السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

نصرة دروز لبنان

نصرة دروز لبنان
لثـــــورة 1936 فــي فلسطيــن

المفرزة الدرزية في حملة القاوقجي نالت الثناء
على انضباطها وشجاعتها وكفاءتها القتالية

دروز جبل لبنان لعبوا دوراً مهماً في تسليح الفلسطينيين
وسلطات الانتداب جندت كل قواها لإحباط التهريب

الأمير مجيد أرسلان ينتقد الحكومة بشدة
لمشاركتها في معرض تل أبيب الزراعي

لعب دروز لبنان دوراً مهماً -وغير موثق بصورة كافية- في نصرة ثورة العام 1936 ضد الاستيطان اليهودي والاحتلال البريطاني في فلسطين. واتخذت هذه النصرة شكلين أساسيين: المشاركة المباشرة في الجهاد الوطني إلى جانب الفلسطينيين ثم تنظيم حملات وقوافل لنقل السلاح إلى الفلسطينيين لموازنة عمليات التسلّح الكثيفة من قبل اليهود. في هذه المقالة نعرض لخصائص المرحلة التي كانت تعيشها فلسطين في تلك الفترة ولتفاصيل المشاركة الوطنية والدرزية المهمة بالقتال المباشر والسلاح في تلك الثورة التي أجهضت بفعل القمع البريطاني ومناشدات التهدئة العربية. وكانت هذه آخر الانتفاضات الجادة لمحاولة وقف السيل اليهودي الذي تدفق على الأرض المقدسة بتآمر مشترك من الانتدابين البريطاني في فلسطين والأردن والفرنسي في لبنان وسورية.

بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسّام في 19 تشرين الثاني 1935، عادت مجموعته الثورية إلى الجهاد ضد اليهود في أواسط نيسان 1936، فكان ذلك بداية لأكبر ثورة فلسطينية بين الحربين العالميتين، استمرت حتى 1939، وتخللها إضراب شامل، وكان شعار الفلسطينيين فيها، وفي ما سيعقبها من ثورات ومواجهات، عبارات القسّام التي قالها لرفاقه عند استشهاده: “لا تستسلموا. موتوا شهداء”.
لم يواجه الفلسطينيون اليهود فقط، بل واجهوا أيضاً البريطانيين المنتدبين على فلسطين، الآخذين على عاتقهم تسهيل هجرة اليهود وإقامة الوطن القومي اليهودي تنفيذاً لوعد بلفور المشؤوم. لذا كان الفلسطينيون بحاجة إلى المساعدات من الدول العربية. ولقد قدمت لهم القوى الوطنية في هذه الدول، وبخاصة في دول المشرق العربي، النصرة في سنة 1936 بقدر ما تسمح به الظروف والإمكانات، وبقدر الحرية المتاحة لها للتحرّك في إطار الهيمنة البريطانية على العراق وشرق الأردن إضافة إلى فلسطين، والهيمنة الفرنسية على سورية ولبنان، وفي إطار تبعية حكومات تلك الدول للسلطات المنتدبة.
وفي ما يتعلق بلبنان يمكن القول إنه واكب ثورة 1936 وأثّر وتأثر بها، كما واكب وأثر وتأثر بما سبقها وأعقبها من حروب وأحداث مرتبطة بالقضية الفلسطينية بسبب مجاورته لفلسطين وعروبة أبنائه وتوجههم القومي. كما يمكن القول إن نصرته للثورة الفلسطينية جاءت على صعيد شعبي لا رسمي تجلت في إرسال بيانات وبرقيات التأييد، وتشكيل اللجان لجمع الإعانات للمصابين وعائلات الضحايا، وتزويد الثوار بالسلاح والقتال إلى جانبهم، والقيام بالمظاهرات والإضرابات، وتقديم الاحتجاجات على المخطط الصهيوني البريطاني واعتداءات الصهاينة وقمع البريطانيين لانتفاضات الفلسطينيين.
كانت الهيئات الرسمية في لبنان عاجزة آنذاك، ولو أرادت، عن تقديم أي دعم للوطنيين الفلسطينيين، وذلك بسبب هيمنة الفرنسيين على جميع الأمور، وتواطؤهم مع البريطانيين في إقامة الكيان الصهيوني، والاشتراك معهم في تنفيذ المخطط الاستعماري التقسيمي في المشرق العربي. وقد كان دور الهيئات الحكومية التابعة للمنتدب ليس فقط دون المأمول، بل كان أيضاً وفي مجالات عديدة دوراً قمعياً لنشاط تلك التيارات، إضافة إلى اتخاذ بضعة مواقف أخرى تخدم اليهود وتضر بالقضية الفلسطينية. فالحكومة اللبنانية، مثلاً، منعت تظاهر الطلاب لتأييد الفلسطينيين وشجب السياسة البريطانية، بحجة المحافظة على الأمن، كما أنها بالحجة نفسها وبحجة منع الظهور المسلح، تصدّت للجماعات المسلحة التي كانت تقصد فلسطين للقتال إلى جانب الثوار وإيصال السلاح إليهم.

موقف وطني للأمير مجيد أرسلان
وفي الوقت الذي كانت تنطلق فيه الدعوات لمقاطعة البضائع اليهودية والبريطانية، وافقت حكومة أيوب ثابت، في عهد رئيس الجمهورية إميل إده، على حضور لبنان معرض تل أبيب الزراعي في أيار 1936، إبَّان الثورة الفلسطينية، ووافق على هذا الحضور معظم أعضاء المجلس النيابي اللبناني، بحجة أن ذلك يفيد الاصطياف، ويعزز علاقات لبنان مع فلسطين. وقد أشاد أرباب الصناعة في دمشق واللجنة القومية في فلسطين والصحف الوطنية والجماهير البيروتية الإسلامية بموقف المعارضين للاشتراك في المعرض، وبخاصة موقف الأمير مجيد أرسلان، وهاجموا المؤيدين للاشتراك، وبخاصة الرئيس إميل إده ورئيس الحكومة أيوب ثابت. ومما جاء في بيان اللجنة القومية المعمم على الصحف ما يلي:
“إن اشتراك حكومة لبنان في المعرض الصهيوني تعدٍ على قدسية دماء شهداء فلسطين العربية وعلى أية رابطة تربطنا بلبنان. وهي حين تُقدِم بهذا الاشتراك على ما أحجم عنه الأجانب، إنما تتعمد الإساءة إلينا. إن في رسالة رئيس جمهورية لبنان إلى المعرض الصهيوني لروحاً عدائية يجدر بلبنان الشقيق أن يمحو أثرها بالعدول عن الإشتراك في المعرض المذكور”.
وما كان رئيس الجمهورية إميل إده موافقاً على حضور معرض تل أبيب الزراعي فقط، بل هو أبدى، بحسب تصريحه، الارتياح لقيام الوطن اليهودي في فلسطين. فلقد صرّح في 27 حزيران 1937 لجريدة “إيكو دو باري” بما يلي: “إن خلق جمهورية صهيونية ليس من شأنه ألا يسرنا”.

مشاركة الدروز في الثورة
مع اشتداد الإضراب العام في فلسطين حتى توقفه في 12 تشرين الأول 1936، وكذلك انتشار الاضطرابات بين العرب من جهة واليهود والبريطانيين من جهة أخرى، ازدادت حركة الاحتجاجات والاضرابات في المناطق والمدن اللبنانية، وكثرت البرقيات المرسلة من الزعماء والأئمة واللجان الطلابية، والتي تحتج على سياسة السلطة البريطانية، كما نشطت حركة جمع التبرعات لإغاثة المنكوبين العرب بواسطة لجانِ الإعانات المشكّلة في المدن، وبواسطة جريدة بيروت التي افتتحت الاكتتاب لجمع التبرعات. وواكب هذه التحركات المؤيدة والداعمة للثوار الفلسطينيين نقل السلاح إليهم، والتحاق بعض المقيمين اللبنانيين في فلسطين بالثوار، والتحاق العديد من اللبنانيين المقيمين في لبنان بهم. وبفضل هؤلاء اللبنانيين الذين انضموا إلى الفرق الفلسطينية المسلحة أو شكلوا فرق قتال صغيرة، توسع نطاق الثورة إلى ميدان جديد هو منطقة صفد شمال فلسطين، حيث برزت العصابات المسلحة من الموحدين الدروز. وفي هذه المنطقة استشهد لبنانيان في معركة الجرمق التي خاضها الثوار بقيادة الشيخ سعد الخالدي.
كان بعض اللبنانيين يلتحقون بثورة فلسطين عن طريق دمشق، وبخاصة بعد تشكيل قيادة فلسطينية فيها اسمها “اللجنة المركزية للجهاد”، كانت تتولى نقل هؤلاء اللبنانيين إلى فلسطين حيث ينزلون في ضيافة الأمير محمد الصالح في غور بيسان ويتسلمون منه السلاح. وكان بعض ناقلي السلاح إلى الثوار الفلسطينيين ينخرطون في صفوفهم، ويقاتلون إلى جانبهم.
وممن كان له دور في حوادث فلسطين الجارية بين العامين 1936 و 1939 أفراد العصابات اللبنانية المطاردين من السلطة أو المحكوم عليهم بالإعدام . ومن هؤلاء عصابة اسماعيل عبد الحق التي ظهرت في أواسط كانون الأول 1936 في جوار بلدة “يركا” حيث عادت إلى سلب المارة بحسب ما جاء في إبلاغ الحكومة الفلسطينية إلى حكومة لبنان. فانتدبت الحكومة اللبنانية ثلاثة من مفتشي شرطة التحري لمعاونة شرطة فلسطين في تعقب اسماعيل عبد الحق ورفاقه. ثم ظهرت عصابة اسماعيل عبد الحق في ضواحي عكا، واستقوت بانضمام بقايا عصابة فؤاد علامه، التي تشتتت بعد مقتله في سنة 1935. وأخذت عصابة عبد الحق “تقاوم اعتداءات الصهيونيين باعتداءات مثلها”. وقد خرجت قوات من الجيش الانكليزي لمطاردتها فاشتبكت معها في قتال دام ساعات عدة سقط فيه عدد من القتلى والجرحى. وتمكنت العصابة من الانسحاب بعد أن اعتقل الجيش اثنين منها. وقد أشار راديو لندن إلى اشتباك الجند البريطاني مع هذه العصابة، وقال إن أفرادها مسلحون بأحدث أنواع الأسلحة.
وبالاضافة إلى الالتحاق الفردي والجماعي، غير المنظم، بالثورة الفلسطينية التحقت بالثورة سرية لبنانية بحملة فوزي القاوقجي التي بدأ الاستعداد لها في أوائل شهر حزيران 1936، ووصلت عناصرها الآتية من العراق، ومن مناطق سورية التالية: دمشق وحمص وحماه وحوران، ومن جبل لبنان، إلى نقطة التجمع الأخيرة في ميدان الجهاد في فلسطين، في الواحد من شهر آب.

