لا أعتقد أنّ المؤسّسة الدّينيّة الإسلاميّة، في مذاهبها وتشكيلاتها كافّة، قد عرفت دائماً رجل دين جمع من الصّفات الدّينيّة والفكريّة، والإنسانيّة بعامّة، ما لا يجتمع في شخص واحد، ثمّ أضاف إليها شجاعة أدبيّة معنويّة قلّ نظيرها، تكلّلها فوق ذلك بسمة آسرة لم تفارق شفتيه؛ عنيت به سماحة العلاّمة السيّد هاني فحص.
باختصار أبدأ، ومن حيث كان يجب أن أنهي، لقد قرّب منّا الشّيخ هاني فحص صورة رجل الدّين، فجعلها طبيعيّة، مألوفة، محبّبة، بل وجاذبة ….. خصال آنَ لكثيرين أن يحلموا بشيء منها، فخدم الدّين عامداً كما لم يخدمه الكثيرون، وانضمّ من ثمّة إلى رعيل من المفكّرين، ورجال الدّين اللّبنانيّين المسلمين والمسيحيّين من الّذين كان يطيب لك أن تسمعهم، فكيف أن تلقاهم، وأن تتتلمذ على أفكارهم، بل على أخلاقهم الدّينيّة العمليّة في آنٍ معاً….. ولطالما قال المرحوم العلّامة الشّيخ محمّد مهدي شمس الدّين، صديق السّيد هاني فحص وزميله ورفيقه، إنّ الأخلاق العمليّة ركن من أركان الإسلام لا يقوم من دونها. رحم الله الشّيخ السيّد هاني فحص الّذي قدم وجهاً للإسلام عميقاً، محبّاً، ودوداً، رقيقاً، وشاعريّاً، في آن، فجعلنا نحبّ ونتعبّد، بل جعلنا نحبُّ حين نتعبّد… فإذا العبادة معه، صوت هادئ ينفذ إلى أغشية القلب والعقل، وإذا هي زهد وتقشّف، وتبصّر وحكمة، ومحبّة وعشق إلهييّن، يرفعانك عمّا هو آنيّ وعارض وظاهر وضيّق ومحدود، ليحلّقا بك في السّماوات العُلى نحو اللّامحدود واللاّمتناهي جمالاً وفضيلة وحقيقة.
هوذا بعض عالم السّيّد هاني فحص الدّيني الشفّاف الرّقيق والعميق في آنٍ معاً، بدأتُ به لأدلفَ من ثمّة إلى إسهامات السّيد فحص الأخرى الرّائدة والسّبّاقة في غير مجال سياسيّ وثقافيّ واجتماعيّ، وما اتّصل منها بما يجري عندنا وحولنا على وجه الخصوص.
بين تلك الإسهامات الكثيرة المعنيّة بما هو راهن ومُلِحٌّ وحرجٌ حتّى الثّمالة، اخترت نقطة واحدة وهي الثّقافة الأصيلة الّتي أسّس لها السيّد فحص في درء التّعصّب على أنواعه كافّة، وبهدف درء الفتنة بين أخوةِ الدّين الواحد، أو بين أخوة الأديان، كلّ الأديان، بل وأخوة الإنسانيّة جمعاء، متديّنين وغير مُتَديّنين، ولطالما ردّد السّيد فحص أنّي ربّما وجدت من هو من غير ديني أقرب إليّ ممّن هو في ديني، بل ربّما وجدت من القيم الإنسانيّة العمليّة في من لا دين ظاهر له، أكثر ممّا أجد لدى بعض من انتسب زوراً إلى هذا الدّين أو ذاك.
لله درُّك كم كنتَ عاقلاً، حكيماً، مثقّفاً، رحباً، مُنفتحاً، مُتسامحاً، يا سماحة السيّد فحص، وأنت المفكّرُ الدّيني في الأصل؛ فكنتَ المعلّم، والقدوة؛ ولو استهوتك أو رغبت بكلمات من مثل «القائد» ومشتقّاتها، لكانت طوعَ بنانِك وفي متناول يمينك ساعة شئت.
