الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

ثوابت الموحِّدين الدُّروز التمسُّك بالثوابت الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود

مقدمة

يهدف هذا العرض إلى التعريف بالثوابت التي بني عليها الميثاق السياسي لبني معروف لأكثر من قرن من الزمن، وعلى الأخص منذ زوال الدولة الإسلامية الجامعة وتقسيم المنطقة العربية، وإنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948.

وتبرز الحاجة لهذا النوع من التأكيد على تلك الثوابت الوجودية نظراً لجملة من العوامل المستجدّة والتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وقد بلغت المواجهات حدّاً بات يفرض على الموحدين الدروز تحمّل مسؤولياتهم التاريخية عبر توحيد موقفهم كجماعة مجاهدة، وتأكيد صلتهم العضوية مع العالم العربي والإسلامي وتوضيح رؤيتهم لدورهم الوطني في الأقطار العربية التي ينتمون إليها.

 

1- العامل الإسرائيلي:
إن المنطلق الأول للسياسة المعروفية من أحداث المنطقة هو فهم الأثر التدميري المستمر للمشروع الإسرائيلي على حياة الأوطان والشعوب في هذه المنطقة التي نكبت بتقسيم فلسطين عام 1947، وهذه الكارثة لم تكن فقط «نكبة» لشعب فلسطين، بل للعرب جميعاً.

إن حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو منع قيام أي دولة عربية سيدة ومزدهرة في المنطقة، وفي الوقت نفسه إحباط أي فرصة لاتّحاد دول عربية في كيان إقليمي يكون له ثقله الاقتصادي والبشري والعسكري.

وعملا بهذا المبدأ فإن التحالف الإسرائيلي- الغربي، مستغِلّاً ضعف الدول والأنظمة السياسية العربية وانقساماتها عبر عقود طويلة، عمل عبر سلسلة من الحروب والانقلابات والتدمير المنهجي على تحويل القارة العربية (التي تزيد مساحتها بنسبة %40 عن مساحة الصين ويفوق عدد سكانها بنسبة %30 عدد سكان الولايات المتحدة) والتي تحتوي على نسبة كبيرة من ثروات العالم، إلى منطقة نزاعات وحروب وفساد وتخلّف اقتصادي وسياسي، وهناك الآن على الأقل ستة بلدان عربية رئيسية ممزقة (اليمن، وسوريا، والعراق والسودان وليبيا وفلسطين)، وقد تحولت تلك البلدان الجميلة التي كانت قبل سنوات معدودة تتمتع بالاستقرار وتنعم شعوبها بالعيش الكريم والخدمات الحكومية المتطورة إلى ساحات قتال وهجرات جماعية بينما تحولت ثرواتها ومواردها إلى أسلاب تتناهبها القوى الخارجية والجيوش والميليشيات.

إن الدروس المستفادة من دور إسرائيل وأهدافها في العالم العربي، أضيفت إليها الدروس التي قدمتها الحرب على غزة، وما رافقها من تغطية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني وأيديولوجيته العرقية والفاشية وأساليبه الوحشية، ومن دعم عسكري واقتصادي ومالي وإعلامي، الذي تقدمه بعض الأنظمة القريبة والبعيدة لهذا الكيان. وقد ساهم النضال الفلسطيني البطولي، الذي خلق نهضة لدى أحرار العالم ومفكريه وصحافته التقدمية، في كشف ما كان مخفيّاً من حقيقة هذا الكيان، وساهم بالتالي في تعميق عزلته وحشد القسم الأكبر من الرأي العام العالمي حول نصرة القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه معاداة إسرائيل والانحياز الغربي الذي يدعمها.

 

2- هويّة الموحِّدين الدُّروز
الموحدون الدروز، كما وصفهم الأمير شكيب أرسلان، ليسوا أقلية مذهبية، بل هم عرب ومسلمون أقحاح مَحتداً ولساناً وثقافةً ونسباً، يحملون شعور الافتخار بانتمائهم الذي هو معدن هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، وجامع أمجادهم وتراثهم الذي تتناقله الأجيال، جيلاً بعد جيل.