بعض اللبنانيين التحقوا بثورة فلسطين عن طريق دمشق بعد تشكيل قيادة فلسطينية فيها باسم “اللجنة المركزية للجهاد”

يهود يرقصون احتفالا بقرار تقسيم فلسطين في العام 1947
يهود يرقصون احتفالا بقرار تقسيم فلسطين في العام 1947

القاوقجي يغيّر المعادلات
قسّم القاوقجي حملته إلى خمس مفارز أو سرايا هي سرية فلسطينية بقيادة نائبه فخري عبد الهادي، وسرية دمشقية حورانية أردنية بقيادة الشيخ محمد الأشمر، وسرية حموية حمصية بقيادة منير الريّس، وسرية عراقية بقيادة الضابط العراقي (جاسم)، وسرية درزية من جبل لبنان وجبل العرب بقيادة حمد صعب من قرية الكحلونية، إحدى قرى قضاء الشوف . أما الدوافع إلى تقسيم القاوقجي لحملته إلى سرايا على أساس مناطقي، فهي ميل عناصر كل سرية إلى القتال مع بعضهم البعض “وحتى تتبارى وتتنافس كل فئة منها في إظهار خصائصها العربية الكريمة” بحسب ما ذكر قائد إحدى هذه السرايا منير الريس.
قبل وصول القاوقجي كان الثوار الفلسطينيون عبارة عن شراذم متفرقة، مستقلة عن بعضها البعض، يكمنون في سفوح الأودية أو رؤوس الهضاب والجبال، حتى إذا مرّت قافلة انكليزية أو يهودية من أمامهم، يصلونها ناراً حامية، ثم يسرعون إلى قراهم، مما كان يجعل أمر ملاحقتهم في القرى ميسوراً، ولا يضطر الإنكليز إلى كبير عناء وكثرة عدد لمواجهتهم وملاحقتهم. وبعد وصول القاوقجي إلى فلسطين في 25 آب 1936 تسلّم قيادة الثورة الفلسطينية بالنظر إلى خبرته وتجاربه، وأصدر بلاغات إلى الأمة الفلسطينية والأمة العربية الإسلامية كي تذيع أخبار المعارك المنتصرة، وتحث على حمل السلاح والجهاد من أجل إنقاذ فلسطين من الظلم والاعتساف، وأسس محكمة ثورية ولجاناً خاصة للإعاشة والتموين مرتبطة به.
وبناءً على ذلك، وعلى تنظيم القاوقجي للثوار، وعلى كون المجاهدون الذين أتوا معه إلى فلسطين مدربين ومنظمين، ومعظمهم خاضوا معارك الثورة السورية الكبرى، حصل تغير جوهري في نوعية العمليات العسكرية وغدا هناك زمر يتراوح عدد الوحدة منها ما بين خمسين وسبعين رجلاً، تمارس ما تعتقد بأنه حرب وطنية تدافع بها عن بلادها في وجه الظلم والتهديد بالسيطرة اليهودية، كما اشتدت حماسة الفلسطينيين إلى القتال، وإلى الاستمرار في الإضراب العام، بعد فتور في هذين الأمرين.
نجاحات القاوقجي تفاجئ البريطانيين
بدأت السرايا التي شكّلها القاوقجي القتال في جبل جريش في 25 آب 1936 حيث تمّ اسقاط طائرتين انكليزيتين. وخاضت معركة في 2 أيلول، وانتصرت على الانكليز وأوقعت بهم العديد من القتلى والجرحى وأسقطت لهم طائرتين. ثم خاضت معركة جبع في 24 أيلول وانتصرت على الفرق الإنكليزية على الرغم من الإمدادات التي أتى بها الانكليز إلى فلسطين. وقامت بهجوم ناجح على مراكز الجيش الإنكليزي في نابلس في 29 أيلول وهزمته في بيت أمرين، وخرّبت خطوط مواصلاته في هذه المنطقة مما اضطره إلى استقدام قوات إضافية إلى فلسطين لسحق الثورة. فكان لهذه الانتصارات الباهرة أثر كبير في فلسطين، إذ ضعفت هيبة الجيش الانكليزي، وتلاشت الدعايات المضللة، وتأججت نار الحماسة في النفوس، وازداد الأمل بالنصر، كما كان لها أثرها أيضاً في سورية والأردن والعراق، إذ اشتد الهياج في هذه الدول، وقوي تأييد الثورة الفلسطينية، وتألفت لجان الإسعاف والإعانات التي كانت تتلقى المساعدات والأموال بالمزيد من البذل والعطاء.

فوزي القاوقجي
فوزي القاوقجي

القاوقجي يثني على المفرزة الدرزية
أما عن السرية اللبنانية، فقد جاء في مذكرات فوزي القاوقجي، في الحديث عن الفوضى والمشكلات التي عانت منها حملته، ما يلي: “اعترف ان المفرزة الدرزية اللبنانية كانت نموذجاً عظيماً للمجاهدين في تحمّلهم وصبرهم وقلة مشاكلهم، وكان قائدها حمد بك صعب مثال النخوة والاقدام”. وعن خسائر “السرية الدرزية” يرد في مذكرات القاوقجي استشهاد محمود أبو يحيى من جبل العرب في معركة بلعا “وهو الذي كان له الفضل في الصمود والمحافظة على خط دفاعنا المركزي. وقد أبدى – شأنه في كل معركة عرفته فيها في معارك الثورة السورية – من الجرأة والشجاعة ما يعجز عن وصفها القلم”. كما يردّ في “يوميات أكرم زعيتر” استشهاد المجاهد حسين البنّا من شارون، إحدى بلدات قضاء عاليه في معركة بلعا، واستشهاد ملحم سعيد سلّوم حماده من بعقلين، إحدى بلدات الشوف، في معركة كفرصور في 8 تشرين الأول 1936، بعد أن أردى ضابطاً بريطانياً من ثقب الدبابة. ولقد تحاشى أهله في بعقلين الإجابة عن أسئلة السلطة المتكرّرة عن سبب موته وإقامة عزائه من دون جثة، نظراً لما كان يتعرض له أهل المجاهدين من ملاحقات ومضايقات وعمليات دهم في وقت ساعدت فيه السلطة المنتدبة الفرنسية على سورية ولبنان السلطة المنتدبة البريطانية على فلسطين، على قمع الثورة الفلسطينية ومنع وصول المساعدات إليها والتحاق المجاهدين من سورية ولبنان بها.

خلافات على الطريقة العربية
واجهت القاوقجي مشكلاتٌ عديدة منها غياب الدعم العربي المطلوب، والمشكلات الداخلية بين مجاهدي حملته، والتي منها عصيان المفرزة العراقية بسبب الرواتب، وهي التي كانت أكثر انتظاماً من غيرها. ومنها الخلافات الفردية بين الحماصنة والشوام، التي كانت تصل أحياناً إلى استعمال السلاح، ومنها تحول الخلافات الفردية إلى خلافات بين السرايا، وإصرار بعض الزعماء على تنفيذ آرائهم وخططهم، وعودة بعض العناصر إلى مواطنها، واتصال بعض العناصر برجال الاستخبارات البريطانية في فلسطين ورجال الاستخبارات الفرنسية في درعا. وكان القاوقجي يبذل جهداً كبيراً في حل هذه المشكلات وتلافي أضرارها ويضطر أحياناً إلى تسريح المشاغبين. كل هذه العوامل، إضافة إلى إنهاء الإضراب العام في فلسطين تلبية لنداء ملوك العرب وإعلان الإنكليز للهدنة، اضطرت فوزي القاوقجي إلى الانسحاب من فلسطين في تشرين الأول 1936.

