السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الوباءُ تحت مُجْهِر القانون

تواجه البشرية اليوم فيروساً قاتلاً هو فيروس كورونا أو ما يُعرف بـ (Covid-19) بعد أن كان أوّل ظهور له في مدينة ووهان الصينية. وأصبح العالم بأجمعه تحت رحمة هذا الفيروس الغامض، والذي أطلقت عليه منظمة الصحة العالمية صفة»جائحة» نظراً لإنتشاره السريع، عابراً بذلك كافة الحدود التي عرفها الإنسان، حاصداً آلاف الأرواح بسبب سرعة انتشاره وتعدد طرق الإصابة به وسهولتها. إذ يمكن أن ينتقل الوباء نتيجة السعال، أو العطس، أو المصافحة، كما يمكن أن ينتقل ايضاً عن طريق ملامسة شيء لمسه المصاب ثم لمس الفم، أو الأنف، أو العين.

لذا، ونظراً لخطورته، عمدت مختلف دول العالم إلى اتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير الوقائية لمحاصرته بهدف التقليل من الإصابة به ولعل أبرزها «العزل الصّحي» للذين ثبتت إصابتهم مخبرياً أو يُشتبه بحملهم له.

ولعل السؤال القانوني الذي يطرح نفسه بشكل صارخ في هذا الإطار هو:
المسؤولية القانونية وخاصة الجنائية لحاملي هذا الفيروس في حال تسببهم بنقل الوباء للغير إمّا عمداً أو خطأً بسبب الإهمال والتقصير؟!!

تكمن الإجابة على هذه الإشكالية القانونية المهمة في المادة /604/ من قانون العقوبات اللبناني حيث نصت على ما يلي:
«من تسبب عن قلّة احتراز أو إهمال أو عدم مراعاة للقوانين أو الأنظمة في انتشار مرض وبائي من أمراض الإنسان عُوقب بغرامة تتراوح بين خمس وعشرين ومئتي ليرة، وإذا أقدم الفاعل على فعله وهو عالم بالأمر من غير أن يقصد موت أحد عُوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات فضلاً عن الغرامة» كذلك، نص الفصل الرابع من قانون الأمراض المعدية الصادر بتاريخ 31-12-1957 على تجريم وملاحقة كل من يُهمل الإخبار عن أي مرض من الأمراض الانتقالية، وكل من يُخالف أو يُعرقل تدابير العزل وسائر التدابير الوقائية. وأجاز لوزارة الصحة ملاحقة المخالفين أمام القضاء، ونص على إنزال عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة بحق مرتكبي هذه الجرائم.

إلّا أن هذه الأحكام قد يتعذر تطبيقها في الوضع الراهن بسبب عدم تعديل لائحة الأمراض الإنتقالية الواردة حصراً في نص المادة /6/ من هذا القانون لأن فيروس كورونا غير مشمول بها لعلة عدم وجوده سنة 1957. غير أن المادة /11/ من القانون ذاته نصت على أنه يحق لوزير الصحة العامة بناءً على اقتراح المدير العام أن يصدر قراراً بإجراء التعديل اللازم على لائحة الأمراض الانتقالية المبينة في القانون وعلى لائحة الأمراض المتوجب عزل المصابين بها الواردة في المادة/6/ منه.

ومع الإقرار بمسؤولية مؤسسات المجتمع والدولة، إلّا أن ذلك لا يعفي من تحمل المسؤولية الفردية روحاً ثقافية وسلوكاً واقعياً، فهناك نمط من التفكير عقيم، يتمثل في التهرب من المسؤولية الفردية والاختباء خلف المسؤولية العامة، فترى انتظاراً لحلول جماعية فوقية تمليها القيادات العليا وهو ما يُغرق الفرد في المنطق التبريري ويجسد عمق القصور في إدراك المسؤولية الفردية.

كما تزخر بذلك النصوص الشرعية، وعند التأمل في قوله تعالى:
«إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم» نجد أن سُنّة التغيير ناتجة عن الفعل البشري في ممارسة أقصى طاقاته الذهنية والعملية. فالآية عامة في كل إنسان يريد التغيير وبالتالي فهي تعبر عن قانون إنساني مجرد لا يُعفي أحداً من تحمل المسؤولية. فالتوازن بين الحرية والمسؤولية في أزمة كورونا يتجسد في أن نعمة الحرية في السلوك الفردي أو الجماعي لا تعفي الإنسان من تحمل مسؤولية الوقاية والعلاج من هذه الجائحة تجاه النفس والغير، إذ إن حرية الفرد تنتهي عند بداية حريّة الآخرين، وأنه مهما تميز الإنسان بالخصوصية في السلوك الفردي إلّا أنه مُؤاخذ في تحمل المسؤولية عن الأثر المتعدي لها دنيوياً أمام القانون وأخرويّاً أمام الله تعالى.

التّحليلُ النفسيُّ للوَهَنُ الأخلاقيُّ في مجتمعنا

ممّا لا شكّ فيه عبر العصور، لطائفة الموحّدين الدروز ميزة «أصالة، محبّة، نضال، وتفانٍ».

مع تطوّر الزمن، والانفتاح، أُدخل على المبادئ الانصهار بالتخلّي عن العادات التي تربّى عليها السلف القديم، وذلك بالـتمدّن في اللباس والعلم الجامعي للمرأة لتكون بجانب إخوانها في المجتمع.
لكن خروج شريحة ٍلا بأس بها من تلك العادات، أدخلت طابع الغرور، والحقد لدرجة تغييب العقل عن اللاعب الكومبارس «الأنا، اللاوعي، الغريزة» ليحتل المرتبة الأولى الآمر المتحكّم بالمشاعر والأحاسيس لتلبية اللذات المدمّرة للإنسانية…
وهنا العجب، من خلال السلوك والتصرّف، لكأننا في مستنقعٍ موحل خالٍ من الشِّيَم. لذلك نرى انحراف المجتمع المدني المعروفي النقيض للسّلف.

فالمجتمع انبثق من أهلٍ وتربية، لكنّه مخالف كُليّاً…
فالنفس الأمّارة التي لا تهدأ ولا ترتوي تريد المزيد المزيد شراهة لها فقط…
ومع ذلك، فإنّ تلك الفئة، الشريحة النسبية تأتي من مجتمع سعيد فيه تجسّدت المحبة والطيبة والثقافة والعيش الرغيد، لم يحرمهم من حقوقهم إطلاقاً..
فكم نحن بحاجة إلى ندوات تثقيفية توحيدّية لترويض «الأنا الباطني» لتهذيبه، ولردعه من التعدّي على حقوق الآخرين عمداً وملتبساً.

لتلك الحالة شغب ما في باطن الروح التدميري للغير.
من أهم حالات العصيان «التمرّد النفسي»، ووجود عيّنة فيا للعجب، الكل يهتم ويساعد كي لا يُحرم من أبسط الحقوق، … لكن ردّة فعل الفرد المهووس أتت معاكسة كليًّا…فهو يعيش في روبصة المحروم، وهو في نعيم النعيم ينعم بكل خيرات وجاه، ومال لا معارض ولا ممانع..

عكس ما يدلّ سلوكه المبطّن الذي يخرج عن المكبوت في أعماقه مخزون الحقد التدميريّ، «كقنبلة موقوتة تنفجر أسىً، وأذى للمشار إليه في عقله الباطن» (كأنّه مجرم يريد التخلص منه بأبشع الوسائل..

يدخل بمديح ومحبّة كلصٍّ يريد الهجوم على طريدته…
يجعلك في حَيْرة من أمره لأفعاله وسلوكه… عيناه تكشفان المستور، ووجنتاه كتاب غامض لمن يقرأه بين السطور..
والحيلة فطنة ودمية للصيد الوفير…
الحقد، الوهن الأخلاقي لعيّنة في مجتمع طائفة الموحّدين الدروز «مخالف للنهج الإنسانيّ، وهو مرض عُضال فتّاك، لا بدّ من البحث لردع هؤلاء المزيّفيين المجبولون بالكذب والخدعة والرياء والتزوير…

هنا دور الأهل، إنْ كان الأهل من الصالحين.
إن نفسية الفرد طبع غلب التطبّع، وهو من الصعب التعايش بودّ وإخاء. أمام. نقيض الإنسانية.
فترى الحاقد منفتح على كل الجبهات يُخفي من أفعاله… مؤسَّس بشكل وهمي على النصب والاحتيال، بارع في هذا المجال.

السؤال التالي:
«هل هو جنون العظمة، أم تسلّط وكبرياء تدميري للآخر…!!!
ومدمّر للذات، ذاته أوّلا..
كونه الجاني، الحاقد والغيّور، يعيش بسعادة بلا حدود… لا يهدأ باله إلّا بالأذيّة.

هل النفس البشرية تشرد عند حصولها على مباهج الدنيا !!!.
هل الأنا الطاغي للشر والشرور في حلقة تنويم العقل، وتفخيخ الجهل بزمن تفتّحت براعم الحرير والياسمين
على كل المعمورة
على أرض المعمورة.

هل لبنان جاهز للتعلّم من بُعد؟

وفق تقارير الأمم المتحدة فإن حال الإغلاق لثلث سكان العالم قد عرقل انتظام التعليم لثلاثمائة مليون طالب وتلميذ على الكوكب. الملايين من الأساتذة والمدرسين، والهيئات الإدارية، وصنّاع القرار، وجدوا أنفسهم، في مشهد وُصِف بأنه “غير مسبوق”، مدفوعين دفعاً نحو التعليم أون لاين (التعليم من بُعد من خلال الشبكة)، مع الاعتراف أنهم جميعاً لم يكونوا على الأغلب مهيّأين لتعليم كهذا، أو على الأقل التحول إليه بين ليلة وضحاها، للمرة الأولى على نطاق واسع على ما نشهد الآن.

بخلاف الولايات المتحدة، حيث إقفال المؤسسات التعليمية التقليدية وإبدالها بصفوف متحركة على الأون لاين – وهو ليس بالأمر غير الاعتيادي في حالات الطوارئ من مثل الأعاصير والزلازل – فقليل جدا على مستوى العالم، وليس لبنان فقط، من كان مستعداً لوجستياً وتربوياً وإدارياً لقرارات إدارية اتخذت على عجل بالتحول مؤقتاً من نمط التعليم الكلاسيكي (محاضرات/قاعات) إلى نمط مغاير كلياً. وعليه فلبنان يختبر الآن التعليم أون لاين، على نطاق واسع، وللمرة الأولى في تاريخ التعليم العالي في لبنان الذي يعود لسنة 1866 (الجامعة الأميركية) و 1875 (جامعة القديس يوسف).

لبنان يكتشف القيمة العملية للتعليم أون لاين:

بمعزل عمّا إذا كان الأمر سيقصر أو يطول، فإن التحول المفاجئ أعلاه فرض تحدياً حقيقياً على الجامعات باتجاه العمل السريع على توسعة وتحديث تقديمات الأون لاين، في ظروف أقل ما يقال فيها أنها ليست مثالية بل صعبة، ما سيدفع البلاد كما أعتقد لإعادة النظر في كثير من مفاهيمها التربوية المسبقة، وإحدى نتائجها المزيد من التقدير والاحترام لهذا النمط من التعليم، والذي كان يُنظر إليه في الغالب على أنه نوع من الترف غير الضروري، بل إنه لاقى في حالات محددة تقييدات عدة.

وهكذا أسرعت الجامعات بحثاً عن منصّات للتواصل في وسعها تحقيق أوسع وأوثق صلة ممكنة بين الطالب وجامعته، من مثل Blackboard Collaborate, Adobe Connect, & Microsoft Teams ، بهدف الاستثمار الأفضل لمكونات التعليم الألكتروني لديهم من مثل Moodle & Blackboard،  وتطويعها لتناسب الوظائف الجامعية ومنها تحديداً: التحول نحو امتحانات – في – البيت، وما يتبعه من حرص على نوعية الامتحان، أمن الامتحانات، دقة النتائج، وسواها، من خلال برامج عملية حسنة الفاعلية والحماية على الأون لاين. أدّى التحول بالأساتذة والمشرفين لإعادة هيكلة محاضراتهم وحتى دروسهم العملية على نحو مختلف، دافعين بالطلاب أنفسهم ليتعلموا أدوات وتطبيقات جديدة من مثل: Screen recording, Voiceover, Recording Sessions Offline, Collaborate online Bulletins, etc.، وليكونوا خلاقين في تصميم مجموعة أنشطة معاً، ولاختبار تقنيات تربوية جديدة. أما النتيجة وكما هو متوقع فعمل إضافي متزايد، اهتمام بالتفاصيل، وحتى الخوف من عدم القدرة على المتابعة الصحيحة واحتمال الرسوب – فيما الغرض الأصلي ليس النجاح أو الرسوب بالمعنى الحصري الضيق، وإنما استمرارية العملية الجامعية من خلال التعلّم من بُعد.

لذلك لعله من المفيد التذكير بالنتائج التي توصلت إليها في هذا الموضوع من خلال بحث ميداني أجريته أواخر سنة 2018 ومطلع 2019 حول مدى جاهزية النظام التعليمي في لبنان، الجامعي تحديداً، لقبول التحول من التعليم التقليدي محاضرة – في – الصف، إلى نمط جديد، نمط التعلّم من بُعد، وقد كان البحث الميداني جزءاً من أطروحتي للدكتوراه (تربية، باللغة الإنجليزية). تناولتُ بالمسح الميداني، من خلال استمارتين، مدى جاهزية الطلاب لقبول التحوّل أعلاه، ومدى جاهزية أعضاء هيئات التدريس لشروط التحوّل ذاك.

جاهزية الطلاب لقبول التحوّل إلى نمط التعلّم من بُعد

تناولت الاستمارة الأولى Questionnaire 1 التي أعددتها، وبعد اختبار صدقيتها على النحو المعروف، عينة من 305 طلاب في جامعات لبنانية عدة، الجامعة الرسمية وجامعات خاصة. قاست استمارة الطلاب وعلى نحو كمي مدى جاهزية الطلاب من خلال scale questions، ألحقت بها أسئلة مفتوحة النهايات open-ended بهدف القياس الكيفي لمواقف الطلاب وأرائهم. قاربت الأسئلة جاهزية الطلاب من حيث الكفاءة الذاتية، الخبرة السابقة، الدافعية، التوقعات،  والجانب المالي (وقد أفصح الطلاب عن مخاوفهم تلك بوضوح). ثم جرى تحليل موضوعاتي  thematic analysis للإجابات. كان حوالي 80% من المجيبين بين 17 و24 سنة، من مستويات جامعية مختلفة، بكالوريوس، ماستر، ودكتوراه. ومن دون إغراق القارئ بتفاصيل ونسب تقنية، أظهر تحليل الإجابات أن أكثرية الطلاب هم على ألفة بالعمل على الحاسوب الشخصي، والإتصال بالشبكة، وأدوات التواصل، وعلى معرفة عموماً بالسوفتواير المطلوب واستعمالاته، وفي كيفية التغلب على التحديات التقنية. وعليه كان مدهشاً موقفهم الإيجابي من نمط التعلم من بعد، لجهة فوائده العملية وإنتاجيته العلمية. إلا أن ما يقلق الطلاب هو احتمال أن يحول هذا النمط من التعليم دون حصولهم على قروض مالية من المصارف أو الجامعة، علماً أن القروض تلك لا تموّل امتلاك حواسيب أو تجديدها.

جاهزية أفراد هيئات التدريس ومواقفهم:

 في دراستي الحقلية التي أشرت إليها آنفاً، تفحصت أيضاً مدى جاهزية أفراد هيئات التدريس الجامعية في لبنان من فكرة “التعلّم من بعد”، وقبل سنة كاملة من التحول القسري الجاري حالياً. وللتحقق من جاهزيتهم ومن أفكارهم الإضافية، صممت استمارة خاصة بأعضاء هيئات التدريس تكوّنت من 35 سؤالاً بهدف استكشاف الخطوات المتخذة، الخبرات السابقة، الجاهزية التربوية والتقنية، وقد ختمت الأسئلة المقفلة، بأسئلة مفتوحة لتغطي طريقة تفكير الأساتذة من الموضوع، إضافة إلى أرائهم ومواقفهم. وبعد اختبار صدقية الأسئلة وفاعليتها، جمعت ردود عينة من 121 أستاذا من جامعات لبنانية مختلفة، 69% منهم يحملون الدكتوراه، وأعمار نصفهم تقريباً فوق ال 47 سنة. تبين من الردود، وباختصار، أن أكثريتهم (79%) لم تمارس هذا اللون من التعليم والتدريس من قبل، والقلة الباقية مارست بدرجات مختلفة التعليم من بُعد. ولكن بالمقابل بدا من الإجابات أن قوة هيئة التدريس في المجموعة المفحوصة تكمن في تعودهم على استخدام تقنيات elearning ، وإدماجهم عنصر التكنولوجيا في تعليمهم؛ وغني عن القول أن جميعهم يمتلك أجهزة كومبيوتر في المنزل والمكتب، ولديهم خبرات بقدرات السوفت وير، عدا وعيهم بأهمية الشبكة والإفادة منها في تطوير عمليات التعلّم، والتركيز كما أشار معظمهم على ضرورة تعزيز الوعي ومهارات التفكير النقدي لدى المتعلّم من بّعد، مع تشديدهم، بوضوح، على ان التعليم أون لاين ليس أفضل الأنماط، بل الأفضل هو دمج الأون لاين مع تعليم وجهاً لوجه في القاعات.

موقف الأساتذة أمر إيجابي جداً، بل أكثر من نصف الطريق نحو نجاح عملية التحول (القسرية) الجارية الآن في الجامعات من تعلّم محاضرات – في -الصف إلى محاضرات ودروس عملية على الأون لاين.

توصيات لتعلّم من بُعد فعّال وناجح:

يبقى، إذاً، بعض الاقتراحات العملية، التي يمكن أخذها بعين الاعتبار من جانب أفراد هيئات التدريس والإدارات.

تتعدد أراء الخبراء في كيفية زيادة فرص تقديم تعلّم من بُعد، وظيفي، فعّال، ويحقق بنجاح الأهداف المتوقعة منه؛ وهو أمر يعتمد جزئياً على مواقف الطلاب (وقد رأيناه إيجابياً وفق الردود على استمارة الطلاب، وقبل وقت قصير من اندلاع الأزمة الأخيرة). لكن النجاح التام، نسبياً بالطبع، يعتمد بدرجة أكبر على استطاعة الأساتذة، ومساعديهم، والمؤسسات، إدارة عملية دقيقة وحساسة، من خلال تحسين نوعية ما يجري تبادله، في الاتجاهين، على الأون لاين.

لا حاجة للقول أن صفوف التعلّم من بعد تختلف عن صفوف brick- and- mortar الصفوف التقليدية التي تجري وجهاً لوجه في  قاعات التدريس. من أجل تجاوز الاختلاف ذلك، وتجاوز الألفة التي يشعر بها الطالب بإزاء نظام التعليم التقليدي، يُنصح ببعض الخطوات الآيلة إلى خلق سيستام تعلّم من بعد ناجح ومتكامل:

  • التشجيع على الحوار، دون أن يُخرج العملية عن سياقها الأصلي، بل حوار مخطط له، يشعر الطالب بحضوره الشخصي، ويطمئنه للعملية، ولكن باستمرار تحت إشراف الأستاذ، أو مساعده، وبالتوقيت الذي يراه مناسباً.
  • يمكن إدماج الطلاب في العملية الجارية على نحو ناجح من خلال استثارة دوافع تعلمية بطرق مختلفة يتقنها الأستاذ جيّداً، وتتبدّل بحسب الرصيد اي المادة موضوع الدرس. إلا أنها تعتمد عموماً على تجميع تدريجي للحوافز، النقاش، التعاون، فيديوات عامة (أو مصممة من المدرسين): مقاطع صوتية، واختبارات مع مساعدة، ثم من دونها، على نصوص منتقاة – دون نفي إمكانية تقديم محاضرة لكن شرط الاختصار الشديد بهدف عدم تشتيت تركيز المتلقي.
  • على صفوف التعلم من بُعد المستحدثة أن تخلق بيئة تعلّم نشِط وليس مجرد محاضرة أخرى ولكن على الأون لاين هذه المرّة. ويكون ذلك بتشجيع الحوارات، والتفاعل، والنقاش الحيوي، وتبادل المعرفة، وبخاصة تمكين الطالب المتلقي من الشعور بلذة اكتشافه للمعلومة، أو استخلاصه للنتائج. وهذا أفضل زاد له في الاندفاع أكثر وبسعادة في صفوف التعلّم من بُعد.
  • لجهة التفاعل، يمكن الإضاءة على ثلاثة أنواع: طالب – طالب، طالب – أستاذ، و الطالب – المحتوى. والعملية الناجحة هي التي تحسن استثمار الأنواع الثلاثة بالتبادل، والتوقيت، والوقت المناسب. وهنا يبرز من جديد الدور الحاسم للأستاذ في الإعداد لعملية التعلّم من بعد، وهو أصعب بكثير من دوره في نمط محاضرة – في – قاعة الصف.
  • تشجيع استخدام فوروم forum طلابي مفتوح وعام، منتدى، يتيح للطلاب التقدّم بيسر بأسئلتهم، وملاحظاتهم، وأفكارهم؛ وإظهار تعاونهم ومساعدة بعضهم بعضاً. ومن ذلك تحضير صفحات أو أجزاء منها للطلاب تمكنهم من لصق بوستاتهم، أو إجاباتهم حين يطلب منهم ذلك، وفي كل الأحوال إظهار أن حضورهم المرحب به، وتعزيز فاعليتهم وأشكال تعاونهم، ونقاشاتهم.
  • يفضل جعل الدروس في مقاطع محددة chunks، هو الأكثر ملاءمة في التعلّم من بُعد. أما المحاضرات الطويلة فليست بالتأكيد الطريق الأفضل لتأمين حسن اندماج الطالب في الصفوف العادية، فكيف على الأون لاين. وينصح خبراء كثيرون بأن لا تتعدى المعلومات المقدّمة من الأستاذ أو من يدير صف الأون لاين في كل مرة ال 10 – 15 دقيقة، فيديو، أو كلاماً، وذلك لتجنب شعور الطالب أنه “معزول”، أو “منقطع”.
  • جعل المجموعات صغيرة. ينصح الخبراء تقسيم الصف إلى مجموعات صغيرة، بين 4 و 6 طلاب، كما لو كانوا في مجموعة بحثية أو دراسية، فيكون في وسعهم الشعور بالراحة حيال بعضهم بعضاً، وتوقع الدعم من واحدهم للآخر، مع تعيين دقيق للمصادر والمراجع المساعدة التي يمكن بسهولة العودة إليها. ويجب إدارة العملية بانتباه، أي تخصيص موضوع أو جزء منه، في الجلسة الواحدة لكل مجموعة.
  • يجب توقع صعوبة التفاعل في البدء؛ والحل ببعض الصبر ثم المساعدة في خلق جو الثقة، من خلال الإسهام في حل المشكلات التقنية واللوجستية، وتشجيع الطلاب أن يقدّموا المساعدة بعضهم لبعض الآخر ما يمنحهم ثقة أكبر بالنفس، والتركيز على عملية بناء القدرات الذاتية لكل فرد في المجموعة ولو استغرق الأمر بعض الوقت، وتجنب الأحكام السريعة، وبخاصة السلبية في كل الأحوال.
  • كن حاضراً!!! أن يكون الأستاذ أو مساعده حاضراً في موقع الدرس الذي يجري اقتراحه والعمل عليه هي الخطوة الأكثر أهمية بين كل الخطوات. فالأساتذة الأفضل على الأون لاين، برأي الطلاب، هم الحاضرون أكثر من مرّة في أثناء إنجاز العمل أسبوعياً، حتى لا نقول يومياً، أو على الأقل حين يتوقع الطالب أن يكون أستاذه موجوداً…إلا إذا كان غياب الأستاذ أحياناً هو من طبيعة العمل نفسه، ويجب إخبار الطالب ذلك بوضوح.
Online Education Infographics with Flat Icon Set for Flyer, Poster, Web Site Like mortarboard, books, Microscope and computer. isolated vector illustration
وزّع وقتك على نحو حكيم:

كما قلنا فإن وجود الأستاذ، أو مساعده، أمر مهم جداً لنجاح الطالب في صف الأون لاين. حضوره ضروري ولكن ليس عند كل إشارة أو منشورمن الطالب. على الأستاذ تدبّر أمر حضوره، وغيابه، بطريقة منطقية. ليس سهلاً إدارة صف من ثلاثين طالياً أون لاين، ولا يتوقع منه أن يجيب كلمة كلمة، بل هو يختار وينتقي متى وكيف يتدخل، فيجيب على البوستات والأسئلة.

أدخل نصوص من وسائط التواصل Multi Media Assignments

تتعلم المجموعة على نحو أفضل حين يجري تقديم تنويع من الأنشطة والخبرات، وتشجيع الطلاب على إكمال عملهم بمختارات أو حتى مسابقات من خلال أدوات الأون لاين الرقمية ما يجعل صفوف الأونلاين أكثر ألفة وفاعلية وإمتاعاً؛ وبعضها أن يستطيع الطالب إظهار نفسه أيضاً.

بعض المواقع التي ينصح بالرجوع عليها:
  • https:/ padlet.com  “Designing classwork, quizzes, assignments, polls, etc.”
  • https:/ www.bookwidgets.com (could be linked to Microsoft)
  • https:/ socrative.com
  • https:/www.wix.com “Creating a free and easy website (website builder)
  • https:/Wordpress.com “Creating free Blogs”
وأخيراً، استخدام أنشطة على نوعين: Synchronous and Asynchronous 

أنشطة النوع الأول  synchronousتقتضي تعلّماً في زمن حقيقي مستخدماً تبادل الأراء chats ، وحلقات نقاش عبر الفيديو videoconference، بينما أنشطة التعلم الآخر يمكن تنفيذه من خلال قنوات الأونلاين من دون تفاعل زمني حقيقي real-time interaction، أو بينما الطلاب خارج المشاركة في درس حيّ على الأونلاين. إن استخاماً لتنويع مناسب ومدروس بين الأسلوبين معاً يساعد في خلق بيئات تعلّم فعّالة وممتعة. ويمكن القول أخيراً أن ليس هناك ما هو أفضل من تعلّم من بُعد يقوم على تفاعل وتبادل للمعرفة والخبرات والأفكار (والأخطاء)، في خطين، ما يحفّز في النهاية طلب التفكر والمراجعة والاستخلاص والتصميم وكتابة خلاصة في النهاية، تقرير مثلاً، التحقق مما أنجز حقاً، وهو ما يهدف إليه التعليم والتعلّم في كل الأحوال.

المستقبل للمدارس الذكية، هل نتوجه نحوه؟

حقاً، لقد أصبح إيقاع السرعة والتغير السمة البارزة لهذا العصر. وإذا كان هذا الإيقاع يفرض على أهل السياسة والاقتصاد يقظة مستمرة، وسعياً إلى التفكير الدؤوب فإنه واجب محتوم على التربويين من باب أولى، حيث أن الحاجة إلى التطوير والإصلاح التربوي أصبحت أكثر إلحاحاً من ذي قبل، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حاجة للتخطيط السليم المبني على التقويم الصحيح للواقع التعليمي، والتقييم الفعلي للمؤثرات المختلفة والشفافية التي تربط بينهما.

نحن أمام اللحظات الأخيرة من نهاية 2019م، لنتوجه بشكل متسارع إلى بداية العام الجديد؛ وفي خضم هذه النهاية وتلك البداية تواكب المجتمعات المعاصرة التطور العلمي المذهل بفاعلية؛ لتشكل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بكافة أشكالها السلاح الحقيقي لمواجهة التحديات العديدة، ولا يكاد يختلف اثنان على أن التحدي الكبير الذي يواجه مدارسنا اليوم، هو كيف تتغير المدارس لتواجه متطلبات المرحلة القادمة، وكما قال البروفيسور لاري كيوبان من جامعة ستانفورد بولاية كليفورنيا: “إن التقنيات الجديدة لا تغير المدارس، بل يجب أن تتغير المدارس لكي تتمكن من استخدام التقنيات الجديدة بصورة فعالة”.

إن النظر إلى مدراس المستقبل بواقعية يمنحنا الحكمة في التعامل مع المعطيات المختلفة لتطوير مدراسنا بما نستحق، وما يستحق أن يبدأ به لأهميته، وما يمكن تأخيره، وما يمكن تطبيقه وما لا يمكن تطبيقه، وما يصلح لمجتمعنا وما لا يصلح، وما يبنغي تغييره وما لا ينبغي. وفي النهاية، فإن الجهات التي ستتفوق على غيرها في حقبة ما بعد عصر المعلومات هي تلك الدول التي توخت جانب الحكمة باستثمارها في تطوير رأسمالها الفكري.

ومن هنا انبثق مفهوم المدرسة الذكية كأساس لتطوير التعليم العام والذي يهدف إلى خلق مجتمع متكامل ومتجانس من الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والمدرسة وكذلك بين المدارس بعضها البعض مرتكزاً على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحديث العملية التعليمية ووسائل الشرح والتربية وبالتالي تخريج أجيال أكثر مهارة واحترافية، كما أن مفهوم المدرسة الذكية يعتمد على المشاركة الفاعلة بين كافة قطاعات المجتمع، بما في ذلك تنشيط دور القطاع الخاص في تقديم الأجهزة والمعدات والوسائط المتعددة والدعم اللازم لخدمة المدارس مما يغذى الاقتصاد الوطني بالشركات المتخصصة التي تقدم خدماتها بشكل احترافي متميز، وبالتالي يتم إيجاد فرص عمل جديدة في ظل هذا المشروع القومي الراقي.

كما يتضمن مشروع المدرسة الذكية تزويد المدارس بما تحتاجه من تكنولوجيا المعلومات، والعمل على تطوير المناهج وإبداع البرامج التعليمية في صور متعددة، وتزويد المدرسين ببرامج تدريبية في التكنولوجيا والتعليم وأساليب الشرح الحديثة مما يدعم انتشار تكنولوجيا المعلومات وتوظيفها بشكل سليم في تطوير منظومة التعليم ككل ونجاح مفهوم المدرسة الذكية.

وتأتي خطوات إنشاء الشبكات اللازمة لربط الأنظمة الداخلية للمدارس المختلفة والربط بين المدرسة والمعلمين والآباء والطلبة والمجتمع بالإضافة للربط بين المدرسة وشبكة مدرسة أخري بل والجهات الإشرافية وفق الاحتياجات لتيسر ترابط أطراف العملية التعليمية وتعاونهم الناجح فضلا عن الاستفادة من موارد الحواسيب المتاحة في المدارس الذكية لخدمات المجتمع في ساعات ما بعد الدراسة مما يجعل المدرسة مجتمعا تقنيا متكاملا لخدمة المجتمع.

ومن خلال نظرة فاحصة لما يحدث في الدول العربية من محاولات عملية لتطبيق المدرسة الذكية وصولاً لمدارس المستقبل الرائدة، يبقى هذا الجهد في بدايته، ويتحتم مع انطلاقة العام القادم أن نتوجه الى تطبيق فعلي وفق رؤى وخطط استراتيجية مدروسة لمشروع المدرسة الذكية في قطاع التعليم العام بمراحله الدراسية المختلفة بهدف تنمية مهارات الطلاب وإعدادهم إعداد جيدا يتناسب مع المتطلبات المستقبلية، ورفع مستوى قدرات المعلمين في توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كافة الأنشطة التعليمية، مع توفير البيئة المعلوماتية بمحتواها العلمي الملائم لاحتياجات الطلاب والمعلمين، وإتاحة مصادر التعليم المباشر، لتكون نواة لصناعة تقنية المعلومات المتقدمة، ونشر المعرفة بين أفراد المجتمع.

ومع هذه الرؤية لمدارسنا الذكية، فإن النظرة العلمية تجعل المستقبل مشرقاً أمام المعلمين الجيدين، كما يقول جيتس (رئيس ومؤسس شركة ميكروسوفت): “إن مستقبل التدريس – وخلافاً لبعض المهن – يبدو مشرقاً للغاية. فمع تحسين الابتكارات الحديثة، كانت هناك دائماً زيادة في نسبة القوة العاملة المخصصة للتدريس، وسوف يزدهر المربون الذي يضفون الحيوية والإبداع إلى فصول الدراسة، وسيصادف النجاح أيضاً المدرسين الذين يقيمون علاقات قوية مع الأطفال، بالنظر إلى أن الأطفال يحبون الفصول التي يدرس بها بالغون يعرفون أنهم يهتمون بهم اهتماماً حقيقياً، ولقد عرفنا جميعاً مدرسين تركوا تأثيراً مختلفاً.

لو أنصفوك

في زيارتي الأخيرة لبيروت سنحت لي فرصة ذهبية لزيارة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان سماحة العلامة الجليل الشيخ نعيم حسن وبحضور كل من الأستاذين الفاضلين الأستاذ الدكتور محمد شيا رئيس قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية والدكتور رائد القاقون الباحث في الفلسفة، وقد لمست لدى سماحة الشيخ نعيم حسن عمق التفكير وسعة الصدر والثقافة الموسوعية العالية والخلق الرفيع والحس الوطني اللا محدود واهتمامه بشؤون الأمة وشجونها وتطلعاتها المستقبلية لغد أفضل يحفظ حقوقها وحريتها وكرامتها ويعلي شأنها بين الأمم كما استعرضنا في هذا اللقاء أبرز رموز الأمة وقادتها وفي مقدمتهم الأمير سلطان باشا الأطرش(1891_1982) والذي يكن له الجميع محبة خاصة واحتراما كبيرا كونه من أبرز رموز الثورة العربية عام 1916 ورجالاتها الأفذاذ و لدوره القيادي للثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الانتداب الفرنسي وأحد أشهر الشخصيات الدرزية في العصر الحديث وبمناسبة الذكرى السنوية لرحيله حيث وافته المنية بتاريخ 26 آذار 1982 أهديه هذه القصيدة تكريما لنضاله البطولي وإرثه الجهادي الخالد على مر العصور .

أ.د جبار جمال الدين

لو انصفوك لكنت في الجوزاءِ
يا بيرق الاحرار والعظماء
سلطان يا رمز الأصالة والنهى
يا ليثَ غابٍ جال في البيداء

طالعتُ تاريخ الدروز فلم أجدْ
الا صحائفَ عزةٍ وثناء
وشرعت أستافُ العبيرَ بروضهم
وأهيمُ في دنيا من العلياء

يا شبل ذوقان وأنت رسالة
فاحت بطيب شذى وسحر بهاء
تلقى المنايا الكالحات بوثبة
لتذود عن حق بسيل دماء

قف في سويداءِ البطولة هاتفاً
هذا محطُّ رجولةٍ واباء
وهنا على الجبل الأشمِّ تسابقت
هممُ الرجالِ بصولةٍ وفداءِ

وعصائب يتهافتون على الردى
في كل موقعة وكل لقاء
يا شام كنت مدى الزمان ندية
كالثلج أو كالفضة البيضاء

لله درك أي وجه مشرق
رغم الخطوب وقسوة الأرزاء
من ميسلون وربع مجدك شامخ
يهفو لتحرير وعيد جلاء

في كل معترك عرينك ثابت
يوفي الديون سلمت أي وفاء
سلطان عزمك لم يزل في أوجه
ميراث آباء إلى الأبناء

يا آل معروف وإن بخافقي
شوق المتيم والهوى بإزائي
بادلتكم شوقي وفيض مشاعري
ووهبتكم وجدي برغم عنائي

فلقد وجدت بكم طلائع أمة
ورعيل توحيد وبحر عطاء
سلطانُ يا رمز َ الجهاد تحيةً
في يوم فَقدِكَ موحش الارجاءِ

لا لن تموت فأنت سر ٌّ خالدٌ
يبقى بكل ثرىً وكلِّ سماءِ
ولسان حالك لم يزل في مسمعي
للآن يهتف في ربى الفيحاء

خلفت غاشية الخنوع ورائي
وأتيت أقبس جمرة الشهداء

الضّحى في عُيون الرّائداتِ

الشاعرة غادة جهاد بو فخر الدين

“لمجلّة الضُّحى كلّ الشكر والتقدير لأنَّها أضاءت على موضوع حِيك في عتمة المعاناة فأشرق في النفوس، إذ إنّ كلّ نفس توّاقة إلى النور وإلى المشاركة في بناء المجتمع والوطن. أكره أن أقسّم الإنسانية “فكل إنسان يُعتبر من ذوي الاحتياجات الخاصة”، كما يقول الفنان المبدع جورج خباز. والجدير ذكره، أنّ هناك فئة من الأشخاص عاجزة جسديًا لكنّها تماثل الجميع وأحيانًا تتفوّق عليهم عقليًّا وفكريًّا، فنحن جزء لا يتجزّأ من هذا المجتمع، لنا حقوق وعلينا واجبات. وممّا لا شكّ فيه أنّ نظرتنا تجاه أنفسنا تعكس نظرة المحيط إلينا… بنا يرقى المجتمع ومعنا ينمو ويزدهر. أكرّر شكري وتقديري للجهود التي تقوم بها مجلة “الضّحى”…إلى الأمام وأتمنى لكم التوفيق”.


الشاعرة والرّوائية سوسن حسن الرمّاح

“سلم الفكر الذي خطى هذه الكلمات وأشكر الدرب الذي قادني إليكم. وإذ أنحني احترامًا لمرض جسدي، أشكر الله على هذا المرض، لقد جعلني إنسانة صادقة واضحة مع ذاتها ومع الآخرين، لا تُجَرِّح ولا تهمّش، بل تُسامح وتزرع المحبة في كلّ درب تخطو به. إنسانةٌ كافحت وواجهت أحكام المجتمع ونظرته تجاه إعاقة الحواس، غير مُدركة لما يحتويه من إعاقاتٍ نفسية وفكرية. لذلك، وبكل فخرٍ أخصّ مجلة “الضحى” بالشكر لمبادرتها إلى إلقاء الضوء على موهبةٍأشعلت شرارة الأمل وألهبت لديّ إرادة الفرح والحياة، فكان أن تعمّقتُ في بحور الأدب والشعر. ختامًا تمنياتي لكم بكل التوفيق والنجاح”.


الشاعرة والكاتبة جنان اسماعيل سعيد

“كتبتم عن أقلام الإرادة في صفحات مجلة “الضّحى”، وكان المقال قنديل الفرح لتلك الإرادة، وكان الضوء لذاك الظلام الكامن في هذا العالم… نعم إنّها رسالة “الضحى” لأنّها كُتبَتْ عن تحدّي النقص لترك بصمة في تلك القلوب علّها تحيا بالروح والرّجاء العظيم، وكتبَتْ عن شاباتٍ تضحّي بأقلام الحب والإبداع للحدّ من تلك”النظرات المعوّقة” فيغدو الإنسان كاملًا بها. شكرًا لالتفاتة مجلة “الضحى”، إنّها حقًّا صرخة من الروح منحتنا بلسمًا وقوّةً أكبر…بوركت أناملكم المبدعة ودمتم رمزًا لنبض الرسالة ونور الأمل”.


الشاعرة تغريد يوسف ضو

“رُبَّ أشخاص تجمعك بهم الصّدفة فترتقي بمعرفتهم لتجاور الأنجم… ألف شكر للقيّمين على مجلة “الضحى” الذين أوجدوا في جدار الظلمة كوّة من نور. تحيَّة من القلب لكم جميعًا”.


الفنانة التشكيلية هيفاء سليم معضاد

“كلَّ الشكر والتقدير لمجلة “الضحى” التي ألقت الضوء على مسيرتي المتواضعة، والأهم من ذلك أنّها تؤمن بإرادة المرأة اللبنانية وقدراتها…شكرًا على مواكبتي وتشجيعي ودعمي… وإلى مزيدٍ من التألُّق والتميُّز”.

اعتناقُ التَّميّزِ

عندما ننظر بتمعُّن شديد وعبر مراجعة استراتيجيّة لواقع منظّماتنا العربية تحديداً، نجد أنّنا بحاجة لعملية استراتيجية متكاملة من عملية المراجعة الدقيقة للظروف التي توقف عملية التوجّه المتسارع؛ ليس فحسب لمواكبة التطوّرات العالميّة في العلوم والمعارف والنهضة، بل والمنافسة في تلك العملية وصولاً للرّيادة والتّتويج الحضاري.

إنّ من أبرز سمات التطوّرات الرّاهنة الحالية هي تنامي التطورات في المعارف الإنسانيّة، وما ترتب على ذلك من تبنّي ثقافة التغيير المستمر في أساليب أداء الأعمال، لمواجهة الطموحات المتنامية للمؤسسات بأعلى درجات ومعايير الجَوْدة الشاملة، الأمر الذي يستوجب على قيادة المؤسسات العربية أن تقوم بعمليات سريعة من أجل التحليل والتطوير المستمر، وإعادة هندسة نُظُم الأعمال القائمة ونماذجها، إضافة للتنمية المستمرة للموارد البشرية، لمواجهة عمليات التّحسين والتطوير والتكيف مع التحديات الواقعة، ولن يتأتّى ذلك إلا بالتوجّه نحو التميُّز كأسلوب حياة. وهكذا نجد أنّ اعتناق التميُّز ضرورة من ضرورات التطوير الإداري في مؤسساتنا العربية لرفع مستويات الأداء والكفاءة من خلال توافر مقومات عدّة أهمّها توافر الخطط الاستراتيجية، ووجود منظومة متكاملة من السياسات التي تحكم وتنظّم عمل مؤسّساتنا، واعتماد المرونة، والعمل وفق نظام متطوّر للجَوْدة، نظام متطوّر لتنمية الموارد البشرية.
إن تَبنّي التميُّز كأسلوب حياة هو بمثابة منارة الخلاص من كلّ الأزمات والأمراض التي تعصف بمنظّماتنا العربية، لنصل إلى مرحلة النهوض الحقيقية وتخطي الصعوبات وإحداث تفوّق وتطوير في الأداء للوصول إلى القدرة على البقاء والمنافسة في بيئة تتحول فيها الأساليب والاستراتيجيّات وتتطوّر التكنولوجيا وتتغيّر فيها العمليات بسرعة.

عندما ترتقي الأمم وتعتلي منصّات التّتويج الحضاري في مختلف ميادين الحياة؛ نعرف جيداً لحظتها أنّ هناك منظومة عمل متكاملة، أسّست لهذا التميّز كأسلوب حياة، وبذلت جُهداً نوعيّاً احترافيّاً في ميادين العلوم المختلفة وعبر عمل متواصل وجهد مخطّط دقيق. إننا نقصد باعتناق التميّز كأسلوب حياة في المؤسّسات العربيّة هو الوصول لحالة من التفرّد والتفوّق في مجال العمل وظهوره بالصّورة التي تميّز المنظمة وتُبرزها وتُعلي شأنها بالنسبة للمنظّمات الأخرى، وهذا الأمر يحتاج إلى توافر مقوّمات رئيسيّة ضمن هذه العملية الهامّة، حيث إنّ وجود تنظيم فعّال تسوده روح الفريق، والابتكار، والمبادأة، والمنافسة بحيث يشعر كل فرد من الأفراد العاملين بأنّ المنظّمة مُلكًا له. إنّ هذا الشعور يدفع العاملين إلى بذل طاقاتهم وجهودهم كافة وإعطاء كلَّ ما لديهم من أجل تميُّز المؤسّسات وتفوّقها.

إنّ هذا المنظور الشامل يجب أن يدفع مؤسّساتنا العربيّة إلى الارتقاء بمستوى أدائها لتمكينها من مواكبة التطورات المتلاحقة، وتعزيز قدراتها على تطبيق مفاهيم إدارية حديثة تشجع روح الإبداع وإطلاق المَلَكات والقُدرات لبناء ودعم استراتيجية التميّز كأسلوب ومنهج حياة متكامل، حتى يتم إحداث نقلة نوعيّة وحقيقيّة في مستوى أداء تلك المنظمات، من خلال توفير حافز معنوي وظروف عمل تشجّع التعاون البنّاء وروح المنافسة الإيجابيّة في القطاعات المختلفة، ونشر مفاهيم التميّز والإبداع في مختلف النواحي والجوانب، وتحسين الإنتاجية ورفع الكفاءة وترشيد الإنفاق وتقديم خدمات عالية المستوى. عبر هذه الرّؤية تتّجه مؤسساتنا العربية إلى السير على خُطى الرّيادة والمنافسة والنهضة وصولاً إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر فضاءات التميّز والإبداع، كذلك سعيها إلى استكشاف الطاقات الإبداعية، ودعم الأفكار والمشاريع الخلاّقة، وتكريم المتميّزين، وإبراز النماذج المُشَرّفة، ما من شأنه تعميم الفائدة ونشر ثقافة التميّز كأسلوب حياة.

إنّ تبنّي فلسفة التميّز كأسلوب حياة هو استجابة منطقيّة للعديد من التغيّرات الاجتماعية والثقافية والسياسيّة والاقتصاديّة والتقنيّة والتي فرضتها التحدّيات الداخليّة والخارجيّة للواقع المعاصر، حتى يتمّ تعزيز القدرات التنافسيّة ومواكبة المستجدّات والتطوّرات العالميّة في القيادة والتخطيط وتحسين جَوْدة الخدمات والموارد البشريّة، إنّه الاختيار المهمُّ الذي لا بدَّ منه لمواجهة تحدّيات البيئة الرّاهنة.

