نحن والأرض نكون أو لا نكون

Photo credit: photographed by Pressfoto on Freepik.com
0 68

“الأرض إرث للجماعة، بل نكاد نقول إنها وقف يحرم الإساءة إليه أو التفريط به، وأنَّ الموحِّد الأمين على إرثه وإخوانه مالك للأرض بالمعنى القانوني فقط، لكنّه في الوقت نفسه وكيل عليها لحساب الجماعة. ولأنَّ مبدأ حفظ الإخوان لم يعد ليستقيم في سلوك الموحِّدين من دون حفظ الأرض، فالواجبان هما واجب واحد لا يتجزَّأ في النهاية”.

في هذا العدد، تفتح “مجلة الضُّحَى” أحد الملفات الأساسية التي يتعلَّق بها وجود الموحِّدين الدروز ومستقبلهم في الجبل اللبناني بصورة خاصة. هذا الملف يتعلَّق بالنظرة المتغيّرة للموحِّدين عموماً ولأهل الجبل بصورة عامة للأرض، كما أنه يتعلَّق بالعلاقة اليومية الاقتصادية والعاطفية، بل والروحية التي تربط الموحِّدين بالكيان المادي والتاريخي الذي ترعرعوا في جباله ووديانه وتغذُّوا من خيراته وتباهوا بجماله، واحتموا بأعماقه وتوارثوا مداه الواسع جيلاً بعد جيل. هذه العلاقة الروحية بين الموحِّدين الدروز وبين ما حباهم الله به من نِعَم تبدَّلت بصورة أساسية نتيجة مجموعة من التطوُّرات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك نتيجة لتبدُّل نظام القيم وأسلوب العيش وطموحات الناس، وتحوَّلت الأرض نتيجة لذلك من رأس مالٍ اقتصادي ومصدر للرزق إلى “عقار” أو ملك عقاري يقاس بالأمتار ويعتبر في حدِّ ذاته وليس في وظيفته الطبيعية ثروة لأصحابها. ثروة نائمة أو مختزنة إلى حين تتاح فرصة بيعها واستخدام حصيلة البيع لتمويل حاجات أخرى لا علاقة لها غالباً باقتصاد الأرض.
يخطئ من يعتقد أنَّ هذا التحوّل في العلاقة بين الموحِّدين الدروز والأرض، وبغضِّ النظر عن الأسباب الكثيرة التي قادت إليه، هو مجرد تطوّر اقتصادي، لأنّه في هذا التبدُّل بالذات يمكن أن نجد الجذر الحقيقي لأكثر المشكلات والتحدِّيات التي تواجه الموحِّدين الدروز اليوم، ولاسيما الأجيال الشابة منهم، لأنَّ الأرض لم تكن فقط مصدر العيش اليومي للموحِّدين وأهل الجبل، بل كانت المرتكز الحقيقي لوجودهم والمصدر الأول لعناصر القوة التي توفَّرت لهم وحمتهم عبر السنين. ومن أهمِّ عناصر القوَّة التي ارتبطت بالأرض:

الاكتفاء النسبي: إذ إن كل ما يحتاجه سكان الجبل كان ينتج في الجبل باستثناء بعض المحاصيل التي كان يتم استيرادها من بعض المناطق المجاورة مثل: القمح، وبعض الحبوب، والتي يتم إنتاجها بصورة أفضل في السهول. لكن بصورة عامة كان تركُّز الاقتصاد الزراعي حتى في صورته البدائية أحياناً يجعل الجبل وحدة اقتصادية على قدرٍ عالٍ من الاكتفاء. أما الآن فقد بات سكان الجبل مرتهنين حتى في عيشهم اليومي بوسائل النقل التي تنقل السلع الغذائية حتى تلك التي يمكن أن تنمو في مناطقهم من هنا أو هناك، وبات أي طارئ أو أزمة يفرغ المحلاَّت من كلِّ شيء في تراكض الناس الهلع على خزن ما يمكنهم خزنه.

الاستقلالية: كان الاكتفاء الاقتصادي النسبي مرتكزاً مهماً لاستقلالية الجبل وقدرته على مواجهة المخاطر والتحدِّيات التي تهبُّ على البلد بين الحين والآخر. وقد تمكّن أهل الجبل من مواجهة شتَّى أنواع الحصار والحملات بفضل العمق الاقتصادي الذي تمتَّعوا به، نتيجة اشتغالهم بالزراعة وببعض أنماط التربية الحيوانية. وقد شهد الجبل بالفعل حروباً وأزمات طويلة وحصاراً وتقطّعاً في السُبل، فلم يشعر أهله في الماضي بأيِّ ضنك يذكر، ومرّت تلك المِحَن عليهم وبالكاد أثَّرت على استمرار عيشهم.

التعلُّق بالأرض: كان اشتغال الموحِّدين الدروز بالزراعة الأساس المادي الأهمّ لتعلَّقهم بأرضهم واستماتتهم في الدفاع عنها، لأنها ليست فقط موطنهم وموئلهم العاطفي، بل لأنَّها أيضاً مصدر رزقهم وثرواتهم ومصدر اعتزازهم. لكن هل سيبقى الحال نفسه إذا باتت مصادر رزق ثلاثة أرباع الناس تأتي من الوظيفة العامة، أو من تحويلات الأبناء المغتربين في الخارج، أو من عائد الأموال أو ما شابه؟ أَلَم يصبح الخيار الأول الآن للكثيرين عند أول نازلة التوجُّه إلى المطار أو تقديم طلب هجرة في إحدى السفارات الأجنبية؟

العمقُ الجغرافي: وفّرت الأرض للموحِّدين الدروز عمقاً جغرافياً أثبت في جميع الظروف وعلى مرّ الأزمان أنه ميزة استراتيجية مهمة في حالات القلاقل أو الحملات الخارجية التي هبَّت على الجبل، وغالباً ما سامت أهله الكثير من الضنك والمتاعب والأثمان البشرية. وهذه النظرة للأرض راسخة في لاوعي الموحِّدين، وهي التي تُفسِّر ردَّ الفعل السريع والحاد الذي يظهرونه في الحالات التي يشعرون فيها بتهديد للمدى الجغرافي الذي يحوّطهم ويوفِّر لهم الأمان النفسي وأمن أُسرهم وأطفالهم. ولا ننسى أنَّ المجتمع اللبناني مجتمع حديث النشأة وغير مكتمل بعد كدولة؛ كما أنه – وكما أثبت تاريخه الطويل- عُرضة للعواصف والتقلُّبات التي تهبُّ عليه وتحول دون اكتسابه لحالة نهائية من التطوّر المجتمعي الحقوقي تتمثَّل بدورها في دولة قوية وقادرة على رعاية شؤون مواطنيها كافة. وبالطبع، فإنَّ استمرار الطابع الانتقالي في الحالة اللبنانية يجعل الموحِّدين الدروز على حذر دائم، كما تظهر بوضوح الأهمية التي يعيرونها للأرض ولكيانهم الجغرافي باعتباره الشيء الوحيد الذي ثبت وصمد للزمن في وقت لم يعرف الموحِّدون أي ثبات حولهم، لا في الماضي ولا في الحاضر.

الحياةُ البسيطة والصحيَّة: من أكبر نِعَم الحياة الزراعية وبيئة القرية كانت ولا شك الحياة البسيطة التي عاشها أسلافنا، وكانت في أساس الصحة والعافية التي كانت تُكلِّل وجوههم وتُعينهم على القيام بأكثر الأعمال مشقَّة. وقد كانت هذه الحياة البسيطة المعافاة بوليصة تأمين صِحيَّة مجَّانية ومشفى وصيدلية ومنبعاً للراحة النفسية. فأين هي هذه النِعَم الآن في حياتنا البعيدة عن الأرض؟ لقد حرمنا وبتنا نسعى عبثاً لشرائها ونتكبَّد الأموال من أجل نيلها لكن غالباً من دون نجاح حقيقي.

الإرثُ الرُّوحي والقِيميّ: رافقت حياة البساطة المرتبطة بالأرض وحياة القرية سكينة ووداعة كنا نختبرهما في السَّابِقِين الذين عاشوا تلك الفترة من عمر الجبل، ونظام قيم واضح يقوم على القناعة والعفاف والصدق في التعامل وحُسن الخُلق والتوكُّل الحقيقي على الله في الرزق، فلا طمع ولا غِشٍّ ولا لُهاث وراء المال بكلِّ السُبل. وكان الناس ينالون نصيبهم في طمأنينة الرضى من دون مشقَّة، وكانت البركة شاملة للجميع. ومن هذا الإرث الرُّوحي العنفوان وحسّ الكرامة وكذلك قيم التعاضد بين الموحِّدين، لأنَّ الزراعة في طبيعتها وحياة القرية عمل تعاوني، وهي نشاط يشترك فيه أعداد من الناس ويلتقون بعضهم يومياً ويتفاعلون، فكانت الأرض بالتالي الجامع الحقيقي للموحِّدين ومحرابهم، وكان العمل بشعور الرضى والتسليم صلاتهم والبوتقة التي تجمعهم وتوحِّد بينهم.

خلاصةٌ

الأرض نعمة الله أسبغها على الموحِّدين لتكون لهم معيلاً وملجأً وملهماً، وقد حفظ الله الموحِّدين الدروز عبر التاريخ طالما كانوا محافظين على تلك النِعمة وشاكرين الله عليها، ولا يكون الشكر إلاَّ برعاية النعمة واحترامها وإدراك حِكمة المولى في تيسيرها.
الأرض إرث للجماعة، بل نكاد نقول إنَّها وقف يحرم الإساءة إليه أو التفريط به، وأنَّ الموحِّد الأمين على إرثه وإخوانه مالك للأرض بالمعنى القانوني فقط، لكنَّه في الوقت نفسه وكيل عليها لحساب الجماعة. ولأنَّ مبدأ حفظ الإخوان لم يعد ليستقيم في سلوك الموحِّدين من دون حفظ الأرض، فالواجبان هما واحد في النهاية.
بهذه الروح، وانطلاقاً من هذا التعريف للأرض وهذا الإدراك الأوسع لمكانها في وجودنا وفي إرثنا الاجتماعي والروحي، تبدأ “الضُحَى” في تسليط الضوء على هذا الموضوع من جوانبه المختلفة، كما تبدأ سلسلة من الحوارات والمبادرات الهادفة لجلاء الخيارات العملية المتاحة لمجتمعنا في سعيه للحفاظ على هذا التراب المُعطَّر ببركة الآلاف من المجاهدين والصالحين والأسلاف الكادحين. ونحن نعلم أننا في هذا الجُهد المتواضع إنَّما نُعبِّر عن شعور العديدين من أصحاب الغيرة والبصيرة والإرادات الطيِّبة. نسأل الله أن يُسدِّد خُطى هذه الأُمة الشريفة لما فيه الخير والصالح المشترك، ونرجو من الإخوة القرّاء وكافة الفعاليات أن يتابعوا المواضيع التي سيتمّ طرحها وأن يساهموا فيه اقتراحاً أو تعليقاً أو بعرض تجاربهم الشخصية.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader