دخل الاقتصاد اللبناني مع بداية عام 2025 مرحلة جديدة اتسمت بانفراجات اقتصادية ومالية، في أعقاب تطورات سياسية أسهمت في إعادة توجيه المسارات الماكرو-اقتصادية بعد سنوات من عدم الاستقرار والتخبط في السياسات العامة. فبين نمو حقيقي في الناتج المحلي تجاوز 5%، وقفزة نوعية في احتياطيات الذهب والعملات الصعبة، بدأت ملامح التعافي تلوح في الأفق مدعومة بعودة الثقة النسبية للمستثمرين الدوليين.
ولكن، هل استعاد لبنان عافيته المستدامة أم أننا أمام «هدنة اقتصادية» عابرة؟ وفي ظل مشهد أمني وسياسي لا يزال محفوفاً بالمخاطر، يضعنا الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور مروان بركات، في قلب الأرقام والوقائع خلال حواره مع مجلة «»؛ حيث يحلل نتائج السنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد، ويكشف عن ثلاثة سيناريوهات متباينة ترسم ملامح عام 2026، مؤكداً أن مفتاح الانتقال من «النهوض المتواضع» إلى «الازدهار الحقيقي» لا يزال بيد صانع القرار السياسي ومسار الاصلاحات البنيوية الاقتصادية منها والسياسية.
1- ما هي أبرز النتائج الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد؟
إن الخرق السياسي الذي شهده لبنان في بداية العام 2025، كان له تداعيات اقتصادية ومالية لافتة ترجمت تحوّلات جذرية في المسار على عدة أصعدة. ويمكن تلخيص الإنجازات الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد في النقاط التالية:
عودة النمو للاقتصاد الحقيقي: في ما يخص الاقتصاد الحقيقي، يقدّر النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في العام 2025، وذلك بعد الانكماش بنسبة 7.5% الذي سجله في العام 2024 جراء تداعيات الحرب. نتيجة التحسن في الطلب على السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ارتفعت الواردات بشكل اسمي بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مما ترجم إلى نمو حقيقي في الواردات بنسبة 6.7% على أساس سنوي بعد تنقيص التضخم المستورد.
فائض في ميزان المدفوعات: في موازاة ذلك، سجّل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً بقيمة 2.8 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025، والذي يتأتى عن التغيّر في الموجودات الخارجية الصافية لدى القطاع المالي بعد تحييد الإرتفاع في سعر الذهب. ويعكس هذا الفائض البالغ 2.8 مليار دولار التأثير الصافي لتدفقات الأموال الوافدة إلى لبنان مقابل التدفقات الخارجة منه.
احتياطيات «المركزي» والذهب.. أرقام قياسية: إنّ احتياطيات مصرف لبنان السائلة بالعملات زادت بنحو 2 مليار دولار منذ بداية العام لتبلغ زهاء 12 مليار دولار اليوم. ويعزى ذلك إلى تدخل مصرف لبنان في سوق القطع شارياً فوائض تداول الليرة اللبنانية من السوق. في موازاة ذلك، وصلت احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان إلى مستوى قياسي غير مسبوق اليوم يبلغ 40 مليار دولار، ما يشكل زيادة لافتة قدرها 16 مليار دولار منذ بداية العام، أي بنمو نسبته 66%.
انتعاش الودائع «الفريش» واليوروبوندز: إلى ذلك، زادت الودائع النقدية (الفريش) بالعملات بقيمة 1.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 لتبلغ زهاء 4.3 مليار دولار في نهاية أيلول، أي بنمو نسبته 34%. إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية بنسبة 88% خلال العام 2025، من 12.75 سنت للدولار في بداية العام إلى حوالي 23 سنت اليوم، وتأتي هذه القفزة جراء تزايد الطلب من قبل المستثمرين المؤسساتيين الأجانب الذين يراهنون على المسار الإصلاحي وتأثيره على عملية إعادة هيكلة الدين بشكلٍ عام.

2- كيف تنظرون إلى آفاق العام 2026 اقتصادياً؟
بعد الخرق السياسي الذي شهده العام 2025 والذي كان له تداعيات اقتصادية إيجابية، ما هي آفاق العام 2026 في ظل استمرار التحديات الأمنية، والاختلالات المالية والمسار الإصلاحي المترنّح؟ لقد اعتمدنا في واقع الأمر على ثلاث سيناريوهات للعام 2026:
أولاً: السيناريو الإيجابي يفترض هذا السيناريو استمرار الاستقرار الأمني والسياسي، مدعوماً بمآل لإعادة إعمار واسعة النطاق، وتدفق لافت للأموال الأجنبية، والمصادقة على قانون الفجوة المالية، والتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: نمو حقيقي للناتج المحلي بـ 8.0%، نسبة تضخم منضبطة، فائض في ميزان المدفوعات يتجاوز 6 مليارات دولار، نمو احتياطيات «المركزي» بنسبة 40% على أقل تقدير، نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي بأكثر من 10%، وفائض في المالية العامة بأكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستكسر أسعار اليوروبوندز حاجز الـ 30 سنت صعوداً.
ثانياً: السيناريو الوسطي يفترض استمرار الاستقرار الأمني بينما ستكون مآل إعادة الإعمار محدودة مع استمرار المناكفات السياسية. كما يفترض عدم تطبيق إصلاحات جوهرية عدم التوصّل الى اتفاق مع صندوق النقد.
– النتائج المتوقعة: تتجمد الأوضاع الاقتصادية ويقتصر النمو على 3%، ويسجل ميزان المدفوعات فائضاً بسيطاً (1.5 مليار دولار)، وتتراوح أسعار اليوروبوندز حول 25 سنت، وأن يقتصر نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي على نسب لا تذكر.
ثالثاً: السيناريو السلبي يفترض حدوث انزلاقات أمنية، وتجاذبات سياسية حادة، تترافق مع غياب للتدفقات الأجنبية، وعدم حصول أي إصلاحات إضافة إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: تدهور اقتصادي لافت، نمو سلبي، عجز في ميزان المدفوعات والمالية العامة، تراجع احتياطيات «المركزي» من النقد الأجنبي، وتراجع أسعار اليوروبوندز إلى ما دون 20 سنت، وستشهد الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي نمواً سلبياً.
كلمة ختامية: نظراً لهذه التباينات اللافتة بين محصّلات السيناريوهات الثلاث، يأمل اللبنانيون بأن يلتزم السياسيون بسلوك تسووي بنّاء، وأن يشرع واضعو السياسات في المضي في المسار الإصلاحي المأمول، وأن يبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم الملحّ من أجل تحقيق النهوض والتعافي الداخلي بشكل عام.