ويدل السجل الطويل للموحدين الدروز على أصلهم العربي الصريح ورفعة نسبهم وعلوّ همتهم ونبل آدابهم وشجاعتهم، وهذه الميزات حافظوا عليها عبر القرون بسبب تحصنهم في معاقلهم الجبلية ومحافظتهم على أصولهم وأنسابهم وعلى شخصيتهم الثقافية.
بالإضافة إلى أنسابهم العربية الصافية، فإن الدروز هم من الأقوام المحاربة WARRIORS بالدرجة الأولى، ثم أصبحوا، بسبب ما كان مشهورا عنهم من صفات القوة وشدة البأس، الحاميات الرئيسية للسواحل السورية وطرق التجارة الإسلامية مع العالم. وقد أظهر الموحدون الدروز وأمراؤهم التنوخيون واللخميون أعلى درجات الثبات والبطولة في الذود عن الدولة الإسلامية وقتال البيزنطيين وقطاع الطرق المردة، كما ثبتوا في وجه الجيوش والحملات العسكرية دفاعاً عن حياضهم في جبل لبنان ووادي التيم. وتابع الموحدون الدروز دورهم العربي والوطني عندما قاتلوا بشراسة وثبات أقوى جيش على وجه الأرض إبان الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهؤلاء المجاهدون الأبطال لم تخفهم قوة الجيش الفرنسي ولم يهنوا، بل خاضوا المعارك الشرسة وقدموا التضحيات الجليلة دفاعا عن وحدة سوريا وحريتها. وقد خسر جبل العرب حسب بعض المؤرخين نحو %10 من شبابه ورجاله في تلك المعارك.

 

3- مواطنون وليسوا أقلية
بسبب انتمائهم العربي واندماجهم الوطني فإن الموحدين الدروز، رغم قلة عددهم النسبية، لم يتصرفوا في أي وقت مضى كأقلية، لكنهم تصرّفوا ويتصرفون بثقة كشركاء كاملي المواطنة أوفياء لبلدانهم، مراعين لمصالحها وأمنها ولقوانينها، متفانين في خدمتها وحمايتها، مع ما يترتب لهم من حقوق وما يترتب عليهم من واجبات.

إن الموحدين هم جزء لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي، وهم يفخرون بهذا الانتماء ويمارسونه قولا وفعلا، ووقفاتهم التاريخية شاهدة عليهم. كما أنهم يرفضون خدعة «حلف الأقليات» التي تروّج لها الدولة اليهودية بهدف تقسيم سكان المنطقة والسيطرة عليهم، ومهما كانت الصعاب، فإن الموحدين الدروز يعتمدون في حفظ وجودهم على إيمانهم ووحدتهم واعتدالهم وعلاقات الأخوة بجيرانهم، ويرفضون رفضا باتا الارتباط بأي دولة أجنبية.

 

4- مسلك ارتقاء وسعي دائم
يتوافق المسلمون الموحدون الدروز على أنهم يمثّلون مسلكا إسلامياً روحياً تعبّدياً أخلاقياً يستهدف إصلاح النفس وحفظ المجتمع والترقّي في مكارم الأخلاق التي يجعلونها في مرتبة عليا تفوق التديُّن الشكلي، وهم يرددون دوما القاعدة الذهبية القائلة بأن «أدب الدين قبل الدين». إنّهم وإن كانوا يؤكدون قول الآية الكريمة: «إن الدين عند الله الإسلام»، إلّا أنهم يدركون أن مسلك التوحيد الذي ينتمون إليه هو مسلك سعيٍ دائم ومسافرة وارتقاء من درجة إلى درجة، كما أشار الرسول (ص) إلى مراتب الإسلام فالإيمان فالإحسان الذي يفهمونه بأنه عيشٌ مع الله وعبادته على قاعدة «أنك إذا لم تكن تراه فهو يراك»، وتلك هي أرفع درجات الصدق في العبادة.

