصّالونات) لا تضرّهم ولا تنفعهم، فهو وجه هاشٌّ باشٌّ يفيض بالبِشْر والتّسامح و”تقبّل الآخر”.

لا يُفهم من ذلك أنّنا نعارض الحوارالمخلص والمجدي، فنحن نعتبره أفضل من الجفاء أو انقطاع التّواصل وهو ربما ساهم في تخفيف التّوتّر وإطفاء بعض الحرائق هنا وهناك قبل امتدادها، لكنّنا في عصر الزّلازل السّياسيّة وحروب التّطهير وإعادة رسم معالم البلدان نعتقد أنّ الحذر أوجب.

العملُ العامّ واندفاع الفرد للعمل في صالح الجماعة وغَيْرَتِه على مستقبلها ووجودها من أهمّ الدلائل على مجتمع حيويّ يوفّق بين الفرديّة وبين الجماعة، بين العمل للنّجاح الفرديّ وبين السّهر على أن يتمّ ذلك في سياق حماية الجماعة وهي الإطار الحامي للنّجاح الفرديّ، فلو ضَعُفت الجماعة لا سمح الله أو وَهَنتْ فإن النّجاح الفرديّ يصبح يتيماً ولا قيمة له، وما نسمّيه “العصبيّة” أو اجتماع الجماعة بسرعة عند الخطر يشرح جيّداً هذه النّقطة، إذ نرى الجميع وقد تساوَوْا في الهمّ وتحرّكوا كأنّهم بنيان مرصوص لِصَدّ النّائبات التي تحيق بهم. حتى من تظنّهم في صفّ اللّامبالاة تراهم عند النّفير يهبّون ويلتحقون بالصّفوف لأنّهم يدركون حقيقة الارتباط الوجوديّ بين مسيرتهم الحياتيّة وبين مسيرة المجتمع الذي ينتمون إليه ويستقون من تاريخه وقيمه وإرثه الغنيّ سبب وجودهم واعتزازهم.
مع ذلك، هناك ملاحظة يتّفق عليها كثيرون ممّن عايشوا العمل العامّ وهي أنّ حالة التّضامن المشهودة في المُلِمّات غالباً ما يصيبها الاسترخاء في مراحل السَّلم والانغماس مجدّداً في الأعمال وفي المصالح الشّخصيّة الآنيّة، وهذا الافتراق كثيراً ما يرتدّ على المؤسّسات والمرافق التي أُنشئت من قِبَل الجماعة ولأجلها بآفة النّسيان فيقلّ الاهتمام بها وتتراجع وتنتكس أعمالها وقد تضيع في دوّامة الإهمال.
كأفرادٍ هناك أشخاصٌ كثيرون يساهمون ولهم فضل على الجماعة ومؤسّساتها، ورجال الأعمال عندنا عصاميّون حقّقوا ما حقّقوه بالتّعب والجهد وهم يحرصون على سمعتهم، ولهم أصلاً صِيْتٌ حسنٌ في كلّ مكان يعملون فيه. لكنّ الفرديّة التي تساعد رجل الأعمال على النّجاح تصبح متأصّلة أحياناً وتنسحب على العمل الاجتماعيّ، إذ إن كلّاً منّا معتاد على اتّخاذ القرارات الفرديّة وتذوّق النّجاح الشّخصيّ، لكن قليلون ربّما لديهم خبرة العمل وثقافة الفريق مع ما يقتضيه ذلك من مرونة وإعطاء الفرصة للآخرين لأنّ كلّ إنسان يحبّ أن يكون له دور، وهذا طبيعيّ، لكنّ البعض يحبّ أن يكون له الدّور الأوّل انطلاقاً من تقاليد الإنجاز وما يجلبه من مكانة. وهذا جانب آخر من تحدّيات العمل الاجتماعي وهو تحدّي التّعاون وتجاوز الميل الإنساني للتّميّز أو التفرّد في العمل. وكلّ عمل تتواجه فيه أجندات خاصّة لا بد وأن يعاني وربّما أُصيب في الصّميم، لأنّ الجدل الذي لا يساعد في تقدّم العمل يؤثّر على المعنويّات وقد يضعف حوافز البعض للإسهام مع الآخرين.
نسوق هذه الملاحظات ونحن نقف على عتبة السّنة الخامسة من إعادة إصدار “الضّحى” التي ثبّتت أقدامها وبات لها دور أساسيّ في البيئة الثّقافيّة المعروفيّة في لبنان أو في سوريا أو ما يتعداهما. وها نحن نستعدّ لإطلاق الموقع الشّبكيّ ونأمل من خلاله أن تتّسع الفائدة ممّا يُنْشَر في المجلّة إلى عدد أكبرَ بكثير من قرّاء النّسخة الورقيّة، وهم كُثُرٌ، وقد يصل عددهم، بالاستناد إلى واقع تداول العدد نفسه بين أربعَ أو خمسة أشخاص على الأقلّ، إلى أكثر من عشَرة آلاف أو ربما خمسَةَ عشَر ألفَ قارئ. ومثل هذا الجمع في حدّ ذاته يمثّل قوّة تأثير كبيرة لاسيّما وأنّه يتألّف من أفراد النّخبة في الطّائفة ومن مثقّفيها وقياداتها المؤثّرة، وهو ما يعني أنّ تأثير المجلّة الفعليّ يتجاوز عدد قارئيها بكثير.
لكننا بلغنا بعد خمس سنوات من العمل منعطفاً مهما على مستوى تكوين مجلس الأمناء ومجموعة الدّعم التي تألّفت انطلاقاً من رجال مرموقين في طائفتنا الكريمة، إذ إنّ بعض الإخوان قرّر عدم تجديد مساهمته، كما أنّ عدداً آخر لم يكمل الطّريق من الأساس، وهذا من طبيعة أيِّ عمل ونحن نحترم موقف كلّ من توقّف عن السّير واعتبر أنّ هناك ربّما أشياء أهم يتعيّن عليه الاهتمام بها، لكن من أجل تأمين الاستمراريّة والبناء على النّجاحات التي تحقّقت نجد أنّه يتعيّن إفساح المجال أمام أفراد النّخبة وشخصيّات الطّائفة الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة في السّابق لكي ينضمّوا إلى هذا المشروع المهمّ ويوفّروا له ليس الدّعم الماليّ فحسب بل الدّعم المعنويّ والمَشورة، علماً أنّ نظام عمل مجلس أمناء المجلّة يعطيه دوراً مهمّاً في التّخطيط والتّوجية ورسم السّياسات والتّصديق على الأمور الماليّة.
إنّها دعوة لمن يتطلّع إلى دعم قضيّة تتعلّق بها مصلحة الموحّدين الدّروز ومستقبلهم لأن ينضمّ إلى الجُهد الكبير المستمرّ في تطوير وإعلاء مكانة هذا المرفق الذي بات له دور مركزيّ في الحياة الثّقافية للطّائفة. وهذا المَعلَم المهمّ لم يوجد في ماض قريب ولا يوجد اليوم ما يماثله في محتواه وفي دوره وفي تأثيره الثّقافي والمعنويّ، وهو يأتي في وقتٍ الطّائفة في أمسّ الحاجة إلى وسيلة إعلام وتنوير وتواصل. أملُنا أن نقدّم الإيجابيّات ونرى الإنجاز ونتمسّك به وباستمراره ونغضّ الطّرف عن النّقاشات والتباينات التي تظهر في أيّ عمل. و“الضّحى” في نهاية المطاف مؤسّسة للطّائفة بأسْرِها وليست ملكاً لأشخاص، ومن المؤكّد أنّه سيمرّ عليها كثيرون ويذهبون لكنّها كإنجازٍ يجب أن تستمرّ عبر الزّمن في أداء دورها التّنويريّ والتّوحيديّ.

المسؤوليَّة العامَّة وشروطها

رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز
الشيخ نعيم حسن

المسؤوليَّة العامَّة وشروطها

يتَّخذُ مبدأُ المسؤوليَّةِ صفة شموليَّة في الإسلام كما جاءَ في الحديث الشَّريف: “كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه”. وهذا المبدأ، على خطورةِ فهمه بمقاربةٍ نسبيَّة، يقيِّــدُه بشكلٍ مُحكَم العديدُ من قواعد الأصُول في الشَّرع من جهةٍ أولى، وأيضًا في منظومة الحقوق بالمفهوم المدنيّ الحديث من جهاتٍ مختلفة. ف”الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّـته” كما يُكمِلُ الحديثُ الآنف الذِّكر، وهذه مسؤوليَّة الحاكم المرتبطة وجوبًا بتحقيق العدْل، “والرَّجُلُ راعٍ في أهله” وهذا مقيَّدٌ بكلِّ واجبات الرِّعايةِ الخُلُقيَّة والتربويَّة والمادِّيَّة الخ. “والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجها” بحفظ المودَّة والرَّحمة والألفة وحسن التَّدبير وما إلى ذلك ممَّا يوفِّرُ الاستقرار النفسيّ والعاطفيّ والعائليّ للنواة الأولى في بنيان أيّ مجتمع بشريّ.

إنَّ الرِّعايةَ -التي هي واجب الحفاظ على أمانةٍ معيَّنة-بكافَّة وجوهها، مرتبطٌة بالمسؤوليَّة التي يتحمَّلها مسؤولٌ ما. فهو مسؤول لأنَّه يُسأَلُ عن أعماله وعن تصرُّفاته وعن حسن أدائه وعن إخلاصِه في تحقيق ما هو واجبُ أن يؤدّيه وفقا لمقتضيات المقام. جاء في الآية الشريفة﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولون﴾(الصافات 24)، أي احبسوهم في الموقف لتتمّ مساءلتهُم عن عقائدهم وأعمالهم. ومأثورٌ في أدبِ الدِّين أن مقامَ السؤال أمام الحقّ هو من أصعب المقامات.

والمسؤوليَّة من بابِ الشَّرع قائمة على مثُـل عالية يمكن اختصارها بقاعدة الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكَر وإحقاق الحقّ. أمَّا من باب السياسة المدنيَّة فهي مرتبطة بمبادئ العدْل والمساواة واحترام حقوق المواطنة وواجباتها، والعمل على تحسين شروط مستوى المعيشة في كافَّة حقول الخدمات والرِّعاية إلى ما هنالك. وليس من اللائقِ للمرءِ في أيِّ موقع من مواقع المسؤوليَّة أن يتورَّط في مزالق الفساد وسوء أداء الأمانة والاستهتار بمصالح النَّاس وتلويث مفهوم الحياة نفسها.

                                                                                     * * *

لا بدَّ من الوقوف أمام المعاني المقدَّم ذكرها لكلِّ من يهمّ بالمبادرة إلى تحمُّل المسؤوليَّة والمشاركة في الأنشطة العامَّة في موسم الانتخابات البلديَّة والمخاتير. ولا بدّ ان نؤكِّدَ على شرط الضَّرورة في هذا السِّياق، وهو حفظ أمانة الصِّدق، ونيَّة الخيْر، والتَّجرُّد الخالص فوق كلِّ العصبيَّاتِ الفئويَّة، وعدم الانزلاق بشكلٍ لا يقاربه التباس في أيِّ خلافٍ أو مشاحنة أو تحديات. والقصْدُ ليس السَّعي إلى المواقع، بل العمل، إن اقتضى الأمر ذلك، على تعزيز الإقدام على كلمة سواء، وعلى جمع الشَّمل، وعلى تغليب مفهوم المصلحة العامَّة على المصالح الخاصَّة في هذا المجال.

يهمّنا هنا بالأخصِّ بعض الَّذين ينغمسون في خوض هذا الخِضمّ من الملتزمين بالمسلك الدّينيّ، لنذكِّرَ بتلك المعاني ودقائق محمولها المعنويّ الّذي يزدادُ في فاعليَّته وشروطه تجاههم بشكل خاصّ. ونحنُ لا يمكننا أن ندعو إلى اعتزال شؤون الخدمة العامَّة، لكنّه ليس من واجب رجل الدِّين الموحِّد الانخراط في معتركٍ تتشابكُ فيه الغرضيَّات الدنيويَّة، بل عليه، إن أمكن، أن يكونَ مثالًا في مجتمعه للكلمة الطيِّبة التي توحِّد ولا تنثر بذور الشقاق. وأن يكون كالميزان العدْل، يُقصَد لتعزيز الألفة، ولا يُستخدَم طرفًا في الخصومات وما شابه، بل يمكنه المساعدة على اختيار الاكفأ. إنَّ المحافظة على أدبِ الدِّين هي الغاية الشَّريفة التي تشغل قلبَ الموحِّد. وما علينا إلَّا أن نذكِّر بهذا الأصل الأصيل في المسلك﴿ فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنِين ﴾(الذاريات 55).

هذا العدد

هذا العدد

في هذا العدد من الضّحى تطبيق لبعض الأفكار والاقتراحات البنّاءة التي طُرِحت في غير مناسبة من أصدقاء مثقّفين ومتابعين للمجلّة وتمنّت مزيداً من التّنويع في محتويات المجلّة بما يعكس بشكلٍ جَلِيٍّ حركة المجتمع التّوحيديّ وحاضره إلى جانب اهتمامها بالأمور الثّقافية الأساسيّة مثل التّاريخ وأعلام التّصوّف وشعرائِه وشؤون العلوم والزّراعة وغيرها. وبالفعل بدأنا منذ العدد السّابق إجراء تعديلات إيجابيّة في مضمون التّحرير ومواضيعه أولاً باتّجاه اختصار حجم النّصوص بما يفسح المجال لزيادة عدد المواضيع وإغناء محتوى المجلّة، لكنّنا أبقينا على موضوع مِحوَريّ في المجلة ، غالباً ما يتعلّق بتاريخنا أو تاريخ الأعلام وهذا هو الاستثناء لكَونه بمثابة الملفّ المِحْوَريّ الذي يحتاج إلى مساحة أوسع من أجل معالجة وافية. مثال على هذا المبدأ المقالة الوافية التي أعدّها المؤرخ الدّكتور حسن أمين البعيني عن فصل مهمّ من تاريخ طائفة الموحّدين الدّروز وهو المتعلّق بالشّيخ بشير جنبلاط واصطدام نفوذه الكبير بطموحات ومكائد الأمير بشير الشّهابي الثّاني، ثمّ ما ترتّب على ذلك الصّدام وإزاحة الشّيخ بشير جنبلاط من نتائج سلبيّة شاملة على العائلات الإقطاعيّة الدّرزيّة وعلى القاعدة الأساسيّة لنفوذها وهي الملكيّات الزّراعيّة التي اغتصبها الأمير بشير ومناصريه ووزّعوا الكثير منها على أنصارهم لاسيّما النافذين من الموارنة.

نتابع في هذا العدد أيضاً التّعريف بروّاد الأعمال في حلقة خُصّصت للمرحوم الشّيخ توفيق عسّاف مؤسّس بنك بيروت والبلاد العربيّة وشركة الببسي في لبنان والذي لعب إلى جانب ذلك دوراً سياسيّاً كنائب عن منطقة عاليه وكوزير وممثّل لطائفة الموحّدين الدّروز في المفاوضات التي أدّت إلى توقيع اتّفاقية الطّائف.