الانتدابُ الفَرنسيّ وحلُّ المسألة السوريّة

حاول اللّبنانيّون الانفصاليّون، قطع الطريق على أيّ اتّفاق سوري فرنسي يعيد الأقضية الأربعة للسّيادة السوريّة، فبادروا إلى طرح مشروع دستور على المجلس التشريعي، فيه تثبيت لحدود لبنان كما أقرّتها سلطة الانتداب زمن الجنرال غورو، فطلبت الحكومة السوريّة من المفوّض السامي عدم الموافقة على الدستور، لحين انتهاء المفاوضات بين لبنان وسورية حول الحدود المُشترَكة بين البلدين، ولمّا وافق على ذلك الطلب، ثار اللّبنانيون عليه، فتراجع ونشر الدستور اللبناني المُقدَّم في ١٩٢٦.  لقد أدّى نشر الدستور اللبناني إلى استياء السورييِّن، فعادت الثورة واشتدّت في جبل الدروز، وامتدّت إلى باقي المناطق السورية.  استقال وزراء الكتلة الوطنية الثلاثة، فجرى اعتقالهم وإرسالهم إلى المنفى.  لم يستطع المفوّض السامي تقديم تنازلات للحركة الوطنية السورية، بسبب تعنُّت الحكومة اليمينية في فرنسا، التي رفضت الاعتراف بأنَّ الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان مؤقَّتاً، فلجأت الكتلة الوطنية مُمثّلة بالأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري إلى تدويل المسألة السورية عن طريق توجيه مذكّرة إلى لجنة الانتداب في جنيف في ٧ حزيران، لم تلقَ تلك المذكّرة استجابة لدى عصبة الأُمم.  غير أنَّ تغيّر المُعطيات الدوليّة بعد ذلك التاريخ نتيجة تداعيات الحرب العالميَّة الأولى على العلاقات الدولية، ومُناخات الأزمة القادمة على أوروبا، جعلت حكومة باريس تقبل التفاوض في جنيف مع الأمير شكيب أرسلان وميشال لطف الله وإحسان الجابري، لوضع حدٍّ للثورة السورية، ولكن المفاوضات ما لبثت أن فشلت بضغط من اللّوبي الاستعماري في فرنسا، فقدَّم المفوض السامي دي جنوفنيل استقالته، وخلفه في منصبه هنري بونسو، الذي كانت في مقدَّمة أولويَّاته القضاء على الثَّورة السوريّة، وإيجاد حل للمسألة السورية في ضوء مصالح فرنسا في سورية ولبنان(١).

وبين عامي (١٩٢٦-١٩٣٦)، كانت السياسة الفرنسيّة يتنازع موقفَها من حلِّ المسألة السورية رؤيتان: الأولى – تُمثِّل وجهة الحكومات اليمينية، والتي عبَّر عنها بوضوح مندوب المفوَّض السامي في دمشق (بيار أليب).  والثانية – وجهة نظر فريق المعتدلين ممثّله بالكولونيل كاترو رئيس دائرة الاستخبارات.  وقد وقف الأوّل موقفا “معارضاً” من السياسة التي كانت الحكومة الفرنسية قد رسمتها، بإقامة نظام ديمقراطي تمثيلي في البلاد، مُعتبِراً أنَّ الشعب السوري الذي خسر الحرب، لا يستحق منحه فرصة لكسب السلام، بل كان يدعو إلى استعمال القوَّة في إخضاع رجال الحركة الوطنية أو كسبهم عن طريق المال والوظائف.  أمّا وجهة نظر الفريق المعتدل فكانت تقول بأنّ فرنسا قد أضاعت على نفسها فرصة نادرة لكسب سورية يوم ميسلون لو أنَّها لم تدخل دمشق حرباً؛ وتبنَّت مواقف الاتّجاه السوري الوحدوي، عندها كان من المُمكن تحقيق الوحدة السوريّة لمصلحة فرنسا، ويكون احتلال دمشق عملاً “تحريريًّا”(٢).

هنري بونسو

تبنَّى المفوّض السامي الجديد بونسو وجهة النّظر الثانية، ونقلها معه إلى باريس. تجاوبت الحكومة الفرنسيّة معها، وفوّضته في أوائل ١٩٢٧، لوضع معاهدة تحالف مع سورية، وكان لتلك المساعي أثر طيِّب لدى السورييِّن فتوقفت الثورة المسلّحة. وكُلِّف الشيخ تاج الدين الحسني (١٥ شباط ١٩٢٨) بتأليف حكومة مؤقَّتة، لانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستوراً للبلاد، كما أصدر بونسو عفواً عن بعض السياسيين، وقام بإلغاء حالة الطوارئ، وقد جرت الانتخابات فعلاً، وفاز بها رجال الكتلة الوطنية (٣). وفي ٩ حزيران، اجتمع المجلس التأسيسي السوري، ووضعت اللَّجنة المختصَّة برئاسة إبراهيم هنانو، مشروع الدّستور، مُعْلنة أنَّ سورية دولة مستقلّة وذات نظام جمهوري، وأنّ الأمّة وحدها هي مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية.  وقد نصَّ المشروع على مادّة تؤكّد بأن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزّأ، ولا عبرة لكلّ تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب؛ الأمر الذي أثار احتجاج اللبنانييِّن، فاغتنم المفوَّض السامي الفرصة طالباً تعديلها وإلغاء خمس مواد أُخرى تتعارض مع نظام الانتداب، وردَّ أعضاء المجلس بأنّ وضع الدستور هو من حقِّهم وحدهم.

اقترح المفوَّض السامي حلًّا وسطاً على هاشم الأتاسي بالنّص على أنَّ أحكام هذا الدستور لا يجوز أن تخالف التعهُّدات التي قطعتها فرنسا على نفسها، فرفض السوريون هذا الاقتراح، وطلب رجال الكتلة الوطنيَّة الإبقاء على الدستور كما هو عليه، والدخول في مفاوضات حول المعاهدة مع فرنسا.  رفض بونسو هذا الاقتراح، واتَّخذ قراراً في شباط ١٩٢٩ بتعليق اجتماعات المجلس التأسيسي، وقام بمعاونة حكومة الشيخ تاج الدين الحسني بوضع دستور جديد للبلاد جاعلاً من الانتداب السّلطة العليا، فقوبل باستياء شعبي شديد.

حمل الوضع المُضطرب في سورية ولبنان من سياسات الانتداب واقتراب خطر الحرب على أوروبا نتيجة صعود الحكومات الفاشية الحكومة الفرنسية على الطلب من مفوضها السامي دي مارتيل مفاوضة الأحزاب الوطنية في أمر إنهاء الانتداب، والتفاوض على معاهدة حول ذلك.

هاشم الأتاسي

في ٤ نيسان شُكِّل الوفد السوري المفاوض برئاسة هاشم الأتاسي.  كان هناك اتفاق حول كلّ المسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلّا أنّه كان هناك خلاف حول مسألة الأقلِّيّات، إذ أصرّ الفرنسيّون على ادّعاء حمايتها، ورفض السوريون الاعتراف بهذا الحق، وكادت المفاوضات أن تفشل لولا صعود وفوز الجبهة الشعبيَّة وتشكيلها الحكومة الفرنسية الجديدة، والتي قبلت التوقيع على نصّ المعاهدة في أيلول ١٩٣٦.  اعترفت فرنسا بموجبها باستقلال سورية ووحدة أراضيها؛ الأمر الذي شجّع اللبنانييّن على المطالبة بإنهاء الانتداب، بموجب معاهدة مُماثلة مع فرنسا، وانتهت المفاوضات بين الجانبين، بالتوقيع على المعاهدة في بيروت بتاريخ ١٣ تشرين الثاني سنة ١٩٣٦. استغلَّت تركيا مناسبة إعلان فرنسا عزمها على إنهاء الانتداب على سورية لمطالبتها بإعلان استقلال لواء اسكندرون، بمذكّرة صادرة عنها بتاريخ ١٧ تشرين الثاني ١٩٣٦، ولمّا لم تلقَ تجاوباً، لجأت إلى عُصبة الأُمم، وقد لقيت هناك دعم بريطانيا التي كانت حريصة على استرضاء الأتراك مع اقتراب نُذُر الحرب على أوروبا، فتمَّ الضغط من قبلها على الحكومة الفرنسية، لقبول التفاوض مع الأتراك حول لواء اسكندرونة.  كانت مزاعم تركيا باطلة في كل الأوجه، ورغم ذلك رضخت فرنسا لضغوط حليفتها بريطانيا، ووافقت على إعادة تعديل الحدود بين سورية وتركيا (٤).

لم تصادق فرنسا على اتّفاقية ١٩٣٦، لتحلّ المعاهدة محلّ الانتداب برغم مضي مهلة الثلاث سنوات المنصوص عليها في المعاهدة، بسبب المعارضة البرلمانية اليمينية للاتفاقيّة؛ الأمر الذي منع الحكومة الفرنسيَّة من تقديمها إلى البرلمان والمصادقة عليها، وحين فقد الاشتراكي ليون بلوم السلطة سنة ١٩٣٧، هاجم اللوبي الاستعماري الاتفاقية، إذ كانت الرّغبة الفرنسيّة بالبقاء في سورية أقوى من الخروج منها، أوّلاً: حمايةً لمصالحها الاقتصادية، وثانياً؛ لمنع انتشار العروبة إلى شمال أفريقيا.

وبين عامي (١٩٣٦ – ١٩٣٩) أثارت التعديلات التي قبل بها رئيس مجلس الوزراء جميل مردم على معاهدة ١٩٣٦ خلافات شديدة داخل حزب الكتلة الوطنية من ناحية، وأدَّت إلى صراعات حادَّة داخل الحركة الاستقلاليَّة في سورية بين حزب الكتلة الوطنية بقيادة جميل مردم، وحزب الشعب بقيادة عبد الرحمن الشهبندر من ناحية أخرى انتهت باغتيال الدكتور الشهبندر في ٦ تموز ١٩٤٠ بدمشق (٥).

كان لاندلاع الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ نتائج عميقة على مصير سورية، فالحرب غيّرت البلد، إذ مهَّدت الطريق أمام الاستقلال عن فرنسا.  وقد سمح الحضور البريطاني القوي فيها أثناء الحرب، بترك هامش مناورة أمام الحركة الاستقلاليّة، عدَّل في ميزان الصّراع مع فرنسا لمصلحتها.

أدّت هزيمة فرنسا واحتلال باريس سنة ١٩٤٠ من قِبَل ألمانيا، وتعيين الجنرال إنري دنيتز الموالي لحكومة فيشي مندوباً سامياً على سورية ولبنان، وتقديمه الدّعم لألمانيا أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني ضدّ بريطانيا في العراق عام ١٩٤١، إلى احتلال سورية من قبل القوّات البريطانيّة بالاشتراك مع قوّات فرنسا الحرّة، الأمر الذي صعَّد العداء بين الطّرفين؛ حيث كانت بريطانيا تصرُّ على أن تمنح فرنسا سورية استقلالها، بينما الجنرال ديغول كان يريد البقاء فيها، واستعادة فرنسا مكانتها العالميّة كقوّة استعماريَّة.

بعد تحرير فرنسا سنة ١٩٤٤، حاولت الضغط على سورية ولبنان للتوقيع على معاهدات معها، فلمّا قوبل طلبها بالرّفض، حرّكت قوَّاتها الخاصة الأمر الذي فجَّر التظاهرات في دمشق وبيروت وانتشرت الأعمال المُناهضة للفرنسييِّن في جميع مناطق سورية، فردَّ الفرنسيُّون على ذلك بقصف مدينة دمشق وتدمير البرلمان السوري في ٢٩ أيار عام ١٩٤٥، ونتيجة الضّغوط الدوليّة على فرنسا، انسحبت القوَّات الفرنسية من سورية في ربيع ١٩٤٦، وما أن حلَّ شهر آب حتى انسحب الفرنسيُّون من لبنان.


المراجع:
  1. ستيفن لونغريغ، تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة ص٢١٨ – ٢٢٤.
  2. عادل إسماعيل، السياسات الدوليّة، ج٥، ص117 – ١٢١.
  3. ستفين لونغريغ، تاريخ سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة، ص ٢٣٠.
  4. د.حسام النايف، لواء اسكندرون، حكاية وطن سُلِب عنوة، وزارة الثقافة السورية، ص١١٨.
  5. فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص٦٢٣ – ٦٤١.

فاجعة ظهر البيدر

حطّت بنا الطائرة القادمة من الرّياض في مطار دمشق، لأنّ مطار بيروت كان قد توقّف عن العمل بعد اجتياح العدوّ الصّهيوني في 5 حزيران عام1982. ركبت في تاكسي Volvo، باتجاه بيتي في رأس المتن – لبنان. وبقيت الأمور عاديّة حتى اقتربنا من الحدود، بعدها صرنا نسير على بساط ثلجي عادي حتى وصلنا شتورة.

كان الشاب السوري السائق لطيفاً معي، فتوقّف في استراحة حيث أكلنا وشربنا. ونحن نصعد سيارة الـ Volvo، توقّف بجانبنا سائق تاكسي لبناني يقود سيارة مرسيدس 180 وقال: «بدأت الطريق في ظهر البيدر مستحيلة على السيارات غير المجهزة بالسلاسل المعدنية… بصعوبة وصلنا.أنا ذاهب إلى الشام… فلنكسب الوقت ونتبادل الركاب». رد الشابّ: «الأخ رفيق مكارم مسؤوليّتي… كما يقرّر هو، يذهب معك، ينام في فندق هنا، أو يعود معي لدمشق». وكان عبد الحليم، صاحب التاكسي اللبناني مُقنعاً بكلامه وصراخه، فأقنعني وسلكنا إلى ظهر البيدر، على أمل الوصول إلى رأس المتن. لكن هدوء السائق السوري عوّضه عبد الحليم بصراخه وأخباره ومسجلته العتيقة الأغاني… كان يبتسم ويقطع الكلام عندما افتح النافذة وأجلب الثلج عن الزجاج، حتى وصلنا ظهر البيدر بصعوبة. آخر «طلوعات ظهر البيدر» كان هناك حاجز للجيش السوري (مكان حاجز الدرك اليوم)، لا وجود للعسكر اللبنانيين يومذاك إلاّ في بيروت الغربية حيث قوات المارينز الأميركيين وقوات متعددة الجنسيات.

ما أن وصلنا الحاجز حتى تباطأ سير السيارات وزادت سماكة الثلج، ورأيت جدراناً بيضاء خلّفتها الجرافة خلفها. وعندما فتح عبد الحليم نافذته عرفنا مدى اشتداد العاصفة. وبطريقته البيروتية، سأل عبد الحليم العسكري على الحاجز: ماذا يحصل؟ أفاده الجندي، أنتم تسيرون خلف الجرافة وهي بطيئة، والعاصفة اشتدت وتتراكم الثلوج بسرعة، عودوا إلى شتورة أفضل. لكنّنا أكملنا حتى توقفت الجرافة. لا نعرف لماذا، وتوقف السير. انتظرنا دون جدوى، ثمّ خرجنا من السيارات لنكتشف أنّنا في الجحيم.

كنّا بصعوبة نتنفّس، ابْيَضَّ شارباي من تراكم الثلج، وتجمّد، رذاذ الثلج كالملح في العيون، والرؤية لا تتعدى المتر الواحد. تمسكت بشاحنة متوقِّفة، كانت العاصفة تسحبني بقوّة فلم أستطع.

بصعوبة أدرنا السيارة باتجاه شتورة لنعود، وكلّمنا الشباب على الأرض ليتبعونا… صعُب عليهم برم السيارات بالاتّجاه المعاكس لسيارتنا المجنزرة

أكملنا… وأمامنا سيارتان فقط… وقبل أن تنعدم الرؤية شاهدت السيارات باتجاه حمّانا إلى مسافة بعيدة خلف الجرافة… كنّا على وشك الخلاص لولا أنّ سيارة جيب تجاوزتنا بسرعة، فجأة توقفنا، وإذا بالجيب المدني ينقلب في عرض الطريق (وصاحبه نجيب من ظهور الشوير). حاولنا مع الشباب إعادته، لكن العاصفة كادت تحملنا ولا قوّة لدينا من شدة البرد، فعدنا إلى السيّارات، وإلى الشوفاج ليخفّف عنّا حدّة البرد. سلّمنا أمرنا لله، لأنّ الثلج، وبسرعة البرق، وخلال دقائق، كان يعلو ويعلو دون توقّف. حاولت فتح الباب عند المساء فلم يفتح، ونصحني عبد الحليم ألَّا أحاول الخروج إلى المجهول لأنّنا لا نعرف أين نحن، وقد ضاعت المعالم بانعدام الرّؤية وسرعة العاصفة وصفيرها، وهذا الملح إنَّه الموت والجحيم في الخارج.

كان الدعاء السبيل الوحيد لي ولعبد الحليم… بعد ما غطى الثلج باب السيارة حتى الزجاج. وبكى العجوز عبد الحليم لمّا أخبرته أنّي قادم لأرى أبي وهو على شفير الموت، وأني طُرِدت من عملي لأجل هذا، وقد توسّطت حتى وجدت مقعداً لي في الطائرة. قال: من اتّكل على الله حق الاتكال فهو حسبه.

كان الثلج يلتصق كالقطن بالزجاج، وكلما أطفأ السائق محرّك السيارة ليوفّر البنزين لأجل الشوفاج كنت أفتحه قليلاً فأسمع الصّفير ولا أحسّ بشيء من الدفء.
فجأة ضرب شيءٌ ما بقوة على الزّجاج. فتحته قليلاً، فإذا الطارق «أخمص كلاشنكوف بيد جندي سوري!». قال وهو يهتزّ من برد وعنف العاصفة: اخرجوا كي لا تموتوا في السيارة. قلت أنا: «إلى أين؟» قال إلى المركز قريب من هنا… هيّا… لا وقت لدينا… ستُطمَرُ السيارات بالثلج قريباً… يلْلَا… وأمرني: افتح الشباك لنسحبك… سحبوني، وبقي عبد الحليم ينتظر الفرج. اقولها للأمانة وللتاريخ، إنّ ركّاباً كُثُر في أكثر من مئة سيارة رفضوا الخروج مع الجيش العربي السوري إلى برِّ الأمان، وخصوصاً ممّن كانوا يصطحبون معهم النساء!

وصلت المركز، وتعرّفت على أشرف إنسان، الضابط رياض من حلب. شكي لي سوء العاصفة وسوء هذا الشّعب اللبناني العنيد. بعد أكثر من ساعة كان الشبح الأبيض يغزو الأرض بسرعة… إلى جانب (الصوبيا) جلس الضابط رياض خلف طاولة يخابر قادته، ومعه جنديّان، لم يلبث أن أمرهما بالخروج إلى السيّارات ليعملا على سحب العالقين من جديد، ولمّا عادا، قالا: «تكاد تتغطى السيارات الصّغيرة… وتختنق الناس». وقف الضابط مستنفَراً، وقال: «خذوا الشباب وجيبوهم بالقوّة…». ولما خرجوا وهو بحالة جنون، وبدا أنّ عنده خبرة بهذا المجال، قال لي: «الحريم الغائبات عن الوعي أنت دلّكهنّ ليوعوا.. ما بسلّمهن للعسكر…». وبدأوا يسحبون العالقين في السيارات، وُضِعت النّساء في الطابق الأرضي والرجال إلى الطابق السفلي، ما عدا السفير الياباني وكان قد فارق الحياة، فقال شوفوه ولكنّه كان قد مات رافضاً المجيء، وجاء سائقه الأرمني مع العسكر…

بعضهم لم يحضروا، سيدة واحدة كانت بوعيها، وأخريات كُنَّ على حافّة الموت بحيث يغفو الشخص المتجلّد ويموت بهدوء… وأحضروا بين من أحضروا رجلاً ميتاً عرفت لاحقاً أنّه من آل شيّا. أمّا النّساءُ فقد كانت الصدمة تعتريهنّ عندما يفِقْنَ… الطفل يصحو بسرعة، ثم المرأة أمّا الشاب الذي أتعبني فكان نجيب صاحب الجَيْب، كذلك أتعبني طفل حتى صَحَت جدّته عرفناه من آل الأعور من بلدة قبَّيْع، والصبايا لم أتعرّف عليهنّ إلّا نايفة الاشتراكيّة من صور… وساعدنا أيضاً والد الطفل، حيث كلّمه الضابط رياض… وفي ليل اليوم التالي أرسلوا الزَّحافة الليبيّة فحملت النّساء، وأنا بعد أن مشيت باتجاه المرَيجات مع اثنين من عناصر الجيش اللبناني… ولحسن الحظ لأني كنت سأنازع الموت على الطريق… لم أتُهْ رغم أنّ المنظر كان واحداً بحيث لا ترى إلّا أمامك ….القِصّة طويلة وأنا اختصر.

لم أعرف مصير الرجال الذين نَجَوْا في المركز، ولمّا قال أحدهم للرّجال: انزلوا، سألته أين نحن قال في المرَيجات. هدأت العاصفة بعد خمسة أيام أمضيتها عند آل المصري. عدت ماشيا مع الناس إلى حمّانا ونقلني إلى رأس المتن جيب لشخص من آل بلّوط فوصلت البيت حاملاً جواز السفر فقط. ولمّا أخبرت الناس أنّني مشيت على سطح الكميونات وأعمدة الهاتف، لا سيما في «المناسف»، لم يصدقوني! وبسرعة انتشرت الأخبار حول ما فعلته العاصفة، وكان ضحاياها نحو المئة… وبعد 23 يوماً عدت لأشكر الجماعة في المرَيجات وكذلك الضابط رياض في ظهر البيدر. كانت الجرافة قد جرفت السيارات على خط واحد إلى الوادي مع الثلوج… وكان فوق سطح البوسطة الكبيرة على الخط الثاني حوالي المتر من الثلوج، ومشينا في خندق بين الثلوج تعلو أكثر من ثلاثة أمتار من كل جانب.

الحمد لله نجونا… وألف شكر للضابط رياض من حلب… إذا وصله شكري وأفراد الجيش من رفاقه… وأهلنا آل المصري في المريجات.

مأثرة الشيخ سعيد هزّاع غانم

كان آل غانم من العائلات التي هجرت لبنان في أعقاب النّصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوطّنت في خربة المشنّف الواقعة على أقصى الكتف الشرقي من مرتفعات جبل حوران المطلة بشموخ إلى الشرق على سهوب بادية الشام المترامية قبالة قممها..
وفي ذات عام من ذلك الزمن الذي يعود إلى نحو مئة سنةٍ ونيِّف؛ كان الشيخ سعيد هزاع غانم وهو أحد أهالي تلك القرية ذات الشتاء القارس البرودة (على ارتفاع 1530 م فوق سطح البحر) يتجوّل في الاراضي الواقعة إلى الغرب من المشنّف، كان همّه جمع ما يمكنه من فروع الأشجار اليابسة والحطب يخزنها للتدفئة في فصل الشتاء.

عند مرور الشيخ هزّاع بجانب رسوم هي بقايا مخيّم ومَراح لبدو مُرتَحلين (موقع كان البدو ينصبون فيه خيامهم ويأوون مواشيهم فيه)، سمع الشيخ الدّرزي أنينًا وبكاءً لأطفال صغار، فأخذته الدّهشة إذ لا أثر ظاهرًا لسكان ما. فتوجّه نحو جهة الصوت، وهو يتلفّت حوله حذرًا، اقترب أكثر، شاهد أطمارًا من قماش رثٍّ ملقًى على ما يبدو أنه أجساد آدمية لأطفال صغار، كان البكاء والأنين الموجع يصدر من تحت الأطمار. ترجّل الرجل عن دابته، واقترب متوجّسًا يتحرّى المكان، رفع الغطاء وإذ بثلاثة أطفال شبه عراة، ولد وابنتان؛ كان ذووهم قد ترحّلوا إلى الحماد الاردنيّة جنوبًا وتركوهم في المراح المهجور.

كان الصغار قد أصيبوا بمرض الجُدَرِي، ومن عادة البدو في تلك الأيّام أن يتركوا المريض الميؤوس من شفائه أكان كبيرًا أم صغيراً في المراح ويهربون بعيدًا خوفًا من العدوى، بعد أن يضعوا لهم ماءً وزادًا، وقد يعهدون بالمريض إذا كان عزيزًا إلى إحدى العجائز لتعنى بأمره ريثما يشفى أو يموت.
كان الصغار بحال متردّية من المرض والهُزال. لم يتريّث الشيخ، بل ترك كلّ ما جمعه من حطب وشيح أرضًا، ولفّ الصّغار بالأطمار، حملهم في عينتي خُرْجْ على الدّابّة وعاد إلى القرية مُسرعًا قبل أن يدركه غروب الشمس في تلك البريّة الموحشة التي قارب أن يدهمها الليل الجبليّ القارس البرد.
وصل الشيخ إلى القرية عند الغروب، ولم يَخْفَ أمره على الجيران القلائل الذين سكنوا القرية حديثًا. لاقته زوجته قائلة: ما هذا، ومن أين أتيت بهم؟، فسرد لها القصة وطلب منها أن تؤمّن للصغار مكانًا مناسبًا في زاوية من الغرفة التي تؤويهم. بحيث لا يكونون على مقربة من ولديهما الصغيرين.
فرشت السيدة للصغار فراشًا مدّدتهم عليه بعدما استعانت بالجيران الذين قدّموا لها ما يلزم من ملابس من حاجات صغارهم لستر عريهم، وأوقدت نارًا لتدفئة الأجساد النّاحلة التي هدّها المرض الوبيل، لكنّ بعض الجيران تخوّفوا من العدوى بعد أن لاحظوا نوع المرض الذي كان يرعب الناس في ذلك الزّمن حيث لا أدوية ناجعة في تلك الفترة.

اصرّ الشيخ سعيد على رعاية الأطفال ومداواتهم ولم يكن هناك من علاج متوفّر سوى النظافة القصوى وغَلْيِ الملابس والقَطِران وزهر الكبريت ورُقى الكتاب الكريم، ولم يلبث الصّغار طويلا حتى رُدَّت العافية إليهم على الرّغم من قلّة الموارد التي كانت تحاصر حياة الناس في بيئة يغلب عليها طابع الحرب وتكاد تكون منقطعة عن الحضارة في ذلك الزمن. مرت أعوام على قصّة الصغار،
وكانوا قد كبروا؛ فالولد بلغ نحو الرابعة عشرة، (كان الشيخ سعيد قد أسماه “زعل”) وحمّله كنية العائلة (زعل غانم) وذلك لشدّة (زعله) من ذويه الذين تركوه والطفلتين فريسة للوحوش والموت لمحتّم لولا أن تداركهم الله برحمته على يده، (اسم “زعل” هو اسم بدوي شائع)، وأعمار البنتين ضحاء وغبون 12 و11 سنة.

مع كرور الأيام تناقلت الرّكبان أخبار قصّة الشيخ سعيد وإنقاذه صغار البدو عبر البوادي، فوصل ذووهم بعد أن علموا بذلك إلى المشنّف. استقبلهم الشيخ سعيد غانم وكانت الديار قد عُمّرَت، والقرية توسّعت، وصارت أكثر أمنا ومنعة، فأنزلهم في مضافته. وبعد مداولة، تمّ التأكّد من وقائع المكان يوم الرحيل عنه ومن علامات العرافة والتحقّق من صلة الصغار بنسب ذويهم، أدرك الشيخ مطلب ضيوفه، فدعا وجهاء أهل القرية ليشهدوا على الفصل في حادثة ندرت مثيلاتها بين بدو وحضر، وبعد مداولة مع أقاربه من آل غانم قال الشيخ سعيد لضيوفه: ” نحن قمنا بواجبنا بما يرضي وجه الله، وما تمليه علينا قيمنا الأخلاقيّة وديننا… بما يخصّ البنتين هما عرضكم، وهما لكم، ومن حقكم ويمكنكم أن تأخذونهما معكم.

أمّا الولد “زعل”، فقد أصبح غُلامًا لديه قدر من الوعي، لذا فله حرّيّة الاختيار، إن أراد الذهاب معكم فبرعاية الله وله الحق بذلك، وإن أراد البقاء بيننا فهو مرحّبٌ به إذ أصبح من أهل البيت”.
وبعد سؤال زعل رأيه في الذهاب مع قومه أو البقاء بين الغوانم قال موجّهًا كلامه الى أهله: ” إنّكم تركتمونا للوحوش في العراء شبه عُراة، أمّا أبي؛ وأشار إلى الشيخ سعيد، فهو الذي أنقذنا وكسانا وأطعمنا وربّانا…”.
بموقفه هذا قرر زعل البقاء بين الأهل في المشنّف، ورضي آل البصيبص ذووه بقراره، ورحلوا حاملين الفتاتين، وبقي زعل في القرية والقليل من ناسها يعرف أنّه زعل البصيبص، بل هو عندهم “زعل غانم”، وعاش عمرًا مديدًا بلغ ستّة وثمانين عامًا، قضاها مع أبناء القرية التي نمت وتوسّعت حتّى أصبحت بلدة ومركز ناحية، وكان مُكَرّمًا كأيّ فرد من أهاليها، وتوفِّي في أوائل سبعينيّات القرن الماضي حيث كان في زيارة لعشيرته.

وعند وفاته ذهب الشيخ المرحوم حسن بن سعيد غانم ابن الشيخ سعيد هزاع غانم إلى عشيرة زعل (البصيبص) برفقة فريق من آل غانم، عزّاهم وشهد بما كان لزعل من صفات ومزايا طيّبة حيث كان مثالًا في حسن المسلك. أمّا ذووه فقد أجابوا بأن صفات زعل ومزاياه هي من زرع آل غانم وطيبهم… وشكروا لهم إنقاذهم للصغار في الماضي، وقد نظم أحد شعراء الجبل هذه القصيدة يصف الحالة كما تخيّلها، يقول:

قــــال الذي بِمْشاهَدِ الحال محــــزونْ

سَعيد بــــنْ هـــزاع المْكنَّـــا بِغانـمْ

بالبرّ رُحنـــا نِقطعِ السّهلْ وحْزونْ(1)

غَــــرْبِ المشنـفْ مَنْبت الشيحْ دايم

أَمْـــــرٍ جرى لَيْعَوّمِ القلب بِغبـُونْ(2)

 لــولا العزيمــة مـا اسْعَفتني القَوايمْ

عَيِّل(3) مْلَـوَّع بالحيــــاة شبه مدفون

 مَـــرمي مــع بنتيـن شبـه الحطايــم

ثـــلاثـةٍ للــرّيـــحْ والـبـــردْ يبـــكـون

 بديـــرةٍ قَـفْرة بـــها الـوحشْ حـــايم

يــــــابُعْد اَهَلْهم يـوم راحوايصرَخون

 فَرْش وغَطا أرض وسما مع سَقايم

وياويل أُمْ وْلادهـــا ما ينـــامـــــــون للطّيــر ويَّا الـــذّيب يغدوا غنـــــايم
حَمّـــــلْتهم بـالحال والدّمــــع مَـهتون  وْضَــمّيتـهم بـالقلـب ضمّ الحمــايـم
واَنـــــا لَحُبِّ الخيـر فاعـــل وممنون

 واَنـا لَــزِيم الحـــق عنـــد اللّزايـــم

 بــــالدار نــحمي كل قاصد ومغبون  نْعَذِّي الدَّخيل اِنْ كان بالـــدَّم عايــم
يـــوم الجمع ما بين طاعن ومطعـون إنْ مـــا حميتي الجـــار كوني هدايم
سَــــــوَّيتهم بَاهْلي وْوِلْـدي والعيـــون بايّام قَشْرَهْ، جُوعْ حَـــربٍ عظايـــم
عاشوا، شفـــاهم ربِّيْ حـــاكم الكــون واْكْسوا خَــوافـي رِيْشْهُـم والقـوايـم
مـــاهمَّني رفــــاقٍ عـليَّ يـــلومــــون رَبّيتـهم مــن خيــر رب الـعــوالـــم
مـــــن بعد مَـــرِّ سنين جونا يطلبـون قُــوْم البْصِيبِـص وِلْــدْهم للتّــــمايـم
اَعطيتهم بنتيـــن وضحا مـــع غْبـون وقلت لْـزَعَل خَلَّك علــى ما يـلايــم
قال زَعلْ والقــــول مــا يقبلْ ظْنــُون ما انتـم هَلِـيْ، أهلي دروز الغوانــم
سعيد غانم والدي يَا اللي تْنبُّـون (4) البْصيبص رماني رمي مثل السوايم
حُبّ الوفا أدعا زعل شبه مَرهــــون

للـــدّار وَاهْل الــدار ســيفٍ يْــقـاوم

وهكذا لم تزل هذه الحادثة أقصوصة خالدة في تراث الجبل الاجتماعي يتداولها الناس في مضافاتهم وبيوتهم …


(1) الحزون: المرتفعات.
(2) الغبون: الخسائر وما يترتب عليها من أحزان.
(3) عَيِّل: الطفل الصغير في لهجة البدو.
(4) تنبُّون: تخاطبون، لهجة بدويّة من نًبّأ، وهي لهجة يتقنها دروز الجبل.

الاقطاع العالمي الجديد ومزاعم الحرية

الاقطاع رقٌ مقنّعٌ يستعبد الناس، فيثورون ضده، فتتحقق لهم انتصارات، يتغنون بها، ويتباهون بها، من جيل إلى جيل، فتدخل إلى مدارس أطفالهم كمجد أورثه الأجداد للأبناء والأحفاد، وعبرة لهم أيضاً كي يثوروا ويكونوا أحراراً.
هذه هي الصورة التي أورثنا إياها عصر العلم والثورة التكنولوجية والرفاهية والترف والكماليات التي لا تعرف حداً عن معنى الثورة على الإقطاع الحرية.

ولكن هل حققت الثورات تلك الحرية للإنسان حقاً؟
هل الإنسان المعاصر اللاهث طوال حياته، مقطّع الأنفاس، حرّ فعلاً؟
وهل هو حرّ الآن ذلك الذي كسر في الماضي قيد الإقطاع؟
بل، هل زال حقاً ذلك الإقطاع المقيت الذي هزمه أباؤنا وأجدادنا؟
وهل نحن، أخيراً، أحرار اليوم أكثر مما كان أباؤنا وأجدادنا؟
باختصار، إن الاقطاع الذي حاربه الانسان في الماضي لا يزال مستمراً، وكلما خسر معركة غيّر من أساليبه، وزاد من قوته، وقسوته، ودهائه، فأعاد استعباد الإنسان الذي ثار عليه من قبل، وسخّره من جديد جندياً يحارب في معسكره ومن دون أن يدري.
الاقطاع القديم الذي كان بسيطاً، محلياً، في القرى والمناطق، يملك الأراضي ويعمل لديه الناس، تحوّا إلى إقطاع عالمي، راسخ، منظّم، بحماية القانون، يأخذ شكل شركات عابرة للقارات واستثمارات مالية كبرى ومصالح دولية وبنوك تفوق ميزانياتها عدة دول فقيرة مجتمعة، وشركات تصنّع السيّارات والطائرات والكومبيوترات والأفلام، فتعلن عن أرباحها الفصلية بالمليارات، فيصفّق الناس لها، وهم الذين يتغنون بمحاربة الاقطاع، ويدافعون عنها، حتى عن حروبها، أولئك الذين يزعمون أنهم أحرار وأنهم ثاروا يوماً على الإقطاع وتخلصوا منه.
هل الناس أحرار حقاً اليوم كما يزعمون، حتى في أرقى البلدان؟
لو ذهبنا إلى ما يسمّى (المول) ونظرنا إلى ما يعرضه من أصناف وأطياف لوجدنا أن ما يتجاوز تسعين بالمئة من المعروضات هي كماليات لا حاجة للناس بها، بينما هم يلهثون للحصول عليها، فيستدينون من البنوك، ويدفعون الفوائد العالية، وكأن الحرية والسعادة والجنة في هذه القشور، التي يمكن الاستغناء عنها بكل بساطة.
أصبح طبيعياً أن نشتري ثياباً جديدة دون أن نحتاج لها، ونبدّل سيارتنا لأجل الحصول على أخرى بها ميزات أكثر أو موديل آخر، وكذلك نبدّل الهاتف والتلفاز وألعاب الأطفال حتى أصبحنا نبدّل شريك حياتنا لأجل التغيير وكسر الملل، ونبدّل وجهنا ومعالمنا التي خلقها الله جلّ وعلا بعمليات جراحية تكلّف الملايينوسخّرنا لها الطب الذي وُجد أساساً لمعالجة المريض، فبتت الشهرة والمال لأطباء التجميل.
وندّعي مع ذلك الحرية والفهم والتطور ونندفع أكثر في ما نحن فيه ونخدم هذا الغول الذي يستهلكنا أكثر فأكثر.
ندّعي أننا نحافظ على البيئة وهذه الكماليات ومصانعها ووسائل نقلها وترويجها تتسبب بتلوث كبير وجهد لا معنى له إلا جمع المال. وهذا الذي أسموه إقتصاداً عالمياً وبورصة واعتمادات بنكية لا هدف أخير لها إلا خدمة شركات عملاقة وبنوك عالمية غدت هي الإقطاع الجديد تسخرنا جنوداً لها وتصوّر لنا عير الضجيج الإعلامي وغسل الأدمغة أن السعادة كلها في منتجاتها، فتسيطر عل عقولنا، وتجعلنا نسير كالقطيع في الاتجاه الذي يريده لنا هذا الاقطاع الجديد نجترّ فيه جهلنا ونتلذذ بطعمه.

وهاكم البنك الدولي، الإقطاعي الأكبر في عالم اليوم، يستعبد ويسترق دزلاً وشعوباً بأكملها تحت إسم المساعدة وحل مشكلاتها، فإذا المساعدات وتبقى المشكلات فتزداد وتتفاقم.
هذا الاقطاع الجديد خاطب غرائزنا وغذّاها، وحطّم عقولنا وأعماها، فسرنا معه على غير هدى، أرقّاء أذلاّء مستعبدين مخدوعين، نظنّ أننا أحرار ونحن عبيد شهواتنا ونزواتنا وغرائزنا ونسينا أننا نفس إنسانية خالدة من نور الله ، وأن هذا الجسد بما فيه من غريزة هو آلة هذه النفس، وجوادها الذي تستخدمه للوصول إلى كمالها، فجمحت بنا هذه الآلة وهذه الغرائز، وأوصلتنا إلى ما نحن فيهمتناسين قول المسيح عليه السلام: من لم تكن نفسه آمرة لجسده فجسده قبرٌ لها.

أما الإقطاع الحقيقي الذي يتحكم بنا والذي مكّن منا الإقطاع الدولي والعالمي فهو ضعفنا تجاه هذه الغرائز المادية وشهواتها التي لا تنتهي لأننا نغذّيها يومياً بالمزيد فيما وعينا نطمسه في كل حين بالإهمال والقطيعة عن الله. ذلك هو ما مكّن هذا الوحش الكبير الذي يسمى المال وهو الإقطاع الإكبر الذي كلما أكثرنا من جمعه كلما أكثر من استعبادنا. فإذا كنّا ثواراً بحق فلتكن الثورة في نفوسنا وعقولنا، فلا تغرننا هذه الحضارة المزيفة ولنبحث لا عن الكماليات التافهة بل عمّا يحرر عقولنا من جهلها، فنستنير بالهداية الحقيقية التي هي خلاصنا.

كميل بوغانم- أبو ظبي

الجريمة الاقتصادية وطابعها العابر للحدود في ظل العولمة والجريمة المعلوماتية

الجريمة الاقتصادية: مفاهيم متعددة وتعريف موحد غائب.
يقصد بالاجرام الاقتصادي والمالي في شكل عام كل وجه للاجرام غير العنفي الذي تكون نتيجته التسبب بخسارة مالية. وهو يغطي ويشمل شريحة واسعة من النشاطات غير القانونية ولا المشروعة بما فيها الغش، التهرب الضريبي وتبييض الاموال.] وهي تشمل الاعمال التالية:
1- الممارسات الاحتيالية القائمة على الغش والتدليس واستغلال الحالة الاقتصادية من قبل الشركات المتعددة الجنسيات.
2- اختلاس الاموال الممنوحة من قبل المنظمات الدولية.
3- جرائم المعلوماتية.
4- المنافسة او المزاحمة غير المشروعة.
5- الجرائم الجمركية.
6- الجرائم الماسة بالعملة والصرف.
7- الجرائم المصرفية والمتصلة بالبورصة.
الطبيعة الجديدة للجريمة الاقتصادية في عصر العولمة:
العولمة ظاهرة متميزة وهي لحظة جديدة في التاريخ البشري. ومن العوامل التي انجبت العولمة، الطفرة في تقنية الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل وشبكة الانترنت والتغيرات الجذرية في بنية العلاقات الدولية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الامر الذي ادى الى تفرد الولايات المتحدة الاميركية بقيادة العالم. هذا بالاضافة الى التركز الشديد لرأس المال في ايدي شركات عملاقة هي الشركات الاقتصادية المتعددة الجنسية، فضلاً عن قيام منظمة التجارة العالمية التي حررت بقواعدها النشاطات الاقتصادية وفتحت الاسواق والغت الحواجز على مستوى العالم. ومن أبرز الجرائم التي انتجتها العولمة جرائم الحساب الآلي الاقتصادية او “جرائم المعلوماتية”.

جرائم الحاسب الآلي الاقتصادية:
يلغ التوسع الكبير باستخدام الكمبيوتر حد أصبحت هذه الادمغة الالكترونية – مع ما تتصل به من اجهزة اتصالات- موجودة في كل المجالات، ويرجح ذلك الى عاملي السرعة والدقة اللذين توفرهما هذه الحاسبات.
لكن سرعة انتشار الكمبيوتر والانترنت واستخدامهما وفر للجناة وسيلة هامة لارتكاب العديد من الجرائم الحديثة التي يطلق عليها تسمية “جرائم المعلوماتية”، وهي تتصل بتقدم المجتمعات، فكلما ازداد اعتماد المجتمع بمؤسساته المختلفة على الحسابات الألية كان ذلك ايذاناً بزيادة معدل هذه الجرائم.
يمكننا الاستنتاج ان جريمة المعلوماتية هي:[كل تلاعب بالحساب الآلي ونظامه من اجل الحصول بطريقة غير مشروعة على مكسب او الحاق الضرر والخسارة بالمجني عليه. وهي النشاط الذي يؤدي فيه نظام الحاسب الآلي دوراً مهماً لإتمامه].
بماذا تتميز الجريمة المعلوماتية عن الجريمة التقليدية؟!
تختلف الجريمة المعلوماتية بصفة عامة عن الجريمة التقليدية بعدة نواح، منها: ارتفاع الفارق بين الحجم الحقيقي للجريمة وما هو مسجل في الاحصائيات، وذلك بسبب عدم تعريفها بالاضافة الى عدم ابلاغ المجني عليه عن الجريمة التي وقعت عليه اما لنقص الخبرة واما حرصه على سمعة مؤسسته المالية.
كما يتمثل الاختلاف بين الجريمة المعلوماتية وتلك التقليدية لناحية الخسائر بحيث تكون نسبتها مرتفعة بصورة كبيرة في الجريمة المعلوماتية بالمقارنة مع غيرها من الجرائم.
اخيراً تتميز الجريمة المعلوماتية بكونها غير عنفية كما تتسم بالسرعة الهائلة التي يتم من خلالها تنفيذها وحجم الاموال والمعلومات المستهدفة والمسافة التي تفصل بين الجاني والمجني عليه.
يرمز إلى المجرم المعلوماتي وفق PARKER، وهو احد اهم الباحثين في الجريمة المعلوماتية، بكلمة SKARM وهي:
(S) وتعني (SKILLS) أي المهارة العالية التي يتطلبها تنفيذ النشاط الاجرامي والتي يكتسبها الجاني عن طريق الدراسة المتخصصة في مجال الكمبيوتر او عن طريق الخبرة المكتسبة في مجال تكنولوجيا المعلومات.
(K) وتعني (Knowledge) أي المعرفة في التعرف على كافة الظروف التي تحيط بالجريمة المراد تنفيذها وامكانيات نجاحها بحيث يستطيع الجاني ان يكون تصوراً كاملاً لجريمته اذ ان مسرح الجريمة هو الكمبيوتر. فيستطيع ان يطبق جريمته قبل تنفيذها.
(R) وتعني ((Resources أي الوسيلة والامكانيات التي يتزود بها المجرم المعلوماتي لاتمام جريمته.
(A) وتعني (Authority) أي السلطة، والمقصود بها الحقوق والمزايا التي يتمتع بها المجرم المعلوماتي وتتمثل بالشيفرة الخاصة بالدخول الى النظام الذي يحتوي على المعلومات او في الحق باستعمال الكمبيوتر.
(M) وتعني (Motive) أي الباعث وراء ارتكاب الجريمة ونجد ان البواعث الرئيسية لارتكاب جريمة المعلوماتية هي ثلاثة:
– الباعث الاول يتمثل في تحقيق الربح المادي. والمجرم الذي يحركه هذا الدافع ينتمي لطائفة (Career Criminal).
– الباعث الثاني يتمثل في الرغبة في اثبات الخبرة التقنية وينتمي هذا المجرم الى طائفة (Pranksters).
– الباعث الثالث يتمثل في الرغبة بالضرار بانظمة الحسابات الآلية وينتمي الى طائفة (Malicious (Hackers.
وفي النهاية، نجد ان المجتمع الدولي قطع اشواطاً لا يستهان بها من اجل وضع الاتفاقيات الدولية لمكافحة هذه الظاهرة، لكن لا يمكنه التكلم عن تعريف موحد للجرم الاقتصادي ولا عن قضاء دولي في هذا المجال.
لذا على المشترع اللبناني، الى جانب الدور الرائد الذي يلعبه مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية والملكية الفكرية في الحد من هذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها، الاسراع في التنظيم من خلال اقرار تشريعات خاصة متكاملة من شأنها ان تؤمن للبنان الجهوزية الكاملة للعب دور محوري رائد في محيطه، لا سيما في مجال التسويق لكافة انواع التكنولوجيا وفي مجال التجارة الالكترونية ونقل وتبادل المعلومات عبر الشبكات الدولية.

لينا رعد الحمره – باحثة القانونية

مساهمات حرة