ومن هذا المنطلق، فإن الموحدين الدروز فتحوا مجالس الصلاة والذكر وأنتجوا زهاداً وأولياء، عبدوا الله في دُورهم البسيطة أو في خلواتهم أو في معتكفاتهم النائية، وهؤلاء الزهاد حرثوا الأرض وأكلوا من زرع أيديهم وابتعدوا عن العوام أو عليّة القوم، ومشوا في أثر الرسول العربي الأكرم (ص) والصحابة الكبار وآل بيت النبي وزهاد الصوفية والصالحين، وما ادّعوا لأنفسهم فضلاً أو توقّعوا تحصيل مكانة، بل إن الناس هم الذين تعلّقوا بهم وسعَوا إليهم لأخذ البركة أو المشورة والعظة.

على هذا النحو، فإن الموحدين الدروز تطوّروا، لكنهم بقوا مجتمعا حراً، يعلي شأن العقل والبحث الحر، ولا يخشى التنوع، بل ولا يخشى الاختلاف.

 

5- إسلام الموحِّدين الدروز
أخذ مسلك التوحيد بالطريق الوسط في الإسلام، وتمكن بذلك من تقدير الإضافات الهائلة التي أسهمت بها فئات ومذاهب ومدارس فكرية عدة في التيار المعرفي الواسع للإسلام، ويحتل الإسلام صدارة أديان العالم بسبب تنوّعه وغنى محتواه والمرونة التي ميّزته.

إن الموحدين الدروز تأثروا كثيرا بسيرة النبي العربي محمد بن عبدالله (ص) وأصحابه خلال المرحلة الأولى الجهادية من الإسلام، حيث تجسّد الدين بأنقى صور التسليم لله والجهاد في سبيله والزهد بالدنيا ومتاعها. ويكنُّ الموحدون الدروز حبّاً خاصا لآل بيت النبي ويكرّمون الصحابة على العموم، ويكرّمون الخلفاء الراشدين، ويرفضون الخوض في الخلافات التي ثارت بعد موت النبي، وهم يرون في تسعير الاختلافات الراهنة خطة مدروسة لتغذية وتعميق الشقاق والفرقة بين المسلمين، وهم لذلك يدعون باستمرار إلى الوحدة ونبذ الاختلافات وتوحيد الصفوف في التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجه عالم الإسلام، مثل تطوير الأنظمة السياسية والفكر والتعليم وقضايا الديمقراطية والتنمية وحرية وكرامة الإنسان وغيرها.
إنّ الموحدين الدروز هم دعاةٌ لتنمية روابط المودّة والتسامح والتقارب بين المسلمين، إلا أن هذا التقارب لا يمكن بنظرهم أن يقوم فقط على اللقاءات الشكلية والاحتفالية ببن الحين والآخر، بل يحتاج لاتفاق بلدان العالم الإسلامي على وقف السجالات الدينية والتناظر السلبي وتغيير الهويات الثقافية، والتركيز بدلاً من ذلك على إبراز الأرضيات المشتركة، وعلى وضع برامج إسلامية تستهدف رصَّ الصفوف لمواجهة خطط تدمير الأسرة العربية والإسلامية ومحو التاريخ المجيد لهذه المنطقة التي تمثّل مهدَ الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، ومواجهة محاولات هدم الإرث الأخلاقي القيمي العربي الإسلامي المسيحي، والتشجيع على الأخذ بمظاهر الانحطاط في المجتمع الغربي المتداعي والآيل، لا محالة، إلى السقوط.

6- عروبة الموحدين الدروز
يلتزم الموحدون الدروز بالعالم العربي وقضاياه، وقد كانوا منذ وجودهم في هذه الديار حماةَ الثغور دفاعاً عن بلاد االإسلام، وكانوا على الدوام سدّاً منيعاً في وجه المطامع الأجنبية ومشاريع الاحتلال والتقسيم، وهم قادوا صفوف الثورة العربية الكبرى، وشاركوا بقوة في النضال الفلسطيني والعربي ضد الاستيطان، ثم ضد الاحتلال الصهيوني، وسقط من بينهم مجاهدون من لبنان وسوريا والأردن شهداء على أرض فلسطين. وكان للموحدين الدروز في لبنان الفضل الكبير في إسقاط مشاريع التقسيم، لا سيما مشروع الدولة الدرزية واتفاق السابع عشر من أيار، وكان لهم بالتالي السهم الأكبر في صون وحدة لبنان وعروبته.

كما إن الموحدين الدروز عملوا من أجل نهضة العرب وتقدّمهم ومواكبة تطوّر شعوب العالم، وقدّموا لهذه الرؤية النهضوية الأفكارَ والأسس، وبرز منهم علماء وقادة طليعيُّون، في مقدّمتهم الأمير شكيب أرسلان، وهو الدرزيُّ المنشأ والعلّامةُ الإسلاميُّ الكبير الذي جال العالم العربي منظّراً للنهضة العربية وداعياً لوحدة العرب واستقلال بلدانهم ومقاومة المحتلّ.

وساهم الموحدون الدروز في حركة الاستقلال العربي وفي انطلاقة الدول العربية الحديثةِ النشوء والاستقلال، وفي تطوّرها ونهضتها الاقتصادية، خصوصاً في بلاد الشام وفي الخليج العربي، وهم يعتزّون بالولاء لبلدانهم ويهبُّون لنصرتها في وجه أي تهديد أو أزمات.

 

7- لتعزيز الوحدة والمجتمع المدني
لا يجتمع الموحدون الدروز على عصبية، بل يفضّلون نظاماً مدنياً للمجتمع، ويظهرون في الوقت نفسه انفتاحاً تجاه مختلَف الأديان.

كما يترتب على «رجل الدين» في طائفة الموحدين الدروز أن يكسب رزقه عبر العمل في ما يستطيع إليه سبيلاً، وفي الوقت نفسه فإن الموحدين الدروز يظهرون الاحترام والتوقير الشديد للمشايخ الزهاد الذين ينأون بأنفسهم عن صخب الحياة العامة وينفقون وقتهم في العبادة والذكر.
ومن المحامد الفريدة عند الدروز أنهم لا يبغون جدالا ًأو نقاشاً أو سجالاً حول مفاهيم الدين الحنيف، ولا يسعون لاجتذاب أحد إلى معتقدهم، وهم يعتبرون أنفسهم غير معنيين بالنزاعات وبحملات التكفير والتكفير المضاد، وهم يعتبرون أسواق الكلام المنتشرة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي هي جزءٌ من خطط تفتيت الأمة الإسلامية وابتلاء للغافلين. ويعتمد الموحدون معيار السلوك والمحبة والتواضع وحسن الطوية تجاه الآخرين كمعيار لصدق الإيمان وصحة الاعتقاد، والقاعدة الأهمّ لتوطيد روابط الثقة والمحبة بين الناس، أنّى كان اعتقادهم.

 

8- وحدة العشيرة المعروفية
إن ما يشدّ الدروز بعضهم لبعض ليس الدين أو المذهب فحسب، بل ما يجمعهم هو، ومنذ فجر الدعوة الإسلامية، رابط العشيرة العربية المعروفية والتاريخ الطويل من الكفاح والمعارك والتضحيات التي بذلوها في حماية الإسلام من جهة وفي حماية حياضهم ومواطنهم من الغزاة والمعتدين من جهة ثانية. لكن الولاء الدرزي للدولة الإسلامية الجامعة لم يكن بدوره ولاء تبعية، بل كان ولاء شراكة احتفظ الأمراء الدروز ضمنها بدرجة كبيرة من المكانة والاستقلالية.

وبسبب شخصيتهم العربية الفخورة، ودورهم التاريخي قادةً وجيوشاً، وبسبب المعارك المستمرة التي خاضوها والتي غالباً ما تكلّلت بالنجاح، فقد نشأ لدى الدروز شعور افتخار وثقة كبيرة بالنفس. لكن الوجه الآخر لهذا الشعور بالثقة هو أن الموحدين الدروز واقعيون، ويعرفون حجم المخاطر التي تحيط بهم، وهذا الإدراك بالتحديد هو الذي يفسر تعاملهم الصبور والعقلاني مع الأزمات والتحديات، لكنه هو الذي يفسِّر في الوقت نفسه استماتتهم في مواجهة أي تهديد لوجودهم، وما يظهرونه من مآثر في الدفاع عن حياضهم، وفي أنهم في الملمات لا يطيقون الانقسام، ويحرّمون كل مظاهر الخلاف، ويحولون أمور السياسة والحرب كلها بالتالي إلى قيادة واحدة يولونها أمورهم.

إنّ الميزة المزدوجة للوحدة الشعبية ولوحدة القيادة في المواجهات الصعبة هي في كونهما يساعدان في اعتماد الموقف الأصح والأكثر انسجاما مع مبادئ بني معروف ومصلحتهم السياسية. وعلى العكس من ذلك فإن غياب القيادة المنسجمة والموثوقة للعديد من الجماعات أو الحركات السياسية، والذي غالبا ما يتسبب في انقسام تلك الجماعات وتشتّت قواها وفشلها في تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها.

 

9- التنوّع المعروفي ضمن الوحدة
كما أن الموحدين الدروز يعتمدون نهج الانفتاح واحترام الآخر في الإطار الوطني والإنساني، فإنهم أيضا يقدّرون الظروف المختلفة التي يعيشونها بأنفسهم في كل بلد. ولقد حصل عبر الزمن افتراق ملموس في تطور نمط عيش وعادات وثقافة الدروز، بل حتى في لغتهم أو لهجاتهم المميزة، وذلك في موازاة تباعد المسافات واختلاف مواطن العيش وأنماطه. وقد حصل نتيجة لذلك تفاوت كبير في مسارات تطور الموحدين الدروز بين جبل لبنان وجبل العرب وجبل السماق وجبل الشيخ والغوطة ومملكة الأردن وفلسطين.

ورغم مقولة «طبق النحاس» فإن الموحّدين الدروز ملتصقون بالدرجة الأولى ببلدانهم، موالون لها ومندمجون في مؤسساتها، وهذا الارتباط السياسي الوطني ببلدانهم يفسر لماذا ينأى الموحدون الدروز بأنفسهم عن المشاريع المذهبية أو التحركات الفوضوية، ويُقصِرون تحركهم فقط على الحالات التي يتحول فيها انقسام البلد وانتشار الفوضى وفساد النظام والتدخلات الخارجية تهديدا مباشرا لأمنهم ووجودهم.

ومن الجدير بالذكر أن التضامن بين الموحدين الدروز ليس تضامناً جاهلياً، بل هو تضامن توافقي ذو مضمون سياسي ومبدئي، ويستند إلى عقيدة سياسية وأخلاقية التزمها الموحدون الدروز وتمسكوا بها في جميع الظروف، وكانت هي الموجّه لمواقفهم السياسية ومعاركهم الكبرى. وجوهر هذه العقيدة هو الإسلام الحضاري الرافض للغلوّ والمنفتح على مختلف الجماعات والمذاهب الإسلامية والأديان التوحيدية السماوية، والرافض أيضاً لكل أشكال العنف، والداعي للتسامح والاحترام المتبادل داخل مجتمع إنسانيٍّ حديث.

 

10- الموحدون الدروز والقضية اللبنانية
يُعتبر لبنان ظاهرة فريدة لاجتماع عدد كبير من الطوائف والجماعات العربية وغير العربية والثقافات على إرادة العيش المشترك في بلد صغير، يشكلون شعبه المتنوع واقتصاده الحر ونظامه السياسي التشاركي، وهو النظام الذي يسمح للمكونات المتعددة بالتعبير عن شخصيتها واستخدام لغتها وممارسة تقاليدها وإحياء ثقافتها وأعيادها. وتعيش هذه المكونات آمنة في مناطق جغرافية ارتسمت عبر القرون واتفق اللبنانيون على العيش فيها بأمان ووئام وتآخٍ، وعدم السماح بإثارة النزاعات الأهلية فيما بينهم، حتى بات لبنان نموذجا للعيش الواحد، وواحة للتنوع الثقافي، وقد وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بالوطن الرسالة.

إن الموحدين الدروز لا ينظرون إلى التنوّع اللبناني كنقطة ضعف، بل يعتبرونه على العكس عامل تعدّد وغنى وحيوية، ساهم في إلزام اللبنانيين بإنتاج نظام سياسي تشاركي ومنهج حياد إيجابي، يقوم بالدرجة الأولى على النأي بالبلد عن النزاعات الإقليمية والدولية، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية لمكوناته كافة، وقد سمحت «ديمقراطية التنوع» لفترة معينة بتغليب المصالح المشتركة للبنانيين على ما عداها. وعلى الرغم من سلبيات هذه الصيغة، فإنها تبقى في نظر اللبنانيين أفضل بكثير من نشوء حكم فردي أو ذي غلبة طائفية يوقد نار التوتر بين الفئات اللبنانية ويؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انهيار البلد.
إنهم يدعمون بقوة الحفاظ على صيغة التعايش اللبناني التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كوسيلة لحماية السلم الأهلي والسماح للبلد بمواجهة مشاكله الكثيرة، وهم يرفضون مشاريع الهيمنة أو التقسيم تحت أي مسمى.

وهم يدعون إلى حوار وطني حول خيارات المستقبل، وخصوصاَ إصلاح عمل الدولة ومؤسساتها، ويشددون على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف، لا سيما إلغاء الطائفية السياسية، وتطبيق اللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي.

إنهم دعاة سلم لا حرب ودعاة وحدة وطنية لا تناحر طائفي، وكما أنهم قطعوا الطريق على كل محاولات سلخ لبنان عن محيطه العربي، فإنهم كانوا السباقين أيضا إلى المصالحة، والانفتاح على الآخر، وطي صفحات الماضي، والبناء من أجل المستقبل.

إن الموحدون الدروز في لبنان يدركون أن قوتهم وقوة أي من مكونات البلد لا يمكن أن تستمد من استقواء طرف أو من أحلاف خارج الحدود بل من قوة الدولة الوطنية والعادلة، ومن المشاركة الحقيقية للجميع في صياغة سياساتها وإدارة شؤونها. ومن هنا، فقد تصدت القيادات المعروفية، في أكثر من مناسبة، للطغيان الطائفي واستغلال الدولة، كما تصدت للحرب الأهلية التي استهدفت خلال العامين 1975 و1976 تقسيم لبنان، فساهمت بذلك في صون وحدة البلد، ثم في دعم الإصلاحات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف في أواخر العام 1989.

 

11- الدور الوطني للدروز في سوريا
إن الموحّدين الدروز متمسكون بوحدة سوريا وطناً واحداً لجميع أبنائه، يحفظ لهم العيش بحرية وكرامة واستقرار وأمان، وهم يدعون لقيام حكم وطني ديمقراطي لاطائفي يعيد لسوريا وحدتها المجتمعية وازدهارها الاقتصادي ودورها الإقليمي. وقد تصدّى الموحدون الدروز لمشاريع نشر الاقتتال والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد، وبصورة خاصة، فقد قاوم الموحدون الدروز بشدة الضغوط التي هدفت لتجنيدهم ودفعهم إلى مقاتلة إخوانهم السوريين في مناطق الصراع، وهم بدلاً من ذلك صرفوا كل جهودهم لحماية أهل جبل العرب على اختلاف انتماءاتهم، من العصابات الداعشية ومن المؤامرة الهادفة لكسر وحدة الجبل واختراقه وإخضاعه.