نتابع أيضاً قسم “آيات الخلق” الذي نعرض فيه لأسرار الخلق وآيات الإبداع الكَونيّ المُعجزة في جميع الحقول وقد اخترنا في هذا العدد موضوع المورّثات الجينيّة أو الـ DNA وهو حقل مدهش تَحار فيه العقول فعلاً ويقدّم الدّليل القاطع على أنّ المخلوقات جميعها من أصغر كائن مجهريّ إلى أعظم كائن أو كوكب أو مجرّة إنّما هي نتائج إبداع الخلّاق العظيم الذي أحسن كلّ شيء خلقه، وفائدة هذا التّناول هي أنّه يسند القناعات الإيمانيّة إلى حقائق علميّة لا لَبس فيها ويدحض في الوقت نفسه النّظريات ذات الإشكال التي تزعم أن سائر الأكوان اللّانهائية وسائر المخلوقات التي لا تعدّ ولا تُحصى وسائر الأشياء ومظاهر الطّبيعة والتي تعمل كلّها وفق نظام بديع من التّناسق والتّوافق والاستمراريّة هي كلّها نَتاج الصّدفة والتّفاعلات العَفويّة.

نفتتح في هذا العدد أيضاً باب “حوار” والهدف منه التعرّف على شخصيّات من المجتمع التّوحيديّ حقّقت نجاحاً في العمل الخاصّ ولها تجربتها في العمل العام وخلاصة تجارب يمكن أن تكون مفيدة لكلّ المهتمّين بالحقل العامّ وقضاياه وبدأنا هذا الباب مع شخصيّة محبّبة ومعروفة في مجال العمل العامّ مثلما هي معروفة بنجاحها في العمل الخاصّ هي شخصيّة الشّيخ كميل سريّ الدّين وهو عضو مؤسّس في مجلس أمناء الضّحى ورئيس لجنة الاغتراب في المجلس المذهبيّ لطائفة الموحّدين الدّروز.

في العدد أيضاً جديد يُثري مادّة المجلّة والفكر التّوحيديّ يُعدّه مركز الدّراسات في مَشيخة العقل، وقد اخترنا له عنوان “مباحث التّوحيد” على أمل أن يكون هذا الصّنف من الكتابات الرّفيعة مكوّناً دائماً من فِكر المجلّة وتطبيقاً لرسالتها التّنويريّة.

في الوقت نفسه يعطي هذا العدد من الضّحى اهتماماً خاصّاً لباب الثّقافة وهو يعرِض موضوعاً مهمّاً عن تكيّف اللّغة العربيّة مع التّطوّر لأستاذ اللّغة العربيّة وخرّيج الأزهر الأستاذ شوقي حماده، كما يبدأ سلسة مقالات تتناول الشّعر العامِّيَّ أو الشّعبي في جبل العرب وهو موضوع شيّق يتمّ تناوله ويظهر أيضاً الاهتمام المتزايد من مثقّفي الجبل بالنّشر في مجلّة الضّحى والتي باتت عمليّاً أهمّ مرجع ثقافيّ يتمّ تداوله بحماس في الجبل، ونحن نشهد اتّساعا مطّرداً لقاعدة كتّاب ومثقَّفي الجبل المهتمّين بمجلّة الضّحى وهذا بشير خير لأنّه دليل جديد على الدّور الذي تلعبه المجلّة في تعزيز الرّوابط بين لبنان وسوريا وبين المعروفيّين في جميع أقطار الشّرق العربيّ بما في ذلك فلسطين والجولان المحتل.

والله وليّ التّوفيق

حكايـــــــات الامثال

قصص الأمثال

حِكاياتُ الجُبَناء والبُخلاء

النّاس لا يحبّون البُخل ولا البُخلاء ويسخرون منهم ومن طِباعهم كما فعل الجاحظ في كتابه الشّهير(البُخَلاء)، كما أنّهم يمقتون الجُبناء لأنّ الجُبن وانعدام المُروءة من أكثر الصّفات خِسّة في الرجال، ولهذا السّبب تحتوي الأمثال الشّعبيّة على قَدر كبير من قصص الجبناء والبخلاء على سبيل ذمّ خِصالهم وتحذير النّاس من التّشبّه بهم باعتباره يقود إلى سوء العاقبة المُذلّة وصيت العار.
في هذه الحلقة اخترنا بعض الأمثال المستوحاة من قصص أهل الشّح والبُخل وفيها من العِبَر الكثير.

زَبونُ العوافي

عبارة يوصف بها الرّجل الذي لا يُحسب له حساب، للنّيل من قِلّة شأنه ، فإذا حضر إلى مجلس قالوا : “ إجا زبون العوافي “. وحكاية هذه العبارة أنقلها من قاموس أحمد أبو سعد بتصرّف.
تقول الحكاية: “إنّ مكاريّاً كان يسوق حماره، وقد حمّلة كيساً من الدّقيق. وصادف أنْ مرّ بمَخاضة فغاصَ حمارُه في المياه الموحلة حتى شارف على الغرق، فهبّ الفلّاحون المتواجدون في المنطقة لمساعدته في انتشال الحمار من المخاضة.
وَحَدث أنْ مرّ شابٌّ بهم وهم منهمكون في انتشال الحمار، فحيّاهم بقوله: “العوافي”. ثمّ مضى دون أنْ ينضمّ إليهم ودون أنْ يسألهم إذا كانوا يريدون مساعدة. فقالوا: “هذا زبون عوافي وليس زبون شُغل “. فغدت مثلاً1.
وقد جاء في المُنجد أنّ من معاني الزّبون: الغبي الأبله. وأضاف صاحب المنجد: “وليست بهذا المعنى في الفصيح، وإنّما هي فارسيّة2”.
ولعلّهم أخذوا هذا المعنى في هذا الوصف.

زَمّر بنيّك

والمثل يُضْرَب للرّجل إذا بُشِّر بتحقيق غايته، وقضاء حاجته.
وحكاية هذا المثل سمعتها من صديق وكان يرويها في معرِض الحديث عن النّاس الذين يرومون تحقيق غاية ما، فلا تتحقّق غايتُهم ما لم يقوموا بما يلزم لتحقيق تلك الغاية.
قال:
السّفر إلى الشام لم يكن أمراً عاديّاً كما هو هذه الأيام. لذلك كان النّاس إذا خطر للواحد من أهل الضّيعة أن يذهب إلى الشام، يذهبون ليسهروا عنده ويودِّعوه، وإذا عاد بالسّلامة يذهبون للسلام عليه. وكان التّجار يتسوّقون من الشّام كلّ شهرين أو ثلاثة شهور مرّة.
وفي إحدى الضّياع كان هناك صاحب دكاّن. وفي يوم من الأيام خطر له أن يذهب إلى الشّام ليتسوّق. وكان من عادة أهل الضّيعة وكلّ ضيعة، إذا ذهب الدّكّنجيّ إلى الشّام، أنْ حمّلوه التّوصيات والطّلبات كي يشتريها لهم بطريقه. لذلك وما أن عرف النّاس بالتّواتر أن صاحبَنا الدّكنجي يستعد للنّزول إلى الشّام حتى أخذوا يتقاطرون إلى بيته جماعات جماعات من أجل أن يوصوه على أشياء يشتريها لهم في طريقه. هذا يريد قنبازاً، وهذا يريد حَطَّة (كوفيّة)، وهذه تريد عِقد مشرشب، أو شبكان جوخ. والرّجل ما حيلته إلّا أنْ يقول: “حاضر ، طيّب، تِكرَموا، بيفرجها الله، ماشي الحال، انشا لله “ومن هذا الكلام كثير. حتى جاءت حُرْمَة أرملة؛ مدّت يدها إلى عبّها، فأخرجت مَحْرَمة، فتحتها، وأخرجت منها فْرنكين سوري. وقالت للدّكنجي:
ـ بحياتك!. هذول فْرنكين، بَدّي تشتري لي من الشّام بطريقك زُمّيرَة لَهَلْوَلَد . .
أخذ الدّكنجي الفرنكين السوري من الحُرمة، ثم أخرج دفتره، وكتب عليه وصيّة الأرملة، وقال لها:
ـ روحي! انت إللي زمّر بْنَيّكْ.
وَفَهِمَ النّاس أنّ الدّكنجي قد رمى كلّ الوصايا وراء ظهره، لأنّها غير مشفوعة بثمنها، إلّا وصيّة الأرملة لأنّها دفعت ثمن الزّمور مُقدّماً. ومِن يومها صاروا يقولون لكلّ رجل دبّرَ أموره، فأحسن تدبيرها: زمّر بْنَيّك.
وقد ذكر المثل أحمد أبو سعد، وكانت روايته لا تختلف عن روايتنا.
وذكره سلام الرّاسي، دون اختلاف يُذكر عن روايتنا3.
كما ذكره تيمور برواية: “إللي يدفع القرش يزمّر ابنه” دون الإشارة إلى حكاية المثل، إلّا أنّه أضاف أنّهم في هذا المعنى يقولون: “معاك شي إبنك ينشال، ما معَكْشي إبنك يمشي”.

رجعت حليمة لعادتها القديمة

يُقال هذا في من يعود إلى عادة سيّئة كان قد تركها لكنّه يأخذ كموضوع امرأة مطبوعة على البخل وسوء الأدب مع الضّيوف.
تقول الحكاية أنّ “حليمة” كانت زوجة أحد الأجواد، وكانت تتّصف بالبُخل. فكانت إذا قدّمت الزاد للضّيف تقلّل السّمن. فأراد الرّجل أنْ يثنيها عن بُخلها بقوله: إنّها إذا بَحْبَحَت كميّة السّمن على الطّعام فلن يشيبَ شعرُها ولن تعرف الهَرَم. فَصَدّقت وأخذت تزيد من كميّة السّمن على الطعام.
وكان أنْ أخذَ شعرُها يشيب بعد أنْ تقدّمت بها السّنون، وأخذت علامات كِبَر السّنّ تظهر عليها فأدركت خداع زوجها لها، وعادت تقلّل كمّية السّمن. فصار النّاس يقولون: “رجعت حليمة لعادتها القديمة “.
وقد أوردَ سلام الرّاسي حكاية المثل، معتبراً أنّ حليمة زوجة حاتم الطائي.
ولم نعرف لحاتم زوجة غير “ماوية” التي خاطبها بقوله:
أماوِيَ إنّ المال غادٍ ورائحٌ ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكْر

رافق النّذلَ تنذَلّ

يُضرَب المثل للرّفيق الذي لا يستطيع نُصرة صديقه وقت الشِدَّة. وكثيرة هي الأمثال التي تتحدّث عن هذه الحالة كقولهم “الصّديق وقت الضّيق”، و “رافق المِسعد تسعد”. وحكاية المثل رواها سلام الرّاسي في كتابه الحَبل على الجرّار ومفادها أنّ رجلين ترافقا في سفر بعيد، وحينما أقبل اللّيل لاذا بإحدى الأشجار. واتّفقا أنْ ينام الواحد منهما ويسهر الآخر يحرسه، حتى إذا شعر السّاهر بخطرٍ أيقظ رفيقه، وتعاونا على درء ذلك الخطر.
وبينما أحدهما ساهراً إذْ أقبلت الضّبُع مُهَروِلا. فارتعب الرّجل السّاهر. وشمّر، وتسلّق الشّجَرة، تاركاً رفيقه لقدره.
وحين أفاق النّائم على وقع أقدام الضّبُع، ورأى ما رأى، ارتعب، وفعلها في ثيابه من شدّة الفَزع . فتقدّم الضبع منه، وأخذ يشمُّه، ثم ابتعد عنه مُنصرفاً؛ لأنّ الضبُع لا تأنفُ من شيء في الدُّنيا إلا من رائحة فضلات الإنسان.
وحين انصرفت الضّبُع نزل الرّفيق الذي كان فوق الشجرة، وسأل رفيقه الآخر:
ـ ماذا قال لك الضّبُع حين اقترب منك ؟. فقال له رفيقه:
ـ قال لي: “رافق النذل بتنذلّ”
فذهبت عبارة الرجل مثلاً.

السّلام بيجرّ كلام، والكلام بيجرّ بِطّيخ

يُضرَب هذا المثل في التّحذير من الهَذر، فَرُبّ كلمة استجرّت كَلمة، فاستجرّت الكَلمة كلمة، حتى يصل المتكلّم إلى ما لا تُحمد عقباه. والحكاية أنّ رجلاً جعلَ ابنه ناطوراً على حقل قثّاء وبطّيخ وأوصاه بالقول:
ـ إذا مرّ بك أحدٌ وسلًم فلا تَردّ السّلام.
فاستغرب الولد ذلك، إذْ كيف ذلك والسّلام لله. فأوضح الأبُ لِابْنِه:
ـ يا بُنَيّ، إنّك إذا رددت السّلام سَيَفتح المارُّ معك حواراً، وسيؤدّي هذا الحِوار إلى ذكر البِطِّيخ، وعندئذِ سوف يُجبرك حياء أنْ تدعوه لتناول شيءٍ من البِطِّيخ. وسوف يتكرّر مرور النّاس بك، وفي كلّ مرّة ستخسر رأس بِطّيخ، فالأَوْلى ألّا تَرُدَّ لأنّه “سلام بيجرّ كلام، وكلام بيجر بِطِّيخ”.
وأراني أتصوّر أحمد شوقي قد خطر له هذا المثل حينما تحدّث عن تعلّق القلب:
نِظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
ووقعت على الحكاية نفسها عند سلام الرّاسي بعنوان “لا سلام، ولا كلام”؛ إذْ جعل الرّجل مع ابنه في المزرعة، ومرّ جماعة من البدو فسلَّموا، فلم يردَّ السّلام، فاستغرب الاِبن وسأل والده :
ـ السّلام لله فلمً لمْ تردَّ ؟.
فأجاب الأبُ:
ـ بْخاف السّلام يجرّ كلام، والكلام يْجُرّ بِطّيخ.

شفناك فوق وشفناك تحت

مَثَل يُضرب للمرء يحاول أنْ يدّعي الأعذار لعدم قيامه بما يقتضيه الواجب. على حين تهيأت له أسباب المبادرة فلم يبادر إلى ذلك. والحكاية أنّ شحاذاً طرق باب أحدهم يطلب من مال الله، ففتحت له الخادمة وقالت: سيّدتي في الطابق الأعلى، ولَوَ اَنها هنا لما قصّرت في واجبك. وفي اليوم الثّاني عاد الشّحّاذ نفسه يطرق الباب ذاته. فخرجت له السّيّدة، وقالت له : الخادمة في الطابق الأعلى. ولوَ اَنَّها هنا لأمرتها بأنْ تُجْزِل لك العطاء. فرد الشحّاذ قائلاً: “يا ستّي ! شفناكِ فوق، وشفناك تحت”.

إجاكم راعي المْرَصّص

العبارة تُطلق على من يعتقد أنّه يفوق أقرانَه في فِعلٍ ما من الأفعال.
خُلاصة الحكاية أنّ رجلاً مرّ بصِبْيَةٍ يلعبون بالكِعاب لعبة النّدْبة. وتقتضي أحكام هذه اللّعبة أنْ يرمي الصّبيُّ كَعْبَه في الأرض بطريقةٍ فنّيّة مُعَيّنة، ويجب أنْ يقفَ الكعب في وضعيّة مُحَدّدة (على قاعدته) ليحقّق الرّبح لصاحبه. فما كان من هذا الرجل إلا أنْ أخرجَ من جيبه كعباً كان قد حشاه بالرّصاص (بقصد الغِشّ)، فغدا الكعبُ ثقيلاً من الأسفل ليستقرّ دائماً في الوضعيّة الرّابحة. وقال للصِّبْيَة:
ـ إجا عَمّكم راعي (أي صاحب) المْرصّص.
وأخذ يلعب مع الصِّبْيَة فكَسِبَ كلّ كعابهم. وغدت عبارته سائرة، تُطلق على من يفوق أقرانه في عمل ما.

شَهاب الدّين وأخوه الضّائع

عِبارة تُقال في شخصين متماثلين في الصّفات، وغالباً ما تعني الصّفات الرديئة. فإذا أرادوا أن يقارنوا رجلاً رديئاً بآخر يماثله في الرّداءة قالوا ما قيل.
وقد عثرت على حكاية لهذا المثل عند سلام الرّاسي وأرويها بتصرّف لأنّنا رأينا اختيار لغة أكثرَ تحفُّظاً في ما وُصف به شَهاب الدّين وأخوه.
إنّه كان لِرِجل من الوجهاء بنت، أحبَّ أن يزوّجَها لرجل يتوسّم فيه الرّجولة، فرفض الكثير من الخُطّاب حتّى جاءه رجل عريض المنكبين، مفتول السّاعدين، غليظُ الشّاربين، توسّم في الخير وزوَّجه ابنته، وأسكنه في بيته، وكان اسمه شَهاب الدّين.
وبعد الزّواج دأبَ شَهاب الدّين على عادة لا يغادرها يوميّاً، إذْ كان ينهض صباحاً، ويباشر غسل يديه ووجهه، ثم تمسيد شاربيه ثم ارتداء ثيابه، فتستغرق العمليّة ساعات، ثم يمتطي جواده ويغادر البيت، ولا يعود إلّا في المساء، عند ذلك يسأله عمّه أين كنت؟ فيجيبه:
ـ أبحث عن أخي الذي فقدته منذ زمن.
وطال الأمر على هذا المنوال. وصادف أن قصد الوجيه أحد الحلّاقين ليحلق ذقنه؛ فباشر الحلّاق عمله، وضع الصّابون على الذّقن وفتح حديثاً على عادة الحلاقين، وكلّما انتهى من حديث جرّ الموسى على ذقن الرّجل جرّة واحدة، وفتح حديثاً آخر، حتى ملّ الرّجل؛ فوقف وقال له:
ـ يكفي هذا اليوم وغَداً تكمّل لي حلاقة ذقني.
وقفل عائداً إلى البيت، فوجد شهاب الدين يهيئ نفسه للخروج. فقال له:
ـ إلى أين ؟.
فقال شهاب الدين:
ـ لمتابعة التفتيش عن أخي.
فقال له عمه:
ـ لقد عثرت اليوم على أخيك، إنَّه يعمل حلّاقاً في مكان كذا.
فقال شَهاب الدّين:
ـ وما أدراك أنه أخي؟
فقال له عمّه:
ـ وجدته أفشل منك، فقلت لَعلَّه أخوك.
فقال شّهاب الدّين:
ـ هذا إذاً ليس بأخي. إذْ لو كان أخي لما كان “أفشل” مني، لأنّ معلّم المدرسة التي تعلّمنا فيها اعتبرني أنا الأفشل عندما مدحنا بقوله:
كِلا الأخَوَيْنِ ذو فَشَلٍ وَلِكنْ شَهابُ الدّين أفْشَلُ من أخيهِ

سِرِّيةُ حمدانٍ لأًخْتهِ

يُضْرَب هذا المثل في الحِرص على إخفاء أمرٍ تافه لا أهميّة له، ولا يترتّب على إشهاره شيءٌ ما. والمثل معروف في أنحاء الجبل ولطالما لجأت أمّهاتنا إليه للسّخرية من طلبات تافهة كنّا نسألها ـ كأطفال «أن تبقى سرّاً بيننا وبينهنَّ». وقد كُنّا نَحرِص على كَتْم هذه الطّلبات ليس لأنّ فيها سرّاً لا نريد كشفه بل ربّما لأنّنا كنّا نخجل من كوننا نطلب شيئاً.
وحكاية المثل أنّ حمدان، وهو بدويٌّ يعيش مع أخته وحيدَيْن، خرج للرّعي، وحينما وصل إلى المساريح (المراعي) تذكّر أنّه عليه أنْ يوصي أختَه وصيّة، فعاد من المسراح بغَنَمِه، فوجدها في البيت مع ثُلَّة من صاحباتها، فدُهشَت لعودته بالقطيع على غير عادته في تلك السّاعة، وظنّت أنّه عاد لأمرٍ هامّ، وعندما انتحى بها جانباً أوصاها سرّاً أنْ تصُبّ القهوة للضّيف الذي ياتي إلى البيت في غيابه. فدُهِشَت وقالت له: ألِهذا الأمرِ عُدتَ؟!. فذهبت سِرّيتُه مَثلَاً في الحِرص على سِرّية أمر تافه.
وقد ذكر سلامة عبيد هذا المثل في مجموعته.

ملا نصرالدين

حكايات مُلّا نَصْر الدِّين

مقالب ومواقف وعبر من الحياة
ونقد لاذع لضعف النفس الإنسانية

الحلقة الثانية

أدخلت مجلّة “الضّحى” في العدد السّابق باباً جديداً يسلّط الضّوء على شخصيّة الحكيم السّاخر مُلّا نصر الدّين ويبدأ على حلقات في عرض حكاياته الطّريفة تلك التي تحمل في الوقت نفسه عِبَراً ودروساً في تهذيب النّفس وحِكَم الحياة.
ويُعتبر نصرُ الدين خُجا (مُلّا نصر الدين) شخصيّة مِحْوَرية في الإرث الشّعبي لبلدان وسط آسيا، وقد غدت صورته في مُخيّلة العامّة والفولكلور الشّعبي صورة “الحكيم الساخر” كرجل واسع المعرفة سريع الفطنة حادّ الذكاء، إلاّ أنّه يُلْبِس حكمته والعِبَرَ التي يأتي بها طابع السّخرية والّلامعقول. وبسبب شُهرته كمعلّم في الثقافة الآسيويّة والعالميّة فقد حَظِيَت شخصيّته بالتّكريم العالميّ وذلك عندما أعلنت منظّمة الأمم المتّحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو)عام 1996-1997 السنة العالمية لنصرِ الدين، وكرّست دول عديدة ذلك العام للتّعريف بشخصيّته وحكاياته وحِكَمِه وعُقِدَت النّدوات الثقافية والأمسيات والاحتفالات الشعبية وأُنتجت أفلام ووثائق بكلّ الّلغات عن هذه الشخصيّة المُثيرة للاهتمام. وقد انتقل العديد من حكايات مُلّا نصرِ الدّين إلى العربيّة من خلال شخصية “جحا” ونوادره. وبالطّبع فقد نما هذا التّراث الشّعبي مع إضافة النّاس العديد من القصص التي تنسب إلى نصر الدين أو جحا لهذا فإنّنا نراها تتفاوت من حيث طرافتها أو من حيث القيمة الثقافية أو التّراثية التي تحملها. ورغم أنّ مؤسسات ثقافية أخذت على عاتقها محاولة جمع هذا التّراث وتنقيته إلاّ أنّ هذه المهمّة تبقى صعبة لأنّ النّاس أنفسهم دمجوا شخصيّة نصرِ الدّين أو شخصيّة جحا في تراثهم وحياتهم مما يعني أنّنا سنجد دوماً مزيداً من الحكايا التي تُنْسَج على لسان هذه الشخصية التّاريخيّة ولا بأس في ذلك إذ إنّ إرثَ نصرِ الدين لم يكن لينمو ويَغْنى بهذا الكمّ من الحكايا السّاخرة ذات المغزى الأدبيّ أو الحياتيّ لولا الإسهام المتواصل للرّواية الشّعبيّة في هذا التّراث وفي كثيرٍ غيره من الموروثات الشعبية.
في هذه الحلقة الثّانية من حكايات المُلاّ نصر الدين تختارُ “الضّحى” باقةً من مواقفه ومقالبه السّاخرة الحاملة للعِبَر الأخلاقية والحياتيّة وتُترجمها للقارئ العربي عن الّلغة الإنكليزية١ كما صاغها الفيلسوفُ الصّوفي إدريس شاه، نقلاً عن اللّغتين الفارسيّة والتّركيّة.