ولعلِّي لا أُخطئ حين أقول أنّك فضّلت القدوة على القائد، لعلمك اليقين أنّ كل قدوةٍ هو قائد بالمعنى الحقيقي للكلمة. هكذا كنت مع انتفاضة مُزارعي التّبغ، ومع المقاومين للعدوان الإسرائيليّ، وهكذا ستبقى لعقودٍ قادمةٍ، بينما يندرُ أن تجدَ قائداً هو قدوةٌ بحق – وبخاصّة حين يتلهّف ليكون كذلك، أو يُسعَدُ ليسمع ذلك، أو يرشو لشراء ذلك، أو يستبدّ ليصبح كذلك. لكنّ التّاريخ، أو المعيار الأخير للحقيقة، سرعان ما كان يخذل القادة العابرين المُدّعين المستبدّين أولئك، فيدفع بهم ومن دون تأخير إلى مهاوي النِّسيان كأنّهم ما كانوا ولا مرّوا ولا استبدّوا، فيما يستمرّ المعلّم المتواضع والقدوة الفذّة من نوع السيّد هاني فحص- وعلى خطى معلِّمين سابقين في كلّ الثّقافات – نبراساً يضيء الأفئدة قبل العقول، والبصائر قبل الأبصار، ومنارة ترشدُ إلى برّ الأمان حين تشتدّ العواصف، ويدلهمّ الليل وتغشى البصرَ حُجُبُ التّمذهب والتّمزّق والتّعصّب.
هوذا الدّور العقلاني، الحرّ والمنفتح والمتميّز، الّذي لعبه هاني فحص في فترة حرجة من تاريخ وطننا وحيداً يكاد، أو مع كوكبة معدودة جذّفت عكس التّيار الغريزي الرّجعي الّذي يأخذ أشكالاً شتّى من مثل التّمذهب الدّيني والتّعصب الحزبي، والانغلاق الثّقافي من هذه الجهة أو تلك.
ولو كانت المساحة المتاحة تسمح بشروحات أطول لبيّنت بالتّفصيل أنّ السيّد هاني فحص قد صاغ نظريّة كاملة حاولت أن تؤسّس لثقافة الانفتاح، على قواعد وأدلّة فيها قوّة المنطق وواقعيّة التّجربة اليوميّة العمليّة في آنٍ معاً. فلنقرأه مثلاً يمتدح التّنوّع، بل الاختلاف في الرّأي، وفي أنَّ الرّأي الواحد إلى زوال، يقول:
«لعلّها مُسَلّمةٌ في كلّ العلوم أنّ التّماثل أو البعدَ الواحد مُرادف للجمود والزّوال، من هنا يرتقي الاختلاف إلى مستوى الضّرورة للإبداع المعرفيّ والعملي.» (المسلمون، 25) لاحظوا معي قوله إنّ الاختلاف ليس مقبولاً فحسب، بل هو ضرورة للإبداع، كلّ إبداع! وأنتم تعرفون ولا شك أنّ الاختلاف يتضمّن التّباين والتّضاد والتّعارض والتّناقض والنّفي المُتبادل، بل وقابلية الخطأ، وعلم المنهجيّات يُثبتُ يوميّاً أنَّ الاختلاف ذاك، وكما كتب السّيّد، هو محرك للتّجديد والفاعليّة والإبداع.

ويزيد السّيّد مدماكاً آخر مثيراً إلى نظريّته المعرفيّة، مضمون المدماك الجديد هو أنّ كلّ مبالغة في الوحدة مآلها التّجزئة، يقول:
«إنَّ قَصْرَ التّعدّد على الوحدة المطلقة يؤدّي إلى مزيد من التّجزئة، « وحجته في ذلك أنّ دعوى امتلاك الحقيقة الكاملة في الدّين أو السّياسة تعني «أنّ الآخر باطل يجب احتواؤه أو إلغاؤه». ويكمل: «هذه الخلفيّة كانت قائمة ولا تزال وراء الرّؤى الشّموليّة، أي الأصوليّة القوميّة، والدّينيّة والشّيوعيّة والليبراليّة.» والنّتيجة الحتميّة لذلك، يخلص السيّد، هي الوصول إلى العنف، يقول: «هذه الإلغائيّة (..) تستلزم العنف في توحيد المتعدّد، أو ضمّه، على أساس أطروحة أحد الأطراف، والعنف المباشر (الجسدي) أو غير الجسدي (الفكري) قد يُنتج شكلاً وحدويّاً، ولكن بدل أن يُزيل الفوارق الطّبيعيّة يرشحها ويؤجّجها ريثما تنفجّر عُنفاً مُضاعَفاً في أوّل فرصة أو أزمة.»
هذه مُقدَّمات لنظريّة متماسكة أنّى طبقتها في السّياسة أو الاجتماع أو الثّقافة أو حتّى الدّين. وقد سحب السّيّد نظريته تلك على مسألة الوحدة الإسلاميّة على وجه التّخصيص، وخرج بنتيجة لم أقرأها عند سواه، يقول:
«وعلى هذا فإنَّنا إذ نعملُ على التّقريب بين المسلمين، لا نهدف إلى تحقيق الوحدة الشّاملة، لأنّ هذا يغري بعض العاملين بتسنين الشّيعة أو تشييع السُّنَّة أو تعريب الأكراد مثلاً، وكأنّ المذهبَ الآخرَ دين آخر، …. وإذا كانت الحريّة شرطاً إنسانيّاً وربّانيّاً فماذا نفعل بالّذين يتشبّثون بمعتقداتهم؟ وقد قال الله تعالى: «أفأنت تكرِهُ النّاس حتّى يكونوا مؤمنين» (يونس 99) ويختم السيّد:
«لقد احتاط الإسلام لهذا المسلك القاتل عندما جعل التّعدُّد والاختلاف في مصاف الإرادة التّكوينيّة، ودليلاً على حكمة المدبّر وحسن التّدبير إذ قال (ومن آياته خلقُ السموات والأرض واختلاف ألسنتِكُم وألوانِكُم إنّ في ذلك لآيةٍ للعالمين) (الروم 22).
لو كان هناك متّسَعٌ من وقت لاسترسلت في تبيان ملامح نظريّة السّيّد المتفرِّدة الصّياغة في وعيها لفرضيّتها ولتخطّيها اختبارات الصّدقية بنجاح. لكنّها مناسبة احتفاليّة لا تتّسع لأكثر ممّا عرضت، وربما أعود إليها تفصيلاً في ندوة أكثر تخصّصاً ووقتاً أيضاً.
في زمن مأزوم كهذا الّذي نعيشه، في بلدنا وفي بلاد المسلمين بعامّة، يا سماحة السيّد والشّيخ والمفكّر والإنسان والقدوة تبدو الحاجة إليك أعظم، وكذا إلى حكمتك ومحبّتك في آن معاً. وقد كانت لك الميزة الاستثنائيّة بامتلاكك الاثنَتين معاً: الحكمة والمحبّة؛ إذ ما قيمة الحكمة بلا محبّة، هي تغدو أقرب إلى الاستبداد؛ أمّا المحبّة فقيمةٌ نضرةٌ على الدّوام من دون قيد أو شرط. وفي اعتقادي أنّك جبلت بالمحبّة تلك كلّ ما كتبت، وفي كلّ باب، فجاء زهره عطراً، فوّاحاً، من شتول تبغ جبل عامل حيناً، ومن تفّاح جبل لبنان حيناً آخر، ومن سهوب قمح البقاع حيناً ثالثاً، ومن عرق الفلاحين والكادحين والمثقّفين وصغار المُنتجين والفقراء الّذين أحببتَ، في كل الأحايِين، فبادلوك حبّاً بحبْ، وها هم ما انفكوا، وسيبقون إلى أمد طويل، يرونَ إليك باعتبارك القدوة، أمّا القائد فمسألة ثانويّة.