وقد وقف دروز سوريا جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية في محافظة السويداء وفي درعا وجبل السماق والجنوب السوري والجولان المحتل في تصديهم لمؤامرات التهجير والتركيع والفتن الطائفية والاحتلال الأجنبي.
وكما حافظ الموحدون الدروز في سوريا على انتمائهم الوطني، كذلك فعلوا في الجولان المحتل، رافضين الهوية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية، رغم كل محاولات الاحتلال لتطويعهم، تارة بالترهيب، وتارة أخرى بالترغيب.
ويشهد التاريخ للموحدين الدروز في الجولان قطعهم الطريق على المؤامرات الإسرائيلية المتكررة لعزل الدروز وسلخهم من انتمائهم العربي، وكان آخرها حادثة مجدل شمس وموقفهم الشجاع الذي ساهم بوأد الفتنة في مهدها.

إن الواقع الضبابيَّ اليوم، بعد بروز الأطماع الإسرائيلية التوسُّعية، ومع تبدُّل الحكم في سوريا وما حصل ويحصل في جبل العرب من مواجعةٍ وتجاذب، وما يُحاك من مؤامرة لحرف الموحدين الدروز عن هويتهم وانتمائهم الوطني والعربي والإسلامي، بات يثير قلقاً بالغاً من صراعٍ يتنامى بين المتأثرين منهم بالسياسة الإسرائيلية التي تدّعي حمايتهم وتدفعهم إلى معاداة الدولة السورية الجديدة، وبين المتمسّكين منهم بتراثهم وتاريخهم وانتمائهم التاريخي والداعين إلى دورٍ تشاركيٍّ فاعل في الدولة، وذلك في ظلّ هاجس الخوف من عدم تمكنها من لجم التطرُّف والتعصّب والتكفير واحتمال تكرار ما حدث في السويداء من اعتداءاتٍ طالت الرموز الدينية والأبرياء وضربت نسيج العيش المشترك بين أبناء جبل العرب.

 

12- دروز الأردن… بنو معروف
الموحدون الدروز في المملكة الأردنية الهاشمية معروفيون أصيلون، وهم مواطنون أردنيون يعتزّون بوطنيتهم، ويتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدُّون كامل واجباتهم تجاه المملكة، ويتمسكون بانتمائهم الإسلامي والعربي، ويدافعون عن القضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وقد كان لهم دور جليل في احتضان الثورة السورية الكبرى وقيادتها في أكثر من مرحلة، لا سيما عندما اضطر سلطان باشا الأطرش للانتقال مع عائلته ورفاقه المجاهدين إلى محافظة الأزرق الأردنية، فلم تكن الأردن المنفى، إنما الوطن الذي حماهم واحتضنهم إلى حين عودتهم الى الجبل بكرامة.

ولا يزال أبناء طائفة الموحدين الدروز المعروفيون في الأردن، وفي كافة الميادين السياسية والاجتماعية، يعكسون هذا الانتماء والنهج لما فيه خير وطنهم وأمتهم العربية والإسلامية.

 

13- دروز فلسطين
تعرضت آمال دروز فلسطين بإمكان حماية وضعهم كأقلية عربية إلى صدمات متلاحقة منذ تأسيس الكيان العنصري في العام 1948، وهم الذين يُسجّل لهم أنهم لم يتركوا أرضهم، إنما تجذّروا فيها رغم كل التحديات، وبالرغم من اغتصاب ثلثي أراضيهم ومشاعات قراهم، ومن «قانون الجنسية» للعام 2018 الذي حوّلهم رسمياً، وهم أصحاب الأرض الأصليون، إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة داخل إسرائيل التي أعلنت نفسها دولة حصرية لليهود.

لقد أحدث صدور القانون صدمة نفسية كبيرة، واعتبره أكثر دروز فلسطين نذير شؤم لمستقبل الدروز في فلسطين. وتظاهر آلاف الدروز ضد القانون، وتزايد في وقت قصير عدد الذين يرفضون الخدمة العسكرية، كما ارتفعت بقوة نسبة الذين باتوا يعرّفون عن أنفسهم بأنهم مواطنون عرب.

عُرف الموحدون الدروز، عبر التاريخ، بالشجاعة في الحق، ونصرة المظلوم، واحتقار القوة الغاصبة بل وإذلالها، ولدى العشيرة المعروفية حلف شرف له نواميسه التي لم تحد عنها، ومن هذه النواميس، بل في رأسها، أنهم لا يعتدون على مَن لا يعتدي عليهم، وأنهم لا يقتلون بريئاً أو طفلاً أو شيخاً، وهذا الميثاق هو عهد الله عليهم ودستور سلوكهم، لا يصح لأي فئة صغيرة أن تكسره وأن تحمِّل العشيرة أوزاراً لا طاقة لها على تحمُّلها، لذلك وفي الأيام العصيبة، فإن الموحدين الدروز يؤكدون أن أي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب على المدنيين والأبرياء هي ضلال، وأنهم بريئون مما يفعل الضالُّون منهم والظالمون.

لقد أصبح المجتمع الدُّرزي كتلةً بشرية وازنة، إذ يفوقُ بعدده الـ150 ألف إنسان، وهم يضمُّون نسبة كبيرة من المهنيين والأكاديميين والمفكرين والمثقفين، ومن هذا الواقع فإنهم مدعوُّون كطائفة لها هذه القوّة العددية وهذا الحجم من الكفاءات، للعب دورٍ إيجابيٍّ مؤثّر بقول كلمة الطائفة القوية والإعلان عن حقّها بالتعبير عن حقيقة انتمائها، ورفض سلخها عن هويتها الحقيقية كجزء من الشعب الفلسطيني، والمطالبة بحقّه في تقرير مصيره وإدانة الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها.

 

خاتمة

إن ما يحصل في زمننا الحاضر من هجمة غير مسبوقة في منطقة ما كان يُسمّى بـ «بلاد الشام»، ومن مخطّطٍ شرسٍ يرمي إلى تمزيق الدول وتحطيم ثوابت المجموعات المذهبية والعرقية والإثنية، ومنها «الموحدون الدروز»، الذين يواجهون اليوم أعتى المؤامرات ويوضَعون في أصعب المواقف، بين مؤامرةٍ هادفة إلى اقتلاعهم من تاريخهم وإرثهم وقوميتهم ووطنيتهم ومحيطهم، وبين تطرُّفٍ وتكفيرٍ يُخشى من تمدُّده، ما يستدعي الوقوف وقفة موحَّدة صلبة وثابتة وعدم الانزلاق إلى مصيرٍ مجهول مهما كانت الإغراءات ومهما تعاظمت التهديدات، فالأوطانُ ملاذُ أبنائها، والتمسُّك بالثوابتُ الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود.
تلك هي الثوابت التاريخية التي التزم بها الموحّدون الدروز عبر تقلّب الأزمان والدول، وهي تعَدُّ أصدق تمثيل لتاريخهم العريق، كما أنها تخدم حاضرهم، وتوفّر الأمان والمنعة لمستقبلهم، وكلّ إهمال لهذه المبادئ أو استهانة بها، أيّاً كانت الأسباب، من شأنه أن يهدد مكانتهم ويُضعف دورهم الكبير في أوطانهم، بل إنه يضع وجودهم السياسي على المحك، والالتزام بها يرقى إلى مرتبة الواجب الوطني والقومي، بل إلى مرتبة الوجود المعروفي بحدّ ذاته.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي