الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

أسعار الطاقة تُفاقم مستوى المعيشة في لبنان

يواصل لبنان التعرض للاعتداءات الإسرائيلية، وذلك على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء 7 نيسان/أبريل الفائت، وقبيل ساعة واحدة من انتهاء المهلة التي كان قد حددها لإيران لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ملوحًا بتنفيذ تهديده بتدمير ما سماه “الحضارة الفارسية” في حال عدم الامتثال.

كما لا يزال لبنان يتحمل التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران على الرغم من توقفها، ولا سيما أن حظر الملاحة في مضيق هرمز شكل تهديدًا مباشرًا لأمن إمدادات الطاقة على مستوى العالم، وأسهم في دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة لم تبلغها منذ أربع سنوات، أي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على اللبنانيين.

أزمة اقتصادية عالمية

وقد تسببت هذه الحرب في أزمة هي أشبه بأزمة النفط التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، والتي نجمت عن حظر الدول العربية تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى عام 1973، على خلفية دعمها لإسرائيل في حربها على مصر وسوريا. إلا أن المؤشرات الراهنة تشير إلى أن الأزمة الحالية قد تتسم بدرجة أشد وطأة وأكثر تعقيدًا.

وقد بادرت العديد من الدول إلى مواجهة اضطراب أسواق الطاقة لديها بإجراءات عاجلة، شملت تحرير جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط بهدف تخفيف حدة الصدمة على الأسواق. كما يعمل الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع على تنسيق جهود مشتركة لضمان قدر أكبر من الاستقرار فيها. ولجأت بعض الحكومات إلى خفض الضرائب على الوقود وتقنين الاستهلاك، فضلاً عن تسريع مشاريع الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على إمدادات الشرق الأوسط.

لبنان والطاقة

أما لبنان، الذي يعتمد اعتمادًا شبه كامل على استيراد المحروقات، فهو من بين أكثر الدول تضررًا من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ومن شأن ذلك أن يُفاقم الأعباء الاقتصادية المترتبة عليه، في ظل عدم تعافيه حتى الآن من أزمته الاقتصادية العميقة، فضلاً عن تداعيات العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، وحرب الستة والستين يومًا في عام 2024.

وتجدر الإشارة إلى أن المحروقات في لبنان تخضع لرسوم مركبة ومرتفعة، وقد أقرت الحكومة في شباط/فبراير عام 2026، رسمًا إضافيًا على صفيحة البنزين يبلغ نحو 320 ألف ليرة. ومع احتساب ضريبة القيمة المضافة، يرتفع العبء الضريبي الإجمالي إلى ما يقارب 25%–30% من السعر النهائي، وذلك قبل احتساب آثار الارتفاعات العالمية في الأسعار، وهو مستوى مرتفع نسبيًا بالمقارنة مع الاقتصادات المماثلة، وأسهم في تغذية الضغوط التضخمية وتدهور القدرة الشرائية.

تداعيات الأزمة على لبنان

في المقابل، يترافق ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الشحن البحري والتأمين، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على أسعار الفيول أويل وسائر المحروقات في لبنان، ويؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية التي تُفاقم من حدة الأزمة المعيشية، بما يعمق مظاهر الفقر والهشاشة الاجتماعية، ويُضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

وتتجلى هذه التداعيات من خلال جملة من الآثار الاقتصادية السلبية، أبرزها:

  • ارتفاع فاتورة الكهرباء، سواء كان مصدرها مؤسسة كهرباء لبنان أو المولدات الخاصة، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة تكلفة كل من ألـ Gas Oil المستخدم للمولدات، و Fuel Oil المستخدم لمعامل المؤسسة.
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي، نتيجة الاعتماد على الطاقة لتشغيل الجرارات ومضخات المياه في الزراعة، وكذلك لتشغيل المولدات والتجهيزات الصناعية.
  • ارتفاع تكلفة النقل البري للسلع والمنتجات الصناعية والزراعية.
  • ارتفاع تكلفة تنقل الأفراد، سواء في وسائل النقل الخاصة أو العامة.
  • ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة مضاعفة، نتيجة تداخل تكاليف الاستيراد والشحن والنقل المحلي.

 

مؤشرات تفاقم مستوى المعيشة

إن الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات يؤدي إلى تسريع معدلات التضخم، ولا سيما في بندي الغذاء والطاقة، مما ينعكس مباشرةً على مؤشر أسعار المستهلك ويؤدي بدوره إلى تآكل القدرة الشرائية للأجور، في ظل ثبات نسبي في الرواتب وعدم مواكبتها لارتفاع الأسعار. وهذا من شأنه أن يساهم في اتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلاته، وارتفاع معدلات البطالة والبطالة المقنعة، وتراجع النشاط الاقتصادي.

ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى تغيير في بنية إنفاق الأسر، حيث ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء والطاقة من إجمالي الدخل، ويُعاد ترتيب أولوياتها الاستهلاكية على حساب التعليم، والصحة، والادخار. وفي ظل ضعف القدرة المالية للدولة وارتفاع مستويات الدين العام، تتراجع إمكانات التدخل لتخفيف الأعباء عن المواطنين.

ولا تقتصر المخاوف من تفاقم مستوى المعيشة في لبنان على ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها المباشرة، بل تتسع لتشمل أبعادًا اقتصادية أوسع، من أبرزها:

  • تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما قد يرافقها من تهديدات لأمن تلك الدول.
  • ازدياد مخاطر دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، ولا سيما أن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة تتأثر بارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن، الأمر الذي يُضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية.
  • فقدان عدد كبير من الأسر مصادر دخلها، سواء بسبب توقف المؤسسات عن العمل في مناطق مهددة من الاحتلال الإسرائيلي، أو بسبب النزوح من أماكن إقامتهم، أو لترك المزارعين أراضيهم وتعطيل أنشطتهم وخسارة مواسمهم الزراعية.
  • ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، نتيجة زيادة الطلب على السلع والخدمات في المناطق التي تستضيف النازحين، والتي تعاني أصلًا من محدودية القدرة الاستيعابية.

 أسعار ترتفع ومستوى معيشة يتدهور

يتبيّن مما تقدم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يشكّل مجرد أزمة قطاع بعينه، بل يمثل عاملًا ضاغطًا يعيد تشكيل مجمل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويدفع بمستوى المعيشة نحو مزيد من التدهور. وفي ظل غياب سياسات فعّالة للحماية الاجتماعية، وتعثر استثمار ثروة لبنان النفطية، تبقى قدرة لبنان على احتواء هذه التداعيات محدودة، ما يجعل الأزمة مرشحة للتفاقم، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا على مستوى الاستقرار الاجتماعي، في حال استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية

لبنان في عين العاصفة … والتداعيات تتفاقم

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يُواجه لبنان تداعيات هذه الحرب في بعديها المحلي والإقليمي، لا سيما بعد دخول حزب الله هذه الحرب مساندًا الجمهورية الإسلامية في إيران. الأمر الذي يضاعف الأعباء المترتبة على البلد الذي لم يتعافَ بعد، لا من أزمته الاقتصادية ولا من آثار العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول عام 2023 وحرب الـ 66 يومًا في عام 2024.

ذلك أن خطورة العدوان الإسرائيلي على لبنان لا تقتصر على ما يسببه من خسائر مادية مباشرة في المباني السكنية والمؤسسات الصناعية والتجارية، والبنى التحتية في المدن والقرى اللبنانية، بل تشمل أيضًا تداعياته المترابطة والمعقدة التي تبدأ من تهجير أهالي مدن وقرى الجنوب، والضاحية، والبقاع الشرقي، والتدمير الممنهج لها، ولا تنتهي عند الخسائر البشرية والمالية والاقتصادية، فضلاً عن التداعيات التربوية والإنسانية والاجتماعية التي ستترتب على هذا العدوان.

التهجير السكاني

ويأتي التهجير القسري للأهالي من مدنهم وقراهم وبيوتهم، كأحد أخطر تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان عامة وعلى الجنوب والضاحية خاصة، لما ينطوي عليه من تفكك أسري وتشتيت للعائلات المهجرة، حيث بلغ عدد النازحين ما لا يقل عن 1.3 مليون شخص، وفق تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية.

 كما يبرز هذا التهجير الحاجة الملحة والفورية إلى مراكز إيواء لائقة وتلبية حاجات النازحين المستجدة، ويفتح الباب أمام توترات اجتماعية كامنة قد تتفاقم كلما طال أمد الأزمة، فضلاً عن تسببه في تزايد الضغوط على البنى التحتية والخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء واستشفاء وتعليم، في المناطق المستقبِلة.

التداعيات الاجتماعية والإنسانية

تتجاوز التداعيات الاجتماعية والإنسانية للعدوان الإسرائيلي على لبنان الخسائر البشرية والمادية المباشرة، لتطال البنية الاجتماعية في أعماقها، في ظل تفاوت الظروف الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما ما يرافق النزوح من اكتظاظ في المناطق المستقبلة. الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الإحساس بالأمان والاستقرار، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة، في مقدمها الأطفال وكبار السن.

ومع استمرار العدوان، يتحوّل النزوح من حالة طارئة إلى أزمة اجتماعية مركبة، تراكم أزمات مزمنة يصعب احتواؤها على المدى القصير، ولا سيما مع ازدياد التنافس على الموارد المحدودة. وهو ما قد يؤدي إلى ظهور توترات بين المجتمعات المضيفة والنازحين، بما يهدد التماسك الاجتماعي ويعمق من هشاشة البنية المجتمعية.

تعاظم الخسائر

يتّخذ العدوان الإسرائيلي على لبنان طابعًا تدميريًا ذا أبعاد إنسانية جسيمة، حيث يستهدف المدنيين الآمنين في منازلهم، في انتهاك واضح للقواعد الأخلاقية والإنسانية. ويشير تقرير وزارة الصحة العامة الأخير إلى ارتفاع عدد الشهداء خلال الفترة الممتدة من 2 آذار إلى 24 آذار إلى 1072 شهيدًا، من بينهم ما لا يقل عن 125 طفلًا و70 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 2966 جريحًا. وخلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها، سجل سقوط 33 شهيدًا و90 جريحًا، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في وتيرة العنف.

