«عادياتُ اليَمَن»:
مُذكِّرات المُتَصرِّف «يوسف بك حسن»، 1909 – 1921
صدرت عن الدّار التقدمية في كتاب، من القطع الكبير، عدد صفحاته 587 صفحة حقّقها «عاصم يوسف حسن» وقدَّم لها سفير لبنان السابق في اليمن، حسان أبو عكر. تبدو يوميات «يوسف بك حسن» من الأهمّية بمكان إذ تلقي الضوء الكاشف على الواقع اليمني مدّة عقد ونيِّف: ما بين 1910 وحتى 1921. وقد زادت على أربعة آلاف يوميَّة، دوّنها صاحبها تزامنًا مع حدوثها، فاكتسبت مصداقيّةً عالية، لأنَّ كاتبها كان في سُدَّة المسؤولية، مُتصرّفًا، مُتعلّمًا، مثقفًا وذا شخصيّة عُرفت بالذكاء، والحنكة والشجاعة، والوطنية، فضلًا عن أنّه كان يضطلع بمعالجة الأحداث مباشرةً، وما أكثرها في بلاد كاليمن التي عُرفت في التاريخ القديم والحديث، بتضاريسها الصعبة، وتعدّد العقائد والمفاهيم بين أهلها الذين ينتمون إلى عشائر وقبائل مختلفة من الصعب إلى حد الاستحالة أحيانًا التوفيق بينهم. وهو واقعٌ أليمٌ ما زال يسحب نفسه على البلاد اليمنية حتى اليوم. ولقد جاء القائمّقام ثم المتصرف في ما بعد إلى اليمن مُوَطِّنًا النّفس على تحقيق النجاح في معظم ما أوْكِلَ إليه من فرض هيبة الحكم العثماني على أرضٍ ومواقع لم تكن السلطة العثمانية قد تمكنت من الوصول إليها من قبل. فهل نجح في ذلك؟
تقول «اليوميات» إنّ أحداثًا جسامًا خاض صاحبها معاركها السياسية والعسكرية والاجتماعية بكفاح وتؤدةٍ شديدين، ضد الإيطاليين ثم الإنكليز، ثم الإمام الإدريسي (صاحب عسير)، ولم يكن أبدًا مهادنًا للإمام يحيى حميد الدين. وأمسك بمفاتيح المصالحات بين القبائل المتنافرة التي مثّلت شخصية الشعب اليمني. وبالرغم ممّا أُثر عن «يوسف بك حسن» من تواضع اجتماعي في محيطه، سواء في لبنان أو في الجمهورية العربية السورية (قاضيًا) فقد كانت تخترق ذلك التواضع، مواقف تُملي عليه سلوك متصرف اعتاد الإمساك بمفاتيح القرار، حازمًا متعاليًا وبخاصة حين كان الأمر يمسّ قضايا الأمة.
وفي ما كتب من شعر ونثر ومراسلات تلازمت مع عقيدته في الإسلام والعروبة، ضمن عُروةٍ وثقى، كان يرى في الإسلام والمسيحية تكاملًا لا بُدَّ منه تحت منطق الإيمان القومي. إنَّ ما نكتبه هنا عن «يوسف بك حسن» ومذكراته الضّخمة، هو قليلٌ من كثير. وقد أصاب حقًا السفير حسان أبو عكر في ما كتبه عنه في مقدمة هذه المذكرات.
لقد أتاحت سنواته في اليمن في هذا الجو المفعم بالأحداث والمشاريع المعلنة والمستترة العمل بعزم كبير، معتبرًا أنّ الكفاءة والجرأة والاندفاع القومي، وتطبيق القوانين، هي عناصر كافية لإعادة هيبة السلطنة في الولاية العثمانية، وبسْط سيادتها في بلاد قيلَ عنها إنها مقبرة للجنود الأتراك.
انتهت الحرب العالمية الأولى كما هو معروف بانتصار الحلفاء وبسط حكمهم على معظم الأقطار العربية، فأيقن «يوسف بك» عندها أنّ مشاريعه الوظيفية ومستقبله الإداري لم يعد مجديًا. ولما ازداد التباعد الثقافي واللغوي والسياسي مع الجمهورية التركية الناشئة قرَّر العودة إلى بلاده في شهر آب من العام 1923، واختار أن يمارس عمله القومي ونداء الواجب كما قال في حكومة جبل الدروز الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، فتوجه إلى مدينة السويداء عاصمة تلك الحكومة، ليعمل في المحاماة وفي القضاء، وصولًا إلى رئاسة محكمة الاستئناف هناك إضافة إلى ترؤسه محكمة الجنايات. وبقي في سورية لغاية تقاعده، وعودته إلى مسقط رأسه في قرية بتلون الشوفية في عام 1955، حتى توفاه الله في 26 تشرين الثاني عام 1969.
فلسفةُ القانون:
السجالُ بين جمود النّص، وطفرات الواقع
كتابٌ، عبارة عن دراسة فكريّة قانونيّة، قدّم لها دولة الرّئيس نبيه برّي رئيس مجلس النوّاب اللبناني، عالجت فيها الدكتورة ماغي حسن عبيد، بتبسّط، العلاقة الجدلية بين الفلسفة والقانون، من منطلق أهميتهما فُرادى، والدّور الذي يؤدّيانه معًا بعلاقتهما بالتاريخ العام، والفلسفة العامة والسياسة. فكيف ولماذا الجدليّة بين الفلسفة والقانون؟ وما هي موضوعات فلسفة القانون؟ وهل للقانون بوصفه علمًا خصوصيةٌ وتمايُز؟ في مُندرجات هذه الدراسة تركيز على أهميّة فلسفة القانون، واتّجاهاته الرئيسة… وتحديد الأبعاد الفلسفية، وتصوراتها في المذاهب القانونية، كما في التيار المثالي الميتافيزيقي.
والمذاهب الفلسفية القانونية عند اليونان والرومان. فالعصر اليوناني حيث القانون بالمعنى السقراطي، والأفلاطوني، والأرسطي، وصولًا إلى الرواقيين، والإبيقورييِّن، ومن ثمَّ الفكر القانوني الروماني، فالقانون في الفلسفة المسيحيّة، وفكر توما الإكويني، فأولويّة الدولة على السلطة الكنسية. وفي التدريج الزمني تتحدث المؤلّفة عن الفلسفة العربية الإسلامية: الفارابي، والغزالي، وفي التاريخ التالي، نجد أنفسنا مع القانون في العصر الحديث، الحكم المطلق، مكيافلي، هوبز، فلسفة الحكم المقيّد، أسبينوزا، جون لوك، روسو، إيمانويل كنط، وبعدها قراءة معاصرة في حقيقة العولمة القانونية التي أصبحت بعد التطوّرات البشرية في القرنين العشرين والواحد والعشرين، أمرًا واقعًا يصعب على الإطلاق إهماله أو تجاهله، لذا تنتقل الدراسة إلى شرح مفهوم القانون في الفكر المعاصر، فتحدّد التيارات الفكرية التي تتناول القانون بهدف نقده وتطويره: هيغل، والتيار الوضعي، والوضعانية الواقعية، والوضعانية السوسيولوجية، والوضعانية الماركسية، وهولمز، والإنسانوية القانونية، ونظريات أميركا الشمالية، الجدل الفلسفي حول فلسفة القانون. وتتساءل الدكتورة ماغي عبيد، بعد هذا السرد والنقاش الطويلين عن النِّظام ما فوق الوطني، والشرعانية أو الشرعية، والشرعانية المنهجية، وعن الأمن والسّلامة، والعدل، والإنصاف، والقانون والأخلاق، ومراهنات الحريّةُ، وأزمة الديموقراطية، هذه المسائل الإشكالية التي كانت وما زالت عُقَدًا وعقباتٍ في مسيرة التطور البشري إلى كماله المنشود.
وترى الدكتورة عبيد أنّه مع قيام الثورتين الأميركية والفرنسية في القرن الثامن عشر، والمساعي تدور حول القيم الأساسية في المجتمع الغربي من خلال حقوق الإنسان، ولا سيّما أنّ أساسها ينطلق من القانون الطّبعي، مع أنَّ الاتجاه ينحو بها في الوقت الحاضر، باتجاه صياغة هذه القيم، في نصوص قانون وضعي محددة، وأساس أسلوب هذه المحاولة مستقىً من القانون الطبيعي، ولعل التطور الحاصل الساعي لتضمين حقوق الإنسان الأساسية في صيغة فوق قانونية، أممية أو كونية، يتمثّل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والمعاهدات الأوروبية لحقوق الإنسان، ولعلّ أهم الحريّات التي تمَّ تناولها ودراستها، حريّة التعاقد، والتملّك، والكلام، والعمل، والتحرّر من الحاجة، والضمان الاجتماعي، والصحافة، والدين، والحرية الشخصية، وحقوق الإنسان وحمايتها دوليًا، وحق التجمع.
إنَّ فلسفة القوانين، والعمل على تحديثها في استنتاج الدراسة تتطلَّب ورشة عمل تبدأ، لكنها لن تنتهي حيث على الإنسان أن يعمل بنشاط وتجدُّد، وهنا يحضرنا تساؤل تلقائي: هل قوانينا اللبنانية تتلاءم مع مفاهيم التشريع؟ وتجاري العصرنة وتواكب مستجدّات الحضارة، أم أنّ قسمًا منها عفا عليه الزمن؟ هذه الأسئلة البديهية والمنطقية، يجيب عنها رئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري في تقديمه لهذا الكتاب، بقوله: «إنَّ فلسفة القانون، هي عقل ووجدان القانون، وهي الوسيلة التي تفسّر العلاقة بين القانون والمعتقدات، والتصرفات والسلوكيات، والحياة برمّتها».