سباق تسلح بين الفلسطينيين واليهود
كان الفلسطينيون في أمس الحاجة إلى السلاح في صراعهم مع اليهود والجيش البريطاني، وهو الذي كان بكمّه ونوعه أهم أسباب انتصار اليهود في جميع الحروب العربية الإسرائيلية. لقد كانت سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين لا تسهّل هجرة اليهود واستيطانهم فقط، بل توفّر لهم أيضاً الحماية بسياستها المنحازة، وتصادر الأسلحة من العرب وتقمع انتفاضاتهم التي قامت من أجل وقف هجرة اليهود إلى فلسطين ومنع إقامة كيانهم العنصري.
وفي المقابل، كان اليهود يحصلون على السلاح إمّا من مصادر السلطة البريطانية أو بواسطة التهريب بتواطؤ مع المسؤولين البريطانيين. واكتشاف شحنة الأسلحة والذخائر في ميناء يافا، المهربة إليهم داخل براميل، في أواخر سنة 1935، كان من أهم أسباب ثورة الفلسطينيين في سنة 1936، كما أن اليهود عملوا بشتى الأساليب على إفراغ أسواق البلدان العربية المجاورة وبيوت الأهالي من السلاح لتلافي احتمال انتقاله إلى الفلسطينيين، والّفوا لهذا الغرض شركة لشراء السلاح من سورية ولبنان بعد انتفاضة الفلسطينيين في سنة 1929، المعروفة، بانتفاضة البرّاق، وبعد تعاظم شعور العداء في الدول العربية إزاءهم وإزاء البريطانيين. وقد اكتشف رجال الأمن اللبنانيين شركة يهودية تشتري السلاح من سورية ولبنان، وتجمعه في مستودع في صحراء الشويفات، وتنقله إلى اليهود. وهذه الأسلحة هي بنادق ومدفع رشاش وقنابل يدوية.
منذ أن قامت الثورة الفلسطينية في سنة 1936 شرع الكثيرون من أبناء سورية ولبنان وشرق الأردن بنقل السلاح إلى الفلسطينيين والقتال إلى جانبهم. وإذا كان أكثر ناقلي السلاح قد فعلوا ذلك بدافع وطني، فإن قلة منهم توخّت الربح؛ لأن البندقية، مثلاً، كانت تُشترى في لبنان بـ 14 ليرة وتباع في فلسطين بـ 31 ليرة، ومع هذا الدافع التجاري لهؤلاء، فقد أسدوا خدمة جلّى للفلسطينيين، وللمتطوعين للقتال إلى جانبهم؛ لأنهم بحاجة إلى السلاح والذخيرة. وكان بعض السلاح المنقول إلى فلسطين من بقايا سلاح الثورة السورية الكبرى، وبهذا ردّ الدروز للفلسطينيين في سنة 1936، الجميل الذي صنعوه مع مجاهدي الثورة السورية الكبرى في سنة 1925.

قوافل السلاح تنطلق من الشوف وعاليه
لم يكن نقل السلاح وتسرّب المسلحين إلى فلسطين عمليةً سهلة، بل كانا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبخاصة بعد تكاثر حواجز القوى الأمنية لمنعهما. وقد حفلت عشرات الأعداد من الصحف المختلفة الصادرة آنذاك، وبيانات السلطات، ونشرات راديو فلسطين، بأخبار الاشتباكات الكثيرة بين الجند والمسلحين في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما مناطق الحدود اللبنانية الفلسطينية، والمسالك الرئيسية التي كانت الكمائن تقام فيها، كما حفلت بأخبار المداهمات في جنوب جبل لبنان وجنوب البقاع، وفي لبنان الجنوبي، بحثاً عن السلاح وناقليه.
جرت أضخم مسيرة من مسيرات المنتقلين إلى فلسطين، في ليل 10 – 11 أيلول سنة 1936، وضمت ما يقارب المئة مسلح من مختلف قرى الشوف وعاليه. ولدى وصولهم إلى تومات نيحا، اصطدموا برجال الدرك الذين كمنوا لهم في هذا المكان؛ إذ كان مخبرو السلطة قد أعلموها بتحركهم، وبأن في نيتهم نقل السلاح إلى الثوار الفلسطينيين والالتحاق بهم. لكن هذا الاشتباك لم يحل دون متابعة أكثر المسلحين لطريقهم في حين عاد قلة منهم إلى قراهم.
اهتمت السلطة الفرنسية المنتدبة بهذه الحادثة. وبناءً على توجيهاتها إزداد اهتمام الحكومة اللبنانية والمسؤولين الأمنيين، فعززوا قوى الدرك على الحدود اللبنانية الفلسطينية، واهتم على الأخص محافظا جبل لبنان ولبنان الجنوبي، اللذان تجري الحوادث في منطقتيهما. فحضر محافظ جبل لبنان إلى اعالي الشوف في 14 أيلول 1936، واجتمع بقائمقام الشوف وقومندان الدرك وزوّدهما بالتعليمات اللازمة، ثم عاد إلى بيروت حيث اجتمع برجال السراي الصغير. وحضر محافظ الجنوب إلى بيروت في 18 أيلول ليقابل أمين سر الدولة، ثم عُقد اجتماعٌ أمني ضمه ومدير الداخلية وقائمقام الشوف، حيث إتفق على تعزيز قوى الأمن واتخاذ الإجراءات المتشددة والكافية للقضاء على ما سمي “تهريب السلاح”. ومن جملة ما اتخذ من إجراءات استعانة قوات الدرك في مرجعيون بالمتطوعين لمساعدتها في مهماتها.

القاوقجي متوسطا بعض مجاهدي جيش الإنقاذ
القاوقجي متوسطا بعض مجاهدي جيش الإنقاذ

عمليات دهم وقمع بالجملة
باشر رجال الدرك ابتداءً من 12 أيلول مداهمة بيوت المسلحين الذين عُرفت اسماؤهم من رجال الاستخبارات وممن القي القبض عليهم من المسلحين الذين عادوا من تومات نيحا ولم يكملوا طريقهم إلى فلسطين. وداهموا ايضاً بيوت المتهمين بامتلاك السلاح، والمتعاطفين مع الثوار الفلسطينيين، الذين كان يخشى أن يقودهم التعاطف إلى القتال مع الثوار أو تزويدهم بالسلاح. وصادروا في بضعة أيام كميات كبيرة من الأسلحة بلغت من الشوف وحده 51 بندقية و1050 رصاصة. وارتفع هذا العدد كثيراً مع تتابع عمليات الدهم والتفتيش فبلغ ما جمع من بلدة نيحا، حتى تاريخ 19 أيلول 1936، 59 بندقية. وتمّ اعتقال الكثيرين. ورافق عمليات الدهم اشتباكات عدة منها اطلاق النار على رجال الدرك في 13 أيلول من الاكمات القائمة وراء بلدة مزرعة الشوف عندما كان رجال الدرك يسوقون الموقوفين منها، والاشتباك قرب بلدة عين زحلتا الذي جرى بعد بضعة أيام وقُتل فيه أحد أبناء البلدة محمد كرامي.

السلطات تحتفل بإحباط تهريب الأسلحة
كان اعتقال مئات الأشخاص مثار إدانةٍ من الوطنيين؛ لأن اعتقالهم بحسب ما جاء في احتجاج أمين الريحاني على أعمال الحكومة “يخدم المخططات البريطانية والصهيونية ويعزل الثورة الفلسطينية”. بيد أن ما احتج عليه الوطنيون كان مدعاة لتقدير السلطة. فقد منحت الحكومة اللبنانية قائمقام الشوف ميدالية الاستحقاق اللبناني الفضية ذات السعف لأنه بفضل التدابير التي اتخذها في ظروف صعبة ساعد على توطيد النظام والأمن في قضاء الشوف ” كما جاء في مرسوم منحه هذا الوسام. كما منحت الحكومة ميدالية الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثانية لضابط بيت الدين والمختارة، وميدالية الاستحقاق اللبناني من الدرجة الرابعة لجنوده، لنجاحهم في تشتيت عصابة كبيرة في ليل 10 – 11 أيلول وتوقيف الكثير من المسلحين. وجاء في مرسوم منح الضابط الميدالية بأنه تمكّن خلال يومين من إماطة اللثام عن أفراد تلك العصابة وعددهم سبعون، واعتقال 64 شخصاً ومصادرة 48 بندقية و1879 خرطوشة.
ومع استمرار الثورة في فلسطين حتى سنة 1939 استمر انتقال المسلحين اللبنانيين إليها وتهريب السلاح إلى مجاهديها. ولم يكن ذلك يتم عبر الحدود اللبنانية الفلسطينية فحسب، بل أيضاً عبر المناطق السورية وبفضل مبادرات منظمة أو فردية. فبعض أهالي منطقة راشيا نقلوا السلاح إلى أهل أقليم البلان(الجولان) وبخاصة أهل مجدل شمس، وهؤلاء بدورهم نقلوه إلى فلسطين. وكان المسلّحون اللبنانيون ومهربو السلاح يستعينون بأهل الإقليم في أثناء انتقالهم إلى فلسطين لمعرفة هؤلاء بالمسالك المؤدية إلى قراها الشمالية.

تظاهرة فلسطينية عام 1936 تندد بالهجرة اليهودية إلى فلسطين
تظاهرة فلسطينية عام 1936 تندد بالهجرة اليهودية إلى فلسطين

محاكمات عسكرية وغرامات باهظة
واستمرت الكمائن والمداهمات والاعتقالات في جنوب جبل لبنان وجنوب البقاع وفي لبنان الجنوبي، وهي لم تكن تخلو من الاشتباكات، منها الاشتباك الذي جرى في ليل 9 – 10 آب 1938 في سد بنت جبيل، بين كونين وبنت جبيل، وأدى إلى جرح مسلحين عدة ومقتل مزيد أبو حمدان من قرية الكحلونية (الشوف)، مما عزّز اتهام السلطة لابن هذه القرية، حمد صعب، قائد السرية اللبنانية في حملة فوزي القاوقجي إلى فلسطين، بأنه المسؤول عن تهريب السلاح. وبسبب هذه الحادثة، وسواها من الحادثات مع الجماعات المسلحة، لفتت المفوضية العليا الفرنسية الحكومة اللبنانية إلى تعدّد حوادث هذه الجماعات، وطلبت منها اتخاذ تدابير فعّالة لمقاومة هذه الأعمال.
كان المعتقلون يحالون إلى المحكمة العسكرية في بيروت. وقد بلغ عددهم في 4 كانون الأول 1938، 350 شخصاً. وكانت المحكمة العسكرية تصدر أحكامها بالجملة، فقد أفرجت بتاريخ 9 كانون الثاني 1937 عن 65 معتقلاً من أبناء الشوف بعد أن قضوا في السجن مدداً أكثر من المدد المحكوم عليهم بها. وأصدرت أحكامها بتاريخ 3 كانون الأول 1938 على 50 رجلاً بالسجن لمدة سنتين، ودفع غرامة مالية مقدارها ألفا ليرة (وهو ما كان يمثّل مبلغاً باهظاً) عن كل سجين.
توقّع المسؤولون البريطانيون المزيد من أعمال المقاومة العربية “وذلك بالنظر للجهود المتصاعدة في تهريب الأسلحة إلى داخل فلسطين”، فطلب القنصل البريطاني في بيروت والمندوب السامي في فلسطين من السلطة الفرنسية المنتدبة ومن الحكومة اللبنانية وقف تسرب الجماعات المسلحة من لبنان إلى فلسطين. وتضمنت مذكرة المندوب السامي السر أرثر واكهوب إلى الحكومة اللبنانية في أواخر تشرين الثاني 1937، زيادة الحاميات العسكرية على الحدود.

السلطات الفرنسية تتنصل
وأرسلت سلطة الانتداب البريطاني تقريراً إلى لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم، في اوائل 1939، أشار إلى استفحال حركة تهريب الأسلحة وإلى أن موظفي الأمن العام صادروا كمية من البنادق، معظمها مصنوع في ألمانيا، وكمية من المسدسات. وعند إثارة هذه القضية أمام لجنة الانتدابات لم ينكر ممثل فرنسا الكونت دوكه المحاولات الكثيرة لتهريب السلاح وجهود الأمن العام لوقفها، كما انه صرّح بأن لا مصلحة لسلطة الانتداب في سورية ولبنان في تشجيع حركات التهريب وتقديم المساعدات للثوار الفلسطينيين، بل مصلحتها في عكس ذلك.
إن تأييد السوريين واللبنانيين للثوار الفلسطينيين، وتقديم الدعم المادي والأسلحة لهم، وقتال البعض إلى جانبهم، كان مثار تقدير الثوار الفلسطينيين وإصدارهم بيانات الشكر، ومنها بيان القائد العام للثورة يوسف سعيد أبو درّة في 7 آذار 1939 إلى السوريين واللبنانيين، الذي جاء فيه: “لا عجب ولا غرابة فإن أخوّتهم الإسلامية ودماءهم العربية الزكية التي تسري في تلك العروق الحية جعلت إخواننا سكان سوريا ولبنان، خصوصاً أهالي بيروت، يبذلون الجهد في مساعدة إخوانهم في الدين والعروبة”

حوار مع رئيس اللجنة الاجتماعية في المجلس المذهبي

رئيس لجنة الأوقاف القاضي عباس الحلبي

النـزاع حول عقـار دار الطائفـة يهـدر فرصــاً

الأمـر بيد القضاء ويبقى باب الحوار مفتوحاً
مع الأهل والأبناء

أنجـزنـا حصر محفظـة الأوقـاف ولدينـا خطط لاستثمـار بعضهـا

بطء البت في الدعاوى القضائية يتسبب بأضرار

التقت مجلة “الضحى” رئيس لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي القاضي الأستاذ عباس الحلبي في حوار تناول عمل اللجنة والتحديات التي تواجهها وخصوصاً لجهة تنظيم محفظة الأوقاف ومعالجة القضايا العالقة، ولاسيما الخلاف القائم حول العقار الرقم 2046 في المصيطبة. وفي هذا الحوار يؤكد رئيس لجنة الأوقاف ثقته بالمستقبل داعياً إلى الحوار والحلول الأخوية لحل كل الخلافات. وهنا الحوار:

الشائع أن الوقف الدرزي هو من أغنى الأوقاف في لبنان، وهناك معوزون كثر ولا تتم مساعدتهم بالشكل المطلوب، لماذا؟
لا أعرف ماذا يوجد لدى الطوائف الأخرى لأجزم أيها الأغنى، ولكن أقول إن الوقف الدرزي يشمل عدداً من العقارات في بيروت ووقف الشيخ أحمد أمين الدين في الشحار وأوقافاً في مناطق أخرى محصورة في قضاء عاليه وقليلاً في الشوف والمتن وراشيا وحاصبيا. عندنا محفظة وقفية لا بأس بها ولكنها غير مستثمرة، ونواجه مشكلة كبيرة في أوقاف بيروت مورد الاستثمار الأساسي، وبالتالي كل العائدات لا تشكّل مبلغاً قادراً على سد الحاجيات، خصوصاً أن القانون يمنع منعاً باتاً البيع أو إلقاء أي عبء قانوني على العقار (بمعنى تأجيره لفترة طويلة أو الارتفاق عليه).

ما هي الحالة التي كانت عليها الأوقاف عندما استلمها المجلس الحالي؟
حالة تسيب كبيرة، فبعد وفاة شيخ العقل محمد أبو شقرا سنة 1991 دخلنا في مرحلة من النزاعات داخل الطائفة، وكان نتاجها وضع اليد على الأوقاف من أكثر من جهة. عندما تولينا إدارة الأوقاف كانت مبعثرة واستلمنا من جهات عدة: جزء من مجلس أمناء الأوقاف السابق المنحل، وجزء آخر من السيد سلمان عبد الخالق، وجزء من الشيخ بهجت غيث كما واستلمنا بعض العقارات التي كانت بتصرف جهات أخرى لن أدخل في تفاصيلها.

كيف تعاطيتم مع هذا الواقع؟
عندما انتخبنا كانت مهمتنا الأساسية تجميع المحفظة الوقفية من الجهات التي كانت تضع اليد عليها. أستطيع القول إن المحفظة الوقفية انحصرت، ولكن رغم الجهد الذي بذلناه لم نستكمل هذه المرحلة بعد بسبب المشكلة مع جمعية التضامن الخيري الدرزي على عقار ما يسمى ب “دار الطائفة“، ومع واضع اليد على المدرسة المعنية.

قيل إن الجهات التي كانت تدير الوقف جمعته وسلمته للمجلس كاملاً، على خلاف ما كان يُشاع حول الهدر. ما هو تعقيبكم؟
ليس صحيحاً، أنا أسميتها حالة تسيب وإهمال. ربما قام البعض بدور ما وفق مفهومه وعلى طريقته، ونحن نريد أن نفتح صفحة جديدة وليس الصفحات القديمة غير المجدية.

ما هي مشاريع المجلس، وهل تشمل الاستثمار؟
حاليا،ً لدينا مشروع لأرشفة المحفظة الوقفية وإطلاق برنامج معلوماتي يشمل كل عقارات الأوقاف في جميع المناطق اللبنانية. ونحن نتجه نحو الاستثمار في بعض العقارات، وبشكل أساسي في بيروت وفي عقارات وقف الشيخ أحمد أمين الدين في منطقة الشحار، هذا بالإضافة إلى مشروع في تلة العبادية، إلا أن المشكلة مع جمعية التضامن ومع واضع اليد على المدرسة المعنية تحول دون تنفيذ مشاريعنا الاستثمارية في بيروت، فالنزاع على عقارات بيروت جمّد أي استثمار فيها.