ويتضح المنحى التدميري للعدوان في الاستهداف المنهجي للبنى التحتية الحيوية، ولا سيما الجسور فوق نهر الليطاني ومحطات تحويل الكهرباء ومحطات ضخ مياه الشفة في الجنوب، فضلًا عن تدمير مئات الوحدات السكنية وتسويتها بالأرض. علمًا أن العدوان الإسرائيلي السابق كان قد خلّف دمارًا واسعًا طال نحو 100 ألف وحدة سكنية، وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

تداعيات على القطاع التربوي

في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان واتساع نطاقه، يصبح من المتعذر متابعة العام الدراسي حضورياً، وتزداد هذه الصعوبة حدة مع نزوح الأهالي من قراهم وبلداتهم، ليستقروا في مراكز إيواء هي في معظمها المدارس والثانويات الرسمية. وفي المقابل، يواجه التعليم عن بُعد تحدّيات جوهرية تتصل بضعف البنية التحتية الرقمية وتفاوت إمكانات الوصول، الأمر الذي لا يهدد انتظام العام الدراسي وحسب، بل ينذر بإضعاف القطاع التربوي برمته، ويقوض مستقبل التعليم في لبنان.

التداعيات الاقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، يتسبب العدوان الإسرائيلي بأضرار عميقة تتوزع على أكثر من مستوى، منها ما هو متعلق بسير العدوان على لبنان ومنها ما هو نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت بها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وهي تتوزع على الشكل التالي:

  • توقف الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج، وهجرة الأراضي الزراعية في المناطق الجنوبية، مما يتسبب بضياع المواسم ويحرم آلاف العائلات من النازحين من مصادر الدخل.
  • ارتفاع كلفة النقل والانتقال وانعكاسه على أسعار السلع والخدمات، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وحظر الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي يزيد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الوطني.
  • ارتفاع إضافي في أسعار السلع والخدمات في الأماكن التي انتقل إليها النازحون نتيجة ازدياد الطلب، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
  • تعطل السياحة وتراجع عدد اللبنانيين القادمين إلى لبنان جراء الأوضاع التي تشهدها دول الخليج العربي، مما يستتبع تراجع في تدفق العملات الصعبة في الاقتصاد الوطني.
  • تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين من دول الخليج العربي مع استمرار الهجمات المتبادلة بين المتقاتلين وما يرافقها من اعتداءات إيرانية على الدول الخليجية.
  • تزايد المخاطر من دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، خاصة وأن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة في ظل ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وتكلفة الشحن، الأمر الذي يحد من تنافسية المنتجات اللبنانية.
  • انخفاض الناتج المحلي الإجمالي جراء توقف أو تباطؤ الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج كليًا أو جزئيًا.

تراجع الإيرادات العامة وتزايد الالتزامات

يتوقع أن يؤدي العدوان الإسرائيلي إلى ارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، لتضاف على تكلفة الحرب السابقة التي قدرها صندوق النقد الدولي بنحو 9 مليارات دولار، مما سيؤدي إلى زيادةٍ ملحوظة في احتياجات التمويل. وفي المقابل، يُرجَّح أن يشهد إجمالي الإيرادات العامة تراجعًا، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك الخاص، وهو ما قد يمتدّ تأثيره للسنوات القادمة. ومن شأن هذا التراجع في الإيرادات، بالتوازي مع ارتفاع النفقات، أن يُفاقم عجز الموازنة العامة ويُعمّق الاختلالات المالية.

الخاتمة
يتضح مما تقدم أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لا يُمكن اختزاله في كونه مواجهة عسكرية ذات أبعاد ميدانية فحسب، بل يهدف إلى خلق أزمة مركبة متعددة المستويات، تتداخل فيها الجوانب الأمنية مع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية عميقة.

وعليه، فإن التحدي لا يكمن فقط في إدارة تداعيات العدوان واحتواء أضراره المباشرة، بل في القدرة على الحد من تراكم الخسائر التي يسببها، عبر سياسات إنقاذية ومقاربات وطنية شاملة تُعزّز مناعة المجتمع وتؤسس لمرحلة تعافٍ حقيقي. فكل تأخير في المعالجة، وكل غياب لاستدراك المرحلة القادمة، من شأنه أن يحوّل هذه التداعيات من أزمة ظرفية إلى واقع دائم يهدد مستقبل لبنان وأجياله القادمة.

وفي ظل استمرار التصعيد الإقليمي واتساع رقعة المواجهة، وغياب آفاق حل سياسي واضح المعالم، يبقى لبنان أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه الاجتماعي واستقراره الاقتصادي ومنع انزلاقه إلى مزيدٍ من الانهيار، تمهيدًا لاستعادة مسار التعافي والاستقرار.

 

حرب إقليمية بتداعيات اقتصادية عالمية

تتواصل الحرب التي تشنها كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران للأسبوع الثالث على التوالي، في وقت تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى نزاع إقليمي مفتوح تتجاوز تداعياته حدود الأطراف المنخرطة فيه بشكل مباشر.

وما يزيد من خطورة هذا التصعيد طبيعة الرد الإيراني، الذي بات يستهدف مرافق حيوية في دول الخليج العربي، ولا سيما المطارات والمنشآت اللوجستية، الأمر الذي انعكس اضطرابًا ملحوظًا في حركة الملاحة الجوية والبحرية، وأدى إلى اختلالات متزايدة في شبكات النقل وسلاسل الإمداد الإقليمية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية أوسع على مستوى العالم.

من الأهداف الى التداعيات

وتتعاظم المخاوف في المرحلة الراهنة من احتمال توسّع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت أكثر حساسية، وفي مقدمها مراكز تحلية المياه ومنشآت النفط والغاز، التي تمثل عصب الاقتصاد في دول الخليج ومصدرًا أساسيًا لإمدادات الطاقة العالمية. ذلك أن أي ضرر قد يلحق بهذه المنشآت لن يقتصر أثره على الدول المعنية فحسب، بل سيترك تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه منطقة الخليج في تزويد العالم بالنفط والغاز.

وكان من المفترض أن تكون الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل قد أخذتا في الحسبان تداعيات هذه الحرب قبل خوض غمارها. فإلى جانب تحديد أهداف الحرب، لا بد من تقدير ما قد يترتب عليها من مخاطر وتداعيات على المنخرطين فيها، وعلى الدول المجاورة، بل وعلى دول العالم. الأمر الذي يدعو إلى البحث في الأسباب التي دفعت إلى شن هذه الحرب التي تهدد الاستقرار العالمي وتُنذر باندلاع أزمة اقتصادية قد تعجز دول العالم عن تحمل تبعاتها.

الأسباب المباشرة للحرب وأهدافها

من نافل القول أن الأسباب المباشرة للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تكمن في اعتبار برنامجها النووي تهديداً للسلم العالمي، فضلًا عن برنامجها الصاروخي الباليستي والفرط صوتي الذي يهدد الإقليم برمته ولا سيما إسرائيل، إضافة إلى تنامي قدراتها البحرية العسكرية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية وشبكات الأذرع الذين يشكلون رأس حربة في تهديد إسرائيل ومواجهة مصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.

غير أن هذه الحرب لا تقتصر على كبح البرنامج النووي الإيراني أو الحدّ من عمليات تخصيب اليورانيوم وضرب مشروعها النووي والصاروخي، وغيره من أسباب قوة إيران، بل تتجاوز ذلك إلى تقويض قدرتها على توسيع نفوذها الإقليمي واستخدام أدوات القوة خارج حدودها، إضافة إلى الحؤول دون تهديدها أمن الملاحة البحرية، ولا سيّما عبر مضيق هرمز.

إيران والتعاون مع روسيا والصين

وجدير بالذكر أن مساعي تحجيم الدور الإقليمي لإيران لا تنفصل في بعدها الدولي عن سياق الصراع على إعادة تشكيل النظام الدولي وتوازناته. فعلى الرغم من منظومة العقوبات والعزلة التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية ومعها الدول الغربية على طهران، إلا أنها في الواقع لا تعد معزولة بالمعنى الجيوسياسي. فقد نجحت إيران خلال السنوات الأخيرة في تعزيز مستوى تعاونها الاستراتيجي مع روسيا، وتعميق شراكاتها مع الصين، ولا سيما في إطار اتفاقية التعاون طويل الأمد الموقعة عام 2021.

الأمر الذي جعل من إيران جزءًا من القوى التي تسعى إلى تقليص الهيمنة الغربية على مراكز صنع القرار الدولي، وعلى ممرات الطاقة والتجارة العالمية. وفي ظل ما تواجهه من حرب “غير متكافئة”، تعتمد طهران على توظيف مزاياها الجيوسياسية، وفي مقدمتها موقعها المتحكم بمضيق هرمز، إلى جانب قدراتها الصاروخية، لتحويل مسار المواجهة من نطاقها العسكري التقليدي إلى بعد اقتصادي، عبر التأثير في تدفّقات الطاقة العالمية، ومن خلاله على الاقتصاد الدولي برمته.

العين على الصين

وفي الوقت الذي تستهدف فيه الضربات الأميركية-الإسرائيلية القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران، يتّضح أنّ الاهتمام الاستراتيجي للولايات المتحدة يتجه بدرجة كبيرة نحو الصين. إذ تندرج المواجهة مع إيران ضمن مواجهة أوسع ترمي إلى كبح وتيرة الصعود الاقتصادي الصيني، وتأكيد قدرة واشنطن على إعادة فرض نفوذها داخل بنية النظام الدولي.

ومن هذا المنطلق، تستهدف هذه الحرب عرقلة تدفّق النفط الإيراني إلى الصين، الخصم الاستراتيجي لواشنطن، لا سيما أنه يتم عبر آليات التسعير التفضيلي التي تتيح للصناعة الصينية مزايا تنافسية ملموسة، من حيث خفض تكاليف الإنتاج، والحفاظ على معدلات تضخم منخفضة، وتعزيز قدرة الصين على التكيف خلال فترات الانكماش الاقتصادي العالمي. وبذلك، تندرج هذه السياسات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى كبح مسار النمو الاقتصادي الصيني والحد من متابعة تمدده في النظام الاقتصادي الدولي.

تداعيات لا تستثني أحداً

إن التهديدات التي تمارسها إيران على أمن الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع استهدافها المنشآت الحيوية في دول الخليج العربي، فضلاً عما تتعرض له بنيتها التحتية من أضرار جراء الهجمات العسكرية التي تستهدفها، تُسهم مجتمعةً في تصاعد حدّة التوترات الإقليمية، وما يرافقها من ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين. وتؤدي بالتالي إلى زيادة كلفة إمدادات الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، بالنسبة إلى الدول المستوردة، من أوروبا إلى الصين، مما يدفع هذه الدول إلى البحث عن مصادر إمداد بديلة.

غير أن هذه البدائل لا يمكن تأمينها بصورة فورية، كما أن المصادر البديلة، في ظلّ بيئة تتّسم بارتفاع المخاطر، قد لا تتمتع بالمزايا ذاتها من حيث الكلفة أو الاستدامة أو مستوى الموثوقية. والحاجة إلى هذه البدائل لا تقتصر على الصين فحسب، بل تتسع لتشمل مروحة واسعة من دول العالم، خاصةً أن 20% من إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يؤكد خطورة تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز على منظومة أمن الطاقة العالمي ومضاعفاته الاقتصادية.

الخلاصة

تُظهر ارتدادات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أن تداعياتها الاقتصادية تتعدى الأطراف المستهدفة والإطار الجغرافي الذي تدور فيه، كما لا تقتصر على إيران أو شركائها الاقتصاديين، ولا سيما الصين، بل تتوسع لتطال الاقتصاد العالمي برمته. فاضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واختلال سلاسل الإمداد، جميعها عوامل تؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة وتباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.

وبذلك، تتحول هذه الحرب من مواجهة إقليمية محدودة إلى أزمة ذات أبعاد دولية، تُعيد تشكيل ملامح الأسواق العالمية، وتفرض على مختلف الدول—مستوردةً كانت أم منتجةً—أعباءً اقتصادية متصاعدة قد تعجز كثير من الاقتصادات عن استيعابها في المدى المتوسط والبعيد.

١٨/٣/٢٠٢٦

تربية الأبناء في زمن الشاشات: تحديات وفُرَص

في عصر تهيمن فيه الشاشات على تفاصيل حياتنا اليومية، يواجه الأهل تحديًا جديدًا في تربية أبنائهم. فالهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، ومنصّات التواصل الاجتماعي لم تعد أدوات ترفيه فحسب، بل أصبحت لاعبًا أساسيًا في تشكيل وعي الأطفال والمراهقين.
تأثير هذه التكنولوجيا على الأسرة يتراوح بين الفوائد التعليمية والترفيهية، وبين المخاطر النفسية والاجتماعية، ما يجعل مهمة الأهل أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

السيطرة على الوقت والإدمان الرقمي:

يقضي الكثير من الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات، أحيانًا على حساب الدراسة أو النوم أو اللعب. هذا الإفراط قد يؤدي إلى ضعف التركيز، والعصبية، والعزلة الاجتماعية. الأهل مدعوون لوضع قواعد زمنية واضحة، توازن بين حاجات الطفل للتعلم والترفيه وبين المحافظة على صحته النفسية والجسدية.

 

المحتوى غير المناسب وتأثيره على القيم:

لا تقتصر التحديات على الوقت فقط، فالمحتوى الذي يصل إلى الأطفال أحيانًا غير مناسب لأعمارهم أو لا يتوافق مع قيم الأسرة. هنا يلعب الحوار المفتوح مع الأبناء دورًا أساسيًا في بناء وعي نقدي، يمكنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، والاختيار الواعي لما يشاهدونه أو يتفاعلون معه.

ضعف التواصل الأسري:

حلّت الشاشات مكان بعض الجلسات العائلية، ما أدى إلى فتور في التفاعل اليومي بين أفراد الأسرة. فالطفل الذي ينعزل في عالم افتراضي قد يفقد مهارات التعبير عن مشاعره، ويواجه صعوبة في بناء علاقات واقعية صحية.

دور الأب والأم كقدوة تربوية:

يلعب الأب والأم دورًا محوريًا في توجيه سلوك الأبناء. فالطفل يراقب ويقلّد، ويتعلم أكثر من الممارسة اليومية للأهل من أي نصيحة لفظية. الالتزام بالتوازن في استخدام التكنولوجيا، واحترام الوقت، والحوار المستمر، يجعل الأهل قدوة حيّة تُرسّخ القيم في نفوس أبنائهم. التعاون بين الأب والأم في وضع القواعد يعزز شعور الطفل بالأمان والانتماء، ويزيد وعيه بالحدود والتزامه بها.

 

الإفراط في استخدام الشاشات مرتبط بزيادة القلق، وتدنّي تقدير الذات، واضطرابات النوم، خاصة لدى المراهقين. لذلك، يحتاج الأطفال إلى دعم نفسي مستمر، ليشعروا بأن الأسرة هي الملاذ الآمن قبل أي عالم افتراضي.

تحويل التكنولوجيا إلى فرصة:

على الرغم من المخاطر، يمكن للتكنولوجيا أن تصبح أداة إيجابية إذا أُحسن استخدامها. فهي تتيح فرصًا للتعلم، وتنمية المواهب، وتوسيع المدارك، شرط أن يكون التوجيه واعيًا ومتوازنًا، بعيدًا عن المنع المطلق أو الإهمال.

تربية الأبناء في عصر الشاشات ليست صراعًا مع التكنولوجيا، بل شراكة ذكية معها. الأبناء يحتاجون أبًا وأمًا حاضرين، حوارًا صادقًا، وبيتًا يمنحهم الأمان والاحتواء، لا شاشات أكثر ذكاءً.

َ

الاقتصاد العالمي في مهب الحرب على إيران

الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل، تهدد الاقتصاد العالمي وتدفع الأسواق إلى مواجهة أزمة جديدة مع تنامي المخاوف من توسع المواجهات وطول أمدها، خاصةً أن هذه الهجمات تأتي بعد نحو ثمانية أشهر على المواجهات التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، واختتمتها الولايات المتحدة بضرب منشآت نووية إيرانية في حينه.

وما يعزز هذه المخاوف هو أن تتطور هذه المواجهات إلى حرب مفتوحة لا تنتهي ضمن الإطار الزمني الذي أراده لها من أشعلها، وتضع معها الوضع الاقتصادي العالمي في مواجهة جميع الاحتمالات. ومن شأن ذلك أن يسرع من وتيرة تباطؤ الاقتصاد العالمي، نظرًا لما قد تسببه من انتكاسات في عدة قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الطاقة والسياحة والطيران، فضلاً عن الارتفاع المتوقع في تكاليف التأمين والشحن.

نمو اقتصادي تحت التهديد

وخلال العام الماضي، تمكّن الاقتصاد العالمي من الحفاظ على قدر ملحوظ من النمو على الرغم من الحرب التجارية العالمية التي تسبب فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال الزيادات التي أقرها على التعرفات الجمركية، إضافةً إلى تهديده لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من الممارسات. وعلى الرغم من هذه الصدمات، واصل التضخم تراجعه، وسجلت أسواق الأسهم في أوروبا ومناطق أخرى من العالم مستويات قياسية جديدة، وفقًا لتقارير صحفية متخصصة.

غير أن هذا النمو في الاقتصاد العالمي قد لا يصمد طويلاً في مواجهة التطورات التي تسببها الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والتي سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي مع استهداف إيران لبلدان الخليج العربي ومنشآتها الحيوية. وتوحي المؤشرات الميدانية بأن المواجهات العسكرية لا تزال في مراحلها الأولى، الأمر الذي يجعل من المبكر جدًا تحديد مآلاتها على المدى المتوسط والبعيد.

مضيق هرمز وأسعار النفط والغاز

وتأتي محاولة إيران لإغلاق مضيق هرمز لتتسبب بتداعيات سلبية مباشرة على إمدادات الطاقة، وتعطيل حركة الملاحة البحرية، وإرباك سلاسل التوريد العالمية، مما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي جراء نقص مدخلات الإنتاج. ويترتب على ذلك انخفاض في معدلات إنتاج السلع، يقابله ارتفاع في أسعارها، الأمر الذي يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى.

وسيكون لإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية تداعيات مباشرة على الدول المنتجة للنفط والغاز والمطلة على الخليج العربي، ولا سيما تلك التي لا تملك منافذ بديلة لتصدير إنتاجها سوى عبر هذا الممر البحري الحيوي. وتُعدُّ العراق وقطر والكويت من أكثر الدول المنتجة عرضةً للضرر الاقتصادي، لاعتمادها شبه الكامل على المضيق في تصدير نفطها وغازها، واللذين يُشكلان مصدرًا رئيسيًا لإيراداتها العامة.

والمفارقة أن إيران، التي تعمل على إغلاق المضيق كورقة ضغط جيوسياسية، ستكون بدورها من أبرز المتضررين اقتصاديًا من هذا الإجراء، إلى جانب شركائها التجاريين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين، المستورد الأكبر لنفط المنطقة عامةً والإيراني خاصةً.

وقد بدأت بوادر ارتفاع أسعار النفط والغاز منذ اليوم التالي لبدء المواجهات، حيث سجل برميل النفط نحو 80 دولارًا، وهو أمر متوقع نظرًا لمرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وكان خام برنت قد ارتفع نحو 12 بالمئة ليبلغ نحو 73 دولارًا للبرميل خلال الشهر الماضي، نتيجة تزايد احتمالات اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويُنذر استمرار إغلاق مضيق هرمز بإحداث صدمة كبيرة في أسعار النفط العالمية، وقد يدفع بها إلى ما يفوق الـ 100 دولار للبرميل، وفقًا لما يتوقعه خبراء.

كما أن أسواق الغاز الطبيعي ليست بمنأى عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، والتصعيد العسكري الذي يستهدف المرافق الحيوية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إعلان قطر عن وقف إنتاج الغاز المُسال أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 45%. وهذا من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية، وبخاصة الأوروبية التي تعتمد على واردات الغاز المُسال. كما قد يضعف نشاطها الصناعي ويرفع احتمالات تباطؤ النمو أو حتى الدخول في ركود.

في المقابل، فإن أسعار النفط مرشحة للارتفاع في الأسواق العالمية بمجرد توقف تصدير النفط الإيراني، وإن استمرت الملاحة عبر مضيق هرمز متاحة أمام السفن. خاصةً أن إيران تحتل المركز السابع بين الدول المصدرة للنفط مع 1.66 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025 بعد السعودية، وروسيا، والولايات المتحدة، والعراق، والإمارات، والبرازيل، ما لم تعمد الدول المنتجة الأخرى إلى تعويض التوقف بزيادة إنتاجها.

النمو العالمي ومخاطر التضخم

وتُعدّ الدول الآسيوية الأكثر عرضة للتضرر في حال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي مقدمتها الصين، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، وخاصة النفط الإيراني. ووفقًا لبيانات (EIA) لعام 2024، فإن نحو 84% من صادرات النفط الخام والمُكثفات، وحوالي 83% من شحنات الغاز الطبيعي المُسال التي عبرت المضيق، كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وفي طليعتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتجدر الإشارة إلى أن عدم استقرار أسعار النفط يُشكّل عائقًا مباشرًا أمام النمو الاقتصادي المستدام، فكل ارتفاع مستجد في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل خلال سنة معينة، يمكن أن يُخفض معدلات النمو من 10 إلى 20 نقطة أساس خلال السنة التالية. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط سينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

خاتمة

وعليه، فإن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، لا يُمثّلان أزمة إقليمية فحسب، بل صدمة اقتصادية عالمية. ذلك أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بشكل كبير على تدفقات الطاقة من الخليج، وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي من شأنه أن ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي من ناحية، وعلى الاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.

كما قد يسهم في تصاعد معدلات التضخم على المستوى الدولي، واضطراب أسواق المال، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، ويُفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصاد الدولي. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، قد تكون تكلفة الحرب على الصعيد الاقتصادي أعلى بكثير من تكلفة ميدان القتال نفسه.

تصحيح الرواتب والأجور:
دَوَرانٌ في الحَلَقةِ المُفْرَغَة

بين ضغط الشارع وضغط الموازنة، تعود أزمة الرواتب والأجور في لبنان إلى الواجهة، محملةً بقرارات حكومية تُعطي بيد لتأخذ باليد الأخرى. فهل بات تصحيح الأجور مجرد عملية حسابية ترقيعية، أم أنه يحتاج إلى جراحة إصلاحية بنيوية تنقذ ما تبقى من رمق اقتصادي؟

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 16 شباط 2026، منح موظفي القطاع العام بكافة أسلاكهم، والمتعاقدين منهم والمتقاعدين، زيادةً تعادل ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين. هذا القرار أثار موجة اعتراضات شملت مروحة واسعة من السياسيين وأصحاب الرأي والمواطنين، كما لم يلقَ موافقة الجهات المعنية به من موظفي ومتقاعدي القطاع العام، بشقيه العسكري والمدني.

تمويل الزيادات: الحلول الأسهل والأكثر إيلاماً لا تُعد هذه الخطوة سابقةً للحكومة الحالية في اللجوء إلى جيوب المواطنين عبر فرض رسوم على المحروقات؛ فقد سبق أن أقرت إجراءً مشابهاً في 19 أيار/مايو 2025، قبل أن يوقفه مجلس شورى الدولة في 16 تموز/يوليو من العام نفسه بناءً على طعون قانونية. وقد لاقى قرار الإبطال حينها ترحيباً شعبياً واسعاً، واعتُبر تطوراً قانونياً مهماً لوقف العبء الإضافي واستنزاف المواطنين في ظل الظروف الخانقة.

وإذا كان يتوجب على وزارة المالية، ومن خلفها الحكومة مجتمعة، ألا تُقدم على زيادات عشوائية للرواتب والأجور، فيتوجب عليها بالمقدار عينه ألا تعتمد أكثر مصادر التمويل سهولةً وإجحافاً. ونعني بذلك فرض رسم جديد على صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، بالإضافة إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، خاصةً وأن قرار الطعن بالرسوم السابقة لم يمضِ عليه سوى بضعة أشهر.

وتجدر الإشارة هنا إلى “الأثر التضخمي” الحتمي لهذه الإجراءات؛ إذ إن رفع كلفة المحروقات والضرائب سينعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات، مما يؤدي إلى تآكل جزء كبير من الزيادة الممنوحة، ويعيد إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها بين زيادة الرواتب وارتفاع الأسعار، من دون معالجة جذرية لاختلالات السوق.

غياب الرؤية: تساؤلات مشروعة برسم الحكومة أمام هذا التخبط الحكومي في معالجة أزمة تصحيح الرواتب، لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات والملاحظات حول تقاعس الحكومة، منذ تشكيلها، عن المبادرة إلى وضع خطة منصفة وعادلة تراعي حقوق الموظفين وتوازنات المالية العامة في آنٍ معاً:

  • أزمة مزمنة لا طارئة: إن مسألة تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام ليست مستجدة، بل هي من عُمق الأزمة وتُعد مؤشراً دالاً على تعقدها. وعليه، فإن أي إرجاء لمعالجتها ضمن إطار إصلاحي متكامل سيُطيل أمد الأزمة ويُفاقم تداعياتها.
  • غياب الرؤية الشاملة: إن افتقار الحكومة لرؤية اقتصادية تستند إلى أهداف واضحة، وموزعة ضمن إطار زمني مرحلي يضمن تنفيذها، يُعد خللاً بنيوياً يُضعف فاعلية أي سياسات عامة للنهوض.
  • حتمية الإصلاح الإداري: إن أي معالجة جدية تستوجب ربط الرواتب بإصلاح إداري يعيد هيكلة المؤسسات المترهلة ويرفع الإنتاجية، ليتحول تصحيح الأجور من عبء مالي إلى استثمار في الكفاءة.
  • شروط الصندوق الدولي: إن التفاوض مع صندوق النقد الدولي كمدخل لاستعادة الثقة لا يُبرر التبنّي التلقائي الأعمى لتوصياته؛ فالتجارب أثبتت أن بعض برامجه عمّقت الاختلالات في دول أخرى، مما يتطلب مقاربة تفاوضية واعية تحمي الاستقرار الاجتماعي.
  • استحالة التنمية بلا قدرة شرائية: يظل النمو الاقتصادي بعيد المنال ما دامت مداخيل شريحة أساسية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى للمعيشة، مما يقوض ديناميات الاقتصاد الكلي.
  • اختلال معايير العدالة: تعكس الرواتب المرتفعة التي أُقرت لصالح “الهيئات الناظمة” اختلالاً واضحاً في معايير العدالة داخل القطاع العام. ولا يبدو تبرير ذلك بـ”استقطاب الكفاءات” مقنعاً، خاصة لجهات ذات طابع استشاري غير ملزم.
  • الأملاك البحرية والهدر: تُظهر الحكومة تساهلاً ملحوظاً في تحصيل الرسوم على الأملاك البحرية، مما يحرم الخزينة من موارد تُقدر بـ 250 إلى 500 مليون دولار سنوياً. ويجب ألا يقتصر الأمر على التحصيل، بل وضع سياسة متكاملة لإدارة الأملاك العامة وتسوية أوضاعها وفق القيمة السوقية.
  • غياب العدالة الضريبية: تُقصر الحكومة في تحديث النظام الضريبي لتكريس “الضريبة التصاعدية” التي تستهدف الثروات والمداخيل المرتفعة، وتستمر في الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي ترهق الفئات الأكثر هشاشة.
  • التهرب الضريبي: تفتقر السلطة التنفيذية إلى خطة واضحة لمكافحة التهرب الضريبي، مما يتطلب تحديث أنظمة الجباية، وتسهيل وسائل الدفع، وتشديد الرقابة وتفعيل المساءلة.
  • انعدام الشفافية داخل الحكومة: أظهرت مناقشات مجلس الوزراء أن وزارة المالية لم تلتزم بتزويد الوزراء بدراسة كلفة الزيادة وتوزيعها قبل 48 ساعة من الجلسة، مما حال دون مناقشتها وفقاً للأصول المتبعة.

الخلاصة: الإصلاح البنيوي أو الانهيار المستمر إن تصحيح الرواتب والأجور هو حق مشروع لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، غير أن تكريسه بصورة عادلة ومستدامة يقتضي التخلي عن منطق المعالجات الظرفية (الترقيعية) واعتماد منطق الإصلاح البنيوي.

المسألة لا تتوقف عند حدود إضافة أرقام على جداول الرواتب، بل تتعداها إلى ضرورة إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، عبر سياسة مالية عادلة، إدارة رشيدة للموارد، ورؤية اقتصادية واضحة المعالم. ومن دون ذلك، ستبقى القرارات المالية تدور في حلقة مفرغة بين ضغط الشارع، وضغط الموازنة، وتآكل القدرة الشرائية، فيما يبقى النهوض الاقتصادي الموعود مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

قراءة في تقلبات أسعار الذهب

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار الذهب ارتفاعات حادّة، غير أنها المرة الأولى التي يُسجل فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وبوتيرة متسارعة تحبس الأنفاس. فقد ارتفع سعر الذهب بنسبة 10.18% خلال الشهر المنصرم، بعد أن ارتفع بنسبة 73.59% خلال عام 2025، منها 45.07% في الأشهر الستة الأخيرة. مع العلم أن نسبة الارتفاع في شهر كانون الثاني/يناير 2026، كانت ستكون أعلى لولا الانخفاض الذي شهدته أسعار الذهب في الأيام الأخيرة منه.

وبقدر ما بدا هذا الارتفاع الأخير مستغربًا في سرعته وحدته، بدا الانخفاض اللاحق متوقعًا، وإن لم يكن متوقعًا في توقيته، ولا سيما في خضم الفوضى التي سيطرت على أسواق الذهب، وهيستيريا الطلب على المعدن الأصفر وغيره من المعادن الثمينة. وعلى الرغم من التراجع الذي شهدته الأسعار في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، لا يزال الذهب يُتداول عند مستويات غير مسبوقة، فيما تواصل البنوك المركزية العالمية شراءه بوتيرة ثابتة دون إبطاء.

تاريخياً، سُجلت أولى القفزات الكبرى في أسعار الذهب عام 1973، عقب حرب تشرين بين العرب وإسرائيل، وما رافقها من حظر إمدادات النفط إلى الدول الغربية؛ حيث بلغ سعر الأونصة نحو 123.5 دولارًا، ما أدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة من “الركود التضخمي”، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى التعامل مع الذهب بوصفه مخزنًا للقيمة، لا مجرد بديل نقدي للدولار الأميركي، وذلك جراء انكشاف هشاشة العملات الورقية.

أما القفزة الثانية لأسعار الذهب، فقد تمت في كانون الثاني/يناير 1980، حين وصل سعر أونصة الذهب إلى 668 دولارًا، بعد أن كان بـ 243.66 دولارًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1978، وذلك على خلفية سلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى، شملت الثورة الإسلامية في إيران، وأزمة الرهائن الأميركيين، والغزو السوفياتي لأفغانستان.

أدت هذه التطورات التي شهدها العالم بين عامي 1978 و1980، إلى تصاعد الطلب على الذهب وبلوغ أسعاره ذروتها التاريخية آنذاك، قبل أن يضع الاحتياطي الفيدرالي حدًا لهذا الارتفاع من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي لأسعار الذهب على مدى عقدين تقريبًا.



وفي عام 2008، عادت أسعار الذهب لتشهد تقلبات حادة، فبعد أن لامس سعر الأونصة الـ 1000 دولار في آذار/مارس، تراجع إلى نحو 728 دولارًا في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على وقع أزمة الرهن العقاري التي تسببت في انهيار المصارف الكبرى، وفي مقدمتها مصرف “ليمان براذرز”، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011.

وفي حين استمرت تقلبات أسعار الذهب، غير أن الاتجاه العام للأسعار ظل تصاعديًا، ليبلغ سعر الأونصة 1826 دولارًا في آب/أغسطس 2012، قبل أن يتكبد الذهب في نيسان/أبريل 2013 أكبر خسارة سنوية بلغت نحو 28%. ومن ثم بلغ سعر الأونصة في كانون الأول/ديسمبر نحو 1200 دولار، منهيًا بذلك دورة صعود استمرت لخمس سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الذهب انخفضت في بداية أزمة الرهن العقاري، بدلاً من ارتفاعها، ويكمن السبب في أنه غالباً ما يندفع المستثمرون نحو تسييل كل ما يمكن تسييله، ولا سيما الذهب، لتغطية الخسائر المستجدة وتلبية متطلبات الهامش. وهو ما يكشف حقيقة جوهرية مفادها أن الذهب يُباع أولاً عندما تصبح الحاجة إلى السيولة أولوية مطلقة.

الأمر الذي تكرر مع موجات الانخفاض الحاد التي شهدتها أسواق أسهم التكنولوجيا والعملات الرقمية مطلع عام 2026، حيث اضطر بعض المستثمرين إلى تسييل (Liquidations) مراكزهم الرابحة في الذهب -أي عمليات البيع- لتغطية خسائرهم في أصول أخرى. الأمر الذي أعاد التأكيد أن الذهب، وإن كان هو الملاذ الآمن والأخير، غالبًا ما يُستخدم كمصدر للسيولة عند الأزمات.

غير أن التذبذب الذي تشهده أسعار الذهب منذ مطلع الأسبوع الحالي يعكس تداخل العديد من الأسباب؛ فمن جهة، أسهمت المخاوف من فقدان الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، وتراجع الثقة بالعملة الأميركية، وارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب استمرار المصارف المركزية في شراء الذهب، في دعم الأسعار.



في المقابل، أسهم استخدام الذهب كأداة مضاربة وما يُسببه من مخاطر على استقرار أسعار الذهب في زيادة حدة التقلبات، لا سيما منها الرافعة المالية (Leverage)، والعقود الآجلة، وعقود الفروقات (CFDs)، وصناديق المؤشرات (ETFs)، وجميعها عقود ورقية، وهي أدوات تجعل حجم “الذهب الورقي” المتداول يفوق بأضعاف حجم الذهب الفيزيائي المتاح فعليًا.

ولما كان هدف المضاربين تحقيق أرباح سريعة، فإنهم يعمدون عند أول إشارة ضعف إلى البيع، ما يُطلق موجات بيع متسلسلة تُضخم الانخفاضات. وفي هذه الحالة، لا يعكس انخفاض سعر الذهب تبدلاً في القيمة الجوهرية للمعدن، بل يعكس ما يُعرف بـ “سلوك القطيع” في الأسواق المالية. وغالبًا ما تكون هذه الانخفاضات قصيرة الأجل وغير مرتبطة بعوامل بنيوية تتعلق بالمعدن الثمين بحد ذاته.

تؤكد مراجعة تقلبات الأسعار منذ فك الارتباط بين الذهب والدولار الأميركي أن هذه التقلبات هي نتيجة التفاعل بين عوامل نقدية وجيوسياسية وسلوكية. فالذهب، وإن امتاز بكونه مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، يبقى عرضة للتقلبات على المدى القصير، خاصةً عندما يتحول إلى أداة للمضاربة.

غير أن المفارقة تكمن في أن موجات الانخفاض غالبًا ما تعقبها عودة للشراء الاستراتيجي طويل الأجل، ولا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين التحوطيين، مما يعيد التأكيد أن تذبذب الأسعار لا يلغي مكانة الذهب، بل يعزز دوره كأصل استراتيجي في زمن يسود فيه عدم اليقين.

تصحيح الرواتب والأجور واجبٌ وليس مَكرُمة
قراءة في أزمة الرواتب والأجور في لبنان وسبل معالجتها

لطالما كانت مسألة تصحيح الرواتب والأجور في لبنان موضع تجاذب بين موظفي القطاع العام ونقابات العمال من جهة، والدولة من جهة أخرى، سيما وأن الدولة دأبت على التقاعس عن إقرار الزيادات العادلة والمتناسبة مع تزايد معدلات التضخم وارتفاع مستويات غلاء المعيشة. وقد اتسمت مقاربة الدولة لهذه المسألة بالتأجيل والمماطلة، فلا تُقر الزيادات المطلوبة إلا بعد أن تكون قد فقدت قيمتها الفعلية، الأمر الذي أفقد سياسات تصحيح الرواتب والأجور مبرراتها الاقتصادية وأضعف أثرها الاجتماعي.

وما زاد من تعقيد هذا الواقع أن حلول الحكومات المتعاقبة كانت غالبًا تأتي بمعزل عن أي خطة إصلاحية، أو حتى عن أي رؤية مستقبلية، تُطرح الزيادات على الرواتب والأجور دون تأمين مصادر تمويل مستدامة، مما حوّل تصحيح الرواتب والأجور إلى أعباء إضافية على الموازنة العامة، بدلًا من أن تكون جزءًا من خطة اقتصادية متكاملة تُساهم في تأمين حياة كريمة للموظفين والعمال من دون الإخلال بالتوازنات المالية أو إثقال كاهل الخزينة العامة.

ومع حلول عام 2020، وعلى أثر الانهيار المالي والنقدي الذي عصف بلبنان، قفزت مسألة تصحيح الرواتب والأجور إلى الواجهة بعد أن فقدت قيمتها بشكل متسارع. الأمر الذي أدى إلى تعميق أزمة الموظفين والمتقاعدين بصورة غير مسبوقة في حدتها وطول مدتها، وذلك لترافقها مع تدهور سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار السلع والخدمات، في الوقت الذي فقدت فيه الرواتب والأجور نحو %95 من قوتها الشرائية.

في المقابل، ظلت المعالجات الحكومية أسيرة لحلولٍ جزئية ومؤقتة، اقتصرت على إقرار زيادات استنسابية، منها ما سُمي بالحوافز ومنها بالمساعدات الاجتماعية، لا تستند إلى معدلات غلاء المعيشة ولا إلى مؤشرات التضخم، وتفتقر جميعها إلى رؤية شاملة لتصحيح الرواتب والأجور. وأخطر ما في هذه الحلول أنها تنطوي على محاولة إسقاط حقوقٍ مكتسبة للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، فالزيادات التي أُقرَّت حتى اليوم لا تدخل لا في احتساب تعويض الصرف ولا في احتساب المعاش التقاعدي.

وعلى الرغم من الزيادات التي أُقرت على الرواتب والأجور خلال الفترة التي انقضت من الأزمة، فقد انخفضت تكلفتها في موازنة عام 2025 إلى حوالي 2.4 مليار دولار من إجمالي نفقات الموازنة، بعدما كانت تزيد على 8 مليارات دولار في موازنة عام 2019. الأمر الذي يُبيّن مدى الظلم الذي يقع على موظفي القطاع العام والمتقاعدين، ومع ذلك لم تلحظ موازنة عام 2026 أية اعتمادات للزيادات الجديدة التي يُطالب بها هؤلاء.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه مسألة تصحيح الرواتب تتأرجح بين الخوف من تداعياتها على سعر الصرف وربطها بمسار التعافي الاقتصادي، وعلى الرغم من انقضاء نحو ست سنوات على الأزمة، تبرز اليوم تدخلات صندوق النقد الدولي ولائحة الشروط والقيود التي يُشرف على تطبيقها. ويلاقيهما في ذلك مجلس الخدمة المدنية الذي يطرح إعطاء زيادات على الرواتب عن طريق مضاعفة أساس الراتب، بشكل تدريجي وعلى مدى خمس سنوات، ابتداءً من عام 2026 وصولاً إلى عام 2030.

إلا أن المفارقة في هذه المقاربات، إن لجهة الزيادات التي أقرّتها الحكومة، أو مشروع مجلس الخدمة المدنية، وصولاً إلى شروط وقيود صندوق النقد الدولي، أن جميعها تتجاهل ارتفاع معدلات التضخم وتزايد غلاء المعيشة. الأمر الذي يجعل من الحلول المطروحة للرواتب والأجور مجرد زيادات اسمية يأكلها التضخم وارتفاع الأسعار، وتجاهل لحقيقة أن رواتب وأجور الموظفين ليست مجرد تكلفة تدفعها الدولة لموظفي القطاع العام من عسكريين ومدنيين، بل هي تعويض عن مساهمة هؤلاء في توفير الأمن والخدمات العامة، والذي يجب أن يكون تعويضًا عادلاً يسمح لهم بحياة كريمة.

وجدير بالذكر أن أي زيادة على القدرة الشرائية للموظفين والعمال من خلال تصحيح الرواتب والأجور تنعكس حكمًا ارتفاعًا في الطلب على السلع والخدمات، وزيادةً في الاستهلاك العام تُسهم في تحريك القطاعات الإنتاجية والاقتصادية على اختلافها، وتُساعد بالتالي على تحقيق التعافي الاقتصادي. وما من اقتصاد يُمكن أن ينهض أو يستعيد عافيته في غياب الدولة الفاعلة والقادرة، مع العلم أن هذه الدولة تستمد فاعليتها وقدرتها من الجهاز التنفيذي الذي يُشكله الموظفون على اختلاف نطاق أعمالهم.

ما يجعل المماطلة في إقرار زيادات عادلة على رواتب وأجور موظفي ومتقاعدي القطاع العام، عسكريين ومدنيين، تحميلاً لهم، نتائج ارتكابات السلطتين السياسية والنقدية خلال الفترة التي مهدت للأزمة وتسببت في حدوثها. وفي هذا أيضًا، تجاهل للدور الاقتصادي الذي يلعبه ذوو الدخل المحدود، الذين يُشكل موظفو القطاع العام الجزء الأكبر منهم، حيث إن مداخيلهم تُشكل محركًا أساسيًا للعجلة الاقتصادية.

في المقابل، لم توفِ الحكومة الحالية بوعدها بتصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين، ولا سيما منهم العسكريون، بحيث كان من المفترض أن تعادل رواتبهم في عام 2026 ما لا يقل عن %50 عما كانت عليه في عام 2019 بالدولار الأميركي، في حين لم يتضمن مشروع الموازنة لهذه السنة أي اعتمادات لتغطية تكلفتها. كما لم توفِ الحكومة بوعدها بتسوية المساعدات المدرسية للعسكريين المتقاعدين عن عام 2025 لتساوي المساعدات المُقرَّة في تعاونية موظفي الدولة.

والمفارقة أن الحكومة أقرت رواتب خيالية للهيئات الناظمة ورؤسائها، تفوق قيمة كلٍ منها رواتب الرئاسات الثلاثة حتى بعد زيادتها، وفق مشروع مجلس الخدمة المدنية حتى عام 2030. الأمر الذي يحمِل على التساؤل عن المعايير التي تم اعتمادها لإقرار هكذا رواتب، ومبدأ العدالة بين فئات الوظائف العامة. ويزداد التساؤل إذا ما عرفنا أن دور هذه الهيئات هو دورٌ استشاري غير ملزم لسلطات الوصاية.

في ضوء ما تقدم، لا بد من التأكيد على أن تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام، عسكريين كانوا أم مدنيين، ليس مكرمة من الطبقة السياسية ولا خيارًا قابلاً للتأجيل، بل هو واجبٌ دستوري وأخلاقي على الدولة أن تلتزم به تجاه موظفيها. إذ إن من أبسط حقوق كل موظف أن يتقاضى أجرًا عادلًا يتناسب مع طبيعة عمله ومسؤولياته، ويكفل له مستوى معيشيًا لائقًا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة الإنسانية.

وبالمثل، فإن من حق المتقاعد، الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة الدولة ومؤسساتها، أن تُصان كرامته بعد التقاعد، ويُحفظ حقه في حياة كريمة، بعيدًا عن العوز، وفاءً لتضحياته والتزامه، وترسيخًا لمبدأ العدالة الاجتماعية الذي يُفترض أن تقوم عليه السياسات العامة.

وبناءً على ما تقدم، سيظل ملف الرواتب والأجور أزمة مفتوحة بلا أفق للحل، وعنوانًا دائمًا للأزمة الاجتماعية، ومرآةً لفشل الدولة ما دامت تتهرب من اعتماد مقاربة علمية وشاملة لتصحيح الرواتب والأجور. المطلوب مقاربة تراعي مبدأ العدالة وتأخذ في عين الاعتبار الكفاءة والإنتاجية، تحتسب معدلات التضخم الحقيقية وتكلفة المعيشة الفعلية.

ختامًا، إنّ العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية تبقى الركيزتين الأساسيتين لأي دولة حقيقية، ولن يتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلا بإعطاء موظفي القطاع العام حقوقهم كاملة غير منقوصة، من خلال تصحيح حقيقي للرواتب والأجور يستند إلى معايير علمية واضحة، ويضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة تليق بتضحياتهم وخدمتهم للوطن.

العلم والأخلاق.. جناحان لبناء الأوطان

برعاية السيدة نازك رفيق الحريري، استضافت جامعة رفيق الحريري ندوةً حواريةً بعنوان “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”. أدار الندوة الدكتور محمد السماك، وتحدث فيها كل من القاضي الشيخ الدكتور محمد هاني الجوزو، وسماحة المفتي الشيخ محمد عسيران، والأب الدكتور يوسف نصر، والشيخ الدكتور رمزي سري الدين ممثلاً سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى؛ حيث أكد المتحدثون على ضرورة أن يتجاوز التعليم مجرد نقل المعرفة ليشمل بناء الشخصية، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية، وتنمية الوعي بأهمية تعزيز القيم الروحية. واختُتمت الندوة بفقرة أسئلة وأجوبة تفاعلية أتاحت لطلاب الجامعة فرصة التفاعل المباشر مع المتحدثين.

وقد نُقلت الندوة، ببث مباشر، عبر عدد من المنصّات الإلكترونية.

وفيما يلي نص كلمة الشيخ الدكتور رمزي سري الدين:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أصحابَ الفضيلة والسيادة والمعالي والسعادة،

حضرة رئيس الجامعة،

الحضور الكريم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يشرّفني أن أشارككم اليوم في هذه الندوة الفكرية والتربوية، في جامعة تحمل اسم رجل آمن بأن التعليم هو المدخل الأسمى لبناء الإنسان، وترجم ذلك بإنشاء مدارس وجامعات وتقديم منح تعليمية لطلاب وطنه، يقيناً منه بأن الاستثمار الحقيقي هو في العقل والقيم معاً؛ إنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إن موضوع ندوتنا اليوم، “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”، ليس ترفاً فكرياً، بل حاجة ملحة في عالم يتقدم تقنياً بسرعة مذهلة، فيما يعاني في كثير من الأحيان من فراغ قيمي وأزمات أخلاقية عميقة. فالتعليم، إن اقتصر على نقل المعرفة والمهارات، دون بناء الإنسان أخلاقياً وروحياً، يبقى تعليماً ناقصاً، عاجزاً عن إنتاج مواطن مسؤول وإنسان متوازن.

لقد أظهر الفكر الفلسفي، منذ أقدم عصوره، إدراكاً عميقاً لهذه الحقيقة؛ فقد رأى الفيلسوف أرسطو أن غاية التربية ليست فقط تنمية العقل، بل تكوين “الإنسان الفاضل”. فالمعرفة عنده لا تنفصل عن الفضيلة، والتعليم الحقيقي هو الذي يعلّم الإنسان ليس فقط كيف يفكر، بل أيضاً كيف يعيش؛ فالفضائل الأخلاقية، كالعدل والاعتدال والحكمة، لا تُكتسب بالحفظ، بل بالممارسة والتربية، وهذا ما يجعل المدرسة والجامعة فضاءً لتشكيل الشخصية، لا مجرد قاعة تلقين.

أما في الأديان السماوية، فنجد هذا الترابط بين العلم والأخلاق أكثر وضوحاً وعمقاً. ففي الإسلام، يُرفع العلم إلى منزلة العبادة، فقد جاء في مسطور القرآن الكريم: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (المجادلة: 11)، وفي آية أخرى قال عز من قائل: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر: 28). فالقرآن الكريم يخاطب العقل، ويدعو إلى التفكر، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن العلم بلا أخلاق قد يكون سبباً في الفساد لا في الإصلاح. ومن هنا جاءت رسالة الإسلام لتبني إنساناً مؤمناً متعلماً مسؤولاً رحيماً، يدرك أن العلم أمانة، وأن القيم هي بوصلته في استخدام هذا العلم.

وفي المسيحية، تحتل المحبة جوهر الرسالة التربوية والروحية. فالتعليم المسيحي لا يهدف فقط إلى معرفة الحق، بل إلى عيشه. وقد جاء في الإنجيل الشريف: “تعرفون الحق والحق يحرركم”، والحرية هنا ليست تحرراً من القيود بالمعنى المادي، بل تحرر أخلاقي يجعل الإنسان قادراً على اختيار الخير. من هذا المنطلق، يصبح التعليم مساراً لبناء الضمير، وتعميق قيم التسامح، والإنسانية، وخدمة الآخر.

فضلاً عن كل ذلك، فإن التحديات المعاصرة، من الذكاء الاصطناعي إلى التغيرات البيئية، ومن ثورة الاتصالات إلى النزاعات العالمية، تقول لنا شيئاً واحداً: إن المعرفة وحدها لا تكفي. فالإنسان يمكن أن يمتلك أعقد التقنيات، لكنه يحتاج إلى قيم راسخة توجه قراراته.

وانطلاقاً من هذا الترابط العميق بين العلم والقيم الروحية والأخلاق، الذي التقت عليه الفلسفة القديمة وتعاليم الأديان السماوية، يمكننا أن نستخلص أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تهذب النفس، وتقود الإنسان إلى الاتزان، وتجعله أكثر انسجاماً مع ذاته ومع مجتمعه. فالعلم، حين يقترن بالأخلاق والقيم، يصبح نوراً، وحين ينفصل عنهما، يتحول إلى أداة هدم. لذلك، لطالما كان التعليم في جوهره مساراً أخلاقياً، يهدف إلى بناء الإنسان الصالح العاقل المتوازن.

إن كل ذلك، وعلى أهميته، لا يمكن أن يثمر خيراً ويزكو ويستمر إلا من خلال تعزيز الإيمان بالله الخالق عز وجل، وترسيخ الوعي بوجوب اتباع سننه في الكون والحياة. فالإيمان يشكل بوصلة داخلية تضبط السلوك وتمنح الوجود معنى وغاية، وتغرس في النفوس الشعور بالمسؤولية والمراقبة الذاتية. وحين يُهمل هذا الجانب، يُفتح المجال أمام العبثية والضياع الفكري، ويضعف الالتزام بمنظومة القيم والأخلاق.

