براءةٌ مُزيَّفَةٌ وصراحةٌ مُنْجِيَةٌ
زارَ أحدُ الحُكّامِ سِجْنَ المدينةِ، فتفقَّدَ السجناءَ وسألَ أحدَهُم: ما ذنبُكَ؟
قالَ: لا ذنبَ لي، إنّما سُجِنْتُ ظلماً بتهمةِ القتلِ.
ثمّ سألَ الآخرَ فأجابَ كالأوّل، وهكذا حتّى وصلَ إلى الأخيرِ فسألَه: أأنتَ بريءٌ أيضاً كرفاقِكَ؟
فقالَ: لا يا مولاي، إنّما أنا قاتلٌ وسارقٌ وقاطعُ طريقٍ.
فهنا أمسكَهُ الحاكمُ بيدِهِ وأخرجهُ من السجنِ وقالَ له:
اذهبْ في سبيلِكَ، لأنّكَ لا تستحقُّ أن تكونَ بينَ هؤلاءِ الصالحينَ، لئلّا تُفسِدَ لهم أخلاقَهُم.
أحلامُ الموجِ وصخورُ الواقعِ
قالتْ موجةٌ لأُخرى، وهما معاً تتلاطمانِ في خِضَمِّ بحرٍ زاخرٍ بالأمواجِ العاتيةِ: أختاهُ، ما تظنّينَ سيكونُ وَقْعُنا متى بلغنا اليابسةَ؟
لا شكَّ أنّنا سنُزيلُ الجبالَ العاليةَ، ونقتلعُ الأشجارَ السامقةَ، ونغمرُ التلالَ المرتفعةَ والوديانَ السحيقةَ، ونبدّلُ معالمَ الأرضِ ونغيّرُ وجهَ المعمورةِ.
التفتتْ إليها الأخرى وأجابتها بتشاؤمٍ:
آهٍ يا أختاهُ من شططِ أحلامِنا، إذ لو كانَ ما تقولينَهُ حقيقةً، لكانَ الذينَ سبقونا من قبلُ، وقد كانوا الأجلَّ والأعظمَ والأقوى، قد أدركوا من أحلامِهم ما نسعى نحنُ اليومَ إلى إدراكِهِ.
فالخوفُ كلُّ الخوفِ يا أختاهُ أن نتحطّمَ ساعةَ نبلغُ النهايةَ، وما نحملُ من أحلامٍ وأمانٍ على صخورِ واقعٍ لطالما سمعنا عنها: صلبةً، ملساءَ، قاسيةً…
سرعةُ البديهةِ
جيءَ إلى الخليفةِ المأمونِ برجلٍ ادّعى النبوّةَ، فسألهُ: ما الدليلُ على نبوّتِكَ؟
فأجابَ الرجلُ قائلاً: الدليلُ أنّي أعلمُ ما في نفسِكَ.
قالَ: فماذا في نفسي الآنَ؟
قالَ: في نفسِكَ أنّي كذّابٌ!
فضحكَ المأمونُ وأمرَ بحبسِهِ أيّاماً، ثمّ دعاهُ وسألهُ: هل أُوحيَ إليكَ بشيءٍ؟
قالَ: لا، لأنّ الملائكةَ لا تدخلُ السجنَ!
فضحكَ المأمونُ، وقَبِلَ توبتَهُ وأخلى سبيلَهُ.
ليسَ كلُّ من في النورِ بصيراً
فبينما الجرذُ ينقُبُ في الترابِ ليتّخذَ لهُ في بطنِهِ حجراً، إذ خرجَ على صوتِ حركتِهِ خُلْدٌ، فقالَ له: يا هذا، أما يَسْلَمُ من أذاكم وإزعاجِكم، معشرَ الجرذانِ، أحدٌ لا فوقَ الأرضِ ولا تحتَها؟
التفتَ إليه الجرذُ وأجابَ: يا عزيزي، أما آنَ لكَ أن تملَّ وتسأمَ الإقامةَ في هذه الأنفاقِ المظلمةِ فتخرجَ إلى النورِ؟
فإنّ المرءَ في النورِ يُصيبُ ما لا يُصيبُهُ في الظلامِ.
تأفّفَ الخلدُ وقالَ: يا صديقي، لم تَعْدُ الحقَّ ولم تتجاوزِ الصوابَ، ولكن ليسَ كلُّ من أصابَ من الزهرةِ أنتجَ عسلاً، ولا كلُّ من عاشَ في النورِ كانَ ذا بصرٍ!
العُمقُ الحقيقيُّ والعُمقُ الزائفُ
وقفَ إنسانٌ على شاطئِ أحدِ البحارِ وهتفَ بملءِ صوتِهِ:
يا بحرُ، أنا مثلُكَ، كلانا عميقٌ، وكلانا يزخرُ باللآلئِ والجواهرِ، وعلى سطحِهِ تمخرُ مراكبُ الأحلامِ.
ضحكَ البحرُ وأجابَ بصوتٍ هادرٍ:
مخدوعٌ أنتَ أيّها الإنسانُ، فلستَ مثلي؛
فأنا أرمي بتفاهاتي على شاطئي، وأحتفظُ بنفائسي في أعماقي،
وأنتَ تقذفُ بنفائسِكَ على لسانِكَ، وفي أعماقِكَ تحتفظُ بالتفاهاتِ.
وأنا أحملُ فوقَ كاهلي سفنَ الأحلامِ،
فيما أنتَ لا تعدو أن تكونَ راكباً على متنِ إحدى سفنِ أحلامِكَ.