تتحدثون عن العقار 2046 في المصيطبة، ما الذي يشمله هذا العقار وما هي الملابسات بشأنه؟
من المعروف أن العقار 2046 في المصيطبة، أو عقار دار الطائفة الدرزية في بيروت، والذي تبلغ مساحته نحو 36 ألف متر مربع، يقع في منطقة سكنيّة وتجاريّة من المناطق الأولية في العاصمة، ومشاد على جزء منه عقار دار الطائفة الدرزية وتقع على الجزء الآخر المدافن وملاصق لها مجلس ومزار وقاعة. وفي واجهة العقار لجهة شارع فردان – رشيد كرامي، محطة بنزين وبناية فيها محال تجارية وبعض المستأجرين، كما يشغل المجلس المذهبي طبقة، ولجمعية التضامن الخيري الدرزي في بيروت طبقة أيضاً، كما يتضمن لناحية مدرسة الظريف معملاً مهملاً للبلاط وبعض المنازل القديمة. وهذا العقار واحد موحد باسم الأوقاف الدرزية العامة وليس لأي جهة أخرى حق التصرف به. الصحيفة العينية مثقلة بالإشارات، وهناك دعاوى مقامة من الغير لتملك أجزاء من هذا العقار. بإختصار وضع العقار يحتاج إلى عناية كبيرة لإدارته وحل مشاكله وبالنتيجة استثمار جزء منه لمصلحة الوقف من مساحات غير مستعملة يأكلها اليباس وقيمتها المالية مرتفعة جداً يمكن استثمارها بدل تركها فريسة للإهمال.

ما هو سبب الخلاف مع جمعية التضامن؟
يقولون اننا نريد أن ننقل تربة الدروز وإقامة “دروز مول” بدلاً منها، وهذه فكرة غير واردة أبداً. دار الطائفة والمقام والقاعة والمجلس والتربة كلها مقدسة، ونحن حريصون عليها ربما أكثر من أي كان. ولكن المكان محصور وهناك جزء من العقار أكله اليباس مع أنه مصنف مساحة من الدرجة الأولى في التصنيفات الاقتصادية، ويمكن إقامة مشروع عليه يستفيد منه عموم الدروز المحتاجين، وفي مقدمتهم أهلنا في بيروت.

إلى أين وصلت مساعي الحوار بينكم وبين الجمعية ؟
عندما انتخبت توجهت إليهم بالحوار، وأفضّل ألا أقول إلى أين توصّلنا، ولكن للأسف أصبح الأمر بيد القضاء، ولا بدّ من العودة إلى الحوار فهم أبناؤنا وأهلنا.

هل رُفِعَت دعوى قضائية بالموضوع؟
الجمعية أقامت دعوى على المجلس، للأسف جمعية درزية تخضع لإشراف المجلس المذهبي ترفع دعوى على مرجعيتها، يحاولون تضييع الوقت والهروب الى الأمام، وبالتالي فإننا نخسر عائدات مؤكدة تحقيقها.

ما هي قصة واضع اليد على المدرسة المعنية؟
إدارة الوقف السابقة أعطت السيد وليد ابو ضرغم عقد استثمار وأعيد تجديده لمرات وانقضت مدة العقد الأخير منذ سنين طويلة ولكنه مستمر في الاستثمار بطريقة وضع اليد بدون اتفاق مع الوقف.
ألا يمكن ملاحقته قانونياً؟
هناك دعوى أمام القضاء، ولدينا الكثير من الدعاوى القضائية المتوقفة في القضاء إذ نشكو من البطء في بت الدعاوى القضائية، تمضي سنوات قبل الحصول على حق الأوقاف.

ما هي الرؤية للمستقبل والرسالة التي توجهونها إلى الموحدين الدروز؟
مع أن العمل المنجز لم يكن سهلاً وكنت آمل أن نحقق أكثر، إلا أن المعوقات ليست سهلة أيضاً، لذلك أتمنى أن تحل كل المشاكل في الفترة المتبقية لنا، وأن نستطيع المباشرة في تحقيق بعض مشاريعنا الاستثمارية لأن الاستثمار خيارنا الوحيد، وإذا لم نستثمر في الأوقاف فعبثاً نبحث عن تحسين العائدات وبالتالي تحسين الخدمات للمحتاجين من أبناء الطائفة.

إنجـازات لجنـة الأوقـاف

ترميم المدرسة الداودية التي خصصت كمعهد جامعي للتكنولوجيا بإيجار سنوي بمعدل: 257.000.000 مئتان وسبعة وخمسون مليون ليرة لبنانية. وبلغت كلفة الترميم وبعض التجهيزات 966.599.000 ل.ل
بدعم من النائب وليد بك جنبلاط وبمساهمة شخصية منه بقيمة 800.000 $، ثمانمائة ألف دولار، تمّ شراء العقار الرقم 18، كركول الدروز – بيروت، بمبلغ مليون وخمسمائة ألف دولار أميركي . دفعت الاوقاف 500.000 $ خمسمائة ألف دولار وجمعية التضامن 200.000$ مئتي ألف دولار، وتمّ تخصيص هذا البناء لسكن طالبات العلم في بيروت بإدارة جمعية بيت الطالبة.
استلام المعهد التقني في راشيا وتأجيره في العام 2007 بقيمة 45.000$ على كامل الأقسام. وقد تمّ في العام 2010 تخصيص قسم من المبنى لاستحداث فرع للجامعة اللبنانية في منطقة راشيا.
مسح عقارات في بلدة البنية وتقدّر بنحو 700 ألف متر للأوقاف، مع مراعاة وصية الشيخ أحمد أمين الدين وجرت تسوية تعديات كانت حاصلة.
أنجزت معاملة شراء 64 ألف م2 مجاورة لمقام الست شعوانه، والذي كان بدأ بها الشيخ سلمان عبد الخالق بمبلغ وقدره 240.000 $ مئتان وأربعون ألف دولار أميركي.
تقدّم المجلس بطلب تخصيص عقار في بيروت للطائفة وتمت الموافقة من المجلس البلدي في بيروت على تخصيص العقار الرقم 4783 منطقة المصيطبة للمحاكم المذهبية الدرزية، لكن المعاملة ما زالت في وزارة الداخلية.
في مصالحة بلدة بريح تمّ التوافق على تسجيل قطعة أرض لبناء بيت بلدة للموحدين الدروز باسم وقف طائفة الموحدين الدروز وأنجزت معاملاته مع الصندوق الوطني للمهجرين وحمل الرقم العقاري 16/ بريح.

أوقاف الدروز في التاريخ المعاصر

أوقاف الدروز في التاريخ المعاصر

الأمير السيد والشيخ أمين الدين وضعا أسسها
لكن الأهواء وضعف الإدارة عرقلا مسيرتها

تفاهم كمال جنبلاط الأمير مجيد أرسلان حسم الخلافات
وقانون 2006 وضع دستور مرحلة المؤسسات

اهتم الموحدون الدروز بالوقف كصدقة جارية، وطبقوا بشأنه نظمهم الاسلامية، ويعتبر الأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي (ق)، أول من طبق مفهوم الوقف على نطاق واسع في الطائفة من خلال وقفيته المؤرخة سنة 884 هـ/ 1379 م، والتي سميت بالوقف التنوخي وشملت أموالاً معلومة، لمصلحة رجال الدين والمساكين والمهمشين. وسلك بعض المشايخ التقاة من الأعيان لاحقاً مسلك السيد الأمير، ومن أبرز هؤلاء الشيخ أحمد أمين الدين، الذي تولى مشيخة العقل وكان يتمتع بمكانة رفيعة في إمارة جبل لبنان. وقد أوصى الشيخ أمين الدين الذي توفي سنة 1224 هـ/ 1809م. بجميع أملاكه في عبيه والبنيه وغيرهما من قرى الشحار الغربي وقفاً لطائفة الموحدين الدروز، وهي أملاك واسعة تقدّر بمئات آلاف الأمتار. ومن هذه الأوقاف أنشئت مدرسة الداودية”.
هذا الوقف الخيري العام هو الأكبر مساحة، أما الأكبر من حيث القيمة المادية فهي أوقاف بيروت نظراً لأهمية العاصمة وللإرتفاع الكبير الذي طرأ على أسعار الأراضي فيها.
تشكّل الوقف الخيري عند الموحدين الدروز من هاتين الكتلتين الوقفيتين (الامير السيد والشيخ أمين الدين)، وتكمن أهميتهما في أنهما وضعتا وبحسب إرادة الواقف في تصرف مشيخة العقل.
أما الأوقاف الخيرية الأخرى، وبالرغم من كثرتها وتنوّعها وتوزّعها على مناطق جبل لبنان، فلم يكن لها دور مهم في مجتمع الموحدين الدروز، ومع أنها شكّلت قضية خلافية في زمن ادارتها، الا أن آثارها المادية والمعنوية بقيت محدودة ومن بين تلك الأوقاف وقف الشيخ ناصيف أبو شقرا من قرية عماطور الذي دوّن وصيته بخط يده سنة 1161ه/ 1748م، وزاد عليها ملحقاً سنة 1164 ه/ 1750م.
هذا بالإضافة إلى أوقاف ذرية حلّت مع الزمن. وخفت مع مرور الوقت الحماسة لإجراء الوقفيات المهمة وتباطأت حركة الوقف خصوصا بسبب الأوضاع التي سادت بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي، إلى أن توقفت الوقفيات الجديدة بصورة شبه كلية، أضف إلى ذلك أن الأوقاف القائمة نفسها تعرّضت للإهمال بسبب غياب إدارة فعّالة لها ثم بسبب تراجع ثقافة الوقف، كما حصلت انقسامات وخلافات داخل الطائفة وأدت تلك النزاعات إلى وضع اليد على الأوقاف من قبل بعض المستثمرين، ورسمت تلك الأمور صورة على قدر من السلبية أثرت كثيراً في دعم الجمهور الدرزي للأوقاف.

إنشاء المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز:
كان التفاهم الذي تمّ في مطلع الستينات بين قطبي الطائفة كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان واشترك فيه شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ محمد أبو شقرا تطوراً إيجابياً مهماً بالنسبة لأوضاع الأوقاف، إذ تمكّن مجلس النواب اللبناني بسببه من إصدار قانوني 13 تموز 1962 اللذين نظما إنشاء “المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز”و “انتخاب شيخ عقل لطائفة الموحدين الدروز”. وأعطي المجلس المذهبي بموجب قانون العام 1962 في مادته الأولى حق “الإشراف على الأوقاف وعلى مؤسسات وجمعيات الطائفة الدرزية باستثناء خلوات البيّاضة التي أبقيت تحت إشراف وتصرف شيوخها.
وحمل القانون المشار إليه ما اعتبر في ذلك الوقت بداية التشريع لضبط الأوقاف ومعالجة حالة التسيب التي سادت لفترة من الزمن، إذ نصت المادة الثالثة من القانون على أنه”لا يجوز بيع أو شراء أو استبدال أو رهن أو تأجير جميع أو بعض الأوقاف العائدة للطائفة الدرزية، أو ايجاد حق عيني عليها أو تغيير بنائها من دون مصادقة المجلس”.
على الرغم من الاتفاق السياسي بشأن هذين القانونين فإنهما لم يستقبلا بالإجماع الذي كان مأمولا من الطائفة. فقد اعترض على القانون أولاً شيخ عقل الدروز الثاني الشيخ رشيد حماده وشاركه في الاعتراض متولي الأوقاف السيد عارف النكدي. ودعا الشيخ حمادة أبناء الطائفة الى مقاطعة انتخاب أعضاء المجلس المذهبي. أما النكدي فاعترض على “إهمال المدارس وبخاصة الداودية وإقحام المؤسسات الخيرية في قوانين عامة”. ويوم انتخاب المجلس المذهبي بتاريخ 23 تشرين الاول 1962 استقال عارف النكدي بموجب برقية معتبراً أن مهمته انتهت وأنه يقوم موقتاً بتصفية العلاقات التي تعود للأوقاف”، وبعد أخذ ورد قرر المجلس تعيين مدير عام جديد، واتخذت الاجراءات الإدارية الكفيلة بإحصاء الأوقاف العامة.
وقدمت دعاوى أمام القضاء المدني لتصحيح الملكية العقارية لعدد من العقارات، وصدرت أحكام ببعضها لصالح المجلس المذهبي وبعضها الآخر كان لا يزال قيد النظر حتى نهاية القرن العشرين، ومن المؤسسات التي أخرجت من حلبة التجاذب المدرسة الداودية وأوقافها والمدرسة المعنية.
استمر المجلس المذهبي المؤسس حسب قانون 1962 في إدارة الأوقاف العامة حتى سنة 1970 حيث تعذر إعادة تشكيله بطريقة الانتخاب لأسباب سياسية، كما شغر مركز المدير العام للأوقاف بعد 15 آذار 1992 وبالرغم من العثرات التي واجهت مشيخة العقل بشخص الشيخ محمد أبو شقرا، فقد كان هناك توافق ضمني ضمن الطائفة على الإبقاء على واقع الأوقاف العامة مجمداً بما فيه الدعاوى التي ينظر فيها القضاء المدني اللبناني.
وبعد وفاة الشيخ أبو شقرا سنة 1991 اختير الشيخ بهجت غيث، قائما مقام شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، الذي كلف لجنة مؤقتة للأوقاف، الى أن صدر في 29 تشرين الثاني 1999 المرسوم الرقم 1767 الذي قضى بتأليف مجلس سمي “مجلس أمناء أوقاف الطائفة الدرزية” تمّ بموجبه نزع صلاحيات شيخ العقل من كل ما يتعلق بالأوقاف، ولكن هذا المرسوم طعن بدستوريته، فأبطل بعد سنة 2000.
بعد هذه المراحل المتقلبة في طائفة الموحدين الدروز وانعكاسها على “الأوقاف” التي غدت في حالة تجاذب مستمر، كان لا بد من اتخاذ قرارات حاسمة تنظمها. وجاءت الظروف الملائمة مع انتخاب المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز بتاريخ 24 حزيران 2006، والذي انتخب “لجنة الأوقاف الدرزية” التي أوكل اليها وضع استراتيجيّة متكاملة للاهتمام بهذه الأوقاف بعد إجراء مسح شامل لأنواعها، وتوزُّعها الجغرافي، وحاجات ترميمها، ومساحات الإفادة من الخدمات الممكن أن تقدّمها بغية تعزيزها، أو الاستثمار فيها في ما لو كان يحكمها الشلّل، الى إطلاق آلية تدقيق في المحفظة المالية لكلّ منها، وتسوية أوضاع ما بات يحتاج منها الى ترتيب قانوني أو إداري أو مالي مع إزالة التعديات حتماً عن تلك التي تعرّضت لذلك، والدّفع باتجاه استملاكات جديدة.
تسلّمت رئاسة المجلس المذهبي الدرزي ولجنة الاوقاف، من مجلس الأمناء وبلغت قيمة المحفوظات 1.307.103 دولار أميركي. كما تسلّمت من الشيخ سلمان عبد الخالق محفظة مليئة بالشؤون القانونية والدعاوى المتعلقة بتنظيم الأوقاف. أمّا الشيخ بهجت غيث، وفي مراجعة معه لمحفظته، أفاد بأنّ الاموال النقدية التي كانت في عهدته استعملت في تحسين مقام النبي أيوب عليه السلام والطريق المؤدية اليه، كما أن مشيخة العقل ولجنة الاوقاف تسلمتا مقام الست شعوانة (ر) ، ومقام النبي أيوب (ع)، ومقام الامير السيد عبدالله (ق)، وبقيت محفظة خاصة لمقام الامير السيد( ق) في عبيه بأمانة الشيخ أبو محمود سعيد فرج.

ن. ع.

ما هو الوقف

الوقف قانوناً هو تخصيص عقارات وأموال لنفع عيال الله الذين يستحقونه من رجال الدين والفقراء الذين يستحقون المساعدة. وهذا الوقف على نوعين: وقف عام ووقف ذري.
الوقف العام الخيري يبقى موقوفاً ليوم الدين ولا يمكن حلّه بأي طريقة. أما الوقف الذري، فهو عائلي حيث يقف أحد الناس مالاً ويمنع التصرف به لفترة. وينص القانون على انه مع انقضاء طبقتين (جيلين) من تاريخ وقف هذا المال أو العين يستطيع الورثة التقدم بدعوى حل الوقف الذري الى المحكمة المذهبية الدرزية، وتبلّغ الأوقاف العامة الدرزية بالدعوى التي تتمثل بها للاستفادة من حصة خيرية قيمتها 15 % من قيمة الوقف المنوي حلّه وتجيّر لنفع العموم.

العرس في راشيا وحاصبيا

العرس في راشيا وحاصبيا

جلب العروس على الفرس في لوحة عن العرس الدرزي في القرن الثامن عشر
جلب العروس على الفرس في لوحة عن العرس الدرزي في القرن الثامن عشر

حسرة على اندثار العرس القروي وأفراحه
وخروج المجوز والدبكة ومشاركة الناس

يتذكَّر المواطنون في منطقتي راشيا وحاصبيا أعراساً مضت بكثير من الحسرة. كانت المنطقة حتى عقدين ربما من الزمن ما زالت مصانة من منتجات المدنية المعاصرة وغزو الاستهلاك وقيم المباهاة. وكان الناس يتابعون إرث الأجداد في مناسبات الفرح، ويعيشون سعادة حقيقية في العرس القروي، الذي كان فعلاً مناسبة جامعة وفرصة للتعبير عن مشاعر المحبة والتآخي، وتأكيد قيم الرجولة التي يقوم عليها كيان الطائفة عبر الأجيال.
ماذا حدث إذاً حتى تبدَّلت الأوضاع؟ كيف قَبِلَ الناس خروج الدبكة والمجوز والعزيمة وتحدِّي رفع «العمدة”، وأخلوا بدلاً من ذلك بدعاً ومبتكرات، ليس فقط لا علاقة لها بالتراث، بل هي أيضاً مرهقة لأهل المناسبة، وباتت تُشكِّل عبئاً يدفع البعض لتأخير الزواج بانتظار أن يتدبَّر التكلفة فيجرؤ على دخول الميدان.

يتذكَّر الأستاذ نعمان الساحلي، مدير ثانوية الكفير الرسمية، كيف كان العرس مناسبة جامعة فعلاً يشارك فيها حتى رجال الدين الذين كان لهم القسط الأول في إجراء عقد الزواج، لكنهم كانوا أيضاً يتقدَّمون أهل العريس وأصدقاءه في المسيرة نحو منزل والد العروس، لتسير خلفهم مجموعة من الشباب بالحداء والأهازيج والتصفيق يرافقهم العريس والأهل والأصحاب.
كان أصدقاء العريس يأخذونه إلى مكان يُعرف بـ “جرن العريس”، حيث يشذِّب شعره ويستحمّ ليرتدي سروالاً جديداً، وغالباً ما يكون هذا السروال قد لبسه من قبل عرسان سابقون في البلدة، وكانت هذه الاستعدادات تتم على وقع الأهازيج والردّات السائدة آنذاك وتُعرف بـ “الترويدة”:
طلَّت الخيل وطلَّينا بأولها وإن أدبرت الخيل مكسّرها الرجاجيمة
وبعد الإنتهاء من ارتداء العريس لثيابه الجديدة، يقول أحد الشبان ردَّة حداء ما زالت تتردَّد حتى اليوم تقال لشقيق العريس:
فــــــــــــلان كــــــــــرّب عالفــــــــــرس عريسنــــــــــا جهــــــــــازو خلــــــــــص
يـــــا نجــــــوم بــــــي أعلــــــى سمــــا عـــــــــــــالأرض تعملــــــــــو حــــــــــرس
قبل استلام يد العروس كانت عائلتها تأتي بـ “العَمدة”، وهي عبارة عن جرن حجري لا يقل وزنه عن 50 كيلوغراماً وتضعه أمام العريس وتطلب منه أن يرفعه، وذلك لإثبات جدارته بالحصول على عروسهم، وتالياً أهليته للتقرُّب منهم والانتساب إليهم بالمصاهرة. وكانت هذه إحدى اللحظات الأكثر دراماتيكية وإثارة في حفل الزفاف، لأنَّ العريس يصبح في داخل حلقة واسعة من الشباب والكبار الذين يترقَّبون قيامه برفع الجرن. فإن قام بذلك علّت الأهازيج وهلَّل الجميع، وخصوصاً وفد عائلة العريس الذين يعتزون بالإنجاز الذي “بيض وجههم”، وعندها يتم تسليم العروس للعريس بكل طيبة خاطر. لكن كان العريس في بعض الحالات يفشل في رفع “العمدة”، وكان ذلك يعتبر نكسة لا بدّ من مواجهتها بسرعة. وكان ذلك يتم عبر التدخُّل الفوري لأحد المقرَّبين منه لإنقاذه من الموقف. وغالباً ما كان العريس غير الواثق من قدرته على التحدِّي يصطحب معه مجموعة من الشبان المعروفين بقوة البأس والذين يكون على أحدهم القيام بهذه المهمة إذا دعت الحاجة، لكن على الشاب أن يكون من عائلة العريس وليس أي شخص آخر. لأن المهم هو المعنى الرمزي لهذا الاختبار لدى أهل العروس، وهو أن العائلة التي تُصاهرنا عندها “رجال” يمكن أن يهبُّوا إلى نصرتها عند الحاجة.

المشايخ باتوا يتجنَّبون الحضور لأنهم لا يريدون أن يكونوا شهوداً على ما يحدث في أعراس اليوم

وهل حدث أن تراجع أهل العريس عن تسليم العروس في حال فشل العريس في رفع الجرن؟
نعم، يجيب الأستاذ الساحلي. مضيفاً: “حدث ذلك لكن في حالات قليلة عندما كان أهل العروس يمثلون أسرة عريقة أو ذات عنفوان وبأس، ولم يكونوا لذلك ليقبلوا أن يكون صهرهم العتيد أقل منهم شأناً في ميدان المروءة والفروسية، لأن “الصهر سند الظهر”، كما يقال. كما أن مجتمع الموحِّدين كان يقوم على مكارم الأخلاق وقيم الرجولة والشرف والعِفَّة والبنية الجسدية على اعتبار أن الأسر كانت تتخيَّر في أنسابها القَوي والعفيف، لأنها كانت ترى في ذلك ضمانة الحصول على ذرية قوية وصالحة تنتفع بها الجماعة في أوقات الحرب كما في أوقات السلم.
بعد وصول العروس إلى منزل العريس كان يأخذ بيدها ويبارك له الحضور. وعندها يدعو أهل العريس جميع الحضور إلى تناول الطعام، وغالباً ما كانت أرض الدار هي المائدة، فكان الخوان يوضع على الأرض ويجلس الناس متربعين أو على ركبهم لتناول طعام الفرح، وبعدها تبدأ التهاني ويعقد الشباب حلقات الدبكة ويتبارى بعضهم في غناء المعنّى والعتابا والميجانا. وهذه المشاركة غالباً ما كانت تغذِّي المواهب عند الناس في قول الشعر والمحافظة على تلك العادات. وكان العرس يستمرُّ أسبوعاً كاملاً يبدأ بـ “التعليلة” ليلة الجمعة ويستمر على امتداد الأسبوع، بحيث تشهد كل ليلة حلقات الدبكة والغناء والحداء والفرح على وقع المنجيرة والمجوز، وهي آلة طربية من القصب غالباً ما كانت ترتبط بالرعاة الذين كانوا يسلون أنفسهم بالعزف عليها وسط الطبيعة الخلاَّبة”.

كيف ينظر الأستاذ الساحلي إلى أعراس اليوم؟
يقول متنهداً: “شتّان ما بين الأمس واليوم! لقد زال الكثير من معالم العرس كما كنا نعرفه، وذلك بعد أن بدأ الناس يسيرون في ركب القيم المستوردة وحضارة المادة والتباهي، ويتخلون في سبيل تلك القشور عن العادات الشرقية والعربية، سواء في الشكل أم في المضمون. وقد تحوَّل العرس اليوم إلى حدث باهت لا روح فيه، وحلّت الموسيقى الصاخبة محل حنين المنجيرة وحلقات الرقص العفوي، وحلًت المطاعم بدل الولائم أو العزائم، وحلّ اللبس الغريب وغير المحتشم محل اللباس الراقي للأزمنة السابقة، وأخذت فِرَق الزفة وحركاتها البهلوانية محلَّ حلقات الدبكة الشعبية، وبات الفرح اليوم عبارة عن مهرجان يجلس فيه الناس على الكراسي بلا أية مشاركة أو دور حقيقي في المناسبة.

راشيا-التاريخ-أعيدوا-لها-عرسها
راشيا-التاريخ-أعيدوا-لها-عرسها

محمود فارس غزالي، الذي يقترب من عامه الـ 90، يعتبر أن أعراسنا أصبحت مناسبة جوفاء تهيمن عليها المزايدات والمظاهر الفارغة وتُلقي أعباءً كثيرة على كاهل العريس، الذي غالباً ما يرزح بسببها تحت وطأة الدين لإرضاء الناس.
يذكر غزالي كيف كان “جهاز العروس” في الماضي بسيطاً يوضع كله في صندوق يُعرف بـ “صندوق العروس” أو” الصندوق المطعّم”، وقد كان دولاب الثياب (الخزانة) في تلك الأيام غير معروف. وكانت العَمدة (أي تحدي رفع الجرن) هي التي تقرر معدن الرجال وأهليتهم لنيل العروس، بينما أصبح الشخص يأخذ عروسه هذه الأيام لا شروط إلاَّ شرط أن يكون لديه المال”.
يضيف غزالي أن جميع أبناء القرية كانوا يشاركون بعضهم بدافع المحبة، ولم يكن في المنازل البسيطة سوى إنتاج المنقول ( الزبيب والجوز واللوز والتين) وكانت الهدية هذا النحو، أي من حاضر البيت، فكان أصحاب المواشي المقتدرين مثلاً يقدِّمون للعريس أحد رؤوس الماشية ليصار إلى ذبحها وطهيها لتقدم إلى المعازيم؛ كما كانت الحلوة أو “التحلاية” بعد الغداء من إنتاج البيت (رز بحليب)، أما اليوم فقد أصبحت الهدية من وحي العصر شاملة بذلك الأدوات الكهربائية وصولاً إلى ضيافة البوظة.
من التقاليد المهمة والجميلة التي اندثرت “ليلة النقوط”، النقوط حين كان يصار إلى جمع المال للعريس من قِبَل الحاضرين كلٌّ حسب قدرته مع حفظ سجل بتلك التبرُّعات التي تصبح بمثابة “دين” على العريس عليه أن يوفيه إلى من يتزوَّج بعده من الحاضرين أو من أبنائهم. ومن التقاليد التي ذهبت أيضاً “الشوبشة”، حيث يقوم الأهل والأصدقاء بتقديم المال أو الذهب إلى العروس. أما اليوم، فقد أصبح سيد الموقف رقم حساب العريس في المصرف”.

السيد صالح نوفل، رئيس بلدية الكفير، يضيف القول بأن “نكهة الأعراس” اختلفت كثيراً. فالطبلة والمنجيرة والمجوز تلاشت لحساب آلات موسيقية مستوردة، أو موسيقى معلبة وصاخبة أو مبتذلة، و”هو ما يجعل بلدة الكفير تحنُّ إلى الماضي الذي يكاد يصبح صورة
شاحبة في الذاكرة”.
يقول: “إن المشاركة في العرس أصبحت اليوم رمزية ومن قبيل “المسايرة” أو الواجب، وقد تقلَّص عدد المحتفين، كما تحوّل الحفل إلى حفل لا يلائم مجتمعنا، حتى أننا نكاد نفقد تراثنا الشعبي الذي عاش معنا لمئات السنين”. وأخطر ما حصل في رأس رئيس بلدية الكفير هو الارتفاع الكبير في تكلفة العرس، حيث نرى متوسطي الحال يتماثلون بالميسورين والأغنياء فيلجأون إلى بيع بعض الممتلكات الثابتة لتغطية تكلفة العرس. وهذا الواقع قد يستدعي إقامة أعراس جماعية تساعد على خفض التكلفة. وختم بمطالبة السلطة الدينية لو تستطيع أن تكبح هذا الإفراط لما لقراراتها من رضى وقبول.

الأستاذ عامر عامر، من الخلوات حاصبيا، يستهجن “دخول الموسيقى الأجنبية إلى حياة الريف”، كما يلاحظ شيوع الاختلاط والكثير من البدع التي جعلت هناك انقساماً في المجتمع أزاء العرس بعد أن كانت المشاركة عمومية، بما في ذلك رجال الدين الذين كانوا يشاركون في حلقة الدبكة”. يضيف القول: “إن المزايدات أدخلت الناس في مرحلة الإفراط، إذ كانت مأدبة الغداء في السابق تقام من حواضر بيت الفلاح وكذلك “الضيافة”، حيث كانت مأدبة الطعام تمدّ أمام الناس على الأرض والكل يشارك. أما اليوم فإنَّ الميسورين الذين يزايدون في تقديم الضيافة والطعام، والكثيرون منهم يهدفون إلى إبراز ثرائهم وكسب الجاه، لكن هذا الأمر ينعكس سلباً على ذوي الدخل المحدود الذين يسعون إلى التماثل بهم”.

السيد حسن مدَّاح الذي ينظّم الشعر ويلقيه بدافع المحبة في المناسبات، وخصوصاً الأفراح، يقول عن أعراس اليوم: “رزق الله على أيام زمان” عندما كان أبناء منطقتنا فلاحين بمعظمهم والإمكانات المادية متواضعة، لأن تلك الأيام كانت تسودها المحبة والإلفة والنخوة. أما اليوم فإنهم يحاولون دفن ذاكرتنا وإخراجنا من ذواتنا وهويتنا”. مضيفاً: “في الماضي كان فرح العريس هو أيضاً فرح الناس، أما الآن فأصبحنا نأتي بمن يفرح عن الناس حيث تقوم فرق الزفَّة بتمثيل ما يفترض أن يقوم به أهل العريس وأصدقاؤه”. وأكد أنه يريد لحفل زفاف ابنه أن يكون على وقع التراث وبمشاركة ومباركة رجال الدين، وأن يسير الناس لجلب العروس على وقع الحدا والحوربة، بعيداً عن هذه البهرجة المزيَّفة والمصطنعة التي تبعدنا عن أصالتنا وتراثنا، لافتاً إلى أن إحدى أهم نتائج تدهور العرس الدرزي الأصيل، هو أننا خسرنا مشاركة المشايخ ومباركتهم للمناسبة، وقد باتوا يتجنَّبون حضور تلك المناسبات لأنهم لا يريدون أن يكونوا شهوداً على ما يحدث، خصوصاً زوال الحياء ومشاهد الفوضى بين النساء والرجال سواء في حلقات الدبكة أو الرقص، ناهيك عن المُسكرات التي لا يتوانى البعض عن تقديمها في المناسبة.
وختم بهذه الأبيات من الشعر:
الأفــــــراح نحن كلنـــــــــا نريدهــــــــا منمشي مثل ما قال عنها سيدها
بدنــــا المشايـــخ بالفـــرح يتدخَّلـــــوا حتــى عوايدنـــا القديمة نعيدهـــا

إن-رغبت-مصاهرتنا-فارفع-هذا-الجرن
إن-رغبت-مصاهرتنا-فارفع-هذا-الجرن

مراسم عقد الزواج في جبل العرب «بنــت الرجـــال ما بتتشــاور»

مراسم عقد الزواج في جبل العرب
«بنــت الرجـــال ما بتتشــاور»

من أهم عادات الفرح أو الأعراس في جبل العرب، عقد القران، الذي يقام في منزل والد العروس، وبحضور رجال الدين، وهو ما يسمى “العقد” أو “عقد المشايخ”. وفي هذا العقد تنيب العروس شاهداً عنها، كما ينيب العريس شاهداً عنه، ويدعى كل من الشاهدين “وكيلاً” ويذهب وكيل العروس إلى الغرفة الموجودة فيها العروس ويخاطبها علناً أمام نساء القرية: “والدك خطّبك لفلان إنتي شو بتقولي؟ فتجيبه العروس: “بنت الرجال ما بتتشاور”، وإذا كانت موافقة تقدم له سواراً فضياً علامة الموافقة، ولا يجوز أن يكون السوار من الذهب، للاعتقاد بأن الفضة ميمونة الطالع، وبعد عودة الوكيل بالسوار تبدأ مراسم عقد القران. وخلالها يجلس المأذون أو المكلف بعقد القران من رجال الدين مستقبلاً القبلة، ويجلس وكيل المخطوبة عن يمينه ووكيل الخطيب عن شماله، ويشبكان يديهما اليسريين مع بعضهما على طريقة التصافح بالأيدي، ويربطان إبهاميهما بسوار المخطوبة، ويغطيان يديهما بمنديلها حتى نهاية صورة العقد، ثم يستأذن الحضور بعقد القران.
يسأل المأذون بعقد القران وكيل الخطيبة قائلاً: “أنت وكيل الزوجة؟ يجيب: نعم، وأنت وكيل الزوج؟ يجيب الآخر: نعم، ثم يسأل وكيل الزوجة: أزوجت موكلتك فلانة بنت فلان، البنت البكر، “وإذا كانت المخطوبة متزوجة من قبل فيقال المرأة الثيب” البالغ الخالية من الموانع الشرعية لموكل هذا الرجل فلان بن فلان، على الشروط المتفق عليها من مهر متقدم كسوة لبدنها وإصلاحاً لشأنها، وصداق قد تراضيتم عليه إلى حين الطلاق والفراق على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ يجيب نعم، وأنت رضيت؟ يجيب: “نعم”.
ويبدأ عقد القران بقراءة الفاتحة “الحمد لله رب العالمين”، ثم يكرر ثلاث مرات سورة “قل هو الله أحد”، ثم سورة “قل أعوذ برب الفلق”، وسورة “قل أعوذ برب الناس”، ثم الآية القرآنية “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، ثم خطبة الزواج وهي “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الخبير بما صنع، اللطيف بما بدع، الكريم بما أعطى ومنع، الذي وصل شمل المتباعدين وجمع، أحمده حمد من آمن بربوبيته وقنع، وسلامه وصلواته على رسوله وآله أئمة الهدى ومصابيح الدجى ما ترنم طائر وسجع، وسلم تسليماً ما أضاء صبح وبرق لمع.
أما بعد، فإن الله قد سن سنة الزواج وبثها وحللها، وجعلها سنة من سنن الأنبياء، وشرعة من شرع الصالحين الأتقياء، وصوناً عن الفحشاء، ووقاية من رب الأرض والسماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا رهبانية في الإسلام”، وقال تعالى: “ومن كل شيء خلقنا زوجين”، “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودَّة ورحمة”، وقال تعالى: “والطيِّبات للطيِّبين والطيِّبون للطيِّبات”، فسبحان من جعل البعيد قريباً، والغريب صهراً ونسيباً، وقال سيد تهامة، المظلل بالغمامة، والمتوّج بتاج العز والبهاء والكرامة: “يا أمتي تزاوجوا تناسلوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة”، وقد صار اجتماعنا ها هنا لأمر قدره الله وقضاه، وحكم به وأمضاه، وقارنه بالسعد والتوفيق في أوله وأوسطه ومنتهاه، فأسأله تعالى أن يلقي بين الزوجين المحبة والوداد (وهنا يردد الحضور آمين بعد كل دعاء)، وأن يرزقهما النسل الصالح من الأولاد، وأن يريهما الأحفاد، وأن يوسّع عليهما الرزق، وأن يحفظهما من مكايد الخلق، وأن يبارك هذا العقد الميمون إن شاء الله”.
بعدها يقدّم أهل العريس الحلوى للحضور، رجالاً ونساء، ويتبادلون التهاني والتبريكات للعريس وأهله.

من أعلام بني معروف