من هنا، فإن التحدي المطروح أمام مؤسساتنا التربوية اليوم، هو كيف نعيد وصل ما انقطع بين المعرفة والقيم الروحية والأخلاقية، بين التقدم العلمي والمعنى الإنساني. ليس المطلوب فرض منظومة دينية بعينها، بل ترسيخ قيم إنسانية مشتركة: الصدق، المسؤولية، احترام الآخر، والالتزام بالخير العام. وهذه القيم تشكل أرضية جامعة، تلتقي عندها الفلسفة والدين، ويلتقي عندها الإيمان والعقل.

ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن تتبنى الدول استراتيجيات وطنية واضحة تجعل الأخلاق محوراً مركزياً في سياساتها التعليمية، استراتيجيات تشمل:

  • تطوير المناهج، بحيث تُدمج القيم في المحتوى العلمي.
  • تدريب المعلمين ليكونوا نماذج أخلاقية قبل أن يكونوا ناقلين للمعرفة.
  • بناء شراكات بين المؤسسات التعليمية والمجتمع لتشجيع طلبة المدارس والجامعات على خدمة المجتمع والعمل التطوعي.

فالأمم لا تُقاس فقط بعدد علماء التكنولوجيا والهندسة، بل بقدرتها على تنشئة إنسان مؤمن مسؤول واعٍ بأثر علمه على العالم من حوله.

ختاماً، إن دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم ليس عودة إلى الماضي، بل هو استثمار في مستقبل أكثر إنسانية. فبالعلم نبني العقول، وبالقيم الروحية والفضيلة نبني الإنسان، وبالاثنين معاً نبني الأوطان. وهذا هو الرهان الحقيقي للتربية، ورسالتها الأسمى عبر الأجيال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دور المباحث العلمية بكشف أكثر الجرائم غموضا ووحشية

يعيش سعيد 80 سنة، بعد أن أمضى أكثر من 40 عاما كموظف فئة أولى في الدولة اللبنانية، مع زوجته سلمى 75 سنة، في شقة فخمة في محلة المصيطبة، بيروت، الطابق الأول على شارع فرعي.

ليل 2/3 أيلول 1996 كان الحر شديدا فأخلد الى النوم وترك بوابة الشرفة مفتوحة لانقطاع الكهرباء ولينعم ببعض الهواء ليعدل الحرارة المرتفعة التي تجعل نومه متقطعا.

حوالي الساعة الثالثة فجرا استيقظ مذعورا وأنفاسه مكتومة وضربات على رأسه وفمه مقفلا بيد أحدهم. لم يتمكن من الصراخ معتقدا أنه بحلم وكابوس وعندما أستعاد وعيه تحقق أنه مقيدا بحبل ومكموم الفم ومطروحا على وجهه أرضا وقربه مسلح غريب يقول:

وين المصاري؟ وين الذهب؟ بدي أقتلك بسرعة قول؟ أوعا تتحرك!

دلّ إلى مكان المال فأخذ المسلح مبلغ ألفي ليرة لبنانية وتركه مقيدا ومربوطا إلى الخزانة وحذّره من الصراخ شاهرا مسدسا حربيا بوجهه. انتقل إلى الغرفة الثانية حيث ترقد الزوجة، أقفل فمها وهي مرتعدة من الخوف ووضع البلستر على فمها وقيد يديها ونزع ملابسها وأغتصبها بوحشية ولم تؤثر فيه مقاومتها ومحاولة الصراخ، هددها بالمسدس ونزع مبرومة ذهب في يدها وأستعان بسكين لقطع شريط معدني لإكمال عملية التقييد لكنه جرح سبابة يده اليسرى. بعد أن أمضى 40 دقيقة في الشقة الغير مضاءة أخذ المال والذهب وقفز من شرفة الشقة إلى الطريق المظلم وترك العجوزين ضحيتين منفردين خائفين من عودة الوحش إليهما.

فور التحقق من ذهاب الجاني، اتصل سعيد برقم الطوارئ 112 في شرطة بيروت، حيث حضرت الدوريات ومنها دورية من التحري في العاصمة مع الأدلة الجنائية والنائب العام الاستئنافي وقائد الشرطة القضائية ضباط التحري وباشروا التحقيق العدلي بعد نقل سعيد وسلمى إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية للمعالجة.

أظهرت الصحافة وحشية الجاني وبشاعة الجريمة وخوف السكان من تكرار ما حصل وطالبو الدولة بسرعة توقيفه ومحاكمته.

تمكنت دورية من مكتب حوادث بيروت العاملة في قسم المباحث الجنائية العلمية في الشرطة القضائية من رفع أجزاء عن البصمة المتروكة على مقبض السكين المغمس بالدم حيث تم تصنيفها جزئيا بصعوبة وبدأت مراحل التفتيش والمقارنة.

تعتمد الشرطة القضائية نظام المخبرين ويتم صرف مبالغ ليست كبيرة لبعضهم وتقديم بعض الخدمات لهم تعويضا عن معلومات جنائية مفيدة تُقدم الى التحري، حيث تحقق أحد ضباط مفرزة بيروت القضائية أن أحد عمال السنكرية، يتم استدعاؤه للقيام بإصلاحات لسكان البناية ويُدعى فؤاد، مجهول باقي الهوية، غالبا ما يحضر إلى شقة سعيد، لإصلاح أعطال في الشقة القديمة العهد.

تمكن أحد الفنّيين في مكتب التحقق من الهوية في الشرطة القضائية من مطابقة الجزء من البصمة المتروكة على السكين في الشقة مع بصمة فؤاد الذي سبق وأوقف بجرم سرقة منذ سنتين في بيروت ويقيم في محلة راس النبع.

على الفور توجّهت دورية من مفرزة بيروت القضائية وبدلالة المخبر إلى راس النبع، حيث ترصدوا عودة فؤاد إلى غرفته، فتشوها وعثروا على مبرومة الذهب ومبلغ 1,500 ليرة لبنانية وضبطوا مسدّساً حربياً نوع توكاريف مع 8 طلقات صالحة للاستعمال. اقتادوه إلى المفرزة وباشروا استماعه بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت وقائد الشرطة القضائية وضباط المفرزة الذين تعاونوا لكشف خفايا الجريمة البشعة التي هزت العاصمة. اعترف فؤاد بأنه خطط لسلب العجوزين اللذين يعيشان منفردين في شقة يمكن الدخول إليها من الطريق العام، إذا كانت بوابة الشرفة مفتوحة بظل انقطاع الكهرباء في الشارع العام. تسلق عبر الاستعانة بقسطل من الحديد ودخل الشقة ونفذ عملية السلب وأغتصب السيدة ولم يرد على استغاثتها بإعطائه ما لديهم مقابل تركها مع زوجها. وقد فرّ عبر الشرفة بعد الانتهاء من تنفيذ جريمته.

تعرّفت السيدة سلمى إلى المبرومة الذهبية ورفضت أن تقابله كونها تخاف أن يعيد جريمته بعد خروجه من التوقيف !

بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت والصحافة أعلن قائد الشرطة القضائية التوصل لكشف خفايا جريمة وحشية غامضة نفذها مجرم بحق عائلة تعيش بأمان في شقة ضمن حي راق في العاصمة وأوقف الجاني وضبط المسروق ولم تنفعه أساليب التمويه والتخفي التي اعتمدها، نوه بجدارة التحري والعاملين في قسم المباحث الجنائية العلمية الذين تمكنوا من رفع جزء من البصمة المغلفة بالدم عن السكين ومقارنتها ومن حسن الحظ أن الجاني سبق أن أوقف وحفظت بصمته لديهم.

ترك توقيف الجاني خلال 48 ساعة من الحادث الارتياح العام لدى الضحايا وعامة الناس والثقة بأجهزة الدولة وأنها وحدها مسؤولة عن أمن وسلامة السكان وسوق المجرمين إلى العدالة لأخذ القصاص المناسب.

نوّه قائد الشرطة القضائية بأعمال من تولى التحقيق والمتابعة بسرعة فائقة وبتقنيات مميزة في مكتب التحقق من الهوية والنجاح بمقارنة أجزاء من البصمة مع محفوظات لديهم طابقت مع بصمة موقوف سابق تم أخذ بصماته وتوقيفه. كما أشاد الأستاذ سعيد والصحافة بجدارة الشرطة القضائية بسرعة كشف الجاني وتوقيفه واستعادة المسروقات والثقة بالتحري لنشر الأمن والسلامة العامة في العاصمة.

في ضوء ما تقدم، ونظراً لأهمية وحساسية الدور الذي يقوم به الأمن اللبناني، إننا نطلب وبعد 39 سنة في خدمة الأمن اللبناني:

  • تطويع عناصر كفؤة وإخضاعها لدورات تدريبية وبرواتب مقبولة.
  • تجهيز هذه القوى بالمعدات الحديثة واللوجستية المتطورة
  • أن لا يكون هناك مناطق خارج سلطة الدولة لتسهيل عمل هؤلاء المختصين بمكافحة الجريمة وكشف أكثر الجرائم غموضا وسوق الجناة إلى القضاء لإصدار الأحكام العدلية المناسبة.

لدينا العناصر البشرية الكفؤة تعمل بجدارة ووطنية بإشراف القضاء، لكن هل يتاح لها الفرصة المناسبة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقها دون عوائق المناطق المحرمة ونفوذ أصحاب الشأن؟

 

إعداد العميد المتقاعد أنور يحيى

قائد سابق للشرطة القضائية

دبلوم في القانون العام.

الشعر العربي في العصر الجاهلي: الجذور الفنيّة والإنسانيّة

وُلد الشعر العربي مع نبض الصحراء، حين كانت الكلمة ملجأ العربي وسلاحه، وحين كان البيت الشعري يُنصب في الذاكرة كما تُنصب الخيام في الفلاة. ففي العصر الجاهلي، سبق الشعر التدوين، وحمل عبء التاريخ والوجدان، فغدا ديوان العرب ولسان حالهم، يروي قصص الحبّ والفقد، ويخلّد البطولات، ويؤرّخ للحروب والقيم. ولم يكن الشعر آنذاك ترفًا فنيًا، بل ضرورة وجوديّة، به يفاخر العربي، وبه يُعرف، وبه تُحفظ مكانة القبيلة بين سائر القبائل. من هنا، تأتي دراسة الشعر الجاهلي بوصفه الأساس الأصيل الذي قامت عليه الهويّة الأدبيّة العربيّة.