أموت أنا أو الملك أو الحمار
أموت أنا أو الملك أو الحمار

هات مِغرفتَك لِنموتَ معك!
ذاتَ يوم، دُعِيَ الخجا نَصْرُ الدِّين واثنان آخران إلى عشاء عند أحد الأصحاب. كان مساء ذات ليلةِ صيفٍ حار.
وأحضرَ المُضيفُ إلى الطّاولة زُبْدِيّةً كبيرة ملأى بمربّى الكرز وشرابه المثلّج. والتقط مِلْعقةً كبيرة كمِغرَفةٍ وأعطى ضيوفه ملاعقَ صغيرة.
وقال: “فلنغرف بملاعقنا!”.
لكنّ أحداً لم يستطع أن يَغْرِف بمِلعقته بمثلِ ما كان يَغْرِف. فالضّيوف، بملاعقهم الصّغيرة، لم يَسَعَهم التمتُّع بهذه الحَلوى أو أن يُطفِئوا عطشَهم.
بيدَ أنّ المُضيفَ كان يحتسي الشرابَ الباردَ بملعقته الكبيرة، وبعد كلّ ملعقة يُعبّر عن تلذُّذه.
ويقول: “آه، هذا يقتلني!”. ويُضيف مُتأوّهاً: “آه، لعلّني مِتُّ وصعِدتُ إلى الجنّة. أَوّاه، كم هذا ممتعٌ، إنّني أموت!”.
لكنّ الخوجا نَصْرَ الدِّين لم يكن ليسمحَ باختفاء الحَلوى من أمامه قبل أن تتسنَّى له فرصة التمتُّع بها.
فخاطب المضيف قائلاً: “يا أفندي، لِمَ لا تناولنا المِغرفة كي يتسنَّى لنا أيضاً أن نموت قليلاً”.

لم أشتَرِ السّروال!!
في أحد الأيام، كان نَصْرُ الدِّين خوجا يبتاعُ حاجيّات له في السوق. وقفَ أمام متجر ثياب. واستغرقَ وقتاً وهو يُحدِّق في السّراويل الملوّنة، وشاشات العِمامات، والقمصان والجُبَب. وإذْ به أخيراً ينتقي سروالاً.
وبعدما قلّبه لهُنَيْهةً بين يديه، رجِعَ عن اختياره هذا لينتقيَ جُبَّةً بدلاً من السّروال. وأوشكَ على المغادرة بالجُبَّة عندما طالبه البائعُ بماله.
إذ قال له: “خوجا أفندي، إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ؟ فأنت لمْ تدفعْ لي ثمنَ الجُبَّة!”.
أجابه الخوجا باستخفاف: “ماذا تقصد؟ لقد بدَّلتها بالسّروال”.
بيد أنّ البائع قال: “عجباً لكنّك لم تدفع ثمنَ السّروال أيضاً”.
أجابه الخوجا بصَلَف: “وَيحَكَ يا صاح، لِمَ عليَّ أنْ أدفع ثمنَ شيء لم أبْتَعْه؟”.

أجْرُكَ؟ لا شيء
كان الحطَّابُ يحمل كيساً مليئاً بالحطب المُقَطَّع على ظهره. الكيسُ كان ثقيلاً ومليئاً أكثر ممّا يستوعب. وحَرِصَ الرّجلُ الذي كان ينوءُ تحت عبءِ حِمْلِهِ الثقيل باذلا أقصى جهده ألَّا يُسقِط شيئاً من قطع الحطب وهو سائرٌ في طريقه.
لكنّ الرّجلَ المِسكين لم يَسَعْه تجنُّبَ التّعثُّرِ بحجرٍ على الطريق فسقطَ نصفُ حمولته من الحطب وتدحرج على الأرض. وصُودِف مرورُ رجلٍ رأى ما حَدَث، فسأل الحطّاب.
“إذا أعدتُ ما سقطَ من قطع الحطب إلى الكيس على ظهرك، فماذا ستُعطيني بالمقابل؟”.
“لا شيءَ”، أجاب الرجلُ الذي ينقل الحطب. فوافقه الرّجل قائلاً: “هذا مقبول”. فجَمَع كلَّ قطع الحطب المتناثرة على الطريق ودسّها مجدداً في كيس الحطّاب. وعندما أنجزَ عمله طلب أجــراً. فذُهِلَ الحطّاب.
وقال: “أخبرتك، سأُعطيك لا شيء”. فقال الرّجل: “نعم، وهذا ما أُريده: لا شيء . أعطِنِي لا شيء!”. وبعدَ شِجَار، قرّر الرجلان أن يحتكما إلى القاضي.
وكان نَصْرُ الدِّين خوجا يتولّى القضاء في حينه.
أصغى إلى كِلا الرّجلين بكلّ جِدّيّة. ومن ثمّ خاطبَ الرّجل الذي كان يُطالِب بأجْره “لا شيء”.
“يا عزيزي، هلَّا رفعتَ حافّة الزاوية اليمنى لتلك السجَّادة على الأرض واستبْيَنتَ ما تحتها؟”.
قام الرجل بما طُلِبَ منه ونظر تحت السجَّادة.
فسأله الخوجا: “ماذا رأيت؟”.
أجابه الرجل: “لا شيء”.
فأَمَرَهُ الخوجا قائلاً: “حسناً، خُذْهُ واذْهَب إلى منزلك، هذا هو أجْرُك”.

طُلابٌ سُذَّج وربابة
كان لنَصْرِ الدِّين خوجا طلابٌ من خارج البلدة. وكان أثناءَ النّهار يُعلِّمهم في المدرسة، وفي آناء الّليل يُؤويهم وزوجتَه في منزلهما.
ذات مساء، كان الخوجا وطلّابه الصّغار عائدين بعد يومٍ دراسيّ طويل في المدرسة.
وفي طريق عودتهم إلى المنزل، شاهدوا لِصَّين أمام متجرٍ. كان أحدهما يُعالِج قُفْلَ الباب بمِبْرَدٍ دَفْعَاً وسَحْباً فيما كان الآخر يُراقِب من حوله.
وسأل الطلابُ الخوجا عمّا يحدث، غير مُدرِكين لسذاجتهم أنّ هذَين الرّجلَين كانا ينويان سَرِقة المتجر.
ولم يَرُقْ للخوجا نَصْرِ الدِّين التورُّط مع هذَين الّلِصَّين الشَّقِيِّيَن، لكنّه في الوقت ذاتِه لم يشأ أنْ يخالَهُ طلاّبُه شاهِداً على جريمة من دون القيام ِ بشيء. لذا قرَّر الكَذِبَ حول ما يحدث.
وتَمَلَّصَ في كلامه قائلاً: “أحدُهم يعزِفُ على الرَّبَابَة، والآخر يُصغِي للموسيقى”.
فاعترضَ الفِتْية قائلين: “لكن يا خوجا أفندي، أيُّ نوعٍ من الموسيقى هي هذه؟ فليسَ ثَمَّةَ صوتٍ”.
أجابهم الخوجا مُطمْئِناً: “أوه، سيكون هناك صوتٌ. إنّــهــا ربَابَة فريدة. وموسيقاها ستُسمَع غداً صباحاً عندما يعودُ صاحب المتجر إلى متجره!”.

أموتُ أنا، أو الملك، أو الحمار!
ذاتَ يوم عَنَّ لتيمورلنك مضايقةُ الخوجا نَصْرِ الدِّين استهزاءً.
فسأله: “أيُّها الخوجا ، هل بإمكانك أنْ تُعلِّم حماري القراءة؟
أجابه: “نعم بإمكاني ذلك يا تيمورلنك العظيم”.
فقال تيمورلنك: “رُويدَكَ يا خوجــا! كيف لكَ أن تُعلِّمَ حماراً القراءة؟”.
أجاب الخوجا بثقة: “إذا ما مَنَحتـنــي مهلةَ ثلاثَ سنوات وثلاثةَ آلاف قطعة ذهبية، فَبِوِسْعي أن أُعلِّم حماري كيف يقرأ”.
استدرك تيمورلنك مُحِذِّراً: “لكنْ إذا لم يستطع الحمارُ القراءة في غضون مهلة السنوات الثلاث فسأُعاقِبُكَ بشدّة لمحاولتك الاستهزاء بتيمورلنك العظيم.
وافقَ الخوجا نَصْرُ الدِّين تيمورلنكَ على شُروطه، وأخذَ ثلاثة آلاف قطعة ذهبيّة وغادر خيمة تيمورلنك الفخمة.
وبادر أصحابُ الخوجا الّذين شهدوا الصّفقة إلى إبداء ارتيابهم.
وقالوا: “يا خوجا أفندي، ما أنتَ فاعلٌ؟ أنتَ تعلم أنّك عاجزٌ عن تعليم الحمار أيَّ شيء سوى النَّهِيق. ثلاث سنوات تمرّ وسيقطعُ تيمورلنك رأسَك!”.
لكنّ نَصْرَ الدِّين لم يكن لينتابَه هاجسٌ. قال برباطة جأشٍ: “يا صَحْبيَ الأعزّاء، قبل أنْ تمضي هذه السنوات الثلاث سيموت واحدٌ مِنّا، إمّا أنا أو تيمورلنك أويموت الحمارُ!”.

القدر تنجب ولا تموت؟
القدر تنجب ولا تموت؟

غداً يومُ القيامة
كان قد مضى وقتٌ طويلٌ قبل أن يَحظى سُكّان بلدة “أكسي شهر” بوليمةٍ حافلة. وخرجَ جيران ملّا نَصْرِ الدِّين بحِيلةٍ لجَعْلِهِ يدعوهم إلى وليمةٍ كبيرة.
قالوا: “خوجا أفندي، غداً سيكون يوم القيامة. لِمَ لا نذهب جميعاً في نزهة، ونشوي خَرُوفَك الصّغير ونستمتع بوليمةٍ كبيرة وأخيرة”.
فاحتجَّ الخوجا قائلاً: “خَرُوفِي الصّغير! إنَّهُ قُرَّة عينيّ! لا يمكنني أنْ أذبحَ خَرُوفي الصغير”. لكنّ الجيرانَ لم يستسلموا بسهولة.
وقالوا: “خوجا أفندي إنّه يوم القيامة. ونحن جميعاً سنموت بأيِّ حال. فما الضَّيْرُ فـي وليمة أخيرة؟”. وفي نهاية المطاف أقنعوا نَصْرَ الدِّين بمَنْح خَرُوفِه الصغير لهم.
اجتمعوا وتوجَّهوا إلى ضفّة النّهر للتنعُّم بنزهةٍ ممتعة. ذبحوا الخروف المسكين ثم جهّزوه ووضعوه فوق النار لِشَيِّه ومن ثمّ نزعوا ثيابَهم ونزلوا إلى النّهر استمتاعاً بالسّباحة. وفيما كان الجميع يتقاذفون بالماء لَعِباً ولهواً ومَرَحاً لفتح شَهيِّتِهم، التقطَ الخوجا نَصْرُ الدِّين جميعَ الملابس المُلقاة على الأرض وألقاها في النار. وعندما خرج الجميعُ من الماء، كان الخَرُوفُ الصّغير قد باتَ مُحَمَّراً مشوّياً، وجميعُ الثياب قد احترقت بنار شِوائه.
صُدِمَ أصحابُ الخوجا وسألوه عمّا حدث مُندَهِشين.
أخذَ يشرحُ لهم بكلِّ برودة وهدوء: “آه، الملابس؟ لقد استخدمتُها لتأجيج النار، وبما أنّ غداً هو يوم القيامة، فما حاجتُكم إليها؟”.

بقرتُنا أتلَفَتْ حديقتَكم!
كان الخوجا نَصْرُ الدِّين قاضيَ زمانِه. وذاتَ يوم جاءَه جارٌ لمواجهته.
“خوجا أفندي، يبدو أنّ بقرتَك قد وَلَجت حديقتي وسبَّبَت تلفاً كبيراً في الخضار. فماذا يقول كِتابُ قوانينِك الكبير حول ذلك؟”.
أجاب الخوجا نَصْرُ الدِّين شَرْعَاً: “الحيوانُ لا عقلَ له. ولا يمكن تحميل صاحبه مسؤوليّـة سلوكه الغريزي. فلا حُكْمَ لعقوبةٍ في ذلك”.
استدركَ الجارُ الأمرَ قائلاً: “لقد أخطأتُ التعبيرَ يا خوجا أفندي. قصدتُ القولَ أنّ بقرتنا هي التي دخلت إلى حديقتكم وأتلفت خضارَكم”.
هنا تناول الخوجا كتابَه الكبير وقال: “دَعْني أنظرْ ما يقول القانون في ذلك!”.

القِدْر تُنْجِبُ ولا تموت!
استعارَ الخوجا نَصْرُ الدِّين قِدْراً من جاره. وعندما تخلَّفَ عن إعادتِها لفترةٍ طويلة، جاءهُ الجارُ طارقاً الباب.
قال الجار: “خوجا أفندي، إن كنت قد انتهيتَ من استعمال القِدْر، هلَّا أعدَتَها إليَّ؟ فزوجتي تحتاجها اليوم”.
قال الخوجا: “آه، بالطّبع. فقط انتظرني دقيقة وسأتفقَّدها”. ولدى عودة الخوجا إلى الباب حاملاً القِدْر، لاحظ الجار أنّ هناك إناءً صغيراً داخلها.
فسأله: “ما هذا”.
قال الخوجا: “حسناً، أُهنِّئُكَ يا جاري لقد أَنْجَبت قِدْرُكَ إناءً صغيراً”.
شكَرَ الجارُ المذهول والمسرور في آن الخوجا، والتقطَ قِدْرَه والإناءَ الصّغير الجديد وقَفَلَ عائداً إلى منزله.
وبعد مرور أسابيع قليلة، جاءَه الخوجا ثانيةً، وسأله أن يستعيرَ قِدْرَهُ. فلم يتردَّد الجارُ أبداً وأعارَ الخوجا القِدْرَ بكلِّ سرور. ومع ذلك، تخلَّفَ الخوجا مجدداً عن إعادتها. فلم يكن أمام الجار من بُدٍّ سوى أن يُطالبه بها من جديد.
“خوجا أفندي، هل انتهيتَ من القِدْر؟”.
فتأوَّه ملا نصر الدين قائلاً: “أوّاه يا جاري. أخشى أنّ قِدْرَكَ قد ماتت”.
فتعجَّبَ الجارُ المُرتاب وسأله: “كيف ذلك يا خوجا أفندي، هذا مُحال، وهل القِدْرُ تموت؟!”.
وكان الخوجا نَصْرُ الدِّين مُتَهيِّئأً للإجابة:
“يا صديقي العزيز، كيفَ لك أنْ تُصدِّق أنَّ القِدْرَ تُنجِبُ، ولا يسعُكَ أنْ تُصدِّقَ أنّها تموت؟”.

في الحمام التركي
في الحمام التركي

الزّوجة السبَّاحة
اتّخذَ مُلّا نَصْرُ الدِّين له زوجةً ثانية كانت أصغر بكثير من الأولى. وذاتَ مساء، عادَ إلى المنزل ليجدهما تتشاجران حول أيّهما الأَحَبّ إلى قلب المُلّا.
بدايةً، أخبرهما نَصْرُ الدِّين أنّه يُحبِّهما بالمقدار ذاته، لكن أيَّاً منهما لم تكتفِ بهذه الإجابة. عندها سألت الزّوجةُ الأكبر سنّاً: “حسناً، لنفترض أنّنا نحن الثلاثة كُنّا في قارب، وأخذَ يغرق بنا. فأيـّاً منّا تُحاوِل إنقاذها؟”.
فكَّر المُلّا لِلَحظة ثمّ قال للزوجة الأكبر سنّاً: “عزيزتي، أنتِ تُجيدين السّباحة، أليسَ كذلك؟”.

سِرُّ طول العمر
ذاتَ يوم سُئِلَ المُلّا نَصْرُ الدِّين عن سِرّ طول العمر.
فأجابَ: “ابقِ قَدَمَيكَ دافئتَين، ورأسَك بارداً، واحترسْ لِمَا تأكله، ولا تُفكِّر كثيراً”.
محامي الدّفاع: دَجاجة!
في أحد الأيام، تقدَّمَ بعضُ أصحاب الشأن من تيمورلنك بشكوى على المُلّا نَصْرِ الدِّين. فما كان من هذا الأخير إلاّ أنْ أخذَ دجاجةً وفِرَاخَها هديّةً إلى أحد مستشاري تيمورلنك لكي يُدافِعَ عنه.
وفي اليوم التالي استُدعِيَ نَصْرُ الدِّين وخصومه إلى القصر للحُكْم بينهم.
وبعد الاستماع إلى الشكوى، أخذَ المستشارُ يُدافِع عن المُلّا نَصْرِ الدِّين، ومن ثمَّ سألَ تيمورلنك الخوجا قائلاً: “ما الذي تقوله لتُثبِتَ أنّكَ لستَ مذنباً”.
فأجاب نَصْرُ الدِّين: “ليس لديَّ المزيد لأقوله أيُّها الكبير. لقد تحدَّثَت الدّجاجةُ وفِرَاخُها عنّي”.

صِفةٌ ممّا لستُ أذكرها!
سُئِلَ المُلّا نَصْرُ الدِّين في يومٍ من الأيام: “ما هي أفضلُ صفات البشرية؟”.
فأجابَ: “حَسَناً، لقد أخبرني أحدُ الفلاسفة مرَّةً أنّ هناك صِفَتَين. كان قد نَسِيَ الأولى، لكنّه أطلعَنِي على الثانية. ولكي أكونَ صادقاً، فقد نسيتها أنا أيضاً!”.

رجاءً لا تَكْشُفِي النِقاب ..!
كان العُرفُ الاجتماعي السائد في أيام المُلّا نَصْرِ الدِّين ألَّا تكشِفَ العروسُ عن وجهها لزوج المستقبل قبل الزواج.
وفي يوم زفاف المُلّا، كشفت زوجتُهُ النّقابَ عن وجهها وسألته: “قُلْ لي يا مُلّا نَصْرَ الدِّين، أيّاً من أقربائك يمكنني مقابلته من دون أن أُغطِّي وجهي أمامه بالنقاب”.
فأجابَ المُلّا بحسرة: “اكشفِي عن وجهكِ لمَن شئتِ، لكن رجاءً احرصي على إبقاء النقاب في حضوري!”.

في الحَمَّامٌ التُركي
قصَدَ مُلّا نَصْرُ الدِّين يوماً حَمَّاماً تركيّاً. لكنّه بسبب ثيابه الرَّثَّة، لم يَسْترعِ اهتمامَ الخادمَيْن هناك. فوضعا له قطعة صابون صغيرة، وخِرْقَة قماش يتّخذها مئزراً، ومنشفة قديمة فقط.
وفيما كان يُغادر الحَمَّامَ نَقَدَ كُلّاً من الخادمَيْن قطعة ذهبية. وكم دُهِشَا لسخائِهِ لأنّه لم يتذمّر من سوء خدمتهما. وتساءَلا كم كان ليُغدِقَ عليهما لو أنّهما عاملاه على نحوٍ أفضل”.
في الأسبوع التّالي، عاد نَصْرُ الدِّين مُجدداً إلى الحمَّام. لكنّ الخادمَين هذه المرَّة عاملاه معاملةً الملوك وقدَّما له مناشِفَ فاخرة مزركشة، ومئزراً من حرير. وبعد تدليكِه وتضميخِه بالعِطر، غادرَ الحَمَّامَ ونَقَدَ كـلّاً من الخادمَين أصغرَ قطعة نقود نحاسيّة لديه وقال الخوجا لهما: “هذه للزيارة الأولى. أمّا القطعتان الذّهبيّتان فهما لليوم!”.

الإجابة عن السؤال بسؤال!
حَدَثَ يوماً أنْ سُئِلَ مُلّا نَصْرُ الدِّين: “لماذا تُجيب دائماً عن السؤال بسؤالٍ آخر؟
فأجاب: “هل أفعلُ ذلك؟”.

أَتُصدِّقُ الحمار؟!
طرَقَ جارٌ بابَ مُلّا نَصْرِ الدِّين ذاتَ يوم وقال له: “خوجا أفندي، أوَدُّ أنْ أستعيرَ منكَ حمارك”.
فأجابه المُلّا: “أنا آسف، لقد سبَقَ وأعرتُهُ لغيرك”.
وما أنْ قالَ ذلك، حتى سُمِعَ صوتُ نهيــق حمارٍ من إسطبل الخوجا.
فقال الجار: “لكن يا مُلّا أسمعُ صوتَ الحمارِ في الدّاخل”.
أجابه نصر الدين غاضباً: “عارٌ عليكَ، أَتُصدِّقُ حماراً وتُكذِّبُني!!”.

كما يقولُ المَلِكُ
دعا المَلِكُ في أحد الأيام المُلّا نَصْرَ الدِّين إلى قصره لتناول العشاء. وكان الطبّاخُ المَلَكي قد أعدَّ من بين أصنافٍ أخرى، طبقَ ملفوف. وبعد العشاء، سأله المَلِكُ: “كيف وجدتَ الملفوف؟”.
فأجابه المُلّا مُجاملةً: “كان لذيذاً جداً”.
فبادر المَلِكُ إلى القول: “أظنُّ أنّ طعمَــهُ فظيع”.
فأردفَ المُلا موافقاً: إنّكَ على حَقّ أيُّها الملك، كان الملفوفُ غيرَ شهيٍّ على الإطلاق”.
فذكَّره المَلِكُ: “لكنّــكَ قُلتَ للتو إنّه لذيذٌ!”.
استدركَ المُلّا: “نعم، لكنّني تابعٌ مُخلِصٌ لسُلْطانِكُم، لا لسُلطانِ الملفوف”.

اختبار عجيب
تسلَّقَ مُلّا نَصْرُ الدِّين ذاتَ يوم إلى أعلى مئذنةِ مسجدٍ وصاحَ بصوتٍ عظيم.
وعلى الفور نزِلَ سريعاً وأخذَ يركض.
فسأله أحدُ المارّة: “خوجا أفندي لماذا تركض هكذا، ماذا يحدث؟”، فأجابه: “إنّني أركضُ لأتبيّن إلى أين يصل صوتي”.

2016