السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

بطاقة هوية

– الضحى تنطلق من بيئة الموحدين الدروز لكن انتماءها والتزامها يقع في الدوحة الأوسع للعروبة والإسلام .

–  الضحى مجلة قضايا وحوار ومبادرات تهم الناس في وعيهم وثقافتهم وعيشهم وليست مجلة للخوض السياسي. فالشأن السياسي له مرجعيته ووسائله المولجة بها.

– نهتم بقضايا مجتمع الموحدين الدروز والجبل لأننا قريبون منها واقدر بالتالي على مواجهتها ولا ننطلق في ذلك من مشاعر الانغلاق الثقافي أو الديني أو الاجتماعي.

– لأن العديد من هذه القضايا ليس خاصا بمنطقة أو بفئة فإن المعالجات قد تحمل ما يمكن البناء عليه من قبل إخواننا في الوطن في مناطق وبيئات مشابهة. أي أن عملنا ينطلق من الخاص ليطال بالفائدة صعيدا أعم وأرحب.

أدب الحرب في وصيتين

الخليفة عمر بن الخطاب

اشتهر عمر بن الخطاب الخليفة الثالث لرسول الله (ص) بصفات القوة في الحق والعدل في الناس، لكن بين إحدى أهم صفات هذا القائد العربي كانت شهامته وتمسكه بأعلى مناقب السلوك في الحرب، وهو الذي كان يؤمن بأن سبيل النصر هو تقوى الله وليس المكائد والخيانة أو الظلم والعدوان كما يحصل اليوم في أكثر حروب البشر وصراعاتهم. في ما يلي وصيتان لـ الخليفة عمر كان يكررهما على اسماع القادة والجند قبل انطلاقهم للجهاد وهما وصيتان زاخرتان بالمعاني التي تكشف سماحة الإسلام وعظمته

وصية عمر لقادة الجند

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرص على إلقاء هذه الوصية على مسامع قادة الجند عند تسليمهم الأعلام وتأهبهم للفتوحات والجهاد. وتلخّص هذه الوصية البليغة مفهوم الجهاد في الإسلام باعتباره يقوم على تقوى الله وطلب النصر منه عبر اجتناب المعاصي وهنا نص الوصية:
«أما بعد، فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة على الحرب. وآمرك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخْوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعُدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وألا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم تجاهدون في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسلَّط علينا، فرُب قوم سُلِـط عليهم شرٌّ منهم كما سُلِط على بني إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، اسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم.‏

وصية عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح

أوصى عمر بن الخطاب قائده أبا عبيدة بن الجراح لما وجّهه إلى فتح بلاد الشام بما يلي:‏
“بسم الله وعلى عون الله، وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تُمثـِّـلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرِماً ولا امرأة ولا وليداً، وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حُمّة النهضات، وفي شن الغارات، ولا تَغُلّوا عند الغنائم، ونزِّهوا الجِهاد عن غرض الدنيا، وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم”.‏
أهم ما في هذه الوصية هي تشديد الخليفة عمر على أن يكون الجهاد والسير بالفتح «بسم الله وعلى عون الله»، لأن هذه النية بالذات هي التي تميّز «الجهاد» الحقيقي عن حروب العدوان والتوسّع أو الانتقام أو كسب المجد الدنيوي العابر. كما يؤسس الخليفة عمر لقانون إنساني في الحرب ينسجم مع سماحة الإسلام عندما يوصي قادة جنده بعدم الاعتداء، لأن الله تعالى لا يحب المعتدين كما يوصي بعد ذلك بإظهار الشجاعة عند لقاء العدو ويحذر من المُثلة –أي التمثيل بالجرحى والقتلى- وهو ما نهى عنه الرسول (ص) أيضاً في الحديث الصحيح: «إياكم والمُثلة ولو بكلب عقور».
كما يوصي عمر المسلمين «بألا يسرفوا عند الظهور»، ومعنى هذا ألا يتعدوا حدود التواضع بعد تحقيق النصر، لأن هذا النصر من عند الله من جهة، ولأنه ليس من المصلحة إيغال صدور جند العدو بالتكبر والتعالي والزهو عليهم عند النصر، من جهة ثانية فإن قتل الشيوخ والنساء والأطفال محرم كما يتوجب على المقاتلين أن يبذلوا جهدهم لتجنب إيذاء المدنيين عند اشتداد حدة القتال (إذا التقى الزحفان) أو في حال القيام بالإغارة على معسكرات العدو وتجمعاته.
يوصي عمر جنده بعد ذلك «بألا يغلوا عند الغنائم» أي الاستئثار بجانب من الغنائم وعدم تقديمه إلى القسمة الشرعية ويضيف «وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به». ‏وهو الجهاد المكرس لخدمة الله تعالى ودعوته، والمنزه عن أي هدف من الأهداف الدنيوية وقد اجتمعت الآيات القرآنية والسنة النبوية على فضل وثواب الجهاد في سبيل الله

القواعد الإحدى عشرة للسالكين في طريق الحق

طرق التحقُّق الروحي مبنية على العمل بعدد من القواعد والتمارين الروحية التي بُنيت على اختبار المُرشدين العِظام وتعليمهم وتربيتهم لمريديهم. وقد اشتهر من هذه القواعد التي تأخذ بها بعض الطرق الصوفية ما يعرف بـ «الكلمات الإحدى عشرة»، والتي تلخص بإيجاز بليغ أهم القواعد التي يقتضي على السالك التزامها على طريق المجاهدة واستكشاف الحقائق المستبطنة في ظاهر الوجود وسريانه في الزمان والمكان. وكما سيلاحظ فإنَّ الهدف الأساسي لتلك القواعد هو صرف اهتمام وحواس السالك عن أغراض الدنيا وعن نوازع الهوى، وتوجيه كامل وجوده للعبادة والتقرّب من الله تعالى بالصلاة ومجاهدة النَفس ومداومة الذكر، إلى أن يثمر كل ذلك تطهير القلب من الرذائل ودوام الحضور مع الله تعالى إلى حين تجلِّي نور الحق في القلب وتحقّق الحضور والقرب من المولى وهو قرب يدرك بعين القلب لا بعين الرأس، أي بالبصيرة لا بالبصر.

الكلمات الإحدى عشرة التي تمثِّل قانون سلوك المريد الجاد على صراط الحقِّ، فهي حسب المصطلح الصوفي كالتالي:
اليقظة عند النَفَس – النظر إلى القدم – السفر في الوطن – الخلوة في الجَلوة – الذكر الدائم – العودة من الذكر إلى الذات – حراسة القلب من الغفلات والخواطر، أو الحضور الدائم – حفظ آثار الذكر في القلب – الوقوف الزماني – الوقوف العددي – الوقوف القلبي , وفي ما يلي تفصيلها:

-1 اليقظة عند النفس، أو حفظ الأنفاس

معنى حفظ النَفَس عن الغفلة، أي أن يكون قلب السالك حاضراً مع الله في جميع الأنفاس، فلا تتوزَّع خيالاته على أمور دنيوية. وقال أحد أقطاب التصوّف بهاء الدين نقشبند إنَّ عمل السالك متعلِّق بنفسه، فعليه أن يعلم هل أمر نفسه مع الحضور أو مع الغفلة لكي يبقى في الذكر ولا يتوزّع باله على الماضي أو المستقبل في حال الغفلة. وباختصار تعني هذه الكلمة عند أهل الحقيقة اليقظة والدِقَّة والفكر عند التنفّس، وهو درجة من درجات الترقّي في الطريق، حتى قيل أنَّ السالك إذا أضاع نَفَساً له فكأنه ارتكب ذنباً.

-2 النظر إلى القدم

على الصوفي في حال مشيه في الطريق أن يكون نظره مركَّزاً على موضع قدمه حتى لا يتوزَّع باله وعقله على أنحاء كثيرة، وحتى يكون عقله وفكره مع الله تعالى فلا يغترّ بجمال ومتاع الدنيا، وهذا عمل محمود ولكن الإمام الربَّاني يقول إنَّ معنى النظر على القدم هو كالاستطلاع للسير على القدم لعروج المقامات، وقبل أن يخطو بقدمِه إلى المقام الجديد فعليه أن يتحقَّق فيه ويعرف مكانه، فيخطو إلى المقام الجديد.

-3 السفر في الوطن

وله معنيان: المعنى الأول، هو السفر بالجسد على اعتبار أنَّ السير في الأرض يورث العِبرة في النظر إلى المخلوقات، ويوجِّه أبصار السالك إلى عظمة خالقه. أما المعنى الثاني، فهو البحث عن المُرشد الصالح. إذ أوصى كبار المشايخ بسفر المُريدين للبحث عن مُرشد كامل، وقالوا أيضاً أنَّ السفر في الوطن يُقصد به أخذ السالك لطريق الانتقال من الصفات البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة، وهو سفر من عالم الخلق إلى الحقّ؛ وهو سفر من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام أرفع.

-4 الخلوة في الجلوة

ومعناه أنَّ جسده مع الخلق وقلبه مع الخالق. والخلوة نوعان: خلوة مادية، وهي عبارة عن انتقال السالك إلى زاوية معزولة للتعبُّد والتأمُّل، وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وإمكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه. ومن المعلوم أنَّه كلَّما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل، كلما تزداد الصفات الباطنية نشاطاً وعملاً. وبهذا يقرب من عالم الملكوت. والنوع الثاني، هو خلوة القلب، بحيث لا يغفل عن ذكر ربِّه حتى إذا كان مع الناس ومشغولاً بالكسب والذهاب والإياب، فيبقى قلبه ذاكراً ولا يغفل عن ربِّه، قال تعالى: «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله» (النور 37)؛ ويستحسن معظم كبار علماء التصوُّف أن يعود السالك إلى الناس عاملاً بالكسب الحلال بعد أن يستقرَّ ويتقدَّم في سلوكه. وقال الشيخ أبو سعيد الخراز، المتوفى 279 هـ: ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات، وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس، ولا يغفل عن الله لحظة واحدة. ويقولون (الصوفي كائن بائن) أي بالظاهر، والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.

-5 الذكر الدائم

والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمُّل، والصلاة وقراءة القرآن الكريم والدُّعاء هو أساس السلوك الصوفي. والغالب الشائع من معانية هو ذكر اسم الجلالة (الله) والتأمُّل. والذِكرُ قد يكون جهراً وقد يكون سراً جوهره النفي والإثبات (لا إله إلاَّ الله)، وفي الحديث الشريف: «أفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاَّ الله». والمقصود بالذِكر هنا هو مداومة الذكر والتذكُّر، والفائدة في الذِكر القلبي أنه لا يحتاج إلى صوت أو حرف، أي القول باللسان فيستطيع السالك أن يذكر حتى في خِضمِّ العمل. وهذا الذِكر القلبي يتطلَّب المداومة حتى يتحقَّق للذاكر سالك الحضور الدائم مع المذكور، وهو الله سبحانه؟.

-6 العودة من الذكر إلى الذات

 ومعناها رجوع الذاكر من النفي والإثبات (لا إله إلاَّ الله) بعد إطلاق نَفَسه إلى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان أو بالقلب «إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي»، وذلك لطرد كلِّ الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق.

-7 حراسة القلب من الغفلات أو الحضور الدائم

ومعناه أن يحفظ المُريد قلبه من دخول الخواطر ولو للحظة، فإنَّ خطراً على قلبه شيء حقاً كان أم باطلاً، فعليه أن يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطر، ليبدأ بالذكر من جديد. وهذا التوقّف معناه أنَّ على السالك أن يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذِكر، أو على درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر، فلا يسمح بتسلُّل الخطرات إلى قلبه. وبهذا فإنَّ على السالك أن يتمرَّن ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي، بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولا يبقى في قلبه غير الله سبحانه. لكن ليس المقصود أن لا تمرَّ أيَّةُ خاطر مهما كان في القلب، بل المعنى هو أن لا يستقرَّ ذلك الخاطر فيكون كالأوراق التي تمرّ سريعاً على الماء الجاري ولا تتوقَّف.

-8 المشاهدة

وهي التوجُّه الخاص لمشاهدة أنوار الذات، وتُسمَّى أيضاً عين اليقين والشهود. وقال أحد المشايخ العارفين إنَّ المشاهدة هي حضور القلب مع الله تعالى على الدوام، وفي كل حال من غير تكلف ولا مجاهدة؛ وهذا الحضور في الحقيقة لا يتيسَّر إلاَّ بعد طي مقامات الجذبة وقطع منازل السلوك. وقيل أيضاً أنَّ المشاهدة هي ثمرة عمل السالك، وقد تكون ثمرة الذكر أو المراقبة أو مساعدة المُرشد، ويصلها السالك بعد قطع كل الحواجز.

-9 الوقوف الزماني

وهو المحاسبة القلبية، ومعناه أنه ينبغي على السالك بعد مضي كل ساعتين أو ثلاث أن يلتفت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين الساعتين أو الثلاث. فإنَّ كانت حالة الحضور مع الله تعالى شكر الله تعالى على هذا التوفيق وإن كانت حالة الغفلة استغفر منها وأناب. وجاء في كتاب “الرشحات” أنَّ بهاء الدين نقشبند قال: «الوقوف الزماني هو أن يكون السالك واعياً لحاله، عارفاً بما هو فيه هل يستحق الشكر عليه، أو يجب عليه الاعتذار فإن كان حسناً شكر الله عليه وإن كان غير ذلك اعتذر. أي أنَّ الوقوف الزماني هو مراقبة الحالين القبض والبسط؛ ويفهم أيضاً أنَّ حالة البسط أساسها اليقظة وحالة القبض أساسها الغفلة.

-10 الوقوف العددي

وهو المحافظة على عدد الِوِتر في النفي والإثبات ثلاثاً أو خمساً (لا إله إلاَّ الله)، ومنهم من يستطيع الذكر 21 مرة بنَفس واحد. فهذه المراقبة العددية تُسمَّى الوقوف العددي. فالسالك واقف متيقِّظ بضبط نفسه على الذكر بالوتر، وهذا الذكر بالقلب وبالباطن وكذلك عدّه بالقلب وبالباطن وليس باللسان. ولهذا الوقوف ثمرة معنوية كبيرة، والحِكمة منه هي معرفة السالك متى وفي أي مرحلة من الذكر تحصل له ثمرته، فإن بلغ في الذكر 21 مرة ولم يشعر بالثمرة المعنوية، فإنَّ علامة واضحة لنقصان شروطه وأنه يراقب العدد ليعرف في ما إذا حصلت له البركة أم لا. فإن لم تحصل البركة من 21 مرّة فعليه أن يبحث عن سرِّ النقص في المجاهدة والعمل.

-11 الوقوف القلبي:

قال الشيخ عبد الله الدهلوي إنَّه عبارة عن تنبُّه السالك لحال قلبه بمراقبته ومحاولة الإطلاع على أنه ذاكر أم لا، أي أنَّ الوقوف القلبي هو حراسة القلب لكي يذكر الله دائماً ولا يغفل عنه، ويكون القصد من الذِكر هو «المذكور» لا الكلمة في حدِّ ذاتها. والوقوف القلبي أفضل من الوقوف الزماني والوقوف العددي، ذلك أنه مع أهمية الوقوفين الزمني والعددي لاستحصال البركات، فإنَّ فقدانهما لا يؤثِّر في السلوك الصوفي، ولكن الوقوف القلبي ضروري لأنَّ السالك الذاكر إن فَقَدَ الوقوف القلبي وأصبح ذكره مجرد حركة اللسان دون الوعي، فإنه لا يحصل على شيء.

تيمور بك جنبلاط ووزير الصحة وائل أبو فاعور

تيمور بك جنبلاط ووزير الصحة وائل أبو فاعور

النائب أكرم شهيب1
النائب أكرم شهيب

«الضّحى» فـي أيـدي الجميــع

مجلة النُّخبة الإجتماعيّة والسياسيّة والشخصيّات والقيادات

للإشتراك ولتأمين وصولها إلى عنوانك، إتصل الآن على الرقم: 81-777612

للنهضة للأرض للمعرفة

اتّصِلوا بنا!

إذا كانت لديكم مساهمة حرة تودّون عرضها للنشر..

إذا كانت لديكم صورٌ أو وثائق تاريخيةٌ تريدون مشاركتِنا بها..

إذا كانت لديكم تعليقات أو آراء أو مقالات مفيدة

إذا كانت لديكم اقتراحات بمواضيع وجيهة ترغبون في تغطيتها..

إذا كان لديكم إبداعات أدبية أو شعريّة

مهما كانت المشاركة التي تودّون المساهمة بها

تواصلوا مع رئيس التحرير
على العنوان التالي:
mail@dhohamagazine.com

كمال جنبلاط

 

 

[su_accordion]

[su_spoiler title=”رئيس التحرير” open=”yes” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

40 سنـــــة حضـــــور

كمال جنبلاظ

قبل 40 سنة سعوا لتغييبه
وهاهو حاضر مهيمن وهم الذين غابوا .
من طبيعة أجساد جميع الآدميين أن تعود إلى التراب
لكن الفكر لا ينزل مع الشهيد إلى التراب.

هو بكل بساطة عصيّ على كل فنون التدمير لأنه لا يسكن مكاناً ولا يُقارب من مكان وليس شيئاً يمكن أن تطاله المكائد والرصاص الجبان، لكنه نور ساطع محفوظ للأجيال في مشكاة العقل الخلاق وذخائر الحضارة وفي تضاعيف الأفئدة والحكايات وفي أعمق طبقات الوعي والهوية وهو شعلة الفخار وهو غذاء البقاء والصمود.
كمال جنبلاط بعد 40 سنة من تغييبه حاضر ويسدّ عليهم الجهات.
بمناسبة مرور 40 سنة على استشهاده تقدم مجلة “الضحى“ لقرائها هذا الملف الخاص ليكون تأكيداً على حضور كمال جنبلاط في الأفكار وفي التحرك وفي الجهاد المستمر من أجل لبنان لا طائفي ديمقراطي لجميع أبنائه، وليكون في الوقت نفسه احتفالاً بأربعين سنة من قيادة وليد جنبلاط الحكيمة والشجاعة للمسيرة الوطنية وكذلك احتفالاً بتقدم تيمور جنبلاط لتسلّم الأمانة الجليلة لمسيرة كمال جنبلاط ومسيرة وليد جنبلاط.

ومـــــا قتلــــوه يقينــــــــــاً

في الصبيحة الباردة للسادس عشر من شهر آذار 1977 أخمدت شعلة كانت ما زالت تعاند الأنواء وترسل بأنوارها الكاشفة فوق بحر الظلمات المتلاطم حولنا في هذه المنطقة التعسة من العالم. كان كمال جنبلاط تلك الشعلة التي تحلقنا حولها جميعاً بحثاً عن الأمل الغارب والصقيع المتسرب إلى أوصال الأمة، وكان هو وسط فوضى النكوص وزحف كائنات الظلام، بمثابة الحصن والملاذ الباقي الذي هرعنا إليه بعزيمة الرجال ليس خوفاً من بشر أو خطر بل تهيؤاً للصمود ولحماية المعلِّم ومشروعه التقدمي الإنساني حتى آخر نفس من أنفاسنا.
كثيرون كانوا يعرفون ما قد كتب، لكننا لم نكن عابئين بكل التحاليل والتنبؤات، فقد كان يكفي أن نجتمع إليه ونتأمل هدوء وجهه النوراني حتى تعترينا طمأنينة عجيبة وشعور يقيني بأن كل شيء سيكون على ما يرام. ولم نكن لنجتهد من أنفسنا فقد كان هو فكرُنا ومعينُنا ومرآة ذاتِنا، وكنا لذلك لا نرى حاجة لأكثر من أن نجلس في مواجهته في صبيحة كلِّ يومٍ جديد لنستمع مثل الحواريين إلى كل كلمة يقولها ونتابع بأعيننا لغة عينيه وجسده. أما هو فقد كان ينظر إلينا نظرات الحب الطويلة ويتفحص وجوهنا ويصغي إلى أسئلتنا، ثم – وعندما وجد ذلك مناسباً- لم يجد حرجاً في تنبيهنا إلى أن كل انتفاضة على الظلم وكل مشروع تغيير لا يتعدى كونه رهاناً قد يتحقق وقد لا يتحقق، وأن على المجاهد العاقل أن يتقبل النصر كما الخسارة بنفس حالة الرضا، لأنه يعمل بدافع الحب وليس بشهوة الإنتصار وقهر الخصوم.
قليلون كانوا يدركون المعاني البعيدة لهذا التعليم (اغفر لهم فإنهم لا يعلمون ما يفعلون) وأكثرنا لم يقرأ فيه تنبيه المعلم لنا بأنه سيكون علينا قبول ما لم نكن مستعدين لقبوله (ولم يكن يدخل حتى في أسوأ تصوراتنا) وهو أن مشروع الإصلاح التاريخي الذي ناضلنا معه لأجله قد لا يكتب له النجاح، وأن المعلم الذي كان قبلة آمالنا في تحقيق ذلك المشروع قد يصبح هو نفسه شهيد تلك الخاتمة الحزينة.
سقط كمال جنبلاط في الموقعة الفاصلة بين الحق المستضعف وبين القوة الغاشمة، وهو سقط وحيداً على منعطف عميق مع رفيقين من أصفيائه وتابعيه الأبرار شهيداً “حسينياً” بكل معنى الكلمة وفي ظروف تجعل ممكناً المقارنة في الكثير من الوجوه بين استشهاد الإمام الحسين (ر) وحيداً ضحية الخذلان وغلبة سلطان القوة وبين سقوط هذا الأمير الرفيع القدر شهيداً مظلوماً في المواجهة مع سلطان غاشم ليس انتصاراً لنفسه بل من أجل إحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
وقد كانت معركة كمال جنبلاط مثل معركة الإمام الحسين (ر) انتصاراً لمبدأ العدل وللفقراء والبسطاء المنسيين، وقد خاض الإمام الحسين معركته غير عابئ بالنتيجة أو بالمخاطر غير ملتفتٍ إلى المكاسب التي كان يمكن أن يحصل عليها لو أنه رضخ لأمر كان قد استتب، كذلك رفض كمال جنبلاط منطق المساومة مع ما كان يمكن أن يجلبه له من مكاسب السياسة والزعامة ومجد الدنيا، وقد قدمت له بالفعل إغراءات كثيرة إن هو قبل بقانون السجن الكبير وغض النظر عن أنظمة الأنانية والقهر والإفقار، لكنه أصرّ على التمسك بجانب الحق والعدل والكرامة الإنسانية، ورفض أن يحني الرأس للقوة الغاشمة وقبل بدلاً من ذلك أن يجعل من نفسه مثالاً للأجيال التالية يحبب إليهم الجرأة في الحق وبذل الذات وملاقاة الموت باعتباره خلاصاً وبشارة لا مصيبة.
أما الذين قتلوه، وهم يظنون أنهم يُخمِدون بذلك جذوة فكره ومثاله، فقد أثبتت الأيام أنهم كانوا في ضلال كبير ونحن نسأل: أين هم الآن؟ لقد زالوا واحداً بعد آخر ولن يبقى من أثرهم إلا صفحات سود في السجل الشامل لتاريخ البشر والمدنيات. }ولا يُحيقُ المَكر السيِّئُ إلَّا بأهلِه{ِ (فاطر 43)
أما المعلم، فإن الموت (وهو حقّ الخالق على جميع خلقه) فإنه خلده إلى الأبد في ذاكرة البشرية إرثاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً وغذاء لا ينضب للعقل والقلب والروح.
“وما قتلوه يقيناً” (النساء 157)

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”رشيد حسن” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

على العهد باقون
على العهد باقون

كمال جنبلاط: 40 سنة حضور

يوم البيعة والتذكير

إكتسب يوم المختارة في 19 آذار 2017 الماضي، بحشده غير المسبوق منذ ثورة الأرز في العام 2005 صفة حدث وطني كبير من النوع الذي يأخذ مكانه في كتب التاريخ كمحطة مهمة في مسار لبنان وهو حقق ثلاثة أهداف أساسية:
فهو أولاً كان احتفالاً بذكرى مرور أربعين عاماً على استشهاد المعلم كمال جنبلاط وقد كان إحتفالاً يليق بالزعيم الخالد ومناسبة مشحونة بالعاطفة والإعتزاز في آن بالنسبة الى الوطنيين عموماً وبالنسبة الى أكثر من مئة ألف مواطن ومواطنة تقاطروا بحماس إلى مكان الإحتفال من كل أنحاء لبنان مُتحدِّين المسافات والإزدحام والمشقة. نسبة كبيرة من هؤلاء الذين أحيوا الذكرى بالأمل والفرح لم يكونوا قد ولدوا يوم استشهاده وأكثرهم كانوا يافعين وأحداثاً عندما اختطفته يد الغدر في عزّ عطائه للبنان والعروبة والإنسانية.

بيعة واستمرارية
الحدث الكبير كان – ثانياً- يوم البيعة والولاء لتيمور جنبلاط الذي تسلّم رسميّاً كأس الزعامة المرّ وأمانتها الجسيمة من زعيم تاريخي فاق بحجمه وأثره البعيد الأمد حجم قاعدته الدرزية فهو أحد أبرز القادة الوطنيين الذين عملوا على دحر آثار الإجتياح الإسرائيلي عام 1982 ومعه نظام التمييز والاستئثار، وكان لقيادته ولتضحيات رفاقه في الجيش الشعبي والحزب التقدمي الاشتراكي وصفوف المجاهدين والحلفاء من القوى والأحزاب الوطنية فضل كبير في توفير الظروف لإعادة صياغة النظام السياسي اللبناني وصولاً إلى اتفاق الطائف، وفضلاً عن دوره المفصلي في الأزمة اللبنانية فإن الدروز مدينون لوليد جنبلاط بقيادته الفذّة والشجاعة لهم وسط الأنواء والأخطار التي شكّلت في وقت معيّن تحدياً كبيراً لوجودهم ذاته. وتمثل مبايعة تيمور جنبلاط تعبيراً عن استمرارية لافتة في قوة وفعالية الزعامة الجنبلاطية على مدى قرنين ونصف قرن من الزمن، وهذه الفعالية التي لم تنقطع في أي من حلقات السلسلة الطويلة مثال نادر يصعب حتى على علم الجينات الحديث تفسيره، لذلك يعزوه الموحدون الدروز إلى كرامة خاصة للطائفة وأوليائها عند خالقهم، كما إنه واقع يُسفِّه بعض المتفلسفين حول “التوريث” إذ لولا استمرار الزعامة في هذه الأسرة الشريفة ودورها الكبير خصوصاً في المنعطفات الخطرة (وتاريخ المنطقة سلسلة لم تنقطع من المنعطفات الخطرة) لكان الوضع مختلفاً بل يصعب حتى مجرد التفكّر بنتائج الإحتمال المعاكس، ولا ننسى التذكير في هذه الذكرى الأربعين لاستشهاد المعلم كمال جنبلاط بأن الأسرة الجنبلاطية قدّمت معظم كبرائها قرابين شهادة في ذلك الجهاد البطولي الذي لم يفتر في الذود عن وجود الموحدين الدروز وأرضهم وكرامتهم.

وليد كمال جنبلاط ينقل الأمانة إلى تيمور
وليد كمال جنبلاط ينقل الأمانة إلى تيمور

بالخط العريض
الاحتفال يأتي، ثالثاً ، في ظروف غير عادية بل في سياق أزمة وطنية متمادية ولعب بالمواثيق بل وتحرش طائش وأحقاد ومشاريع فتنة، لذلك يمكن وصف هذه المناسبة الجماهيرية الكبرى أيضاً بـ “يوم التذكير” وقد صمم الإحتفال بالفعل، كما بدا من حجم التعبئة التي سبقته والسيل البشري الذي توافد إليه والتمثيل السياسي الرفيع والرسائل والإشارات التي رافقته، لكي يساعد جميع من يهمهم الأمر على الإستفاقة من الوهم والتنّبه لعواقب ما يدور في المخيّلات الجامحة، فكان الإحتفال بذلك رسالة بالخط العريض مكتوبة بالرجال وبذاكرة التاريخ القريب والبعيد، لكنه كان في الوقت نفسه إخراجاً مشهدياً راقياً ومبدعاً في الشكل والمضمون.
إن لبنان اليوم يعيش فعلياً على دستور معلّق ويغرق في مناورات استنزاف وسطحية تأكل ما تبقى من مرتكزات الإستقرار الهش، وقد أدى الظرف السوري (بدءاً بخروج قوات الردع ثم اندلاع حرب عالمية مصغرة على الأرض السورية) إلى فراغ فتح الباب للعبة لا تضبطها مرجعية، وهناك مناخ في المنطقة يشبه خيال الظل حيث يمكن لكل مشاهد أن يقرأ في الظلال المرتسمة واقعاً افتراضياً لا علاقة له بحقيقة ما يجري، وهو لذلك يعرّض المشاهد المحلل لإحتمالات الخطأ، والمَعنيّ هنا هو الخطأ في الحساب.
تيمور جنبلاط الذي يظهر الكثير من خصائص السياسة الجنبلاطية بصراحتها ونقدها الذاتي وروحها الساخرة وصف في أكثر من مناسبة السياسة اللبنانية بأنها “عصفورية” وهذا وصف مجازي لحالة التخبط واللاعقلانية وصعوبة الحوار وبناء شراكات حول أي شيء يدوم. في العصفورية كثيرون يظنون في أنفسهم القدرة والعبقرية وهم سعداء بما أوتوا ولا يشكلون مشكلة بل ربما كانوا موضوعاً للمرح طالما بقوا في عالمهم الخاص، لكن المصيبة تقع عندما يدخل بعض هؤلاء في التعاطي مع العالم الواقعي، ونحن نسوق هذا المثال كنوع من الوصف المجازي بالطبع.

مشكلة ثقافة سياسية
خلفية مهرجان 19 آذار تتعدى إذاً المناسبة نفسها إلى مستجدات وحوادث وأساليب تعاطي تجعل القائد وليد جنبلاط يقلق على مسار الأمور، وهذا السياسي المحنك الصبور والرابط الجأش لديه الكثير من الخبرة والنصح الثمين الذي يمكن أن يقدمه لساسة هذا الزمن المضطرب، إن هم تواضعوا واستمعوا، لكن مواقف النصح والتهدئة يقرأها البعض ضعفاً، والسياسة العاقلة هي فن الممكن وبناء الشراكة والتسويات، لكن في نظر هذا البعض السياسة هي فن المراوغة أو الأخذ بالتهويل، وهذا التخلّف في التعاطي السياسي يعكس طبيعة القوى نفسها وهي قوى مستحدثة لا تملك خبرة حكم تعدّدي ولم تتربّ في ظل عمليّة تكوّن الوطن بموازينه الدقيقة وثقافة المواثيق وبناء التوافقات. في مكان آخر إلى جانب هذا الكلام يكتب صحافي مخضرم هو الزميل سركيس نعّوم عن هذه العِلّة المتأصِّلة بالقول: “إن المسيحيين لم يفهموا كمال جنبلاط” وهو يقصد من ذلك أنهم لو فهموه لكان لبنان ربّما تمكّن من اجتياز امتحان 1975 بأقل تكلفة ممكنة، ولكان بُنِي على ذلك التفهّم ميثاق جديد للبنان عصري ومنيع للعواصف وللمؤامرات الأجنبية. المسألة الآن، هل سيفهمون وليد جنبلاط أم أن هناك أكثر من مؤلف منهمكون في كتابة سيناريو عبثي جديد؟

جنبلاط والحريري وسط أمواج من الناس والأعلام
جنبلاط والحريري وسط أمواج من الناس والأعلام

نهاية الشوط
وجد وليد جنبلاط في الرمزية المتعددة الوجوه لذكرى مرور 40 سنة على اغتيال المعلم الشهيد فرصة استثنائية للتعامل مع مأزق يوشك أن يدخل لبنان أتون محنة جديدة قد تقصر (إن جاءت كلمة السرّ) أو قد تطول، لكن مع فارق كبير هذه المرّة وهو أن لبنان دخل الأزمات السابقة برصيد المناعة الاقتصادية التي توافرت له بسبب ثروته المدّخرة وقوة اقتصاده، كما إنه دخلها في ظروف سورية وعربية ساهمت (وإن بعد عناء) في بلوغ محطة الطائف وإعادة صياغة الميثاق الوطني والنظام السياسي للبلد. وفي كل الأزمات التي تخللت تلك الحقبة الصعبة خصوصاً الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية واجه لبنان تلك المحن في ظل تضامن عربي ظهر على سبيل المثال في الاستنفار غير المسبوق الذي تبع عدوان 2006 وفي المساعدات السخيّة التي تلقاها في عمليات إعادة البناء ودعم الوضع المالي وفي عمليات الإعمار مع استمرار المواطنين الخليجيين في الاستثمار في لبنان وإحياء موسم الاصطياف وقطاع السياحة.

خطورة العزلة
أما الآن، فإن الوضع مختلف تماماً، إذ إن لبنان استهلك الكثير من مناعته السابقة في توالي الأزمات والنزف وتردّي المالية العامّة وتفاقم الدين العام، وهو يعاني الآن من فقر دم يجعله معرضاً لخطر انهيارات مالية واقتصادية واجتماعية، وهذا الأمر شبه مؤكد في حال نشوب أزمة وطنية أو حصول عدوان إسرائيلي قد لا يوجد من يوقفه هذه المرة. فإن تحققت هذه المخاطر وتهاوت آخر الدفاعات فإن المحذور هو أن لا يجد لبنان الدعم اللازم سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد المالي والاقتصادي، وذلك بسبب فتور مشاعر التضامن العربي، وهناك أربع دول خليجية تمنع مواطنيها الآن من السفر إلى لبنان وهي عموماً لا تنظر إلى لبنان كبلد عربي حليف. أضف إلى ذلك، أن هذه البلدان دخلت بسبب تراجع أسعار النفط مرحلة اقتصاد تقشف وهي تريد الاهتمام بنفسها أولاً وبشعوبها وبمشكلة البطالة لديها.
وليد جنبلاط هو السياسي اللبناني الأبرز الذي يظهر في هذه المرحلة فهماً عميقاً لخطورة استمرار الأزمة السياسية على اقتصاد البلد ومستقبله ومستقبل أجياله المقبلة، وهو يدرك أن الانهيار الذي تمكَّن اللبنانيون من تأجيله أكثر من مرة لن يحصل بالضرورة نتيجة اقتتال اللبنانيين (فهذا مستبعد) بل نتيجة استمرار الشلل والتعطيل وإضاعة الوقت في العبث السياسي غير المسؤول.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”رامي الريّس” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

أعلام-وحشود-وبوستر----سيبقى-فينا-وينتصر
أعلام-وحشود-وبوستر—-سيبقى-فينا-وينتصر

يست الكتابة عن كمال جنبلاط مهمة سهلة، فهو الفيلسوف والسياسي والمفكر والباحث والشاعر، هو الباحث أبداً عن العدالة الإجتماعية والمناضل في سبيلها وفي سبيل الحرية والديمقراطية والإعتدال، هو المؤمن بعروبة لبنان ووحدته والتصاقه بقضية العرب المركزية، قضية فلسطين، هو المنحاز إلى العمال والفلاحين الذين بسواعدهم سيغيرون هذا العالم.
كمال جنبلاط ناضل في سبيل التحرّر الإقتصادي والإجتماعي “لبناء مجتمع ودولة وحضارة، تنعكس فيها أكثر ما يمكن قيم الإنسان ومقاييس عقله وحقيقة طبيعته البشرية”.
عندما طرح كمال جنبلاط المشروع المرحلي للإصلاح السياسي في آب 1975 إلى جانب كوكبة من المناضلين في الحركة الوطنية اللبنانية، عكس رؤيته لإحداث التغيير السياسي الذي ينطلق من أسس المساواة بين اللبنانيين بعيداً عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية. وأن تمرّ كل هذه العقود على البرنامج المرحلي من دون أن يشقّ طريقه إلى التنفيذ، فإن في ذلك مؤشرات في غاية السلبية ودلالات قاطعة على قصور النظام السياسي اللبناني وعدم قدرته على استيلاد آليات التطوير الذاتي والتغيير السلمي الديمقراطي من دون السقوط في دورات من العنف ودورات من الحروب والنزاعات المسلحة.
إن قواعد الإمتيازات الطائفية الموروثة جعلت النظام السياسي في خدمتها وأقفلت كل مجالات التغيير والتطوير والإصلاح الحقيقي، وأفرغت كل البرامج السياسية الإصلاحية من قدرتها على التغيير مما هدّد أسس الديمقراطية اللبنانية، التي رغم هشاشتها ووهنها ومكامن ضعفها، ظلت متنفساً للبنانيين والعرب الذين عانوا من أنظمة القمع والإستبداد والقهر.

القائد وليد جنبلاط يلقي كلمته وإلى جانبه الرئيس سعد الحريري
القائد وليد جنبلاط يلقي كلمته وإلى جانبه الرئيس سعد الحريري

واليوم، يعود الخطاب الطائفي والمذهبي ليفرض نفسه في مختلف أوجه الحياة الوطنية والسياسية اللبنانية ويعيد فرز اللبنانيين وفقاً لطوائفهم ومذاهبهم بعيداً عن الإنتماء الوطني وحتى الإنساني. وكما حاول كمال جنبلاط طرح البرنامج المرحلي لتلافي الإنفجار الكبير، وهو ما لم يحصل نتيجة إجهاض البرنامج من أطراف محلية وإقليمية ودولية كما هو معروف؛ فإن ثمة حاجة اليوم لإعادة الإعتبار لما ورد في الدستور تحديداً إلغاء الطائفية السياسية.
إن التحوّل نحو نظام المجلسين، مجلس النواب (المفترض إنتخابه خارج القيد الطائفي) ومجلس الشيوخ (الذي تتمثل فيه الطوائف والعائلات الروحية) من شأنه أن يساعد على الخروج التدريجي من الواقع الطائفي المأزوم الذي يُطوى من خلال التوجّه نحو تفكيك عناصر النظام الطائفي وليس تكريسه كما يطرح من هنا وهناك!
إن تجاوز الصيغة الطائفية والمذهبية المتخلفة للنظام السياسي نحو نظام ديمقراطي عصري قادر على مواجهة التحديات المتنامية من كل حدب وصوب على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، بات حاجة ملحة لتلافي الإنهيار الذي تتصاعد المخاوف منه في ضوء التطورات الإقليمية الخطيرة والإنقسام الحاد بين المحاور الذي تشهده المنطقة فضلاً عن استمرار النزاع العربي- الإسرائيلي من دون أي أفق للحل بسبب سياسات الإحتلال الإسرائيلي في التوسع الإستيطاني وقضم الأراضي ورفض حق العودة وإجهاض كل محاولات التسوية السلمية منذ مؤتمر مدريد للسلام (1991) وحتى يومنا هذا.

ولكن، هل سيستطيع لبنان الذي يرتكز النظام السياسي فيه على الطائفية والمذهبية أن يحافظ على إستقراره وسلمه الأهلي في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الصراعات الطائفية والمذهبية في المنطقة العربية والإسلامية؛ وهل يمكن له أن يشكل نموذجاً في صيغة التعددية والتنوّع والشراكة التي لطالما تميّز بها ولو أنه لم يحسن إدارتها في الكثير من المنعطفات والمحطات؟
إنها تساؤلات مشروعة، لكنها للأسف تبقى من دون إجابة! فلنعد جميعاً إلى كمال جنبلاط!

 

 

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” سركيس نعوم ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=””class=””]

 سركيس نعوم
سركيس نعوم

شهادة الصحافي والمحلل السياسي سركيس نعوم

كـان صاحــب موقــف وصاحــب رؤيــــــــة وصاحــــــب مشـــــــروع

فتح باباً لإنتقال لبنان من دولة الطوائف إلى دولة مدنية لكن اللبنانيين لم يصغوا إليه والمسيحيين لم يفهموه

قدّم المحلل الصحفي الواسع الاطلاع الأستاذ سركيس نعوم في مقال نشره في صحيفة “النهار” اللبنانية بتاريخ 20 آذار 2017 شهادة منصفة وشاملة في المعلم كمال نقتطف هنا أبرز ما جاء فيها:

أتاح لي العمل الصحافي متابعة أخبار كمال جنبلاط الذي كان يشكِّل وعدداً محدوداً من أقرانه لولب العمل السياسي في لبنان. وأتاح لي أيضاً التعرف عليه وخصوصاً بعد اندلاع الحرب الأهلية وغير الأهلية عام 1975، إذ صرت أرابط في منزله أحياناً لمتابعة نشاطاته واجتماعاته ولمحاولة الانفراد بأخبار منه شخصياً، وهنا لا أزعم أنني صرت ملازماً له وموضع ثقته، لكنني أقول وبكل ثقة إنه كان يستلطف هدوئي وتهذيبي وابتعادي عن الاشتراك في التدافع مع الآخرين للحصول على تصريح منه أو خبر! وسمح لي ذلك أكثر من مرة بأن أحظى بلقاء منفرد معه في غرفة قريبة من مطبخ بيته في محلة “فرن الحطب”، حيث كان يرتاح على كرسي طويلة (chaise longue) وكنت أجلس على كرسي بجانبه. كان أحياناً يفكر ويرتاح، وأحياناً يسأل مبدياً رغبته في معرفة مكان ولادتي وعائلتي. طبعاً كنت أسعد بذلك، لكن سعادتي كبرت يوم قال لي: أنت شاب “آدمي” يا سركيس. روح دبّر شي خمسة أو سبعة آلاف ليرة واشتر فيهم أسهماً في شركة سبلين (التي كان يؤسسها حينذاك أو يفكِّر في تأسيسها). ضحكت وقلت له: من أين يا حسرة؟
لم أتمكن من تعميق معرفتي الشخصية به أولاً بسبب الحرب، وثانياً لأن القدر والغدر لم يمهلانه فقضى شهيداً برصاص لم يعتقد يوماً أنه سيُطلق عليه. لكن أقول وبكل صدق ومن متابعتي نشاطه منذ بدايته انه كان مختلفاً عن زعامات لبنانية كثيرة، وكان مميزاً وصاحب موقف وصاحب رؤية وصاحب مشروع، فهو وُلد في عائلة حكمت جبل لبنان أي لبنان الصغير، أو شاركت في حكمه نحو قرنين من الزمن. ودفع ذلك بكثيرين إلى وصفهم بـ “الإقطاعية”. ولم ينتبه هؤلاء إلى أنه تلقى دروسه في لبنان ثم أنهاها في الخارج، وإلى أنه أصبح من أكثر السياسيين في البلاد ثقافة، وإلى أنه أسس ومنذ بداياته حزباً أراده عابراً للطوائف والمذاهب – وهكذا كان، وأراده عابراً للطبقات وبانياً لجسور في ما بينها، وأراده إصلاحياً في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، وأراد بواسطته ومع أحزاب وشخصيات سياسية أخرى بناء دولة مدنية حديثة فيها مواطنون لا رعايا لإقطاعيين وطوائف ومذاهب وعشائر، وفيها الكفاءة والالتزام الوطني هما المعياران الأوّلان لشغل أي موقع أو منصب. أراده مُؤسِّساً مع آخرين لدولة ينتمي مواطنوها إلى وطنهم أولاً، وتسود فيها المساواة بين الناس والحرية للمعتقدات والاحترام لحقوق الإنسان، أراده شريكاً في دولة تحافظ على التنوع الطائفي والمذهبي لشعبها وتعتبره مصدر غنى واعتزاز، وتفتح في الوقت نفسه باباً على مستقبل ينتقل عبره اللبنانيون من دولة حصص طائفية متنوعة إلى دولة أو مزارع مذهبية إلى دولة لا طائفية أو مدنية. وهو لم يتحرَّج من استعمال كلمة علمانية لوصف دولة لبنان المستقبل كما يفعل الكثيرون اليوم خوفاً من اتهامهم بالإلحاد أو بالكفر، بعد تنامي الأصوليات في كل الأديان وفي كل المذاهب.
أحبائي مهما حَكِيت عن كمال جنبلاط لا أفيه حقه، فأنا لست مؤرخاً، لكنني مواطن شعر دائماً بالإعجاب بهذا الزعيم الذي أخذ من إقطاعيَّة عائلته الأصالة والتمسك بالأرض، والذي أخذ من الثقافة الغربية والمسيحية والثقافة العربية والإسلامية ومن الثقافات السياسية والدينية الآسيوية ومن التجربة الشيوعية الاشتراكية الروسية، أخذ منها العناصر التي كوّنت شخصيته وفكره ووعيه وطموحه الى التغيير، وبدلاً من أن يدمّر ذلك شخصيته ويوقعها في التناقض كما يحصل مع الضعفاء وأنصاف المثقفين فإنه صقلها، وجعل مواقفها من كل القضايا منسجمة صغيرة كانت أم كبيرة. فالاهتمام بالفقراء وبالعمال وبالحركة النقابية والتمسك بيسارية تقدمية غير شيوعية تشبه إلى حدّ بعيد اشتراكية دول اسكندنافيا الأوروبية، وإصراره على دولة مدنية علمانية حديثة في لبنان، وتمسكه بإلغاء الطائفية وفي الوقت نفسه بالمحافظة على “أدوار” الطوائف والمذاهب المكِّونة للبنان والعائشة فيه، واعتباره عن حق أن العروبة الحقّة تحمي لبنان أو تساعده على حماية نفسه لا عروبة التسلط والاستبداد، وأن إسرائيل عدو أو شرُّ يجب الانتباه منه، وخوفه من مخططات الدولة الكبرى ومصالحها التي غالباً ما تكون على حساب مصالح الدول والشعوب الصغيرة والفقيرة وأيضاً الغنية والأكبر حجماً، فكل ذلك يؤكد شمولية هذه الشخصية وإحاطتها الواسعة بكل شيء وصفاء صاحبها وقدرته اللامحدودة.
لن أسترسل في هذا الكلام. أودّ أن أقول أمراً واحداً فقط هو أنني كنت دائماً من الذين يلومون الزعامات المسيحية وخصوصاً التي وصلت منها إلى رئاسة الجمهورية والأحزاب المسيحية لأنها لم تبادر بعد تسليم فرنسا دولة لبنان للمسيحيين، وإن مع مشاركة مسلمة، إلى إقامة شراكة وطنية فعلية تضم المسلمين والمسيحيين، وتبني دولة يفتخر مواطنوها بالإنتماء إليها وبالتضحية في سبيلها، وتلغي المخاوف المسيحية من الذوبان في المحيط الإسلامي والغبن المسلم جراء الامتيازات والضمانات المسيحية التي لم تضمن مسيحياً ولم تميّز مسيحياً، ولو حصل ذلك لما كانت كل طائفة سعت ولا تزال تسعى إلى “تحالف” وهمي مع قوة كبرى إقليمية أو دولية من أجل تعزيز موقعها في الداخل وسلطتها على حساب الطوائف الأخرى، ولما كان سيشهد لبنان أول ثورة “بدائية” بعد قليل من الاستقلال عام 1958، ثم أول حرب أهلية ما بين 1975 و1990، بل أول حرب بين قوى إقليمية ودوليّة جنودها ووقودها اللبنانيون.
إنطلاقاً من ذلك، لا بدّ من القول إن الإنصات إلى الشهيد كمال جنبلاط منذ بدئه حياته السياسية كان يمكن أن يجنِّب لبنان الانحدار من نظام الحزبين (كتلويين ودستوريين) اللذين يضمّان مناصرين من كل الطوائف والمذاهب والمناطق إلى نظام الأحزاب الطائفية، وإن احتفظ بعضها بأسماء وطنية أو عربية أو اجتماعية، وإلى الحرب المسيحية – الإسلامية ما بين 1975– 1990، ثم إلى الحرب السنّية- الشيعية الباردة ما بين 1990 و 2005 التي تحوّلت حامية بعض الشيء بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. وفي هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى أن البرنامج المرحلي “للحركة الوطنية اللبنانية” بقيادة كمال جنبلاط بمضمونه العملي والدقيق والموضوعي ولاسيما في شِقّ الإصلاح السياسي فيه، كان يمكن أن يجنِّب لبنان الأهوال الماضية والحاضرة والأهوال المستقبلية، ومن يدقق في هذا البرنامج يرى أنه يتقدم حتى على “اتفاق الطائف” في أمور عدة.
ويرى المدقِّق أيضاً أن مثله فتح باباً أمام انتقال لبنان من دولة الطوائف والمذاهب إلى دولة مدنية علمانية أي دولة المواطن.إن وقوع كمال بك جنبلاط ضحية مخططات إقليمية وربما دولية لا يقلِّل من أهميته وحجمه ووعيه المبكر للأخطار التي واجهها لبنان. فضله الدائم أنه حذَّر دائماً وقبل سنوات من الذي حصل، ودعا إلى التسوية الوطنية الشاملة، لكن أحداً لم يصغ إليه والإصغاء كان يجب أن يبدأ قبل 1969 تاريخ أول صدام فلسطيني – لبناني رسمي مسلح، إذ كان الصدام إيذاناً بأن تنفيذ مخطط الاستيلاء على الدولة أو نصفها أو تدميرها قد بدأ.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”طلال سلمان” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=””class=””]

طلال سلمان عن المعلم كمال جنبلاط

قال لي وقد أخذ بحماستي للعـــروبة
يا عمي، أقرن العروبة بالديموقراطية!

قال بعد وفاة عبد الناصر : خسرنا بطلاً عربياً عظيماً
لكن لو أن نظامه كان ديمقراطياً لما حصلت النكسة

طلال سلمان
طلال سلمان

كنت يافعاً حين التقيته أول مرة في دار المختارة، فبهرني بداية بتواضعه، سلوكاً ولباساً وصوتاً خفيضاً وابتسامة تلتمع بداية في عينيه قبل أن تضيء وجهه، ثم بقدرته على الجمع في الاهتمام بين بسطاء الناس المحتشدين في القصر ومن حوله الذين شدتهم الشعارات المدوية بوعدها المثير: “وطن حر لشعب سعيد”.. وبين كبار القوم، في الداخل والخارج، من ساسة ومفكرين ودبلوماسيين، يجيئونه للتشاور أو للإستنارة برأيه.
كنا نقطع الطريق إلى قصر الست شمس، متسلقين درج الدار نفسها لنبلغ مدرسة المعارف الإبتدائية الصغيرة تلك التي ألحّ المعلمون المعدودون فيها على تحدي أنفسهم وتحويلها إلى تكميلية، فكافأهم كمال جنبلاط بتقديم القصر ليكون المدرسة.
كنا، نحن الفتية الآتي بعضنا من البعيد إلى مدرستها الرسمية، نعبر متسلقين درج القصر، وقد غطته الشعارات التي لها في قلوبنا رنين: وطن حر شعب سعيد، والعلم الأحمر تتوسطه الكرة الأرضية وقد تقاطع فوقها المعول والقلم.
كان قبو ملحق القصر الذي غدا الآن متحفاً قد تحول إلى “سينما الشعب”، وكانت جريدة “الأنباء” أول طريقنا إلى القراءة السياسية المباشرة، وكانت بالنسبة إليّ أول منبر يتاح لي أن أكتب بتوقيعي، وفي بريد القرّاء، بعض الخواطر الوجدانية التي استولدتها الشعارات والأعلام وموقع القلم عليها، خصوصاً أنني لست على علاقة وطيدة بالمعول.
كنا ننتظره عصر كل خميس وهو قادم من بيروت بسيارته المرسيدس السوداء، ونسمع انه مُنع من قيادتها بنفسه لأن أفكاره قد تشغله عن الطريق.
وكنا نراه في الصباحات المشمسة لأيام الجمعة والسبت أحياناً وهو يضرب أرض الحديقة تحت القصر بمعوله، ووليد الطفل آنذاك يمسك بمعول صغير ويحاول أن يداري الشمس عن عينيه الزرقاوين بكفه اللدنة بينما تطارده مربيته السويسرية بالقبعة.
وكان يأتينا من يهمس في آذاننا أحياناً أن “كمال بك” قد قصد “كوخه” في أعلى المختارة، تحت بطمه مباشرة، ليختلي بكتبه وأوراقه وأفكاره، يقرأ ويفكر ويكتب، فنحرج من رفع أصواتنا، مهابة، بوهم أنها قد تزعجه!
من الصعب أن يتحدث جيلي عن كمال جنبلاط، السياسي والمفكر والكاتب والشاعر أحياناً، بلا عاطفة… حتى بين خصومه كان الإعجاب يخالط الإعتراض، وكان التقدير يحفظ للخصومة كرامتها، ذلك أن كمال جنبلاط كان صريحاً في خصومته أو معارضته السياسية من دون إسفاف، وكان حاداً في رفض ما لا يقتنع به لكنه لم يصل أبداً إلى رفض الآخرين ولم يخطر بباله أن يلجأ إلى غير الكلمة والموقف في حروبه التي نادراً ما هدأت.
في ربيع 1974 وعشية إصدار “السفير” ذهبت إلى كمال جنبلاط في منزله أشرح له تصوري للجريدة الجديدة.
قال لي وقد أخذ بحماستي للعروبة: يا عمي، أقرن العروبة بالديموقراطية. شرط انتصار الفكرة العربية أن تتواكب فتتكامل مع الديموقراطية. إن الأنظمة التي رفعت شعار العروبة قد حكمت غالباً بالقمع فأساءت إلى فكرة العروبة وشوّهتها ونفّرت الناس منها. صارت العروبة تشبه الحاكم الذي يدّعي تجسيدها والناطق بإسمها، فنفر منها الناس.
وافقته بطبيعة الحال وذكّرته بتجربة جمال عبد الناصر فقال جنبلاط بشيء من الحسرة:
خسرنا بطلاً عربياً عظيماً، وفي تقديري أن نظامه قد قتله. إن عبد الناصر أرقى من نظامه بكثير، ولكن نظامه كان لسنوات طويلة أقوى منه. لعله لم يتحرر من قيود النظام القمعي إلا بعد النكسة. لو كان نظام عبد الناصر ديموقراطياً لما توفّرت لإسرائيل فرصة ذلك الإنتصار الهائل الذي سيفرض علينا القهر لزمن طويل.
بعد صدور “السفير” إتصلت طالباً موعداً فقال: بل أنا سأجيء لزيارتكم…وجاء كمال جنبلاط فسمعنا منه امتداحاً لاتساع “السفير” للآراء المعارضة لنهجها السياسي. قال: هذه نبرة لبنانية تفيد العرب في تحركهم نحو المستقبل، لا تخافوا ممن يخاصمكم، الضعيف لا يخاصمه أحد.
يمكن القول بإمتياز إن كمال جنبلاط هو شهيد الديموقراطية بإمتياز، كما هو شهيد العروبة بإمتياز، بل إنه شهيد الغلط الذي أوقع التصادم بين شعار العروبة والديموقراطية.
وها نحن بعد أكثر من أربعين عاماً من الغياب نستمر في دفع ضريبة الدم الباهظة، نتيجة الافتراق بين الشعار العربي الذي رفعه الكثير من الأحزاب والحركات السياسية في ظل حدّ أدنى من الديموقراطية كانت تتمتع به في بلدانها ذات الأنظمة المدنية شبه الديموقراطية، وبين الممارسة القمعية التي لجأت إليها حين تسلقت الدبابة إلى السلطة بذريعة حماية العروبة… في حين أن الدبابة التي حمت السلطة قد سحقت أول ما سحقت العروبة ومعها الديموقراطية بذريعة حماية النظام من أعدائه الذين تحولوا فجأة من حلفاء وأصدقاء بل ورفاق في العقيدة، إلى عملاء للإستعمار والإمبريالية والصهيونية.
إن دماء كمال جنبلاط ترسم لنا الطريق إلى الغد: فلا مقاومة للإحتلال الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الأميركية التي بات لها الآن عنوان ناصع مكتوب بالنجيع العراقي، إلا بإعادة الاعتبار إلى العروبة لتكون حركة بناء الغد…
وإعادة الاعتبار تقضي أول ما تقضي بإنهاء الفصل التعسفي بين الديموقراطية والعروبة.
إن العروبة الآن في المعارضة..معارضة في الشارع لنظم الطغيان، ومعارضة مقاومة للإحتلال الأجنبي، لا فرق بين أن يكون أميركياً أو إسرائيلياً، وليس جديداً الاكتشاف أن الطغيان حليف موضوعي للإحتلال، يمهّد له ويحميه، وأن الاحتلال حليف موضوعي للطغيان يرعاه ويزينه للناس ويحميه.
وبين المزايا النادرة لهذا النظام اللبناني أن بقية من ديموقراطية فيه، بفضل التنوع، قد وفّرت مناخاً صحياً لمقاومة الاحتلال الصهيوني، بالسلاح كما بالعقيدة والصمود الشعبي… وهكذا تضم قوائم الشهداء مجاهدين من حزب الله وحركة أمل كما من الحزب الشيوعي والحزب القومي والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب البعث وتنظيمات أخرى تؤمن بأرضها وبشعبها.
إن كمال جنبلاط يسكن في الديموقراطية وفي العروبة وفي الشعار الذي استذكره بهياً مكتوباً بالأحمر على مدخل “سينما الشعب” في المختارة التي تعرفت فيها وعبر العلم الذي يتقاطع فيه المعول مع القلم، إلى كل لبنان: “وطن حر لشعب سعيد”.
لنواصل المسيرة نحو كمال جنبلاط الذي ينتظرنا في غدنا غد العروبة والديمقراطية والتحرر.

المعلم مع الرئيس عبد الناصر
المعلم مع الرئيس عبد الناصر

الدبابة التي حمت السلطة سحقت أول ما سحقت العروبة ومعها الديموقراطية بذريعة حماية النظام من أعدائه الذين تحولوا فجـأة من رفاق في العقيدة إلى عمـــلاء للإستعمار

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”عايدة الجوهري” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=””class””]

في أن تكون نائباً

الديمقراطية التمثيلية عند كمال جنبلاط

دعا إلى المساواة الطبيعية والجوهرية من دون تمييز
واعتبر هذا المبدأ مرتبطاً بتساوي البشر أمام الله

سعادة الإنسان وتفتّحه هما الغاية النهائية لكل جهد بشري

كلما تقدّم الزمن تفقد الديمقراطية التمثيلية في الأنظمة العربية معناها، لتتحول إلى خدعة لفظية وبصرية، لم تؤد ما يتوخى منها، ويتكشف فشل هذه الصيغة في التعارض الصارخ بين أداء معظم نواب الأمة في الواقع السياسي الفاسد مع واجباتهم المفترضة أو ما يوزعونه بسخاء من وعود وشعارات عند تقدمهم لنيل أصوات المواطنين. ومن واجبات النائب البديهية وفق تعريف نظامنا التمثيلي العمل من أجل الخير العام، أي من أجل خير الناخبين وبمقتضيات الوكالة التي حصل عليها عبر العملية الانتخابية. إن التجربة اللبنانية هي مثال بليغ على تخلف النائب المكلف أو الموكل عن تنفيذ موجبات وكالته، وهذا الفساد في العلاقة بين الناخب والمنتخَب يبلغ أوجه في لبنان بسبب النظام الطائفي والولاءات الشخصية وغياب الأحزاب السياسية الوطنية كما إنه يعود إلى فساد نظام التمثيل نفسه.

هل هناك أمل؟
فما العمل إذاً؟ وهل هناك أمل لبلدنا وغيره من البلدان النامية التي لا تمتلك تجربة سياسية وتاريخاً في النظام التمثيلي؟ هل نرضخ للمثل القائل:”كما تكونوا يولى عليكم” فنحَمِّل بالتالي أنفسنا كمواطنين جزءاً كبيراً من الوزر أو ربما الوزر كله؟ وهل يوجد نظام أفضل؟ ومن سيختاره ويقرّه؟ وهل يكفي النظام القانوني في غياب الوعي المدني وثقافة الشفافية والإفصاح والمساءلة ؟
مثل كثير من الناس شغلني دائماً الزيغ الحاصل في وظيفة النائب والتناقض في أغلب الحالات بين ماهية دوره والتي هي تمثيل مصالح الشعب والعمل للصالح العام، وبين دوره الفعلي على أرض الواقع وآثاره السلبية على المجتمع، وليست غايتنا هنا التعميم بالتأكيد، إذ شهدت الساحة النيابية في لبنان عبر عدة حقب بروز برلمانيين صادقين وقيادات شعبية سعت فعلاً إلى تمثيل المواطن وتوفير التشريع وأسلوب الحكم اللذين يراعيان مصالح الناس ويعبران عن تطلعاتها وتطلعات الأجيال الشابة، لكن وجود الإستثناء لا يلغي صحة القاعدة وظهور مصلحين أفراد لا يلغي الصورة غير المفرحة لطبقة السياسيين المحترفين في أغلبهم، مما يعني أن المشكلة قائمة وطويلة الأمد.
في ضوء هذا الواقع راعني دوماً الإبهام النظري في تعريف دور النائب ومسؤولياته واقتصار التعريف على مسألة التشريع، وتساءلت كيف يمكن لهذا النائب الذي ينتخب على أساس عائلي أو طائفي أو بسلطان المال أو بتدخل الأجنبي أن يقوم حتى بدوره المفترض كمشترع ناهيك بدور المصلح أو “:المنقذ” إلى ما هنالك من الصفات الطنّانة لكن المفتقدة لأي مصداقية في عين المواطن المحبط.

وثيقة تاريخية
خلال بحثي عن بعض أجوبة لهذه الإشكاليات وقعت على كتيّب للمعلم الراحل كمال جنبلاط، وهو كناية عن محاضرة ألقيت يوم 15 آذار 1947 ضمن سلسلة محاضرات الندوة اللبنانية حملت عنوان “رسالتي كنائب”. كان كمال جنبلاط قد انتخب نائباً في البرلمان اللبناني خلفاً لعمه حكمت جنبلاط وعمره لم يكن قد تجاوز الثلاثين عاماً، وقد فوجئت فعلاً بعمق هذا النص وما حمله من تعريفات ومن اقتراحات بشأن دور النائب ومسؤولياته، لذلك ومن أجل تسليط الضوء على ذلك النص القيّم سأورد هنا بعض أهم ما جاء فيه، إذ إنني وجدت في أجوبة كمال جنبلاط السياسي الشاب والمثقف التقدّميّ الذي كان قد تخرج محامياً من جامعة السوربون في باريس ما يساعد على التفكر في الموضوع الشائك للديمقراطية النيابية وأفكاراً جريئة وعملية قد نكون في أمس الحاجة إليها في هذه المرحلة التي نشهد فيها انهيار التقليد البرلماني والحكم المسؤول الذي عرفناه قبل دخول مرحلة التدهور التي دشنتها الحرب الأهلية.

كمال-جنبلاظ1
كمال-جنبلاظ

بين السياسي ..ومحترف السياسة
يبدأ كمال جنبلاط محاضرته في الاتجاه المعاكس، معبراً عن عدم حماسته للموضوع المكلّف بمعالجته، ليس من قبيل الاستخفاف بدور النائب، بل بسبب نفوره ممن يسميهم فئة السياسيين المحترفين أو محترفي السياسة، والكلمة الأخيرة هي ترجمة تقريبية لمصطلح Politique politicienne الفرنسي الذي لا توجد ترجمة عربية له، والذي يمكن أيضاً ترجمته إلى “سياسة سياسوية” والتي تدل في ما تدل على السياسي (رجلاً أو امرأة) الذي يستخدم الجماهير لأغراضه وطموحاته ولا يملك المعرفة ولا الترفع الضروريين لحسن إدارة الشأن العام. ولو قُـيِّض لكمال جنبلاط لكتب على باب الندوة النيابية “لا يقبل محترفو السياسة في هذه الندوة”، مثلما كتب أفلاطون على باب جمهوريته قاصداً الشعراء، فهذه الفئة من محترفي السياسة تستمدّ أساليبها من نفعية مركانتيلية إلى ميكيافلّية خطرة إلى علم ناقص وهو الأشد خطراً، لكن كمال جنبلاط لم يكن ليتشاءم من ديمقراطية ناقصة أو مشوهة حسب ما يعتقد لأن الديمقراطية بطبيعتها نموذج محكوم مثل كل الظواهر بالتطور والإرتقاء بتأثير التعلم من التجارب وحركة التاريخ وجدلية الأضداد مثل الشر والخير، والظلم والحرية، والرأسمالية والعمل، والجهل “والعلم الواعي، والضلال والحقيقة.

مرتكزان أساسيان للديمقراطية
بعد هذه المقدمة ينتقل جنبلاط إلى تعريف مصطلح الديمقراطية ممهداً لتعريف دوره كنائب، فيبدأ بسرد الأخطاء الدموية التي ارتكبت بإسم الديمقراطية أو “حكم الشعب” بدءاً من قادة الثورة الفرنسية وانتهاءً بهتلر وستالين، ليعرض ما يعتقده الأسس الأولية لتجسيد هذا المفهوم ويحصر هذه الأسس بإثنين:
أولاً: حرية الإنسان بالمعنى الفعلي
ثانياً: المساواة الطبيعية والجوهرية بين البشر من دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو ما شابه من التصنيفات، وهو يعتبر هذا المبدأ مرتبطاً بالمساواة أمام الله، علماً أن المساواة أمام الله لا تقضي بالضرورة بتساوي البشر في الدنيا، ولكن القبول بحتمية وجود الفوارق الاقتصادية بسبب اختلاف الكفاءة والمهارة وغيرهما من العوامل يجب أن لا يغطي الحاجة الأخلاقية لحماية الضعفاء الذين لا يستطيعون مجاراة القوي في المنافسة القاسية التي تحكم أسلوب عمل النظام الرأسمالي.
ويعتبر كمال جنبلاط أن المساواة الجوهرية تجعل الإنسان غاية إزاء أخوانه وإزاء المؤسسات البشرية، والمهنة والدولة والعائلة، لأن الوظيفة الحقيقية لهذه المؤسسات هي خدمة الإنسان بما يتفق وتفتّح شخصيته وتحقيق غاياته الأساسية المادية والمعنوية، متبنياً كنه الفكر الإنساني التنويري الذي يجعل الإنسان وتفتحه وسعادته غاية كل جهد بشري.

“كمال جنبلاط قَبل بحتمية نشوء فوارق اقتصادية لكنه أصرّ على ضرورة حماية الدولة للضعفــاء “

ولا يفوت كمال جنبلاط المثالي الصوفي التوحيدي أن يرهن الديمقراطية بالحب لا الإلزام، إذ لولا هذا الحب الذي يعصف في عقل الفنان والشاعر ورجل العمل والمبدع إلى أي فئة انتسب، لما أمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية. وتركيزه على لزوم المحبة للديمقراطية جعله يعرف فن الحكم كتوفيقٍ وجمع بين “تفهم محب وعمل كريم، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين حالة الحق وحالة الواقع، بين القوة والفعل، وفق مثال يخطه الحاكم لنفسه”.
إلا أن جنبلاط لم يكتف بعامل المحبة في بناء الديمقراطية، فالقانون هو الوجه الآخر لروح المحبة والعدالة، ولروح التفهم العميق لقيم الشخصية والبشرية والمصلحة العامة والحق الطبيعي، وهو الحجر الأساس لترسيخ الديمقراطية وحماية المجتمعات من الاستبداد، لكن سلطة القانون التي تحمي الديمقراطية لن تجدي نفعاً، ما لم يواكب القانون وعي وسلوك عامان، فالحرية “إنما تكون في قلوب النساء والرجال، فإذا ماتت فلا الدستور ولا القانون ولا القضاء يسعه أن يضع شيئاً يذكر لمساعدتها”، أي أنه يراهن على شيوع ثقافة الديمقراطية والحرية أكثر من مراهنته على القوانين الرادعة والناظمة.

ماذا تعني الحرية لكمال جنبلاط؟
لا ينتمي كمال جنبلاط إلى أولئك الذين يقصرون الحرية على حرية التعبير وحرية الفكر والتجمع وحرية السلوك الاجتماعي والاقتصادي، أي الليبرالية بما هي إعلاء لقيم الفردية على حساب الجماعة. فحسب كمال جنبلاط إن الحريات الشخصية والاجتماعية والسياسية التي ينشدها المرء، تفقد معناها إذا اقترنت بفوضى إقتصادية لا تهتم بمصائر البشر، ولا تأخذ بعين الاعتبار مصائر مختلف الشرائح الاجتماعية ولاسيما الضعيفة منها. فإن حصل هذا التجاهل وأصبح كل فرد مهتماً فقط بنفسه وكل جماعة مهتمة بنفسها فإن “الحقوق الطبيعية” التي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان مثل الحقّ في الحياة والعمل والكفاية المعيشية والتعليم والتطبيب والراحة والتقاعد تصبح مجرد حقوق نظرية وفارغة من أي معنى، وهو لذلك يتساءل: “وما الفائدة من أن نُقِرّ للمرء حقه في الحياة والعيش عندما يصعب على فئة كبيرة من الشعب أن تعيش؟” و”ما الفائدة من حرية العمل، عندما يتعسر أو يستحيل وجود هذا العمل لملايين من العاطلين عن العمل؟” والقول نفسه يصح في حق الإنسان في الراحة، وحقه في التطبيب، وفي الإعانات العائلية وفي التقاعد وفي السكن وفي التسلية وفي التعليم إلخ….

رؤية سبّاقة
بهذه الطريقة يربط كمال جنبلاط بين الحقوق السياسية من جهة وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إذ يعتبر هذه الحقوق متلازمة فلا حرية سياسية من دون إكتفاء إقتصادي وفرصة لعمل كريم ورعاية للأسرة وللصحة وفرصة للتعليم ولا معنى للكفاية الاقتصادية أو للعمل إذا كان الثمن الحرمان من الحريات السياسية كما حصل في الأنظمة الشيوعية أو الفاشية الإستبدادية، لذلك فإنه يدعو إلى استيعاب فكرة المساواة الاقتصادية التي تدعم المساواة السياسية أمام القانون، والعمل بمبدأ تكافؤ الفرص في سبيل تنمية مواهب الأفراد وثرواتهم، وهو بذلك يعبّر عن رؤية سبّاقة بكل معنى الكلمة، إذ إن هذه الأفكار التي عبّر عنها في العام 1947 هي التي قامت عليها “شرعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية” التي أقرّتها الأمم المتحدة في الستينات كمكمّل لشرعة حقوق الإنسان السياسية والفردية التي ترافقت مع تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

“رسالتي كنائب”
بعد أن يعرّف كمال جنبلاط الديمقراطية، ينتقل إلى تحديد رسالته كنائب منطلقاً من تعريفه السابق للديمقراطية، تلك التي تجمع بين “الحرية” (أي الحريات السياسية) و”الطمأنينة” (أي الأمان الاقتصادي والمعيشي)، ووفق مفهوم خاص لدور النائب، يخرج عن إدعاء مجرد النطق بإسم الجماهير، والإنابة عنها لأنها اختارته، وهو يعرّف دوره كنائب على الشكل التالي:
“إن رسالتي كنائب تشمل في الجوهر تفهم وتفهيم الديمقراطية الصحيحة لمواطنيّ اللبنانيين، هي في أن أعكس لهم في تفكيري وشعوري وفي كتاباتي وفي عملي شيئاً من هذه الروح الإنسانية الخلقية البناءة…. فتجعل منهم جميعاً، أو من أكثريتهم الساحقة على الأقل، مواطنين أكفاء مخلصين لوطنهم، وكتلة واعية فاهمة تقدس الطبيعة الإنسانية”.
ويضيف: “رسالة النائب هي في أن يشع حوله هذا الإكتناه وهذا التكريم للشخصية الإنسانية من حيث هي غاية في حد ذاتها وللحريات العامة التي ترتكز عليها: حرية المناقشة، حرية الاجتماع، حق تكوين الجمعيات، حق العمل وحق العيش، تلك الحريات التي في صيانتها الأساس الوحيد لقيام وبقاء الديمقراطيات”.
وعلى الدولة بالتالي أن تصمم مؤسساتها وقوانينها ونهج الحكم بما يصون الحق الطبيعي في الحياة وفي الحرية وفي السعي وراء السعادة والطمأنينة لا أن تقوم بما يعاكس أو يحبط إمكان التمتع المسؤول بتلك الحقوق.

يوضح هذا العرض مصادر كمال جنبلاط المعرفية في تلك المرحلة المستقاة من الفلسفة الإنسانية Humaniste ومن منطلقات “ديكارت” ومن شرعة حقوق الإنسان ومن أسس الليبرالية الغربية السياسية لا الاقتصادية ومن الأفكار اليسارية الاشتراكية، ومن الروحانيات الشرقية التوحيدية، ومن نظريات برغسون، وفكرة المحبة وارتباطها بالديمقراطية وهو لا يكفّ في رسالته القصيرة هذه عن الاستشهاد بالدستورين الأميركي والانكليزي، وهو يحسم أمره في أن مفاهيم الديمقراطية والحريات العامة والقوانين المطابقة للحق الطبيعي ذات منشأ غربي، مشككاً في الدعوات السلفية، ودعوات الأفغاني ومريديه الذين اعتقدوا بإمكان إحياء مدنية شرقية سياسية مختلفة جوهرياً عن مدنية الغرب، التي هي “مدنية العالم”.

“استهجَن الديمقراطية اللبنانية التي تقوم على تقسيمات جغرافية وفئوية ولا تعير اهتماماً لمؤهلات النائــب الأخلاقية والتزامـه الديمقراطي”

كمال-جنبلاظ
كمال-جنبلاظ

النائب ليس مجرد ناطق بإسم ناخبيه!
ينتقل كمال جنبلاط للتأكيد على أن النائب “ليس محامياً عن مصالح معينة أكانت قومية أم سياسية أم إقليمية، وقبل أن يكون متزعماً لفكرة وممثلاً لصوفية خاصة ولمبدأ ولحزب” فإنّه “باني الديمقراطية ومؤسس الدولة”، مستخفاً بمفهوم “الوكالة” التي تفترض أن يمثل النائب وجهة نظر ناخبيه، أيّاً كانت، وهو الذي شكك في أكثر من مكان بالديمقراطية العددية، وروّج لنظرية النخبة والتفوق العقلي والأخلاقي والثقافي، أي لـ “أرستقراطية عقلية وأخلاقية”، ولكن هذا الطموح المثالي يطرح إشكالية التوفيق بين ضمان قيادة النخبة المتفوقة عقلياً وأخلاقياً ونظام الاقتراع العام حيث لكل شخص وبغض النظر عن مكانته أو تعليمه أو حسن اطلاعه صوت يساوي صوت فرد من النخبة المثقفة أو النخبة السياسية أو الحاكمة مهما كانت مكانته..إلا إذا افترضنا (على سبيل التهكم) أن الجماهير قد توصلت هي الأخرى إلى ثقافة ووعي إستثنائيين؟!.
نستعرض اليوم كيف فهم جنبلاط رسالة النائب، كان من الطبيعي لذلك أن يعرب عن تعجبه أو استهجانه لواقع الديمقراطية اللبنانية التي تحصر التمثيل النيابي في لبنان بتقسيمات جغرافية وتصنيفات فئوية مقنّعة (وإن كان القانون لا يشير إليها صراحة) تحتاج إلى مسّاح Topographe يحصي الكيلومترات، وإحصائي يحصي الأنفار في كل منطقة، مستغرباً أيضاً أن تكون هناك حاجة لاستخدام تعبير “نزاهة الانتخابات” وهي كلها معايير وتصنيفات لا تتصل بوظيفة النائب ولا تعير أي اهتمام لمؤهلاته الأخلاقية والفكرية والتزامه الديمقراطي الفعلي.
كم تبدو الرؤية السبّاقة للنائب الشاب كمال جنبلاط بعيدة اليوم عن واقع التمثيل النيابي في لبنان وواقع دور النائب وقد تدهورت صفة النائب مع الأزمات واندلاع النزاعات الطائفية لتصبح مجردة من أي معنى وبعيدة كل البعد عن التعريف الذي وضعه كمال جنبلاط وتمنّى أن يشهد تطبيقه في الحياة النيابية، مع ذلك، فإن تلك الرؤية التي مرّ عليها الآن سبعون عاماً بالتمام، ما زالت تنبض بالصدق والخيال السياسي للمصلحين الكبار أولئك الذين بذلوا قصارى طاقتهم للإرتقاء بزمنهم وبمجتمعهم والذين حتى عندما لم يتوصلوا إلى تحقيق كل طموحاتهم تركوا على الأقل للأجيال التالية دستوراً وشرعة سلوك واضحة كضوء النهار.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”المعلم في صبيحة يومه الأخير يصدح بنشيد «الذات الخالدة»” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

«لست خائفاً من الموت»

حياة كمال جنبلاط المعلم الكامل كانت بصغيرها وكبيرها حياة تجليات لم تتوقف وحياة جِدّة جعلت كل مقالة له وكل موقف إشراقة خاصة وحكمة لا تكرر نفسها إطلاقاً، وقد زخرت حياة كمال جنبلاط بما لا تسعه مجلدات من المواقف والأقوال لكن، قليل منا الذي يدرك أهمية المقال الذي ادخره المعلم لآخر يوم في حياته الحافلة وهو يوم كان متوجهاً فيه إلى ما نسميه نحن الموت والذي أسماه هو بكل بساطة ووضوح في ذلك اليوم بالذات “الخلاص”.
في ذلك اليوم الفاصل، اليوم العظيم، جلس كمال جنبلاط على سريره الخشبي البسيط في المختارة وهو في حال من الغبطة التي يصعب أن توصف. حرص يومها قبل ساعات من موعده الأخير على أن ينشد في حال من السرور والغبطة “نشيد الذات الخالدة” من تأليف فيلسوف التوحيد الهندي الكبير أدي شانكارا الذي يعتبر الشخصية الأبرز في تاريخ الأدفايتا فيدانتا الهندية وهي فلسفة التصوف الهندي الذي نهل منها شعراء العرب والفرس المسلمون وانتقل الكثير من مفاهيمها بل وتعابيرها إلى التصوف الإسلامي وإلى العديد من التيارات الروحية في العالم.
يعود هذا النشيد إلى القرن الثامن الميلادي ويعتبره حكماء الهند من الأناشيد الخالدة لأنه يلخص في ستة أبيات فلسفة التوحيد وخلود الذات الجوهرية في ما يتعدى الجسد وعالم الحواس والمفاهيم والصور. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يصدح المعلم أمام زواره في ذلك الصباح بهذا النشيد قبل ساعات من موعده المرسوم .
فلنتأمل ملياً في هذا النشيد ليس فقط لأنه الرسالة الأخيرة التي حملت تفسير كمال جنبلاط لوهم الجسد وخلود الذات بل لأنه أيضاً من أبلغ الدروس التي تركها لمحبيه وتابعيه والسائرين في طريقه كزاد روحي لا يفنى.

نشيد الذات الخالدة

أنا لست الفكر ولا الذهن ولا الأنا ولا الذاكرة
أنا لست الأذنين ولا الجلد، ولا الأنف ولا العينين
أنا لست الفضاء ولا الأرض ولا النار ولا الريح
أنا الوعي المطلق بلا شكل أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً

أنا لست النّفّس ولا العناصر الخمس
أنا لست المادة ولا الحجب الخمس للوعي
أنا لست الكلام ولا اليدين ولا القدمين
أنا الوعي المطلق بلا شكل أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً

ليس هناك ما أحب أو أكره ولا يأخذني جشع أو انخداع
ليس فيّ ذرة من افتخار أو حسد
لست مقيداً بواجب، ليست لي رغبة بثروة
لست تائقاً لشهوة ولا حتى للخلاص
أنا الوعي المطلق بلا شكل أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً
لا فضيلة هنا أو رذيلة، لا سرور أو ألم
لست في حاجة إلى مانترا أو إلى حج أو كتب مقدسة أو طقوس
لست أنا ما تختبره الحواس ولست أنا الاختبار ذاته
أنا الوعي المطلق بلا شكل، أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً

ليس بي خوف من الموت، لا انتماء لي إلى طبقة أو عقيدة
ليس لي أب ولا أم لأنني لم أولدُ أبداً
لست نسيباً لأحد ولا صديقاً ولا معلماً ولا تلميذاً
أنا الوعي المطلق بلا شكل أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً

أصبحت خالياً من كل ثنائية وشكلي لا شكل له
موجود في كل مكان، متخللاً لجميع الحواس
لست متعلقاً ولا حراً ولا أسيراً
أنا الوعي المطلق بلا شكل أنا الغبطة
أنا شيـﭬا الخالد أبداً

[/su_spoiler]

 

[/su_accordion]

 

الروزانا

“الروزانا” الله يجازيها

الصورة أعلاه مأخوذة في العام 1916 من منطقة البترون اللبنانية إبان الحرب العالمية الأولى وهي صورة نادرة لأنها تؤرخ لحدث تاريخي قام خلاله تجار حلب بتهريب القمح والغذاء إلى سكان جبل لبنان المهددين بالمجاعة.
نجمت المجاعة يومها عن الحصار البحري الذي فرضه الحلفاء على شواطئ الولايات العثمانية في بلاد الشام فلم يعد يصلها أي مواد غذائية. في الوقت نفسه ومن أجل تخفيف آثار الحصار على جيوشها المشاركة في الحرب وضعت الدولة العثمانية يدها على تجارة السلع والمنتجات الغذائية وسخرت جميع موارد الولايات لتأمين المؤن للجيش العثماني، ثم زادت موجات الجراد مشكلة نقص الغذاء سوءاً فحصلت مجاعة حقيقية تمثّلت بندرة القمح في جبل لبنان واختفاء الخبز وكساد مواسم العنب والتفاح.
ويذكر أن سفينة إيطالية تدعى “روزانا” حاولت كسر هذا الحصار وحملت مادة القمح بهدف إيصالها إلى قرى جبل لبنان إلا أن الباخرة لم تصل إلى الشواطئ اللبنانية بسبب منعها من إكمال رحلتها وتحويلها إلى قوات الحلفاء المتمركزة على الشواطئ الشامية. ومع انتشار الخبر، ورغم القحط الذي كانت تعانيه حلب في تلك الفترة فإن التجار الحلبيين تنادوا إلى نصرة أخوانهم في لبنان وقاموا بتهريب مادة القمح بشكل كبير إليهم وشراء سلعهم من التفاح والعنب قبل كسادها الأمر الذي أنقذ الكثيرين من مجاعة محتملة.
هذه البادرة التاريخية من التضامن تحولت في ما بعد إلى موضوع أغنية (الروزانا) الشعبية التي غنّتها السيدة فيروز والأستاذ صباح فخري والتي تقول في جزء من كلماتها: عالروزانا عالروزانا كل الهنا فيها … شو عملت الروزانا الله يجازيها (بمعنى أنها لم تكمل رحلتها لإغاثة أهل جبل لبنان) يا رايحين عاحلب حبي معاكم راح… يا محمِّلين العنب تحت العنب تفاح” الخ.
(مقتبس بتصرف)

مساهمات حرة

فريد الأطرش 21 نيسان 1910- 26 كانون الثّاني 1974

عالميــة فريـــد الأطــرش فــي ذكـراه الثّانية والأربعين

بعيداً عن عَشَرات الكتب وآلاف الصّفحات التي كُتِبَتْ عن الموسيقار فريد الأطرش، يشرّفني أن أسلّط الضّوء على موضوعٍ لم يتطرّق إليه أحد سابقاً وهو عالميّة الفنّان فريد الأطرش. وهناك حقائق تؤكّد يوماً بعد يوم أنّ هذا الفنّان نَهَدَ إلى العالمية في إبداعه الفنّيّ وكان له ما أراد…وسأذكرُ بعض الأحداث التي كان فريد محورَها وتشير بوضوح إلى البُعد العالميّ الذي اتّخذه فنّه وشخصه
1. منظّمة اليونسكو الدّولية أعلنت العام 2015 عام مئوية ثلاثة عمالقة عالميين في مجال الفن وهم فرانك سيناترا، أديت بياف وفريد الأطرش ودعت العالم أجمع لتكريمهم.
2. عام 1975 أي بعد وفاة فريد الأطرش بعامٍ واحد، منحته فرنسا وسام الخلود الفني الفرنسي والسبب هو أنّ فريد كان أوّل من قدّم كونشيرتو منفرد على البيانو.وممّا يجدر ذكره أنّ الوحيدَيْن اللّذَيْن نالا هذا الوسام الفرنسيّ هما بيتهوفن وشوبان
3. شارل أزنافور المغني الفرنسيّ العالميّ الذي زار القاهرة عام 2008 وقدّم فيها حفلَيْن الأوّل في أوبّرا القاهرة والثّاني في الإسكندرية، وأُقيمت له مناسبات تكريميّة عدّة، عَقدَ مؤتمرا صُحُفيّاً غصّ بممثليّ الصّحافة المصريّة والعالميّة ولمّا سأله أحد الصّحفيّين العرب: لمن تسمع من الفنّانين العرب؟ أجاب أزنافور وسط دهشة الحاضرين: “إنّ عبد الوهّاب وأمّ كلثوم من أصدقائي وقد كنتُ شخصياً السّبب في مجيء أمّ كلثوم إلى الأولمبيا في باريس، ولكن اسمحوا لي أن أقولَ إنّ محبوبي بامتياز وبالمطلق هو فريد الأطرش وإنني مؤمنٌ بموسيقاه وعبقريّته! “ صحفي مصري آخر سأله عندئذ: “لماذا فريد الأطرش بالذّات؟؟” وكان جواب أزنافور: “لأنّه بكلّ بساطة نجح في أن يطوّر الموسيقى الشّرقيّة بطريقة إبداعيّة مازجاً بين أصالته كشرقيٍّ وتأثّره بموسيقى الغرب، ممّا خلق مزيجاً نستطيع القول بأنّه عالميّ، والدّليل على ذلك أنّنا نجد تطبيق التّوزيع الأوركسترالي ممكناً لأغلبيّة أغاني فريد الأطرش.
4. عندما قدّم البيتلز أسطوانتهم الأشهر REVOLUTION قالوا في مؤتمر صُحفي:جزءٌ من هذه الأسطوانة مأخوذٌ من أغنية “أوّل همسة” للموسيقار العربي فريد الأطرش.
5. بتاريخ 7 أيلول عام 2009، وفي مجلّة فرنسية MIX MONDO، ريبورتاج على عشر صفحات عن أشهر المطربين-الممثلين في العالم. وقد أورد الكاتب لائحة الأسماء على الشكل التالي: تينوروسي- فريد أستير- ألفيس برسلي- فريد الأطرش- بيتر ألكسندر- كلوديو فيلا- أنطونيو مولينا- وأخيراً كاريل غوت. ومُرفق مع هذه اللّائحة دراسة مستفيضة عن كلّ نجم منهم وتبرير وضع اسم فريد الأطرش بين هذه الأسماء كان باختصار شديد أنّه مثّل 31 فيلماً موسيقيّاً سينمائيّاً، ممّا يعادل مجموع ما مثّله كافّة المطربين الآخرين.
6. في مؤتمر صُحفي عقده المطرب الشّاب خالد بعد حفلته في أولمبيا باريس بإدارة برونو كوكاتريس، وعندما تهافت عليه الصّحافيون الأجانب وبعد نجاحه الكبير، سألوه السّؤال التّقليديّ:بمَن تأثّرت من الفنّانين العرب؟ أجاب بجرأة: في بداية رحلتي الفنّيّة في الجزائر تأثّرت بشكل خاص بالموسيقار فريد الأطرش، وكان بالنسبة لي النّموذج والمثال.
7. في الفيلم الفرنسيّ EMMA VILLE استعمل المخرج في مُقَدَّمته أغنية “قلبي ومفتاحه” لفريد الأطرش كاملةً باللّغة الفرنسيّة بعنوان “ELLe est d`ailleurs” وغنّاها المطرب الفرنسيّ Pierre Bachelet .
8. في مجلّة Magazine GQ الفرنسيّة والتي لها فروع في بلجيكا وإسبانيا وإنكلترا، نشرت بتاريخ 4 شباط عام 2011 ريبورتاجاً بعنوان”الأيقونات الخمسةَ عشْرَة لمصر في العالم أورد بين السيّاسيين ذُكر أسم جمال عبد الناصر وبين المطربين اسم فريد الأطرش.
أختم بما قاله الأديب المصريّ الكبير إحسان عبد القدّوس:”لقد ظُلم فريد الأطرش في المَرئي والمَقروء والمسموع، كما ظُلم المتنبّي في كتاب أبي فرج الأصفهاني (الأغاني)، ولكن بقي المتنبّي أميراً للشّعراء وبقي فريد الأطرش أميراً للفنّ”.
المهندس محمود الأحمدية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكراً للمهندس محمود الأحمديّة على هذا التّوثيق السّهل الممتنع وشكراً للأستاذ رئيس التحرير على هذ الاهتمام

دكان بقـّال في دمشق في مطلع القرن العشرين
دكان بقـّال في دمشق في مطلع القرن العشرين

دولة لبنان الكبير

العوامـل والحِسابــات الدّوليــة والمحلّيّـة التـي ساهمـت فـي قيــام دولــة لبنــان الكبيــر

الصّهيونيّة أدركت أنّ إنشاء الوطن اليهوديّ غير ممكن
من دون تقسيم بلاد الشّام وإحباط مشروع الدّولة العربيّة

الجنرال «دي بوفور» رسَم الكَيان اللبناني عام 1865
وشَطْحة قلم من كليمنصو كادت تضمّ دمشق إلى لبنان!

البطريرك الحْوَيِّك رفض عرضًا يهوديًّا بالتخلّي عن الجنوب
مقابل مساعدات ماليّة وضمان «أكثريّة مسيحيّة» في لبنان

انت سوريا، أو بلاد الشام، تضمّ المناطق الممتدّة من حدود سوريا الشّماليّة مع تركيا (أو الإمبراطوريّة العثمانيّة)، حتى سيناء، أو الحدود الجنوبيّة لفلسطين، مشكلة ما اصطلح على تسميته بـ “سوريا الطّبيعيّة” بمعناها الجغرافيّ الأصيل، إلّا أنّ أطرافًا أربعة أسهمت في تقسيم بلاد الشام هذه (أو سوريا الطّبيعيّة) إلى دويلات ومناطق نفوذ، وهي :فرنسا، وبريطانيا، والمنظّمة الصّهيونيّة العالميّة، والكنيسة المارونيّة، وسوف نحاول فيما يلي، تحديد دور كلّ من هذه الدّول والمنظّمات في عمليّة التّقسيم هذه، وبالتّالي في عمليّة إنشاء “دولة لبنان الكبير”.

فرنسا: “حقوق تاريخية” في جبل لبنان
كانت فرنسا وبريطانيا قد احتلّتا بلاد الشّام والعراق، بعد انتصارهما في الحرب ضد العثمانيّين عام 1918، ففرضت بريطانيا سيطرتها على كلٍّ من العراق وفلسطين كما وضعت إمارة شرقيّ الأردن تحت سيطرتها، بينما احتلّت الجيوش الفرنسيّة لبنان في 7 تشرين الأوّل عام 1918، وكان “جورج بيكو” أوّل مفوّض للدّولة الفرنسيّة في سوريا ولبنان (وهو الذي أسهم في وضع اتفاقيّة سايكس – بيكو.
وكانت فرنسا تزعم أنّ لها حقوقًا “تاريخيّة وطبيعيّة” في سوريا، وخصوصًا في “جبل لبنان” حيث كان لها، منذ الاحتلال الصّليبيّ لهذه البلاد، علاقات ودٍّ وصداقة بلغت حدَّ “التّبعيّة”. إذ شارك موارنة جبل لبنان في القتال، إلى جانب الصّليبيين، بخمسة وعشرين ألف مقاتل قادهم مقدّمهم إلى عكّا لنصرة الملك “لويس التاسع، ملك فرنسا”، وكانت مكافأتهم على ذلك أن كتب الملك “إلى أمير الموارنة ورؤساء كهنتهم” كتابًا منحهم، بموجبه “حقّ الحماية، من قبله ومن قبل خلفائه، كشعب فرنسا”، وقد اعتبر الموارنة ذلك الكتاب “أوّل وثيقة رسميّة للحماية الفرنسيّة” 1.
واستمرّ ارتباط الموارنة بفرنسا حتى عهد الامبراطور نابليون الثّالث، في منتصف القرن التّاسع عشر، حيث أرسلت فرنسا حملة عسكريّة لحمايتهم إبّان الحرب الطائفيّة التي جرت بينهم وبين الدّروز عام 1860 – 1861م، فكان قائد هذه الحملة “الجنرال دي بوفور دوتبول” أوّل من وضع مشروعًا جديدًا ومتكاملًا لإقامة “كيان لبناني” يتألّف من جبل لبنان وجواره، ويمتدّ من “النّهر الكبير” شمالًا إلى “قمم جبل لبنان الشرقي وجبل الشّيخ” شرقًا”

فحدود الحولة وبلاد بشارة جنوبًا”، “فالبحر المتوسّط” غربًا، وهي الحدود الحاليّة نفسها (باستثناء الجنوبيّة منها) التي عاد “الجنرال غورو” ليرسمها للبنان بعد مرور ستّين عامًا على مشروع “دي بوفور”، والتي شُكّلت، بموجبها “دولة لبنان الكبير” ثمّ “الجمهوريّة اللّبنانيّة” الحاليّة 2.

احتفالات بـ “النّصر الفرنسيّ”
ويذكر المؤرّخ كمال الصّليبي أنّ “فريقًا من المتطوّعين الموارنة قاتلوا، في معركة ميسلون، إلى جانب الفرنسيّين، وجرت، بعد ذلك، احتفالات علنيّة بين موارنة الجبل، بالنّصر الفرنسي، أو بالأحرى، بالهزيمة العربيّة”3. وكانت فرنسا قد أقامت، في سوريا عمومًا وجبل لبنان خصوصًا، العديد من الإرساليّات الدينيّة والمؤسّسات الاجتماعيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة والصّناعيّة، ما جعلها تعزّز دعواها بأنّ لها حقًا تاريخيًا وطبيعيًا” في هذه البلاد.
هذه الرّوابط التّاريخيّة (القائمة، أساسًا، على العاطفة الدّينيّة التي ربطت الموارنة بفرنسا)، خلقت فَيْضًا من الرّوابط الأخرى بين هذه الطّائفة والدّولة الأوروبيّة (التي كانت لقرون خلت دولة استعماريّة كبرى)، وأهمّ هذه الرّوابط، بالنّسبة إلى فرنسا: الرّوابط الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة، حيث خطّطت هذه الأخيرة لأن يكون جبل لبنان بمثابة “رأس جسر” تعبّر بواسطته إلى مختلف أرجاء سوريا والمشرق العربيّ، تمامًا كما خطّطت لاستعمار الجزائر واستخدام تلك البلاد كمنطلق لبسط هيمنتها على بلدان المغرب العربي. ولا ينكر المؤرّخون اللبنانيّون المحدثون أنّ التّحالف الذي قام على مدى قرون بين فرنسا والموارنة إنّما كانت ركيزته بالنّسبة إلى فرنسا المصالح الفرنسيّة أوّلًا، وبالنّسبة إلى الموارنة، شعورهم “القوميّ اللّبنانيّ المميّز”. ويكون الدّكتور حكمت الحدّاد أكثر وضوحًا عندما يقول أنّ فرنسا “ما كانت لتعوّل، كثيرًا، على هذه العلاقة (مع المسيحيّين) إلّا بمقدار ما تتناسب مع مصلحتها الاستعماريّة، ومع مخطّطاتها للاستيلاء على لبنان وسوريا. وقد بقيت هذه المصلحة واضحة حتى بعد إعلان دولة لبنان الكبير”.
وقد ظهر تشبّث فرنسا برغبتها في احتلال سوريا (ولبنان) وتمسّكها بتأمين مصالحها، في هذه البلاد، من خلال المحادثات التي جرت بينها وبين بريطانيا، إبّان مفاوضات هذه الأخيرة مع الشّريف حسين، شريف مكة، ووَعْدَها له بإقامة دولة عربيّة مستقلّة في سوريا، وكذلك إبّان محادثات “سايكس – بيكو” الشّهيرة، ثمّ خلال مفاوضات مؤتمر السَّلم بباريس، وتُظهر مراسلات حسين – مكماهون مدى هذا التّشبّث 4.
ولم يكن الشّريف حسين يعلم أنّه، في الوقت الذي كان فيه مكماهون يتبادل معه المذكّرات بشأن إعلان الثّورة على السّلطنة وحلفائها، كانت الحكومة البريطانيّة تتفاوض مع حليفتها فرنسا على اقتسام بلاد الشّام، وتوقّعان “اتفاقيّة سايكس – بيكو” الشّهيرة (أيار/مايو عام 1916) التي منحت فرنسا السّيطرة على سوريا الدّاخليّة والغربيّة مع لبنان، على أن يكون لبريطانيا سوريا الجنوبيّة (فلسطين وشرق الأردنّ) مع العراق.

بريطانيا والخديعة الكبرى
لعبت بريطانيا الدّور الأساسيّ في تقسيم بلاد الشّام، فهي التي خدعت الشّريف حسينًا من خلال وعدها له بإقامة “المملكة العربيّة السّوريّة” التي تضمّ بلاد الشّام كلّها، لقاء قيادته الثّورة على السّلطنة العثمانيّة (1916)، وذلك خلال مفاوضاته الشّهيرة مع مكماهون، إلّا أنها كانت في الوقت نفسه، وبسرّيّة تامّة، تتفاوض مع فرنسا وروسيا القيصريّة لتقسيم هذه البلاد إلى دويلات ومستعمرات للقوى العظمى. وقد رغبت بريطانيا في الاحتفاظ بفلسطين تحت انتدابها بهدف تحقيق الوعد الذي قطعه وزير خارجيّتها (اللّورد بلفور) للزّعيم الصّهيونيّ (اللّورد روتشايلد) بإنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين، وهو ما سوف نأتي على شرحه بالتّفصيل في الفقرة التّالية.

المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة : مشروع الوطن اليهوديّ
كانت المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة تعمل بصورة حثيثة لإقامة وطن قوميّ لليهود، في بقعة ما من بقاع العالم، ولم تكن فلسطين وحدها محطّ أطماع مؤسّس هذه الحركة العنصريّة “تيودور هرتزل”، إلّا أنّه، في المؤتمر الثّامن لهذه المنظّمة، والذي عقد في لاهاي عام 1907 اتّخذ القرار، فكان وعد بلفور. لذلك، وفي العام 1917، أي في الوقت الذي كان الشّريف حسين يقاتل إلى جانب بريطانيا وفرنسا في حربهما ضد السّلطنة العثمانيّة وحلفائها، فإنّ أقطاب المنظّمة كانوا يدركون أنّه لا مجال لتحقيق حلمهم بوطنٍ قوميّ يهوديّ في فلسطين من دون تقسيم بلاد الشام. لذا، كان تأثيرهم كبيرًا على كلّ من فرنسا وإنكلترا لتنفيذ هذا المطلب، وتعيين اثنين من أنصار قضيّتهم لهذا الغرض.
ما إن تسلّم “لويد جورج” رئاسة الحكومة البريطانيّة (عام 1916) حتى أقرّ تعيين “مارك سايكس” في مهمّة وضع اتّفاقيّة “سايكس – بيكو” لتقسيم سوريا والعراق بين بريطانيا وفرنسا، كما أسند إليه مهمّة التفاوض مع الزّعماء الصّهيونيّين بشأن مستقبل وطنهم، فبدأ “مارك سايكس” مهمّته هذه، في شباط/ فبراير من العام نفسه، حيث بدأ يبحث، معهم، عن الوسائل النّاجعة لإصدار وعد تضمّن بريطانيا، بموجبه، حقّ اليهود في إنشاء وطن قوميّ لهم في فلسطين. وكان قد سبق أن انضمّ “سايكس” (وهو عضو في مجلس العموم البريطانيّ) إلى صفوف مؤيّدي الحركة الصّهيونيّة في بريطانيا، بل إنّه أصبح من أكثر المتحمّسين لهذه الحركة في صفوف البريطانيّين (وكان حوّله إلى هذه الحركة حاخام بريطاني يدعى موسى غاستر). وأمّا فرنسا فقد عيّنت “جورج بيكو” مندوبًا لها في المفاوضات التي أدّت إلى توقيع الاتّفاقيّة المشار إليها، ثمّ أصبح، فيما بعد، مندوبًا ساميًا لبلاده في سوريا.
وُقّعت معاهدة “سايكس – بيكو” في 16 أيار/ مايو عام 1916، ووقَّع “آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطانيّة في وزارة “لويد جورج” (وكانا، كلاهما، صهيونيّين بارزين) في 2 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1917، وعده الشّهير لليهود بأن تسعى بريطانيا لإنشاء وطن قوميّ لهم في فلسطين. وقد ضمنت بريطانيا تنفيذ وعدها هذا بأن أصرّت على أن تكون فلسطين، بعد انتهاء الحرب تحت انتدابها، كما أصرّت على أن يتضمّن صكّ الانتداب بندًا يؤكّد تصميمها على تنفيذ ذلك الوعد (المادّة الثّانية من صكّ الانتداب).
ولا شكّ في أنّ التّزامن واضح، وكذلك التّرابط، بين اتّفاقيّة سايكس – بيكو ووعد بلفور، إلّا أنّ ما يثير الانتباه هو: العلاقة بين تقسيم سوريا، والوعد البريطانيّ بإنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين.
يُخطىء من يظنّ أنّ الاستعمار، في تقسيمه لبلاد الشّام، كان يُراعي مصلحة أيّة طائفة من الطّوائف المقيمة على أرض هذه المنطقة، ذلك أنّ الهدف الأساسيّ للاستعمار، الفرنسيّ والبريطانيّ خصوصًا؛ كان إعداد الأرض لتنفيذ وعد بلفور وإقامة الكيان الصّهيونيّ المُرْتَقب في فلسطين، إذ إنّ إبقاء بلاد الشّام دولة واحدة تمتدّ من جبال طوروس شمالًا إلى خليج العقبة جنوبًا (مرورًا بالسًاحل السّوري واللّبناني والفلسطينيّ) فبادية الشّام شرقًا، لن يسمح إطلاقًا بتحقيق الحلم الصّهيونيّ وإنشاء الدّولة الصّهيونيّة، فكان لا بدّ من تقسيم هذه البلاد إلى دويلات ضعيفة وغير متكاملة لكي يُتاح للاستعمار إقامة إسرائيل على أرضنا وفي قلب وطننا العربي. لذا، كان لا بدّ من القضاء على أيّ أمل بقيام تلك الدّولة، وذلك بضرب قوّتها العسكريّة وزعامتها السّياسيّة، وقد تمّ ذلك في ميسلون عام 1920.
إنّ نِظْرة واحدة إلى خارطة بلاد الشّام أو سوريا الطّبيعية تُرينا أيّ خطر كان يمكن أن يحيق بدولة اليهود في حال قيام دولة الوحدة العربيّة في بلاد الشّام، بحيث لا يكون للدّولة اليهوديّة أيّ منفذ برّي شمالًا وجنوبًا وشرقًا، ولا يبقى لها إلى البحر متنفّسًا. وهذا ما يؤكّد بما لا يقبل الشّكّ أنّ تقسيم بلاد الشّام إلى مناطق نفوذ وفقًا لاتّفاقية سايكس – بيكو، ثمّ إنشاء كيانات صغيرة وعاجزة في هذه البلاد كان في أساسه مطلبًا صهيونيًّا، بالإضافة إلى كونه مطلبًا استعماريًّا.

البطريرك إلياس الحويِّك هدد الفرنسيين بثورة إن هم أبقوا على وحدة سياسية بين سوريا ولبنان
البطريرك إلياس الحويِّك هدد الفرنسيين بثورة إن هم أبقوا على وحدة سياسية بين سوريا ولبنان

“حاخام بريطانيّ حوَّل مارك سايكس إلى مؤيِّد متحمّس لمشروع إسرائيل قبل تعيينه ممثّلًا لبريطانيا في مفاوضات تقاسـم تركة الدّولة العثمانيّة”

الكنيسة المارونيّة: مشروع تكبير الكيان
شكّلت الكنيسة المارونيّة “محور الرّحى” والمرجع الأوّل، بالنّسبة إلى الفئات المطالبة بقيام كيان لبنانيّ مستقلّ ومنفصل عن سوريا، وقد لعب البطريرك الماروني الياس الحْوَيّك الدّور الأساسيّ في هذا المجال، فهو الذي ألهب مشاعر الموارنة في مطالبته بلبنان “بحدوده التاريخيّة والطبيعيّة” كما يراها. وكما رآها من يذهب مذهبه من “اللّبنانيين”، وإن كانت هذه الحدود اختراعًا، أجنبيًا لا يقوم على أسِّ سند تاريخيّ، اخترعه الجنرال “دي بوفور دوتبول” قائد الحملة الفرنسيّة على سوريا عام 1860، واعتمدته الكنيسة ومعها المنادون بكيان لبنانيّ مستقلّ.
بدأت الكنيسة المارونية نشاطها، في هذا المضمار، منذ عهد بعيد، أي منذ الحكم العثماني لبلاد الشام. وساعدها على ذلك إنشاء الدّول الكبرى لمتصرفيّة “جبل لبنان” (في أواسط القرن الميلادي التاسع عشر) التي اعتبرت نواةً أساسيّة لهذا الكيان. وبما أنّ كيان المتصرفيّة لم يكن كافيًا لإنشاء دولة (كما ورد في تقرير النّقيب الفرنسي “فان Fain “ رئيس البعثة الفرنسيّة إلى جبل لبنان، بتاريخ 25 كانون الأوّل/ ديسمبر عام 1865). فقد أضحت المطالبة “بتكبير” هذا الكيان في نظر المطالبين أمراً مشروعًا ورأى هؤلاء، وعلى رأسهم الكنيسة المارونيّة في مشروع الجنرال دي بوفور دوتبول (الذي وضعه بتاريخ 15 شباط/ فبراير عام 1861) مبتغاهم، فاعتمدوه أساسًا لمطالبهم. واستطاعت الكنيسة المارونيّة أن تحرّك الشّارع المسيحيّ في جبل لبنان، كما استطاعت أن تحرّض المجلس الإداريّ للجبل على اتّخاذ القرارات الرّافضة للانضمام إلى سوريا والمطالبة باستقلال لبنان، كما أنّها أوفدت إلى مؤتمر الصّلح بباريس وفوداً ثلاثة ترأّس أحدها (الوفد الثّاني) البطريرك المارونيّ نفسه. وساعدت على ذلك الأحزاب المسيحيّة التي كانت منتشرة في بيروت وجبل لبنان والقاهرة وباريس، والتي تبنّى معظمها مطالب الكنيسة المارونيّة وبطريركها.
وقد لعبت شخصيّة البطريرك المارونيّ الياس الحْوَيّك، القويّة والمؤثّرة والفعّالة، دورًا مهمًّا في تحقيق هذا المطلب (مع ما سبق أن أكّدناه من أنّه كان لفرنسا مصلحة حقيقيّة في تحقيقه)، ويُرى أنّه بينما كان رئيس الوزراء الفرنسيّ (كليمنصو) يرسم على خارطة سوريا حدود لبنان الكبير سائلاً في الوقت نفسه البطريرك الذي كان إلى جانبه: إلى أين تريد أن تصل هذه الحدود؟ إذا بقلم كليمنصو “يشطح” باتجاه دمشق فتصبح هذه ضمن حدود لبنان التي رسمها رئيس الوزراء الفرنسيّ، ممّا أذهل البطريرك الماروني الذي طلب منه تصحيح الخطأ.

الجنرال غورو طرح فكرة الاتحاد السياسي بين لبنان وسوريا
الجنرال غورو طرح فكرة الاتحاد السياسي بين لبنان وسوريا

لقد أطلقت بعض الصّحف على البطريرك الحْوَيِّك ألقاباً تدلّ على مدى تأثيره في إنشاء هذا الكيان، ومنها جريدة “لسان الحال” التي وصفته “بمندوب لبنان الكبير”. ويذكر “يوسف السّودا” أنّه، حين أُطلقت فكرة “الفيدرالية” مع سوريا، وخصوصًا عندما أورد “غورو” جملة مبهمة في خطابه عند إعلان دولة لبنان الكبير (في أوّل أيلول/ سبتمبر 1920)، إذ قال: “ إنّ لبنان الكبير تألّف لفائدة الجميع، ولم يؤلّف ليكون ضدّ أحد، فما هو إلّا اتّحاد سياسيّ إداريّ”، أثار قوله هذا الكثير من الشّكّ حول حتميّة استقلال لبنان عن سوريا، فاغتنم البطريرك المارونيّ فرصة حضور الجنرال غورو إلى حفل غداء أقيم في البطريركيّة المارونيّة (في الدّيمان) على شرفه، وألقى خطابًا، بحضور غورو قال فيه بتحدٍّ شديد: “إذا مُسّت حفنة من تراب لبنان فأنا، خلال أربع وعشرين ساعة، أشعلها ثورة في البلاد”. ويقول “يوسف السّودا” (وكان حاضرًا تلك المأدبة): “وكأن تياراً كهربائيّاً مسّ الجنرال عند سماعه هذه الجملة، فانتصب منتفضًا، وزعق، والزّبد يرغو من فمه، قائلاً: مفاجأة، مفاجأة، يا مونسنيور أتهدّدني بالثّورة، وفي الذي نعتبره بيت فرنسا؟ أنا الذي أعلنت لبنان الكبير، أنا الذي أمّنت لكم الاستقلال والحدود الطّبيعيّة، من النّاقورة إلى النّهر الكبير،. أتهدّدني بالثّورة؟”. ويتابع “السّودا” قائلًا إنّه، عندما رجع الجنرال إلى هدوئه قال للبطريرك: “إنّ المشروع لا ينفّذ إلّا إذا وافق عليه اللّبنانيون، ولغبطتكم الرّأي الأوّل، وما دام اللّبنانيون غير موافقين، فلن تنشأ فيديراسيون”.
وهكذا، برهن البطريرك المارونيّ “الياس الحْوَيِّك”، بمواقفه الصّلبة هذه، أنّه الرّجل الأوّل في لبنان، وأنّه الوحيد الذي التفّ حوله المتشبّثون باستقلال لبنان، من مسيحيّين موارنة وسواهم، لكي يضمنوا تحقيق حلمهم بهذا الاستقلال.
وقد أدركت المنظّمة الصّهيونية العالميّة، خلال انعقاد مؤتمر السّلم وبعده، أهمّيّة الدّور الذي تلعبه الكنيسة المارونيّة في السّعي لإنشاء كيان لبنانيّ مستقل، فحاولت الاتّصال بهذه الكنيسة للتّنسيق معها. وقد تمّ لقاء بين كل من “دايفيد بن غوريون وحاييم وايزمن” وبين البطريرك الماروني الحْوَيّك، على هامش مؤتمر السَّلم بباريس (وكان البطريرك يرأس الوفد اللُّبنانيّ الثّاني لهذا المؤتمر)، وخلال اللّقاء، حاول الزّعيمان الصّهيونيّان إقناع البطريرك “بالتخلّي عن جنوب لبنان والجليل الأعلى، لقاء وعد بتقديم مساعدات ماليّة لتطوير لبنان، بحيث يصبح أكثريّة مسيحيّة”، فأجابهما البطريرك “بأنّ الموضوع خارج عن إرادته، وأنّ القرار بيد فرنسا”. والجدير بالذّكر أنّ البطريرك المارونيّ تشبّث بموقفه عند تفاوضه مع “كليمنصو” رئيس الحكومة الفرنسيّة حول الحدود الجنوبيّة للبنان، ولم يُعِر اهتمامًا لعرض الزّعيمين الصّهيونيّين.
وفي اليوم الأوّل من أيلول عام 1920، وفي قصر الصّنوبر ببيروت، أعلن الجنرال غورو في خطابٍ له قيام “دولة لبنان الكبير”، وذلك وفقًا للمشروع الذي وضعه “الجنرال دي بوفور دوتبول” قائد القوّات الفرنسيّة في سوريا Corps Exéditionnaire de Syrie عام
1860 – 1861 ورفعه إلى وزارة الحرب الفرنسيّة، بتاريخ 15 شباط عام 1861، وكان مجموع عدد سكان لبنان في ذلك التاريخ 487,950 نسمة. وقد تبنّى دعاة الكيان اللّبنانيّ في ذلك الحين هذا المشروع باعتبار أنَّ حدود لبنان كما رسمت فيه هي “الحدود التّاريخيّة والطّبيعيّة للبنان الذي يريدونه”، وبالفعل فقد كان لهم ما أرادوه5.

الملك فيصل راهن على وفاء البريطانيين بوعدهم إنشاء الدولة العربية وهو يبدو في الصورة مع بعض قادة الثورة العربية
الملك فيصل راهن على وفاء البريطانيين بوعدهم إنشاء الدولة العربية وهو يبدو في الصورة مع بعض قادة الثورة العربية

“البطريرك الحْوَيِّك هدّد الفرنسيّين بـ «إشعال الثــّـورة» إنْ فكّروا بالإبقاء على الوحدة السّياسيّة لسـوريا ولبنان”

مساهمات حرة

”  افتقاد الغجر للغة مكتوبة حرمهم أهم وسيلة للتعبير وكتابة تاريخهم الخاص وجعلهم بلا أي رواية يمكن نقلــــها إلى أجيالــــهم عبر الســـنيـن”

[su_accordion]

[su_spoiler title=”الصحافي عماد خير ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

موضوع وقف المعهد الفني في راشيا حضرة رئيس تحرير مجلة الضحى المحترم : نشرت مجلة الضحى في العدد الصادر في ايار 2015 ردا ً على مقالنا المنشور في عدد ايلول 2013 من المجلة وتناول «معهد راشيا الفني» في بلدة العقبة، وقد جاء في الرد الذي أعده المهندس نبيه ابو شقرا إن الأرض التي أقيم عليها المعهد الفني هي هبة من سماحة الشيخ بهجت غيث، وأن ما ذكره كاتب المقال عن كون الأرض هبة من بلدة العقبة «عار عن الصحة»ً و»فيه تجنٍ على حقوق صاحب المبرة» الخ وأرفق المهندس أبو شقرا مستندات حول وهبانية العقار الرقم /1602/ من منطقة راشيا تؤكد ما ذهب إليه. نود أن نلفت المهندس الأستاذ نبيه ابو شقرا إلى ان ردّه ليس في مكانه لأن المقال الصادر في عدد ايلول 2013 من مجلة «الضحى» يتناول عقارا آخر في بلدة العقبة من قضاء راشيا برقم مختلف هو العقار رقم 602 بينما العقار الذي تناوله بالرد هو العقار 1602 الذي لم يكن موضوع مقالنا. وربما أدى تشابه رقمي العقار إلى الالتباس وإلى تسرّع الأستاذ أبو شقرا بالرد وافتراض وقوع التجني. إن العقار رقم (602) هو عبارة عن عقار جمهوري في منطقة العقبة العقارية تم تخصيص مساحة منه لصالح وزارة التربية الوطنية، المديرية العامة للتعليم المهني لغرض تشييد مهنية في منطقة راشيا تخفف عن الطلاب الراغبين في متابعة تحصيلهم العلمي المهنى مشقة وأعباء الانتقال بعيدا عن مناطق سكنهم وخصوصا خلال فصل الشتاء. ويحتفظ رئيس بلدية العقبة بالوثائق الرسمية التي تثبت ان «المعهد الفني في راشيا» تم بنائه على العقار 602 في منطقة العقبة العقارية قضاء راشيا، وانه لا يوجد في النطاق العقاري للبلدة معهد يتصل بناؤه بمبادرة من سماحة الشيخ بهجت غيث وقد أبلغنا مدير «معهد راشيا الفني» الأستاذ فريد كمال أن العقار 602 الذي قدم من بلدة العقبة استخدم لبناء «مدرسة راشيا الفنية» والتي بدا التدريس في قاعاتها في العام 2005 ثم صدر القرار 62-2011، القاضي بتصنيف مدارس التعليم المهني والتقني الفنية الرسمية وفقا ً لمستوى التعليم فيها، فاصبحت تسمى «معهد راشيا الفني» وهذا المعهد تم تجهزه بالكامل من قبل وزارة التربية، المديرية العامة للتعليم المهني والتقني. أما «معهد راشيا التقني» الذي شيد في المرحلة السابقة من قبل سماحة الشيخ بهجت غيث فإنه لم يتم التدريس فيه كمعهد تقني وبقي مجمدا إلى أن تم تحويل استخدامه إلى الجامعة اللبناية كلية ادارة الأعمال .

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”فهد حسن المهتار أستاذ ثانوي متقاعد” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

مقام بلدة البساتين

جانب رئيس تحرير مجلة «الضحى» الغراء
في البحث القيم الذي نشرته مجلتكم الغراء للدكتور حسن أمين البعيني حول بني الشويزاني والشوف الشويزاني، تحدث الكاتب عن الشيخ أبو علي مرعي (حمادة) وذكر انه انتقل من بلدته بعقلين الى عبيه والتحق بالأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (قدس سرّه) وغدا من تلاميذه، وأنه عندما توفي الشيخ مرعي دفن في الفساقين («البساتين» حالياً) وعاد ابناؤه إلى بعقلين». وهنا أجد من المفيد التوضيح بأن الشيخ المدفون في الفساقين هو الشيخ زهر الدين وهو المرشد الروحي للأمير السيد (قدس سره)
أما من دفن في الفساقين من تلامذة الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (قدس سرّه) فهو الشيخ شرف الدين علي بن الشيخ علم الدين سليمان، وقد نقش ما يفيد ذلك على الشاهد الحجري بعد أيات من سورة البقرة:
وفي نفس المدفن دفن إبن الشيخ شرف الدين علي، الشيخ سيف الدين ابو بكر، وقد نقش على الشاهد الخاص به بعد آية الكرسي عبارة تفيد ذلك.
وهذان الشيخان هما من تلامذة السيد عبد الله (قًدّس سره) دُفِنا في مدفن الشيخ زهر الدين وهو المقام المعروف باسمه الآن.

[/su_spoiler][/su_accordion]

مسؤول التوزيع والاشتراكات
متفرغ براتب مع علاوات

المسؤوليات الأساسية
متابعة عمل شركة التوزيع والتنسيق معها بهدف تطوير المبيعات وتحسين انتشار المجلة في مختلف المناطق مع ما يتطلبه ذلك من تطوير العلاقات المباشرة مع المكتبات ونقاط البيع واقتراح مبادرات الترويج ومتابعة تنفيذها على الارض
بناء شبكة بيع مباشر dor-to-dor للمجلة في مناطق جبل لبنان والجنوب وبيروت والإشراف على عملها
الإشراف على تطوير قاعدة المشتركين أفرادا ومؤسسات وتحقيق الأهداف الكمية المتفق عليها من خلال بناء قاعدة بيانات بأسماء الشخصيات والمؤسسات ومتابعة عمل مندوبي البيع والقيام بالزيارات الترويجية وتقديم الأفكار والمبادرات الهادفة لتطوير المبيعات والاشتراكات وتوسيع نطاق انتشار المجلة.

موظف دعم إداري
متفرغ

تتمثل مسؤوليات موظف الدعم الإداري في تلبية جميع المهمات التي تطلب منه من قبل رئيس التحرير ومن قبل إدارة مكتب «الضحى». وسيؤمن الموظف دوام عمل في مكتب «الضحى» في دار الطائفة الدرزية في فردان.

 

مراسل ومحرر تحقيقات
عمل جزئي

يتطلب هذا العمل خبرة في العمل الصحفي ولغة عربية متينة وشخصية مبادرة وقادرة على التواصل الاجتماعي وإجراء التحقيقات والمقابلات بإشراف من رئيس التحرير. وبالنظر لأن «الضحى» تصدر كل ثلاثة أشهر فإن الفرصة متاحة لعمل جزئي لصحفيين مستقلين أي غير متفرغين للعمل في مؤسسة إعلامية . ينبغي للمتقدمين أن يحسنوا الإنكليزية أو الفرنسية وأن تكون لهم خبرة في العمل الصحفي لا تقل عن 3 سنوات.

تقديم الطلبات والسيرة الذاتية
مكتب “الضحى”- دار الطائفة الدرزية – فردان ، بيروت
أو بواسطة البريد الالكتروني على العنوان التالي:

mail@Dhohamagazine.org

مساهمات حرة

التشييع على أكتاف المحبين

سميح القاسم ومحمود درويش في زيارة للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري

صورة له في شبابه

صورة مطلع

منظمات شبابية شاركت في التشييع

يلقي شعرا وهو في مطلع شبابه وإلى جانبه الشاعر الراحل توفيق زياد

” افتقاد الغجر للغة مكتوبة حرمهم أهم وسيلة للتعبير وكتابة تاريخهم الخاص وجعلهم بلا أي رواية يمكن نقلــــها إلى أجيالــــهم عبر الســـنيـن  “

صياح بك الأطرش
وقصيدة “يا ديرتي ما لِك علينا لوم”

جانب رئيس تحرير مجلة «الضحى» الغراء
أرى من واجبي الردّ على المقال الذي نسب خطأ فضل نظم القصيدة الشهيرة “يا ديرتي ما لك علينا لوم” إلى مناضل من أبطال الجبل نجلّه ونحترمه، لكنه حسب كافة الأدلة المعروفة ليس هو ناظم تلك القصيدة بل هو المناضل صياح بك الأطرش، وهذا الأمر مثبت ومؤيّد بالكثير من الإثباتات التي دونها أدباء وشعراء ونقاد، نذكر بعض أصحابها الموثوقين، وأول تلك الإثباتات ما ورد في قول صاحبها صياح الأطرش الذي دونه ابنه الدكتور عبدي الأطرش في كتابه (أوراق من ذاكرة التاريخ) والذي جاء فيه:
“ لما شعرنا بأنه لا بدّ من مغادرة البلاد نتيجة ازدياد الآلة الحربية ونتيجة الوضع الإقتصادي والزراعي المتردي الذي استغله العدو في تطويع الكثير من ضعاف النفوس في صفوفه حتى صرنا نتقاتل مع بعضنا البعض، والعدو الحقيقي يتفرج علينا شامتاً وضاحكاً ، ففضلنا مغادرة البلاد طواعية ً لأنه لم يعد بوسعنا أن نعمل شيئاً حيال هذه الظروف القاهرة، وعندها ودعت الديرة وبررت لها أسباب خروجنا واعداً بأننا سنعود مرفوعي الرأس بعد أن نسترد حقوقنا بقيادة سلطان باشا؛ فقلت :
يـــــــــــــــــا ديـــــــــــــــــرتي مالـــــــــــــــــك علــينــــــــــا لـــــــــــــوم لا تعـتبي لـــــــــــــــومك على مـــــــــــــن خـــــــــــــــــان
حنــــــــــــا روينـــا ســيوفنـــــــا مـــــــن القــــــــــــوم مـــــــــــــا نرخصك مثـــــــل الـــــــــــردى بأثمــــــان
لا بـــــــــد مـــــا تغـــدي ليـالــــــــــي الشـــــــــــــــــــوم وتنعـــــــــــــــــز غلـمـــــــــــــــــه قايــــــــــــــــــــدة ســـلــــــــــطـــــــــــــــــان
وان مـــــــا خذينــــــــا حقنـــــــا المهضـــــــــــوم يــــــــــــــا ديرتي مــــــــــــا حـنا لـــــــــــــــــك ســــــكـــــــــــــــــان

الدليل الثاني القاطع على فضل صياح الأطرش في نظم القصيدة جاء من خلال
الشيخ محمد الجرمقاني في رده شعراً على قائل تلك الأبيات وذكره بالإسم
صياح الحمود الأطرش وبنفس القافية والوزن، إذ قال:
حـــيـــــــــــــــــاك يـــــــــــــــــاعـــــــــــــلم ٍلــــــــــفانـــــــــــــــــا اليــــــــــــــــــــوم مـــــــــــــــــن عـــــــــــــــــزوةٍ قــيدومـــــــــــــــــها ســـلطـــــــــــــــــان
حيــــــــــــا ًعدد مُـــــــــــــــــزن الـبرد ونـجــــــــــــوم حيثه صدر من نخبة الشجعـــــــــــــــــان
صيـــــــــــاح رده والـــــــــــســـبـــــــــــايـــــــــــا كـــــــــــــــــــــــــــــــــوم يـــــــــــــوم الـــــــــــعســاكـــــــــــر قـــــــــــــــــــــــــــــــــايــده غـمـــــــــــلان
من فوق شقرا ما غدا بِــــــــــهْ سوم الـــــــــــمرجـــــــــــــــــــــــــــــــلــــــــــــــة قـبـــــــــــلا ًلــــــــــــــــــــــكـــــــــــم والآن
يـــــــــــا صاحبـــــــــــي مـــــــــــالك علــينا لـــــــــــــوم لومـــــــــــك على اللي بـــــــــــالقضيه خـــــــــــان
حــنـــــــــــا وقـعنـــــــــــا بـــــــــــالشـــرك وهمــــــــــــــــــــوم وأنتـــــــــــم على قب الـــــــــــرمك عــقبــــــــــــــــــــــان
اللـــــي تـــــــــــرجّــــــــــــى عــــــــــــدلـهـــــــــــم موهــــــــــــوم عــقـــــــــــب الـــمعـــــــــــزه قـــيـــــــــــدوه بـــــــــــخـــــــــــــــــــــــــــــــــان

وقال الشاعر سليم الدبيسي في جوابه على حداء ( ياديرتي) لصياح وعلى نفس المعنى والمبنى
يـــــــــــا ديــــــــــــــرتي مالـــــــــــك علــينــــــــــــــــــــــا لـــــــــــــــــوم لومـــــــــــك على اللي بـــــــــــالوطن بـــــــــــلاس
صيـــــــــــاح وربعـــــــــــو مذعريــــــــــن القـــــــــــــوم شـــــــــــــــــــــــــــــــــرابتـــــــــــا ًدم الحَمَــــــــــــــرْ بــــــــــــــــــــــالـــكـــــــــــاس

لقد ورد تأكيد نسبة القصيدة للمناضل صياح بك الأطرش في مراجع عدة رصينة نذكر بعضها في ما يلي:
كتاب “بنو معروف في التاريخ” لمؤلفه الأستاذ سعيد الصغير (صفحة 634)
كتاب “أهل التوحيد” للمؤلف المؤرخ الأستاذ يوسف الدبيسي، المجلد الخامس، الصفحة 114 – 115 تحت عنوان ( الحداء ) حيث يقول: “هذه القصيدة الشهيرة في الحداء وضع كلماتها المجاهد صياح الحمود الأطرش، في قرية الهويّا والثوار يستعدون لمغادرة الجبل إلى الأزرق عام 1927”
جريدة “الجبل” لصاحبها الأستاذ نجيب حرب العدد رقم 1287 تاريخ 6/10/1951 على الصفحة الأولى تحت عنوان “قصيدة ومناسبة منذ أيام الجهاد قبل ربع قرن”
جريدة “الجبل” بتاريخ 16 كانون الأول 1981 بقلم الأستاذ صلاح مزهر تحت عنوان “الشعر العامي في الجبل والقضية العامة”
مجلة “النهار العربي والدولي” في عددها 252 بتاريخ 7/3/1982 تحت عنوان الصحراء ولا الإستسلام.

جريدة “الأنباء” اللبنانية بعددها 1407 بتاريخ 5 نيسان 1982 بقلم الأستاذ سامي ذبيان كتب تحت عنوان (في الصحراء مع سلطان باشا والأمير عادل أرسلان وصياح الحمود وعلي عبيد وغيرهم)
جريدة “الشرق الأوسط” بتاريخ 18 أيار 1982 الصفحة الثامنة تحت عنوان (سلطان الأطرش في أربعينه- مذكرات الأديب والمؤرخ الفلسطيني السفير أكرم زعيتر)
مع وجود هذا التوافق الجامع على نسبة القصيدة إلى المناضل صياح الأطرش فقد فوجئنا مع كثيرين من المطلعين على تاريخ الجبل بتبرع الكاتب الصديق الأستاذ إبراهيم العاقل بتبديل الوقائع وإعادة رواية تاريخ تلك القصيدة بسرد يخالف ما هومتفق عليه ودون وجود أي دليل سوى الاستنساب وهو أمر غير جائز في رواية التاريخ. أُنهي كلمتي بالقول إننا كنا نتوخى من الأستاذ العاقل الأمانة في رواية التاريخ وعدم مجافاة حقيقة لا يكاد يرقى إليها أي شك. فعذراً من الراحل الكبير الذي له علينا واجب الحفاظ على تراثه وصون مآثره، وعذراً من الأستاذ العاقل الذي نأمل أن يتسع صدره لهذا التصويب فالحق أولى أن يُتَّبع.

حسام ابو مطر

قطعة أرض وقف المعهد الفني – العقبة

جانب إدارة مجلة «الضحى» الغراء
تحية طيبة وبعد
نشرت مجلة «الضحى» الغراء في عددها الصادر في 8 أيلول 2013 بقلم السيد عماد خير مقالا جاء في الفقرة الأخيرة منه وعلى الصفحة 116 قول الكاتب «لم يقف أبناء العقبة عند هذا الحد بل قدّموا قطعة أرض أخرى في منطقة «الملول» لصالح وزارة التربية والتعليم المهني والتقني لتشييد المعهد الفني الذي كان له الأثر الأكبر في دفع العملية التربوية قدما»
إن ما ذكره الكاتب عار عن الصحة تماما، وفيه تجن على حقوق صاحب المبرّة، فالواقع هو مبين في عقد وهبانية العقار رقم 1602 من منطقة راشيا الوادي لمالكه سماحة الشيخ بهجت غيث لوقف مقام النبي أيوب عليه السلام، وشهادة القيد العائدة لهذا العقار باسم مقام النبي أيوب. علما بأن تكاليف البناء بلغت حوالي سبعمائة ألف دولار وتكلفة التجهيزات حوالي مائة ألف دولار دفعت من صندوق مقام النبي أيوب عليه السلام، مرفق ربطا كتيب فيه صورة عن هذه المستندات. لذلك نرجو أن تقوم مجلتكم وفق الأصول بتصحيح الخطأ في أول عدد يصدر بعد هذا الكتاب ولكم الشكر.
المهندس نبيه أبو شقرا

تصويب1

أخي رئيس تحرير «الضحى» الغرّاء
لا أحسبني وضعتُ يوماً دراسة قط، إلا نشدت فيها الأمانة العلميّة، التي هي أساس كل بحث رصين. ولا أراني اعتمدت “العنعنات” وحدها في وضع ما أضع، ما لم ينقل إليّ الرواية بصير أمين عن بصير أمين، وكنت أتلقف رواية الرواة، فأقابل -في غياب النصّ-بينها،ثم لا اكتبها قبل أن يثبت السماع، وأكون قبل السماع، قد أفرغت الحيلة في البحث عن مصدر مخطوط، أو مرجع مطبوع، فإن لم أوفّق بشيء مكتوب، موثوق، عدت إلى السماع و “تنخّلت” ما وعته أذناي ومحّصته معرفتي وأفضيت إلى (بُرِّ) تَركن إليه الأمانة العلمية، فكتبته ونشرته.
هذا هو ديدني في البحوث والدراسات، أعتمدُ، في خلالها، الموضوعية، وأراعي الدِقّة وأتوخّى الحذر، وأحرص على قلمي، وأحترم القرّاء.
وبعد،
فقد كان الأولى بالمربّي الصديق، صاحب المقالة، وهو من أهل القلم، وأهل جبل العرب في آن معاً، أن يرى إلى ناظم قصيدة “يا ديرتي ما لِك علينا لوم”، وهي القصيدة الذائعة الصيت، التي نظمها صياح بك الأطرش، وترنّم بها الحاضر والبادي، بعد أن طارت في آفاق بلاد الشام، ووقع لي شخصياً أن سمعتها من أبناء بلدتي بعقلين، الذين ارتفعت أعمارهم عن الثمانين قبل أن أشبّ عن الطوق.
أخي رئيس التحرير، هذا ما اقتضى التصويب، بعد تحرّيه، وإني لأرى واجباً علينا أن ننعم النظر في كل ما نريد نشره، وبخاصة التاريخ، ذلك الأمس المحنَّط، الذي لا يقوى أحد على تبديل أحداثه، ولا تحريف أحاديثه.

شوقي حماده

حضرة رئيس تحرير مجلة «الضحى» الأستاذ رشيد حسن
تلقينا من جانب الشيخ الجليل سليمان فندي شجاع التصويب التالي ونحن نشكره عليه لأهمية الموضوع:
تحية طيبة
عطفا على عدد مجلة «الضحى» الأخير
وفي موضوع سيرة الشيخ أبو علي يوسف بردويل أبو رسلان
نعلم حضرتكم أن ما ذكره الكاتب ومفاده إن أول شيخ مشايخ خلوات البياضة الذي انتخب بالإجماع هو الشيخ أبو علي يوسف بردويل أبو رسلان هو أمر غير صحيح ولم نعلم به إلا من خلال المقال المذكور.
لذلك نطلب نشر هذا التصحيح وفقا للأصول
مع فائق التقدير والاحترام
الفقير إليه تَعالى

سليمان فندي شجاع

مساهمات حرة

المحبة وأعداؤها

بسم الله الرحمن الرحيم الذي هو المحبة وبالمحبة أوجدنا، وبالمحبة يرعانا، وبالمحبة أوصانا، وبالمحبة أرسل كبشه إلى نبيه إبراهيم، فأصبح للبشرية بذلك عيد للتضحية، هو في الحقيقة عيد للمحبة المطلقة للرب إلى حدّ التضحية بالنفس بكل طيبة خاطر في سبيل طاعته.
أين نحن من المحبة؟ وكيف يمكن أن نعيشها في زمن غلبت فيه مشاعر السلبية والتنابذ على علاقات الناس وهيمنت روح الفرد والأنانية؟ لا سبيل لنا في ضوء كل ما نعانيه إلا غسل القلوب من كل ما هو ليس محبة لتبقى المحبة صافية وتصبح أيامنا كلها أعياداً. لكن من أجل أن نحيا بالمحبةلا بدّ لنا أولاً من أن نتنبه إلى أعدائها وأن نتغلب عليهم.
وأعداء المحبة كثر، وأولهم الغضب فهو يعمي البصيرة ويشل التفكير وقد يؤدي إلى ارتكاب الحماقات، وهذه تزيل احترام الإنسان للإنسان وتخرج المحبة من القلوب.
ومن أعداء المحبة الحسد الذي هو اعتراض على حكمة الرزاق في توزيع الأرزاق، والحسد جهالة محض لأنه لا يغيّر من أمر الله شيئاً بل يؤذي صاحبه. على العكس من ذلك، إذا صفيت المحبة فرحنا بما اعطى الله لغيرنا كما لو اعطي لنا فنكون بذلك شركاء في سعادة الآخرين دونما حاجة لأن يكون لنا ما لهم.
ومن أعداء المحبة الحقد، وهو الأصعب غسله لأنه يعلق بالنفوس ويحجر العقول، فيلزمنا الكثير من الجهد والتعب حتى لا يقضي علينا، ويسرق منا العمر، ونحن خائضون في أوحال الكره وأسرى سجن الكراهية.
هذه الثلاثة (الغضب والحسد والحقد) خصال ضدِّية لها فروع كثيرة لو أتينا على ذكرها لطال بنا الشرح، ولكن علاجها يكون بسلوك طريق القرب من الله تعالى، فنرى بنوره وتتوسع مداركنا فتنكشف لنا حقائق كانت امام أعيننا، لكن لم نكن نراها، كما تأتينا من دون جهد حلول كنّا نجد صعوبة في تصورها بسبب الوهم وغشاوة نفوسنا.
الكل بالطبع يدعو إلى المحبة، لكن هذه صارت في الحقيقة نفاقاً وشعاراً أجوف، وبدلاً من المحبة العاقلة في الله وهي محبة مانحة للنور، سقطنا في مزالق الشهوات وظلماتها فأصبحت المحبة في الحقيقة سباحة في الوهم ونزوعاً لأسر الآخر أو صفقة كأي صفقة تجارية.
محبتنا جوفاء فارغة، لأنني قد أحب فلاناً لكنني لا أصدقه القول، وأتحدث بالخير لكنني لا أتصدق من مالي لكي أغيث ملهوفاً أو أمسح دمعة فقير أو محزون، وأحب زوجتي ولكني لا التزم الوفاء لها، وأحب أهلي ولا أطيعهم، وأحب اصدقائي وأغدر بهم، وأحب حسن المعاملة ولكن لا أدفع حقوق الناس، وأحب الاخلاص في العمل ولكن لا أخلص في عملي، وأحب الله وأعصي اوامره.
فصح فينا قول عبدالله ابن المبارك:
تعصي اله وانت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لاطعته ان المحب لمن يحب مطيع
لنرجع الى عقولنا، فالعقل هو الذي ميّزنا عن الحيوان ومن دونه نصبح أدنى من الحيوان.
المحبة الحقيقية هي نظام، هي أن تعمل بالعقل لا بالعاطفة، هي أن تربي ولدك على الفضيلة لا على أهواء النفوس وشهواتها، هي أن تربي ولدك على الحلال والا فأنت لا تحبه مهما قلت وغاليت، وهو لن يحبك مستقبلاً، ولن يكون باراً بك، وهذا سر الجفوة بين الاهل وابنائهم، حيث تكون عقوبة الاهل عقوق أولادهم لهم.
نذهب الى الصائغ لشراء الذهب، ولا نرضى إلا بالصافي، واذا غشنا شكيناه في المحاكم، لكننا نرضى أن نغش المحبة بالضغينة والكره والحقد والحسد، مع أنها اساس هذا الوجود، فكيف يستقيم بناء وجودنا اذا غششنا في الأسس.
كميل بو غانم -ابو ظبي

سقراط: المعلم العظيم
لا مراجع تفيدنا عن حياة سقراط أفضل ممّا جاءنا عن طريق تلميذه النجيب أفلاطون؛ الذي كتب عنه في محاوراته، فنحن مدينون له بمعظم ما نعرفه عن سقراط، ذلك المعلّم الكبير الذي اعتبر أنّ قيمة الإنسان هي في القدر الذي يحصله من المعرفة، وليس في ما يجمعه من المال أو يحققه من الجاه لأنّ المعرفة هي ما يعطي الإنسان قيمته الإنسانية ويقربه من الله، أو كما جاء في الحديث الشريف: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”.
حكمة.بالمجان
اعتبر سقراط التربية وسيلة لنشر الفضيلة، ولمّا أراد منه بعض أثرياء مدينة أثينا، التي كانت آنذاك مدينة مزدهرة لإمبراطورية بحرية كبرى، تعليم أولادهم جرياً على عادة ذلك العصر، فإنه رفض عرضهم رغم أنه عاش حياته فقيراً. لكنه في المقابل كان يبذل جهده في نشر المعرفة بين الناس الذين كان يرى فيهم الإخلاص والرغبة الصادقة بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية.
ولأنّه كان مولَعاً بحب الحكمة ويرفض ربط تعليمها بالمال، فقد ابتكر أسلوباً فريداً في عصره، إذ كان ينزل إلى سوق أثينا، ويرتاد المجتمعات العامة ليناقش ويتحدّث بحرّية وجرأة إلى كل من يأنس منه ميلاً إلى الحوار والنقاش. وهكذا، فإن نشاطه التعليمي لم يكن يرتبط بمكان أو بنظام معيّن.
عندما نقرأ سقراط نجد أنّه يربط بين التربية والفضيلة ربطاً عضويّاً، إذ يركّز في تعاليمه على أهمّية تعلّم الفضيلة عندما تكون منظومة من القيم لها هدف وغاية. فهو يريد تعلّم الفضيلة التي يراها من حيث جوهرها تشكّل الغنى الحقيقي للنفس الإنسانيّة، كما يعتبر أنّ التربية تمثّل علاج النفس الأكثر فعالية، وأنّه لا يصح أمر التربية إذا تسلّمتها الأيدي الغريبة الخالية من الضمانات الأخلاقيّة. ولم يكن سقراط طبيباً بالمعنى المتعارف عليه في عصرنا هذا، ولكنه اعتُبر طبيباً للنفس الإنسانية، وذلك لأنه تناول المعرفة من حيث هي غذاء النفس، وبها تستطيع أن تميّز ما هو خير، وما هو شر. وبهذا المعنى، فإن العلم الحق عنده هو علم الخير، ذلك لأنّه ينير العقول ويحفّزها على الفاعليّة، ويصهر ويطهّر القلوب، وعلى كل إنسان أن يتطلع إلى تحصيل العلم الحق الذي يقربه من حقيقة نفسه والوجود وليس العلوم السطحية.
شجاعته في الحق
انتقد سقراط الديمقراطية كما كانت مطبقة في زمانه بتأثير السوفساطائيين، ذلك لأنه رأى فيها مدرسة للجدال والتلاعب بعواطف وأفكار الناس، وكان لأفكاره وقع وتأثير، أشعر أصحاب النفوذ في زمانه بالخطر فتألبوا عليه ولفقوا له تهمة “إفساد الشباب” والتجديف على المعتقدات الأثنية (الوثنية)، وقدم سقراط إلى محاكمة مدبرة بدا فيها واضحاً أن الحكم اتخذ قبل المرافعات، ورغم أنه دافع عن موقفه بجرأة إلا أنه بعد أن حكم بالإعدام ترك له المجال ليتقدّم بـ “طلب استرحام” كان يمكن أن يرفع عنه سيف الإعدام، لكنه رفض ذلك العرض الماكر الذي أراد إظهاره بمظهر الجبن، وبالتالي تسويد صورته في نظر مريديه ومحبيه، كما رفض سقراط عروض محبيه بتدبير فراره من السجن ساخراً من اهتمامهم بسلامته مستهزئاً بفكرة الموت.
سلّم الفضائل السقراطية
أعلى الفضائل في السلّم القِيَمي عند سقراط هي فضيلة المعرفة، ومع أنّه لم يضع للقيم سلّماً متدرّجاً، فإنه رأى في العمل فضيلة تَلي فضيلة المعرفة، إذ أن العمل يصون كرامة الإنسان كما أنه أحد مسالك تحصيل المعرفة وتأمل الحياة. أما الفضيلة التي تتلو العمل عند سقراط فهي فضيلة القناعة لأنها تحمي الإنسان من الجشع، وتساعده في كبح جماح شهواته، وهي بالتالي سبيل التحرر من النفس الضدية وشغل العقل بالبحث عن الحقيقة. واعتبر سقراط الصداقة من أهم الفضائل لأن الصديق المخلص يهتم بصديقه كاهتمامه بنفسه. وبما أن كافّة الفضائل السقراطية تتأتّى من العقل، فقد اعتبر سقراط العقل مصدر الحقائق كلها.
المعرفة أساس الحكمة والأخلاق
اعتبر سقراط أن معرفة النفس والتصرّف الحكيم يصلان بصاحبهما إلى سبيل السعادة، تلك السعادة التي لا تأتي إلى الإنسان بالصدفة، أو بضربة حظ، بل يكون مصدرها المعرفة والتعلم على يد معلم، وهذا المبدأ طبقه سقراط عندما تفرغ بكليته لتهذيب أخلاق ونفوس الشباب في عصره، وقد أهمل في سبيل هذه الغاية حياته الخاصة، بل إن المعلم العظيم لم يتردد في تقديم حياته دفاعاً عن حقه في تعليم أجيال أثينا، وفي ذلك الموقف الخالد قدّم سقراط أسمى مثال على الشجاعة والتسليم والتضحية في سبيل الحق.
إبراهيم العاقل

المعلم الذي أفتقده
من يزور لبنان لا بدّ له من زيارة قلعة بعلبك ومشاهدة أعمدتها الستة، ومن يزور لبنان لا بد له من زيارة قصر المختارة ومشاهدة كمال جنبلاط العامود السابع. هذا الكلام للصحافي الراحل ميشال ابو جودة من مقطوعته اليومية من حقيبة النهار سنة 1974. لم يكن كلام الراحل ابو جودة على سبيل المجاملة ولم يكن كلاماً عاطفياً، لأنه من المعروف عنه أنه كان يتصف بالموضوعية، بل قد يكون المقصود منه أن تعاليم المعلم كمال بك سوف تجد من يقرأها ويعمل بها طوال قرون من الزمن، كما هي أعمدة بعلبك منتصبة لمدة تزيد على عشرين قرناً.
وبالفعل أن محبي كمال جنبلاط هم قرّاؤه، فلقد كان كل من حلفائه أو خصومه ينحني لكتاباته بكل احترام.
فقد قال المعلم: كل القوة والعظمة تنبع من عدم الخوف ليكن عندك الايمان الذي لا يتزعزع في نفسك عندها كل الأشياء الايجابية والنبيلة ستأتي إليك ما من أحد يمكنه أن يرعبك أو يزيحك عن درب رحلتك.
ومما كتب عنه الصحافي الهندي رافي ناير: نادرة هي النفوس التي يشعر الحاضرون حولها بومضات البركة والنعمة والإطمئنان. كمال بك بايماءاته وسلوكه وفصاحته المحببة والبيئة العفوية من السعادة التي كان ينشرها حوله تعطي إشارات النفس التي تتقمصها البركة، فالمحظوظون كفاية هم الذين أتيحت لهم رؤيته شخصياً أو سماعه والإستمتاع بتلك الفوائد. فكلام الصحافي ناير يتطابق مع قول الفيلسوف الاغريقي فيتاغوراس: ليس لله تعالى في الأرض موضع اولى به من النفس الطاهرة.
كم أحببت لو كنت معاصراً للمعلم لأستمتع بمجالسته أو أتنور بكلامه، فما عرفته عنه أنه كان قائداً متواضعاً وعاملاً متعالياً أسس حزبه يوم عيد العمال، فكان العمل من مقدساته، والعمّال هم اصحاب المنازل العالية بنظره. تكلم بإسمهم – الفقراء والمشردون سوف يحررون العالم – لم أكن من المحظوظين كفاية لأتعلم اكثر، فلقد كان رحمه الله يعلم من أين تبدأ النقطة على قوس الدائرة، والى حيث تنتهي.
العقيد المتقاعد طالب عرنوس

العرس بين الأمس واليوم
خلال مئات السنين، كان العرس الدرزي، من أروع احتفالات الزواج في العالم. فقد كان يجمع كافة أبناء المجتمع، الرجال على حدة، والنساء على حدة، وكانت تقام به أجمل العادات، وألذ وأطيب المعاملات، من حيث صيانة الكرامة والشرف والفضائل. وفي الوقت نفسه، كانت تبرز في العرس التقليدي، المشاركة الحقيقية في الفرح، والنخوة، والكرم، وعندما كنتَ تقترب من بيت فيه عرس، كنت تشعر بالفرح والبهجة، إذ ترى الموائد والكراسي تملأ الساحة وأهازيج النساء ودبكاتهن الشعبية البريئة تصدح في الفضاء. وفي مكان قريب، كان الشباب مجتمعين على الدبكات الحماسية والسحجات على وقع الشبابة والمزمار، وكان شيوخ وأعيان المجتمع، يتصدّرون المحتفلين، فكان أعيان القوم يدعون الى الغداء، ويذهبون في مقدمة وفد أهل العريس، يطلبون الإذن من والد العروس، أن يسمح بانتقالها إلى بيتها الجديد، ولم ينقص من هذا الجو أن العريسين، كانا أحياناً، يسكنان في غرفة صغيرة في بيت والد العريس، وقد مرّت ظروف، كان العريسان الجديدان يحصلان على زاوية في باحة البيت، وراء خزانة تستر مبيتهما.
أما اليوم، فقد أنعم الله علينا، والحمد لله، بالخيرات، وأصبح بإمكان كل إنسان أن يقوم بسائر المراسيم والواجبات والمتطلبات مثل أي إنسان آخر. ونحن نقول، كل من يستطيع إلى ذلك سبيلاً فليهنأ ولينعم الله عليه من خيراته، وليمتلء بيته بالأولاد والمباهج والسرور. لكن هذه أعراس اليوم أصبحت تقليعة، أو موضة “إلزامية” أصبح على كل إنسان أن يتقيد بها. وفي السابق كان صاحب القليل مقتنعاً بما لديه شاكراً الله تعالى على ما أنعم به عليه، أما اليوم، وبسبب توفر القروض والبنوك والإمكانيات، فإن الكثيرين لم يعودوا يقتنعون بما عندهم، وقد بات في مقدورهم الحصول على قروض مصرفية أو ربوية أحياناً من أجل ترتيب عرس يفوق إمكاناتهم كل ذلك على سبيل التقليد والمباهاة الفارغة، لكن المشكلة تكمن، ليس في الحصول على الأموال، بل في تسديد تلك الأموال. ومن له اطلاع على البنوك والمحاكم ودائرة الحجز، يرى العشرات من الذين كانوا مبتهجين بعرسهم الفخم، ملاحقين من المصارف ومن المحاكم بعد أن عجزوا عن سدّ ديونهم. وقد “راحت السكرة وجاءت الفكرة” كما يقال، بل إن تزايد ظاهرة الطلاق قد تكون أحد أسبابها مشاكل ما بعد العرس، ويقول المثل “القلة تولد النقار”.
كان العرس في الماضي حدثاً بهيجاً واحداً يستغرق نهار القرية ويجمعها. أما اليوم، فقد تحوّل إلى مسلسل أعراس أو قل مسلسل احتفالات مكلفة. فهناك حفلة والد العريس، وحفلة والد العروس، وزفة العريس، وسهرة العروس، ومنتزه لأصحاب العريسين. وقد انتقل قسم من العبء إلى الناس الذين بات عليهم تقديم المساعدة في حساب مصرفي يفتحه العروسان أو شراء الهدايا السخية لهما. وهناك مئات وآلاف الموظفين والأجراء الذين باتوا يتضايقون يئنّون من الأعراس بسبب ما تحمله لهم من أعباء.
المهم أن كل هذه المصاريف والتكاليف لا تنتهي في جيب العروسين أو تساعدهما لأن كل مزاريب العرس تصبّ في جيوب أصحاب المصالح المسماة بصناعة الأعراس، والتي تضم المقاولين، وأصحاب محلات الأثاث، والمزينين والمزينات، وأصحاب حوانيت ملابس الأعراس، وفرق “الزفّة”، وباعة المفرقعات والألعاب النارية، ومهندسي الموسيقى والإضاءة وسيارات الزفاف، وغيرهم كثر .. فهنيئاً لكل هؤلاء.
قد يسأل أحدهم، وماذا تريد ؟! وسأجيب: لنعد إلى التقاليد السليمة ونجعل من عرسنا احتفالات بيتية صغيرة، ومن أراد أن يزيد على ذلك فليكن ذلك ضمن ما يناسب طاقته وقدرته المالية. لكن علينا، ألاّ نحوّل هذه الأمور إلى فرض اجتماعي ولنوجه إمكانات العروسين وأهلهما لبناء بيت الزوجية والإعداد لاستقبال الأولاد والقيام بأودهم ونفقات تنشئتهم وتعليمهم وغير ذلك. ولا أهمية في الحقيقة لأي عرس لكونه كبيراً أو مكلفاً، بل الأهمية هي لما يجري بعد العرس من تفاهم وانسجام وتوافق وتعاون وحياة مشتركة.
سميح ناطور – فلسطين

تعليق الضحى
إن المشهد الذي يقدّمه المجتمع في مناسباتٍ اجتماعيّة عامّة كالأعراس وغيرها، هو مشهد يعبّر عن عادات الجماعة ،ومفاهيمها الحياتيّة وآدابها على العموم، وعن مدى ارتباط أصحاب المناسبة بالقيَم الأصيلة على الخصوص. لذلك، فإنه من الأوجب والأليق والأحسن أن تتمّ المحافظة في مثل هذه اللقاءات على روح الاعتدال الجميلة في التصرّفات واللياقات والأزياء. وتُراعى فضائل الاحتشام والرّزانة بحيث تكون الذكرى مثالا في المجتمع، وقدوة للأجيال الشابّة. وبالتأكيد، فإنه بهذه النوايا تحلّ البركة ويكون التوفيق.

هاتوا القَلَم

خلّـــو القلم يحكي وبلا الخنجـر الخنجر كلامو مغمّس بأحمـــــــــــر
أما القلم رمـــز الأدب والفـــــــــن بيخلـــق مدينـــه ثوبها أخضـــــــــــــر
خلّو القلم يحكيلنـــا حكايــــــــــات عن وطـــن مخضـــــرّ وجنّــــــــــــــات
عن مدينــــــــــــــــه فاضله وآيــــات عن كـــون بالأخـــلاق يتـــــــــــــــــزيّن

خلّو القلـم يبقى بديل رصـــــاص عمينتقـــــم.عميحصد بهالنــــاس
أمّا القلــــم للمعــــرفه نبــــــــراس بيخلـــق وطـــن بالعـــدل يتعمـــــــــــّر
خلّو القلم يكتب قصص أخـلاق عن محبّـــه عن عقــــل خــــــــــــــلاق
حتى القلــب للمكرمــه يشتــــــــاق ومن عقــدة الأحقـــــاد يتحــــــــــــرّر

خلّو القلم يحكيلــنا عن عصـــــر يوم العـــدل للنـــاس يعقد نصـــــــر
ولمّا يصير الكوخ خيّ القصـــــــر بنحسّ يومهــــا العالـــم تحضّــــــــر
انشالله القلم يحكي.وبلا مدفـع يقصــف.يدمّر معمــل ومصـنــــــع
والقلــــــــــــم للمعــــــرفة مرجــــــــع بيفتـــح طريق النـــور للإنســــــــــان

يحيا القلـــم وليســقط الخنجر

 

بدعة التكفير جناية

 نعم..بدعة التكفير جناية تعاقب عليها الشريعة

أداة الطرح الحسابية (9 ناقص 3 مثلاً) إذا استخدمت في الحكم على إسلام المسلمين، فإن حاصل الطرح سيهبط من خانة الآحاد والجموع الصحيحة إلى خانة الصفر: هذا مسلم عاصٍ فلنطرحه من الحساب، وهذا مسلم زانٍ، وثالث شارب خمر، ورابع آكل ربا، وخامس نادى بفكرة قد تؤدي إلى الفساد، هؤلاء جميعاً كفرة فلنطرحهم من الحساب ولنخرجهم من الملة إخراجاً.
لا ريب في أن هذا منزع غير واقعي من جهة، إذ أن معظم المسلمين في العصور كافة لم يتطهروا بالكلية من هذه المعاصي والكبائر والآثام، ثم إن هذا المنزع – من جهة أخرى- إنما هو منزع مضاد (مضادة كاملة)، لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الاكتراث الكمي بمجموع المسلمين فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أحصوا لي كل من تلفظ بالإسلام».. ومن مفاهيم هذا الحديث:
أ. حسبان كل من تلفظ بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله مسلماً من أمة الإسلام.
ب. إعلاء قيمة (اللفظ) للدخول في الإسلام.. ونقفي على هذا المفهوم الجليل الجميل (مفهوم أداة الجمع من خلال العد والإحصاء) بمفهوم آخر عميق وجميل أيضاً: مفهوم أن الإسلام (منهج جذب وضم) لا (منهج طرد وطرح). ولذلك جاء أمر الرسول «أحصوا لي».. وفي رواية «اكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام من الناس».. فالكم العددي معتبر في الإسلام، وذلك لأهداف كثيرة منها: معرفة من هو على الإسلام بمجرد النطق بالدخول فيه وتقرير الأحكام وفق ذلك. هذه واحدة، والأخرى هي: الاستيثاق من الرصيد البشري المسلم الموجود ابتغاء توظيفه في البناء المدني، وفي خطط الدفاع.
إن السطور الآنفة ليست إلا مدخلاً إلى معرفة المقصد الأعظم. فقد بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتحقيق مقاصد عظمى أولها وأعلاها بإطلاق هو مقصد إقناع الناس – بالحسنى- بالدخول في الإسلام. ومن هنا، فإن الدعوة الصحيحة الحقة، في كل عصر هي: إدخال الناس في الإسلام عبر الإقناع الحر بالحجة القوية الساطعة، والأسلوب الهادئ اللين الرفيق أو تثبيت الناس على الإسلام إذا دخلوا فيه، وليس من أهداف الدعوة إلى الله: إخراج الناس من الإسلام، فهذا الإخراج حقيق بأن يسمى (الصدّ عن سبيل الله). هيهات هيهات أن يكون ذلك من الإسلام. فالنقيضان لا يجتمعان!!
فإذا تعجّل امرؤ، ممتلئ سخطاً وهيجاناً، إلى تكفير مسلم فإنه لم يكن من الداعين إلى الله على بصيرة، كما أمر الله تعالى الرسول وأتباعه: }قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني{ (يوسف: 108).. وهناك ما هو أظلم وأخوف، بمعنى أن المتسرع بالتكفير يخشى عليه المصير نفسه، أي أن يصبح هو نفسه كافراً. فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حارت عليه»، أي ارتدت عليه دعواه التي ادعاها على أخيه، وهي الكفر.
وهذا حق كله، منطقي كله، هدى كله.
فالنبي (ص) بُعِث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور: }ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد{ (إبراهيم:1).. فبأي فقه، وأي عقل، ولأي هدف وغاية يُنكّس هذا المنهج ويُقلب فيصبح هدف الدعوة: إخراج الناس من النور (أي الإسلام) إلى الظلمات، أي الكفر؟!!.
في وضوح مثل السنا، وبعبارة علمية دقيقة، وفي أمانة وورع وبحرص بالغ على بقاء المسلم في دائرة الإسلام، قال الإمام أحمد بن حنبل: «ولا يُكفَّر أحد من أهل التوحيد وإن عملوا بالكبائر، ومن مات من أهل القبلة موحداً نصلي عليه ونستغفر له ولا نحجب عنه الاستغفار، ومن زعم أنه كافر فقد زعم أن آدم كافر، وأن إخوة يوسف حين كذًبَوا أباهم كفار».
وعبارة الإمام أحمد هي العبارة ذاتها التي نجدها – بنصها – في عقيدة الأحناف والمالكية والشافعية.
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة جميعاً في هذه المسألة الدقيقة، والغريب أن “مكفراتية” عصرنا هذا يزعمون أنهم على منهج السلف الصالح، وقد تأكدَ آنفاً أن المنهج الحق ضد مزاعمهم بإطلاق.
وإنما استند منهج الحق، واستمد هداه وحجته من الكتاب والسنة:
أولاً: الكتاب، قال الله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا{ (النساء:49). وسبب نزول هذه الآية: أن رجلاً من بني سليم يرعى غنماً له، مرّ بنفر من أصحاب النبي فسلم عليهم فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا إليه فقتلوه فنزلت الآية بالكف عن التأويل الخاطئ، والتسرع في التكفير.
ثانياً: السنة، قال أسامة بن زيد: “لحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً من جهينة فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري، وطعنته فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أسامة قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله. فكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال أسامة: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم”.
وفي ضوء الاهتداء بمنهج الإسلام:
1. قال الإمام النووي، وهو من أعلام الشافعية: “إن مذهب أهل الحق أن لا يكفَّر المسلم بالمعاصي”.
2. وقال الإمام ابن عبد البر، وهو من أعلام المالكية: “كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا في ذلك، لم يكن لاختلافهم معنى يوجب حجة. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحداً لا يخرجه ذنبه – وإن عظم- من الإسلام، وخالف المسلمين في ذلك أهل البدع”.
3. ويقول الإمام ابن تيمية، وهو من أعلام الحنابلة: “ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يُكفِّرهم، لأن الكفر حكم شرعي. ومن شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالاً يجعلونها من الإيمان الذي لا بدّ منه، ويُكفِّرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه، وأهل السنة لا يبتدعون أقوالاً، ولا يُكفِّرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفهم، مُكفِّراً لهم، مستحلاً لدمائهم”.
ونختم هذا المقال بنقطة تتعلق بتعظيم كلمة التوحيد، فقد يظن ظان أن الغيرة على التوحيد هي التي تدفع المسارعين إلى التفكير في الحكم على مسلمين بالكفر.
وهذه الغيرة من الوهم!!
لماذا؟
لأن التعظيم الحق لكلمة التوحيد يثمر، بلا ريب، البراءة التامة من تكفير قائلها.
ما مناسبة هذا المقال: مناسبته أن هناك عشرات في السعودية، من الذين أدمنوا تكفير مسلمين يتعرضون الآن للملاحقة والمساءلة ثم العقاب.
وهذا ملف ينبغي أن يظل مفتوحاً، لأن الإيمان بالله حق من حقوق الإنسان لا يجوز أن يتهتك، ولأن بدعة التكفير هذه: إجبار على الكفر، ولأن المكفراتية يتوجب أن يظلوا خائفين من العقاب الحق.

(عن صحيفة “الشرق الأوسط” – 9 نوفمبر 2013)

مساهمات حرة