أولًا: البيئة الجاهليّة وأثرها في الشعر

نشأ الشعر الجاهلي في بيئة صحراويّة قاسية، اتّسمت بالتنقّل وشظف العيش، فكان الشاعر ابن هذه البيئة، ينقل تفاصيلها بصدقٍ وعمق. وقد انعكس هذا الواقع في موضوعات الشعر وصوره، فكثر وصف الصحراء والليل والناقة والرحلة. ويتجلّى هذا التأثير على حدّ قول امرئ القيس: «وَقِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ»،

حيث يبدأ بالوقوف على الأطلال، في صورة تعبّر عن حياة الارتحال وعدم الاستقرار. ويكشف هذا الشاهد عن ارتباط الشعر الجاهلي بالمكان والذاكرة، وعن كون القصيدة مرآة صادقة للبيئة الجاهليّة بكلّ قسوتها وحنينها.

ثانيًا: مكانة الشاعر في المجتمع الجاهلي

احتلّ الشاعر مكانة رفيعة في المجتمع الجاهلي، إذ كان لسان القبيلة والمدافع عن شرفها، والمعبّر عن قيمها في السلم والحرب. وكانت القبيلة تحتفل بولادة شاعر فيها، لما لكلمته من تأثير يعادل وقع السيوف. ويظهر ذلك على حدّ قول عنترة بن شدّاد: «وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي»،

حيث يجمع بين البطولة والفروسية من جهة، والعاطفة والشعر من جهة أخرى. ويُفهم من هذا أنّ الشاعر لم يكن مجرّد قائل شعر، بل رمزًا للقوّة المعنويّة والفكريّة، وصاحب دور اجتماعي مؤثّر.

ثالثًا: الخصائص الفنيّة للشعر الجاهلي

تميّز الشعر الجاهلي بجزالة الألفاظ، وقوّة الأسلوب، وصدق العاطفة، فجاء بعيدًا عن التكلّف والتصنّع. وقد عبّر الشاعر عن تجربته الحياتيّة بوضوح، مستندًا إلى الخبرة والمعاناة. ويؤكّد ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

«وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ»،

إذ يعبّر عن الحرب بواقعيّة صادقة، لا بمبالغة جوفاء. ويكشف هذا الشاهد عن نضج فكري وفنّي، جعل الشعر الجاهلي قريبًا من النفس، صادقًا في التعبير عن الحياة.

رابعًا: بنية القصيدة الجاهليّة

اتبعت القصيدة الجاهليّة بناءً فنّيًا متماسكًا، يبدأ غالبًا بالوقوف على الأطلال، ثم الغزل، فالرحلة، وصولًا إلى الغرض الرئيس. وهذا البناء يعكس تدرّجًا نفسيًا في تجربة الشاعر. ويتجلّى ذلك على حدّ قول طرفة بن العبد: «لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»،

حيث يستهلّ قصيدته بذكر الديار قبل الانتقال إلى سائر الأغراض. ويُظهر هذا الأسلوب وعي الشاعر ببنية النصّ، ويؤكّد أنّ القصيدة الجاهليّة لم تكن عشوائيّة، بل عملًا فنيًا قائمًا على نظام واضح.

خامسًا: أغراض الشعر الجاهلي

تنوعت أغراض الشعر الجاهلي بتنوّع حياة العرب، فبرز الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل والوصف، وكلّها كانت انعكاسًا مباشرًا لقيم المجتمع. ولم يخلُ الشعر من الحكمة والتأمّل في مصير الإنسان، كما يقول لبيد بن ربيعة: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ»،

حيث يعبّر عن رؤية فلسفيّة عميقة للحياة. ويكشف هذا الشاهد عن بُعد فكري وإنساني في الشعر الجاهلي، يتجاوز حدود القبيلة إلى التأمّل الوجودي.

سادسًا: المعلّقات وقيمتها الأدبيّة

تُعدّ المعلّقات قمّة الإبداع الشعري في العصر الجاهلي، لما تميّزت به من جودة فنيّة وثراء معنوي. وقد عُلّقت – رمزيًا – لمكانتها الرفيعة في الوجدان العربي. ويبرز هذا المستوى الرفيع على حدّ قول عمرو بن كلثوم:

«أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا»،

حيث يجمع بين الفخر والقوّة والاعتزاز بالقبيلة. وتدلّ المعلّقات على بلوغ الشعر الجاهلي مرحلة النضج والكمال الفني قبل الإسلام.

الخاتمة

وخلاصة القول، إنّ الشعر الجاهلي لم يكن مجرّد فنّ لغوي، بل كان سجلًّا حضاريًا وإنسانيًا حفظ تاريخ العرب وقيمهم ومشاعرهم. وقد أرسى هذا الشعر الأسس الفنيّة التي قام عليها الأدب العربي في العصور اللاحقة، من صدق التعبير، وجزالة اللغة، ووحدة البناء. وإذا جاء الإسلام ليهذّب الكلمة ويوجّهها، فإنّ الشعر الجاهلي بقي شاهدًا خالدًا على عبقريّة العربي في البيان، ودليلًا على أنّ هذه اللغة بلغت أوج نضجها منذ فجرها الأوّل، فاستحقّ هذا الشعر أن يُخلَّد بوصفه ديوان العرب وأصل تراثهم الأدبي.

الأستاذِ يوسفَ خطّارٍ أبو شقرا

النهضةُ العربية، كما تُعرفُ باسمِ اليقظةِ العربية، أو حركةِ التنويرِ العربية؛ هي الحالةُ الفكريةُ والاجتماعيةُ التي سادتْ أساسًا في مصرَ ولبنان، وامتدّت لتشملَ عواصمَ عربيةً أخرى كدمشقَ وبغدادَ وبيروتَ، خلالَ القرنِ التاسعَ عشر. بدأتْ في مستهلِّ القرنِ التاسعَ عشر، ويضعُ بعضُ المؤرخينَ العربِ تاريخَ بدءِ النهضةِ عامَ ١٧٩٨ بالحملةِ البونابرتيّة. ومن أبرزِ مظاهرها انتشارُ الطباعةِ، وظهورُ الصحافةِ ودورِ النشرِ، والتوسّعُ في إنشاءِ المدارسِ والجامعاتِ، وإحياءُ التراثِ العربيِّ وتحقيقُه، ونهوضُ اللغةِ من كبوتِها التي عرفتْها في عصرِ الانحطاط، وتفاعلُ الأدبِ العربيّ مع الآدابِ الغربيةِ تفاعلاً عميقًا أدى إلى ظهورِ فنونٍ أدبيةٍ جديدةٍ لم يكن لها في العربيةِ وجودٌ من قبل، كالأقصوصةِ والروايةِ والمسرحيةِ.
أفضتِ النهضةُ إلى إعادةِ انتشالِ اللغةِ العربيةِ مما طرأَ عليها من تقهقرٍ، وقدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرةِ الأولى منذ قرون. وعبرَ الجمعياتِ السياسيةِ بعثتِ النهضةُ مشاعرَ الهويةِ العربيةِ مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلادِ العربيةِ المختلفةِ والمطالبةَ بإصلاحِ الدولةِ العثمانيةِ ثم بروزَ فكرةِ الاستقلالِ عنها. رفعَ أغلبُ رجالِ النهضةِ شعاراتِ الثورةِ الفرنسيةِ، بالحريةِ والعدالةِ والمساواة، كما تأثروا تأثرًا بالغًا بفلاسفةِ عصرِ الأنوارِ الأوروبي. ومن أبرزِ النهضويينَ المُوحّدينَ الدروزِ كان الفقيهُ يوسفُ خطّارٍ أبو شقرا.
* مولدُه ونشأتُه
وُلِدَ يوسفُ أبو شقرا في بلدةِ عماطورَ، قضاءَ الشوفِ، محافظةَ جبلِ لبنانَ سنةَ ١٨٧٥. والدهُ السيدُ خطّارٌ أبو شقرا من أعيانِ بلدةِ عماطورَ. تلقّى علومَه في مدرسةِ القريةِ، ثم انتقلَ إلى مدرسةِ سوقِ الغرب، ومن بعدها انتقلَ إلى بيروتَ ليتابعَ دراساتِه العليا في مدرسةِ الحكمةِ سنةَ ١٨٩٢. بعد ذلك درسَ الفقهَ على يدِ الأستاذِ عباسِ حميه، وزاولَ مهنةَ المحاماةِ مدةً من الزمنِ في محكمةِ الشوف.
كان ضليعًا في اللغةِ الفرنسيةِ والإنكليزيةِ، وكان يقرأُ ويكتبُ في اللغةِ التركيةِ. تعلّمه لكلِّ هذه اللغاتِ جعلَ منه فقيهَ الجبل، كما كان أديبًا وشاعرًا وله العديدُ من المقالاتِ التي نُشرت في جريدةِ الصفا، الموجودةِ في أرشيفِ الجامعةِ الأميركيةِ في بيروت. وله قصائدُ وافرةٌ تؤلّفُ ديوانًا إذا جُمعت، ولكنَّ قضاءَ الله وقدرَه قدّرَ أن يتوفّى في ريعانِ شبابهِ سنةَ ١٩٠٤ عن عمرٍ يناهزُ تسعةً وعشرين عامًا، وله كتابٌ في التاريخِ طبعهُ الأستاذُ عارفٌ أبو شقرا بعدَ وفاته.
* مؤلّفاته
١- الحركات في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية
يوسفُ أبو شقرا، الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية، طباعةٌ خاصةٌ، بيروت، ١٩٥٢.
كتابُ “الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية” للأستاذِ يوسفِ خطّارٍ أبو شقرا، هو شهاداتٌ توحيديةٌ لنهضويٍ عاصرَ هذه الحقبة، وهي مخطوطةٌ مهمةٌ تلمُّ بحوادثِ لبنانَ وأحوالهِ. يُدلي بها من رواةِ الموحّدينَ الدروزِ شاهدٌ عيان، ويساهم بها واحدٌ من النهضويينَ الموحّدينَ لأول مرةٍ في تأريخِ لبنان، والمخطوطُ مؤلّفٌ من ٢٤٤ صفحةً.

العدد 44